اعلم أنّ تقدير الله تعالى الأزليَّ لا يغيّره شيء، لا دعوةُ داعٍ ولا صدقةُ متصدِّقٍ ولا صلاةُ مصلٍّ ولا غيرُ ذلك من الحسنات، بل لا بدّ أن يكون الخلقُ على ما قدَّرَ لهم في الأزل من غير أن يتغيّر ذلك.
تقدير الله تعالى الأزليُّ لِمَا يَحدُث في هذا العالم لا يغيّره شيء، ولذا لا يجوز أن يعتقد الإنسان أنّه إذا تصدّق بصدقة أو وصل رحمه أو دعا دعاءً يغيّر الله مشيئته فلا يبتليه بمصيبة بعد أن كان أراد أن تصيبه، لأنّ في ذلك نسبةَ تغيّر المشيئة إلى الله، والتغيّر صفة المخلوق لا صفة الخالق، وممّا استدلّ به أهلُ الحقّ على أنّ الله لا يغيّر مشيئته لدعاء داعٍ الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "سألتُ ربّي ثلاثًا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة" وفي رواية "وإنّ ربّي قال يا محمّد إنّي إذا قضيتُ قضاءً فإنّه لا يُرَدّ"، فلو كان الله يغيّر مشيئته بدعوةٍ لغيَّرها لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم،
ولكنّ الله عزّ وجلّ لا تتغيّر صفاتُه، ومصداق ذلك في قول الله تعالى في سورة ق {ما يُبَدَّلُ القولُ لديّ}، وأمّا قوله تعالى: {كلَّ يوم هو في شأن 29} سورة الرحمن، فليس معناه أنّ الله يغيّر مشيئته باختلاف الأزمان والأحوال، بل معناه كلَّ يومٍ يغيّرُ في خلقه فيخلُقُ خلقًا جديدًا لا أنّ التغيّر في مشيئته وعِلمِهِ، فمعنى هذه الآية كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "يغفِرُ ذنبًا ويُفرّج كربًا ويرفَعُ قومًا ويضع آخرين" رواه ابن حبّان في صحيحه، ويوافق هذا قولُ النّاسِ "سبحان الذي يغيّر ولا يتغيّرُ" وهو كلام جميل، إذ التغيّر في المخلوقات وليس في الله وصفاته.
وأمّا قول الله تعالى {يمحو الله ما يشاء ويُثبِتُ وعنده أمُّ الكتاب 39} سورة الرّعد، فليس معناه أن المحو والإثبات في تقدير الله، بل المعنى في هذا أنّ الله جلَّ ثناؤه قد كتب ما يصيبُ العبد من عباده من البلاء والحرمان والموت وغير ذلك، وأنّه إن دعا الله تعالى أو أطاعه في صلة الرّحم وغيرِها لم يُصِبْه ذلك البلاء ورزقَهُ كثيرًا أو عمَّرَه طويلًا، وكتب في أمّ الكتاب ما هو كائن من الأمرين، فالمحو والإثبات راجع إلى أحد الكتابين كما أشار إليه ابن عبّاس، فقد روى البيهقيّ عن ابن عبّاس في قول الله عزّ وجلّ {يمحو الله ما يشاء ويُثبِتُ وعنده أمُّ الكتاب 39} قال: "يمحو الله ما يشاء من أحد الكتابين، هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدِهما ويُثبِتُ وعنده أمُّ الكتاب" اهـ.
قوله تعالى في سورة الرّعد: {يمحو الله ما يشاء ويُثبِتُ} ليس معناه أنّ المحو والإثبات في تقدير الله، أي ليس معناه أنّ تقدير الله في الأزل يتغيّر، بل ما شاء الله وجوده في الأزل لا بُدّ أن يوجَد على حسَب تقديره ومشيئته وعلمه الأزليّ.
وقد نقل البيهقيّ رحمه الله عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه فَسَّر هذه الآية بالقضاء المعلّق أي القدرِ المعلّق، فقال – أي ابن عباس -: "يمحو الله ما يشاء من أحد الكتابين، هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدهما ويُثبِت" والمعنى أنّه يوجد كتابان أحدهما اللوح المحفوظ والثاني صحف الملائكة التي ينقلونها من اللوح المحفوظ، وفيها يكون مكتوبًا مثلًا: فلان إن وصل رحمه أو بَرَّ والديه أو دعا بكذا فإنّه يعيش إلى المائة مثلًا، أو يُعطَى من الرِّزق والصّحّة، وإن لم يفعل ذلك فإنه يعيش إلى الستين ولا يُعطَى كذا من الرّزق والصّحة أو لا ينال مطلبَهُ. أي إن لم يدع ربّه أو لم يصل رحمه لم يُصِبه ذلك البلاء ورزقه كثيرًا أو عمّره طويلًا، وهذا معنى القضاء المعلّق أي القدرِ المعلّق، أي ما كُتِبَ أنّه يحصل إن حصل شيء معيَّنٌ غيرُهُ، ولا يحصُلُ إن لم يحصل ذلك الغير.
وهؤلاء الملائكة الذين يستنسخون من اللوح المحفوظ لا يعلمون في الابتداء أيُّ الأمرين سيقع، بل هم يكتبون ما أُمِرُوا به وليس موكولًا إليهم عِلمُ المستقبل.
ففي صحف الملائكة يوجد الاحتمالان و{عنده أمُّ الكتاب} أي جُملةُ الكتاب، والمعنى أنّ اللوح المحفوظ يشمل على الممحوِّ والمُثبت، أي كُتب فيه الاحتمالان اللذان أحدهما ممحوّ والآخر مُثبت، ويوجد فيه أيضًا أيُّهما يحصل، والمحو والإثبات لا يرجعان إلى تقدير الله ولا إلى ما هو مكتوب في اللوح المحفوظ، ممّا هو كائن لا محالة، وإنّما إلى أحد الاحتمالين المكتوبين في صحف هؤلاء الملائكة.
فخلاصة القول أنّ معنى قول ابن عبّاس: "هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدهما ويثبت" أنّ أحد الكتابين هو الذي في أيدي الملائكة الذين أُمِرُوا بالاستنساخ من اللوح المحفوظ، والآخر هو الذي كُتِبَ في اللوح المحفوظ، وفيه كُتِبَ ما هو كائن من الأمرين أي ما سيحصل منهما. فالمحو والإثبات المذكوران في الآية يعودان إلى ما كُتِبَ في صحف هؤلاء الملائكة ممّا هو من القدر المعلّق، ولا يعودان إلى تقدير الله ولا إلى ما كُتِبَ في اللوح المحفوظ مما هو كائن لا محالة، أي ممّا سيصيب العبدُ لا محالة.
هذا معنى القضاء المعلّق أي القدر المعلّق، لأنّ القضاء منه ما هو معلّق ومنه ما هو مُبرَم لا يتغيّر، أي ليس فيه تعليق في اللوح المحفوظ ولا في صحف الملائكة.
والمَحْوُ يكون في غير الشّقاوة والسّعادة.
السّعادة الأخرويّة والشّقاوة الأخرويّة لا يدخلهما التعليق، فمن علم الله أنّه يموت على السّعادة أي الإيمان فلا بد أن يموت على ذلك، ومن عَلِم أنّه يموت على الشِّقوة أي الكفر فلا بدّ أن يموت على ذلك، فلا يوجد في القدر المعلّق أنّ فلانًا إن دعا أو فعَلَ فسَيُخْتَمُ له بالسعادة وإن لم يفعل فسيُختَمُ له بالشقاوة. إذ أمر السعادة والشقاوة لا يدخلهما القضاء المعلّق.
أمّا السّعادة الدنيويّة فهذه يصيبُها التبديل ويدخُلُها القضاء المعلّق، فقوله صلى الله عليه وسلّم "أربعٌ من السّعادة" أي السّعادة الدنيويّة "الدار الواسعة والمركب الهنيئ والزوجة الصالحة والجار الصّالح" رواه المقدسيّ، فهذه تقبل التبدّل وينفع فيها الدعاء.
فقد روى البيهقيّ أيضًا عن مجاهد أنّه قال في تفسير قول الله تعالى: {فيها يُفْرَقُ كلُّ أمرٍ حكيمٍ} يُفرَقُ في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبةٍ، فأمّا كتاب الشّقاء والسّعادة فإنّه ثابت لا يُغيّر اهـ.
قول مجاهدٍ تلميذِ ابن عبّاس ابنِ عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم دليل على أنّ قضاء الله المُبرَم لا يتغيّر. وقد فسَّرَ قولَهُ تعالى {فيها يُفرَقُ كلُّ أمرٍ حكيمٍ} بأنّ ليلة القدر التي هي من رمضان هي الليلة التي يُفرَقُ فيها كلُّ أمرٍ حكيمٍ، أي كلُّ أمرٍ مُبرَمٍ، أي يُعلِمُ اللهُ تعالى في ليلة القدر الملائكة بمُقَدَّرات السنة المقبلة من رزقٍ أو مصيبةٍ أو موتٍ أو صحّة أو مرض أو غنًى وغير ذلك ممّا يطرأ من الأحوال المختلفة على العباد من تلك الليلة إلى مِثلها في العام القابل.
ولا يحصل هذا في ليلة النصف من شعبان كما يظنّ كثير من النّاس، فيقولون في دعائهم: "اللهمّ أسألك بالتّجلّي الأعظم في ليلة النّصف من شعبان المكرّم الذي يُفرَق فيها كلُّ أمرٍ حكيمٍ ويُبرَم"، والصّحيح أنّ تلك الليلة ليلةُ القدر كما يُفهَم ذلك من قول الله تعالى {حم والكتاب المبين إنّا أنزلناه في ليلة مباركة إنّا كنّا مُنذرين فيها يُفْرَقُ كلُّ أمرٍ حكيمٍ} سورة الدّخان مع قوله تعالى {إنّا أنزلناه في ليلة القدر} سورة القدر.
ثم بيّن مجاهد أنّ كتاب الشقاء والسعادة ثابت لا يدخله التّعليق كما تقدّم بيانه.
وورد عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّ هذه الآية {يمحو اللهُ ما يشاء ويثبت} جاءت في الناسخ والمنسوخ، أي أنّ الله ينسخ ما يشاء من القرآن ويثبت ما يشاء فلا ينسخُه {وعنده أمُّ الكتاب} أي جملة ذلك عنده في اللوح المحفوظ الناسخ والمنسوخ. قال البيهقيّ: "هذا أصحُّ ما قيل في تأويل هذه الآية وأجراه على الأصول، وعلى مثل ذلك حملها الشافعيّ رحمه الله". والنسخ إنّما يكون في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، أمّا بعد وفاته فلا نسخ. واعلم أنّه يجوز نسخ الرسم مع بقاء الحكم كآية الرّجم وهي {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله}، كما أنّه يجوز نسخ الحكم مع بقاء الرسول وكذا نسخ الأمرين معًا.
والنسخ ممّا تقتضيه الحكمة، إذ يكون في مصلحة العباد رَفْعُ ذلك الحكم لأنّ الأوامر والنّواهي الإلهيّة منها ما هي مؤبّدة كحرمة الظلم وأكلِ لحم الخنزير، ومنها ما هي مؤقّتة كاستقبل بيت المقدس في الصلاة الذي استمرّ سبعة عشر شهرًا ثم نُسِخ باستقبال الكعبة المشرفة.
فلذلك لا يصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم الدّعاءُ الذي فيه: "إنْ كنت كتبتني في أمّ الكتاب عندك شقيًّا فامحُ عنّي اسم الشقاء وأثبتني عندك سعيدًا، وإن كنت كتبتني في أمّ الكتاب محرومًا مُقِتِّرًا عليّ رزقي فامحُ عنّي حرماني وتقتير رزقي وأثبتني عندك سعيدًا موفّقًا للخير، فإنّك تقول في كتابك {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمُّ الكتاب} ولا ما أشبَهَهُ. ولم يصحّ هذا الدّعاء أيضًا عن عمر ولا عن مجاهد ولا عن غيرهما من السّلف كما يُعلَمُ ذلك من كتاب "القدر" للبيهقيّ.
لم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء ولا ما أشبَهَهُ، وقد ذكر البيهقيّ في كتاب "القضاء والقدر" أنّه لم يثبت عن سيدنا عمر ولا عن مجاهد ولا غيرهما من السّلف. ولكن بعضه يروى عنهما دون أن يثبت. وإن صحّ شيء من هذا فمعناه يرجع إلى محو العمل والحال، ويكون تقدير الكلام: اللهمّ إن كنتَ كتبتني أعمل عمل الأشقياء وحالي حال الفقراء برهة من دهري فامح ذلك عني بإثبات عمل السعداء وحالِ الأغنياء واجعل خاتمة أمري سعيدًا موفقًا للخير فإنك قلت في كتابك {يمحو الله ما يشاء} أي من عمل الأشقياء {ويُثبت} أي من عمل السعداء ويبدّل ما يشاء من حال الفقر ويثبت ما يشاء من حال الغنى.
وليُعلَمْ أنّ مشيئة الله وتقديره لا يتغيّران لأنّ التّغيّر مستحيل على الله، وأمّا حديث "لا يَرُدُّ القدر شيءٌ إلا الدعاء" فهذا راجع إلى القدر المعلّق ليس إلى القدر المُبرَم.
مشيئة الله وتقديره لا يتغيّران لأنّ التغير مستحيل على الله إذ هو علامة الحدوث والاحتياج، فلا يجوز نسبته إلى الخالق سبحانه وتعالى. وأمّا الحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه "لا يَرُدُّ القدرَ شيءٌ إلا الدّعاء" فهذا لا يراد به أنّ تقدير الله الأزليّ ومشيئته الأزليّة يتغيران بالدعاء، بل هذا راجع إلى القدر المعلّق ليس إلى القدر المُبرَم، ومثل هذا ما رواه البيهقي في "القضاء والقدر" عن ابن عبّاس أنّه قال: "إنّ الحذر لا يُغني من القدر" أي المُبرم "وإنّ الدّعاء يدفع القدر" أي المعلّق "وهو إذا دفع القدر فهو من القدر".