معنى هذه العبارة أنّ الله تعالى لا يجري عليهع زمان لأنّ الزمان حادث والله أزلي كان قبل الزمان.
الله تعالى كان قبل الزمان وقبل المكان وقبل الظلمات وقبل النّور.
المعنى أن الله تعالى كان ولم يكن شيء غيرُه ممّا ذُكِرَ، لأنه تعالى موجود بلا ابتداء قديم لم يسبق وجودَه عدمٌ، وكلُّ ما سواه حادث، لوجوده ابتداء، فالزمان حدث مع وجود أول المخلوقات وهو الماء وكذا المكان، وبعد ذلك بزمان خلق الله الظّلمات والنّور، فالقديم إذا أطلق على الله ليس بالمعنى الذي يطلق فيه على المخلوق، لأن المخلوق القديم هو ما مضى عليه زمان طويل، وأما الله تعالى فيطلق عليه القديم بمعنى الأزليّ الذي لا ابتداء له، فليس قدمه تعالى مرورَ زمانٍ كقِدَمِ المخلوق لأنه سبحانه لا مناسبة بينه وبين المخلوقين.
فهو تعالى ليس من قبيل العالم الكثيف كالأرض والحَجَر والكواكب والنّبات والإنسان وليس من قبيل العالم اللطيف كالنّور والرّوح والهواء والجنّ والملائكة لمخالفته للحوادث، أي لمخالفتِهِ جميع المخلوقات.
الله منزّه عن أن يكون جسمًا كثيفًا كالحجر والكواكب أي النجوم والإنسان ومنزّه عن أن يكون جسمًا لطيفًا كالضوء والرّوح والهواء لأنه مباين لجميع المخلوقات فلا يشبهها بأي وجهٍ من الوجوه، والجسم الكثيف ما يقبض باليد، واللطيف بخلافه.
فإن قيل: أليس من أسمائه اللطيف؟ فالجواب أنّ معنى اللطيف الذي هو اسم لله الرّحيم بعباده أو الذي احتجب عن الأوهام فلا تدركه.
ورد في أسماء الله اللطيف، وليس معناه أنه جسم لطيف، بل معناه الرّحيم بعباده، أو الذي لا تدركه الأوهام، أي لا تبلغه تصورات العباد، لأن الإنسان وهمه يدور حول ما ألِفَه من الشيء المحسوس الذي له حدّ وشكل وهيئة، والله ليس كذلك، ولذلك نُهِينا عن التفكر في ذات الله وأُمِرنا بالتفكر في مخلوقاته لأن التفكّر في مخلوقات الله يقوي اليقين، وأمّا تصوّر ذات الله كُفر وضلال لأنّه تشبيه لله تعالى بالصّورة المُتخيّلة.
فلا نظير له تعالى أي لا مثيل له ولا شبيه في ذاته ولا في صفاته ولا في فعله، لأنه لو كان مماثلًا لمخلوقاته بوجهٍ من الوجوه كالحجم والحركة والسكون ونحوِ ذلك لم يكن خالقًا لها، فالله تعالى منزّه عن الاتصاف بالحوادث.
ذات الله لا يشبه ذواتِ المخلوقين وصفاتُه لا تشبه صفاتهم وفعله لا يشبه أفعالهم، لأنه لو كان يشبه المخلوقات لم يكن خالقًا لها، لأن المتشابهات يجوز عليها ما يجوز على بعضها، وصفاتُ المخلوقات هي دلائل حدوثها وعلاماتُه، فلو كان الله متّصفًا بالحجم أو الحركة أو السكون أو نحوِها من صفات المخلوقات لكان حادثًا مثلها ولجاز عليه ما يجوز عليها من حدوثٍ ونقصٍ وفناء، وعليه فإن الله تعالى منزّه عن الاتصاف بالحوادث.
وكذلك صفات الله تعالى هي قديمة أي أزليّة.
كذلك صفات الله قديمة أي أزليّة، لأنها لو كانت حادثة لقامت بذات الله الحوادث، وقيامُ الحوادث بالذات دليل حدوث الذات كما تقدّم.
ولأهميّة هذا البحث قال الإمام أبو حنيفة: "من قال بحدوث صفات الله أو شكَّ أو توقّف فهو كافر"، ذكره في كتاب الفقه الأكبر.
معنى قول الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه من قال بحدوث صفات الله أو شكّ أو توقّف أي قال: لا أقول هي حادثة ولا أقول أزليّة فهو كافر. ذكره في الفقه الأكبر وهي إحدى رسائله الخمس التي هي ثابتة عنه كما ذكر ذلك الحافظ اللغويّ مرتضى الزبيديّ في شرح الإحياء.
وقال الطحاويّ: "ومن وصف الله بمعنًى من معاني البشر فقد كفر".
الذي يصف الله بصفة من صفات البشر فهو كافر، ومن أظهر صفات البشر الحدوث، أي الوجود بعد العدم، وصفات البشر كثيرة منها الجلوس والاتصال والانفصال والحركة والسكون والانفعال والتنقل من عُلوٍ إلى سُفلٍ والتحيّز في المكان والجهة وغيرُ ذلك.
وليس من وصف الله بمعاني البشر أن يُقال: إنّ الله متكلّم بكلامٍ أزليّ ليس حرفًا ولا صوتًا، وإنّه يَرَى برؤية أزليّة بغير حدقة، وإنّه يسمع بسمعٍ أزليّ ليس بأذن وآلةٍ، لأنّ هذا ليس إلا توافقًا في اللفظ.
تنزيه الله عن المكان وتصحيح وجوده بلا مكان عقلًا
والله تعالى غنيّ عن العالمين، أي مستغنٍ عن كلِّ ما سواه أزلًا وأبدًا، فلا يحتاج إلى مكان يتحيّز فيه أو شيءٍ يَحُلُّ به أو إلى جهةٍ، لأنه ليس كشيء من الأشياء، ليس حجمًا كثيفًا ولا حجمًا لطيفًا، والتحيّز من صفات الجسم الكثيف واللطيف، فالجسم الكثيف والجسم اللطيف متحيّز في جهة ومكانٍ، قال الله تعالى: {وهو الذي خلَقَ الليل والنّهار والشّمسَ والقمرَ كلٌّ في فَلَكٍ يسبحون} 33، سورة الأنبياء، فأثبت الله تعالى لكلٍّ من الأربعة التّحيّز في فلكه وهو المدار.
من صفات الإله أنّه مستغنٍ عن كلِّ ما سواه، وكلُّ ما عداه محتاج إليه، فلا يحتاج إلى مكانٍ أو جهةٍ أو شيءٍ يحُل فيه، لأنه ليس من قبيل الأجسام الكثيفة أو اللطيفة، إذ التحيّز من صفات الأجسام، قال الله تعالى: {وهو الذي خَلَق الّليل والنّهار والشّمسَ والقمرَ كلٌّ في فلكٍ يسبحون}، فأثبت الله تعالى لكلٍّ من الليل والنهار والشمس والقمر التحيّز في فلكه وهو المدار الذي يسبح فيه، والليل والنهار من الأجسام اللطيفة والشمس والقمر من الأجسام الكثيفة وكلٌّ يتحيّز في مداره الذي يجري فيه، والله تعالى كان موجودًا قبل خلق المكان والحيِّزِ والجهة بلا مكانٍ وبعد أن خَلَقها لم يطرأ عليه تغيّر سبحانه، وهو غنيّ عنها، ولذلك أجمع السّلف على نفي الحدّ عن الله تعالى بكلمات صريحة بحيث لم تستطع المشبهة إنكارها،
بل أثبتوها عنهم وحاولوا تأويلها تأويلًا تنفر منه القلوب ولا تحتمله تلك العبارات، ومن جملة ما روي عن السلف في ذلك ما رواه الحافظ أبو نعيم في كتابه "حلية الأولياء" عن سيدنا عليّ رضي الله عنه أنّه قال: "من زعم أنّ إلهنا محدود فقد جَهِلَ الخالق المعبود" ومعنى كلامه أنّ من زعم أنّ الله جسم فهذا ما عرف الله ولا صحّ إيمانُه به عزّ وجلّ، وما رواه الزّبيديّ في كتاب "إتحاف السادة المتقين" بالإسناد المتصل منه إلى زين العابدين عليّ بن الحسين رضي الله عنهما أنه قال:
في "الصحيفة السّجاديّة": "سبحانك أنت الله لا إله إلّا أنت لا يحويه مكان، لا تُحسُّ ولا تُمَسُّ ولا تُجَسُّ" وهذا معناه أيضًا نفي الجسمية والمقدار أي الحجم عن البارئ عزّ وجلّ، قال تعالى: {وكلُّ شيءٍ عنده بمِقدار} 8، سورة الرعد، فأثبت الله المقدار أي الحجم للأجسام سواء كانت كبيرة أو صغيرة.
ويكفي في تنزيه الله عن المكان والحيّز والجهة قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} 11، سورة الشورى، لأنّه لو كان له مكان لكان له أمثال وأبعاد طول وعرض وعمق، ومن كان كذلك كان مُحْدَثًا محتاجًا لمن حدَّه بهذا الطول وبهذا العرض وبهذا العمق، هذا الدليل من القرآن. أمّا من الحديث فما رواه البخاريّ وابن الجارود والبيهقيّ بالإسناد الصحيح أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان الله ولم يكن شيءٌ غيرُه" ومعناه أنّ الله لم يزل موجودًا في الأزل ليس معه غيرُهُ، لا ماءٌ ولا هواءٌ ولا أرضٌ ولا سماءٌ ولا كرسيّ ولا عرش ولا إنس ولا جنّ ولا ملائكة ولا زمان ولا مكان ولا جهات فهو تعالى موجود قبل المكان بلا مكان، وهو الذي خلق المكان فليس بحاجة إليه، وهذا ما يستفاد من الحديث المذكور.
قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} أصرح آية في القرآن في تنزيه الله تعالى التّنزيه الكليَّ عن مشابهة المخلوقات، فالله عزّ وجلّ منزّه عن التحيّز في المكان، إذْ لو كان كذلك لكان جسمًا ولكان له طول وعرض وعمق. فيكون حنيئذٍ محتاجًا إلى من جعلَه على هذا الحدّ، والمحتاج لا يكون إلهًا. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلّم "كان الله ولم يكن شيءٌ غيرُه" معناه أنّ الله هو الأزليّ وحده، وهذا العالم بما فيه من جواهر وأعراض حادث، إذًا الله تعالى موجود قبل العالم بلا مكان، وهو بعد خلقِهِ العالم بلا مكان، بل هو الذي أوجد المكان فلا يحتاج إليه، بل المكان محتاج إلى الله في أصل وجودِهِ، فتقدّسَ اللهُ وتعالى عن أن يحتاج إلى المكان أو إلى أيّ شيء من خَلْقِهِ.
والحديث المذكور رواه البخاريّ في صحيحه وابن الجارود في المنتقَى والبيهقيُّ في الأسماء والصّفات بالإسناد الصحّيح.
وقال البيهقيّ في كتابه "الأسماء والصفات": "استدلّ بعض أصحابنا في نفي المكان عنه بقول النبيّ صلى الله عليه وسلّم: "أنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء"، وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان، وهذا الحديث فيه الرّدّ أيضًا على القائلين بالجهة في حقه تعالى.
استدلّ أهل السّنة والجماعة بهذا الحديث على نفي المكان عن الله تعالى، لأنّ الذي ليس فوقه شيء، ولا دونه شيء لا يكون في مكان، ولا يتحيّز في جهة.
ومعنى الظاهر أنّ الله ظاهر من حيث الدلائل العقليّة، فإنّه ما من شيءٍ إلا وهو يدلّ على وجود الله وقدرته وإرادته وعلمه، كما قال أبو العتاهية [المقارب]:
وفي كلّ شيءٍ له آيةٌ *** تدلّ على أنّه واحِدُ 3
وفي كل تحريكةٍ آيةٌ *** وفي كلّ تسكينةٍ شاهِدُ
ومعناه أنّ جميع الكائنات وحركاتها وسكناتها تدلّ دلالةً عقليةً على وجود الله تعالى، وكأنّها تنطِقُ نطقًا بذلك، فما كان منها نطقًا كالملائكة والمؤمنين من الإنس والنّ فتلك شهادة حسّيّة، وما لا ينطق منها حسًّا فهي شهادة معنويّة، كأنّ لسان حالها ينطق قائلًا: أنا من صنع حكيم عليم قادر مريد منزّهٍ عن النّقص هو الله عزّ وجلّ.
وأمّا الباطن من أسماء الله فمعناه الذي يعلم حقائق الأمخور على ما فسّره بعض العلماء، وقال بعضٌ: الباطن هو الذي لا تدركه الأوهام، أي لا تبلغه تصوّرات العباد. فحقيقة الله لا يصل إليه أحد مهما شَغَل فِكرَهُ، بل التفكر في ذات الله أي إعمالُ الفكر لتوهُّمِه وتخيُّلِهِ حرامٌ لا يُوصِلُ إلّا إلى التشبيه ولذا نُهينا عن التفكر في ذات الله وأمرنا بالتفكر في مخلوقاته، لأن التفكر في المخلوقات يزيد في الإيمان بعظيم قدرة المُوجِد وأنه لا يشبه شيء من مخلوقاته.
وقد قال عليٌّ رضي الله عنه: "كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان"، رواه أبو منصور البغداديّ.
أي كان الله في الأزل ولم يكن مكانٌ، "وهو الآن" أي بعد خَلَقَ المكان "على ما عليه كان" أي لم يزل موجودًا بلا مكان، لأنّه لا يجوز على الله التغيّر والتطوّر والانتقال من حال إلى حال. وقول سيدنا عليّ رضي الله عنه رواه الإمام أبو منصور البغداديّ في الفَرق بين الفِرق، وذَكَر أنّ هذه العبارة موضع إجماع أهل السّنّة.
وليس محورُ الاعتقاد على الوهم، بل على ما يقتضيه العقل الصّحيح السّليم الذي هو شاهدٌ للشّرع، وذلك أنّ المحدود محتاج إلى من حدَّه بذلك الحدِّ فلا يكون إلهًا.
لا يبنى محور اعتقاد المسلم على الوهم والتخيّل، بل على ما يقتضيه العقل السّليم، لأنّ الوهم قياس ما لم يره الإنسان على ما رآه من غير حجّة، فيقود الوهم إلى أن الله موجود بمكان قياسًا للخالق على المخلوق وهو قياس فاسد، أما العقل السّليم فإنه يقضي بأنّ الله موجود بلا مكان. فالوهم صاحبه يتوهَّم ويتصوّر أشياء لا حقيقة لها كالتصاق السماء بالبحر، وأنّ الشمس تنزل في البحر لكنّ الواقع غير ذلك، ولذا فإنّا لا ننظر إلى الوهم والتخيّل، بل ننظر إلى ما يحكم به العقل السّليم الذي هو شاهد للشرع، أي يدلّ على صحّة الشّرع.
وكذلك الوهم لا يتصوّر عدمَ النّور والظلام معًا في آنٍ واحد قبل أنْ يُخْلَقَا مع أن الحديث يدلّ على أن الماء والعرش والقلم الأعلى واللوح المحفوظ خُلِقَتْ قبل الظلام والنّور، ولذا نؤمن بالعقل السليم بأنه ما كان نور ولا ظلام قبل ذلك، لا سيّما أنّ الله أخبر بذلك بقوله {الحمد لله الذي خلق السّمواتِ والأرضَ وجعل الظلماتِ والنور} سورة الأنعام.
فكما صحّ وجود الله تعالى بلا مكان وجهة قبل خَلْق الأماكن والجهات، فكذلك يصحّ وجوده بعد خلق الأماكن بلا مكان وجهة، وهذا لا يكون نفيًا لوجوده تعالى كما زعمت المشبّهة والوهّابيّة وهم الدّعاة إلى التجسيم في هذا العصر.
القول بأنّ الله موجود بلا مكانٍ وجهةٍ لا يكون نفيًا لوجوده تعالى كما زعمت الوهابية المشبهة، ويقال لهم: قبل خلق العالم هل يقال إنّ الله كان داخله أو خارجه أو في جهة منه، فيلزم أن يقولوا لا، فيقال لهم: كما صحّ عقلًا وجوده تعالى قبل خَلْق العالم من غير أن يكون داخل العالم ولا خارجه ولا في جهةٍ منه ولم يكن ذلك نفيًا لوجوده تعالى فكذلك بعد خلق العالم هو موجود من غير أن يكون داخله أو خارجه أو في جهةٍ منه، ولا يكون هذا نفيًا لوجوده تعالى.
وحكم من يقول: "إن الله تعالى في كلّ مكانٍ أو جميع الأماكن" التكفير إذا كان يفهم من هذه العبارة أنّ الله بذاته منبث أو حالٌّ في الأماكن، أما إذا كان يفهم من هذه العبارة أنّه تعالى مسيطر على كلّ شيءٍ وعالمٌ بكلِّ شيءٍ فلا يكفُرُ، وهذا قصد كثيرً ممّن يلهَجُ بهاتين الكلمتين، ويجب النّهي عنهما على كلّ حالٍ لأنّهما ليستا صادرتين عن السّلف، بل عن المعتزلة ثم استعملهما جهلةُ العوامّ.
من يقول: الله تعالى في كلّ مكان أو في جميع الأماكن يكفر لأنّ هذا اللفظ صريح في نسبة التمكّن في الأماكن إلى الله تعالى، هذا إذا كان يفهم من هذه العبارة معناها في اللغة وهو أنّ الله منبثّ أي منتشر أو حالّ في الأماكن، أما إذا كان لا يفهم منها معناها اللغويَّ بل يفهم منها لضعف معرفته باللغة أنه تعالى مسيطر على كلّ شيء وعالم بكلّ شيء فلا يكفر، وهذا قَصْدُ كثير ممّن يكثِرُ استعمال هاتين العبارتين. ويجب النهي عنهما على كل حال لأنهما ليستا صادرتين عن أهل السّلف وليس لهما معنى صحيح في اللغة موافق للشّرع، بل هما صادرتان عن المعتزلة ثم استعملها جهلة العوامّ. واعتقاد أنّ الله تعالى منبثّ في كلّ مكان هو عقيدة الجهميّة، فإنّ جهم بن صفوان كان يقول عن الله تعالى هو هذا الهواء مع كلّ شيء وفي كلّ شيء ولا يخلو منه شيء، فكفّره المسلمون وقُتِل على ذلك بحكم الردّة.
وأما قول الله تعالى {وكان الله بكلّ شيء محيطًا} 126، سورة النساء، فليس معناه أنّ الله محيط بالعالم كإحاطة الحُقّة بما فيها، إنّما معناه إحاطة العلم والقدرة، أي لا يخرج شيء عن عِلم الله وقدرته.
ونرفع الأيديَ في الدّعاء للسّماء لأنّها مَهبِطُ الرّحمات والبركات، وليس لأنّ الله موجود بذاته في السّماء، كما أنّنا نستقبل الكعبة الشّريفة في الصّلاة لأنّ الله تعالى أمرنا بذلك وليس لأنّ لها مِيزَةً وخُصوصيَّةً قيل: بسكُنَى الله فيها.
نرفعُ أيدينَا في الدعاء إلى السّماء لأنّ السّماء قِبلة الدّعاء كما أنّ الكعبة قبلة الصلاة، ومدُّ اليدين حينئذٍ معناه استنزالُ الرحمة من السّماء لأنّ السّماء مهبط الرحمات والبركات، قال تعالى: {وفي السّماء رِزقُكم وما تُوعَدُون} 22، سورة الذّاريات، وهذا الدّاعي الذي دعا الله تعالى وكان مادًّا يديه إلى السماء ليستنزل الرّحمات من الله تعالى إذا مسح بيديه وجهه فإنه يريد إصابة وجهِهِ أيضًا من الرحمات التي نزلت على يديه، والله تعالى لا يخيّبُ القاصدين بحقّ. ونستقبل الكعبة في صلواتنا لأن الله أمرنا بذلك وليس لأنّ الله يسكن فيها.
ويكفر من يعتقد التّحيّز لله تعالى أو يعتقدُ أنّ الله شيء كالهواء أو كالنُّور يملأ مكانًا أو غرفةً أو مسجدًا. ويُرَدُّ على المعتقدين أنّ الله متحيّز في جهة العلو ويقولون لذلك تُرفع الأيدي عند الدعاء بما ثبت عن الرّسول صلى الله عليه وسلّم أنه استَسْقى أي طلَبَ المطر وجعَلَ بَطْنَ كفّيه إلى الأرض وظاهرَهما إلى السّماء.
التحيّز هو أن يشغل الجسم الفراغ بحجمه، فالعرش والنّجوم والسّموات السّبع والأرض والشمس والقمر متحيّزات في الفراغ لأنها تشغل حيّزًا منه، فالحيّز هو ما يشغله الجسم من الفراغ فهذا صفة الأجسام ولذا يكفر من يعتقد التحيّز في حق الله أو ينسب له الجهة ويقول تُرفع الأيدي عند الدعاء نحو السماء لأن الله متحيّز في الجهة العلو، ويُرَدُّ عليه بما أخرجه مسلم في صحيحه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم استقسقى وجعل بطن كفّيه إلى الأرض وظاهرَهما إلى السّماء فهذا يدلّ على أن رَفْعَ أيدينا إلى السماء مع جَعْلِ بطن الكفِّ نحوها ليس لأن الله في جهة العلو.
وبأنّه صلى الله عليه وسلّم نَهَى المصلّي أنْ يرفع رأسَه إلى السماء، ولو كان الله متحيّزًا في جهة العلوم كما تظنّ المشبّهة ما نهانا عن رفع أبصارنا في الصّلاة إلى السّماء.
أخرج مسلم في صحيحه في باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فلو صح اعتقاد المشبهة أن الله متحيّز في جهة العلو ما نهانا النبيّ عن ذلك.
وبأنّه صلى الله عليه وسلّم كان يرفع إصبعه المُسبِّحة عند قول "إلّا الله" في التحيّات ويحْنيها قليلًا، فلو كان الأمر كما تقول المشبّهة ما كان يحنيها بل يرفعها إلى السماء، وكلّ هذا ثابت حديثًا عند المحدّثين. فماذا تفعل المشبّهة والوهابيّة؟!
روى ابن حبان في صحيحه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يرفع إصبعه المسبّحة عند قول "إلا الله" في التحيّات ويحنيها قليلًا، فلو كان الله في جهة علوٍ ما كان يحنيها قليلًا نحو الأسفل. وكلّ ما ذكر من الأحاديث هنا ثابت عند المحدّثين، ولا جواب للمشبهة القدماء وللمشبهة المُحْدَثين وهم الوهّابية.
ونسمّي المساجد بيوت الله لا لأنّ الله يسكُنها بل لأنّها أماكن مُعدَّة لذكر الله وعبادَتِهِ، ويقال في العرش إنّه جرم أعدّه الله ليطوف به الملائكة كما يطوف المؤمنين في الأرض بالكعبة.
نسمّي المساجد بيوت الله لأنّها أماكن مُخصّصة لعبادة الله، لا لأنّ الله يسكنها، فالإضافة في "بيوت الله" إضافة تشريف لا إضافة حلول وملابسةٍ أي مخالطة، ويقال في العرش إنه حجم خلقه الله ليطوف به الملائكة كما يطوف المؤمنون في الأرض بالكعبة لا ليتخذه مكانًا له يستقرُّ فيه.
وكذلك يكفر من يقول: "الله يسكن قلوب أوليائه" إن كان يفهم منه الحلول.
يكفر من يقول: "الله يسكن قلوب أوليائه" كما يلهج بذلك بعضُ جهلة المتصوّفة، وهذا إن كان يفهم منه الحلول، أمّا إن كان لا يفهم هذا المعنى الكفريَّ، بل يظنّ معناه أنّ حبّ الله يسكن قلوب الأولياء فلا يكفر، ولكنّه يُنْهَى عن مثل هذا اللفظ.
وليس المقصودُ بالمعراج وصولَ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكان ينتهي وجودُ الله تعالى إليه، ويكفر من اعتقد ذلك، إنما القصد من المعراج وهو تشريف الرّسول صلى الله عليه وسلم باطلاعه على عجائبَ في العالم العلويِّ وتعظيمُ مكانته ورؤيتُه للذات المقدّس بفؤاده من غير أن يكون الذاتُ في مكانٍ وإنّما المكانُ للرسول.
ليس المقصود بالمعراج أن يصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكانٍ يتحيّز الله فيه، لأن الله لا يجوز عليه عقلًا التحيّز في مكانٍ والاستقرارُ فيه سواء كان المكان علويًّا أو سفليًّا، إنّما المقصود بالمعراج هو تشريف الرسول باطلاعه على عجائب في العالم العلويّ وتعظيمُ مكانته كما يشير إلى ذلك قوله تعالى في سورة الإسراء {سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لِنُريه من آياتنا}، فالمقصود رؤية الآيات. وقد رأى النبيّ صلى الله عليه وسلّم ذات الله بفؤاده من غير أن يكون الذات في مكان، وإنّما المكان للرسول عليه الصلاة والسلام.
وأمّا قوله تعالى {ثمّ دنا فتدلَّى فكان قابَ قوسَيْنِ أو أدنى} 8 – 9 سورة النجم، فالمقصود بهذه الآية جبريلُ عليه السّلام حيث رآه الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة بمكانٍ يقال له أجياد وله ستمائة جناحٍ سادًّا عُظمُ خَلْقِهِ ما بين الأُفق، كما رآه مرةً أخرى عند سدرة المنتهى، كما قال تعالى {ولقد رآه نزلةً أخرى عند سِدرةِ المنتهى} 13 – 14 سورة النّجم.
معنى قوله تعالى: {ثم دنا فتدلّى(14) فكان قابَ قوسين أو أدنى} 8 – 9، سورة النجم، أنّ جبريل عليه السّلام اقترب من سيّدنا محمد فتدلّى إليه فكان ما بينهما من المسافة بمقدار ذراعَيْنِ بل أقرب، وقد تدلّى جبريل عليه السلام إلى محمّد ودنا منه فرحًا به. وهذا التفسير مأخوذ من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فقد سألَتْه السيدة عائشة رضي الله عنها عن هذه الآيات فقال صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة هو جبريل" رواه مسلم.
وليس الأمر كما يفتري بعضُ النّاس أنّ الله تعالى دنا بذاته من محمّد صلى الله عليه وسلم فكان بينهما كما بين الحاجب والحاجب أو قدرَ ذراعَيْن لأنّ إثبات المسافة بين الخلق وبين الله إثبات للمكان له سبحانه وهو خلاف الحقّ. وكذلك قوله تعالى: {ولقد رآه نزلةً أخرى عند سِدرة المنتهى} 13 – 14 معناه أن سيدنا محمّدًا اجتمع مرةً ثانية بجبريل عند سدرة المنتهى، دون أن يتجاوز جبريل سدرة المنتهى.
وأما الحديث الذي رواه البخاريّ في صحيحه "ودنا الجبّار ربُّ العِزّةِ فتدلَّى حتّى كان منه قابَ قوسين أو أدنى" فهذه الرواية طعن فيها الحافظ عبد الحقّ الإشبيليُّ وغيره، بل ذكر بعضهم أنّ فيها عشرين خطأ أو أكثر، ورُوِي عن بعض الأئمّة أنّه فسّر الآية بدنوّ إكرام وتقريب ورفع درجات لا دنوّ مكان ومسافةٍ، إلّا إننا عرفنا تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نعدِلُ عنه ولا نتركه إلى غيره، وأمّا الأخذ بالظاهر فكلّ أهل السنة لا يقبلون ذلك .
وأما ما في مسلم من أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن جارية له قال قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتاه بها فقال لها أين قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول قال أعتقها فإنها مؤمنة، فليس بصحيح.
لا يحتج بحديث الجارية في أمور العقائد، الحديث الذي يحتج به في العقائد اختلف أهل السنة في شرطه، فذهب جمهور أهل السنة أكثر أهل السنة إلى أنه يشترط للحديث أن يكون مشهورًا ليحتج به في العقائد، ليس شرطًا أن يكون متواترًا ولكن لا بد أن يكون مشهورًا، وهذا الحديث حديث الجارية لم يبلغ رتبة المشهور، فلا يحتج به، وقال بعض أهل السنة لا بد أن يكون صحيحًا ثابتًا بلا خلاف وحديث الجارية ليس كذلك فلا يحتج به في العقائد عند هؤلاء.
فليس بصحيح لأمرين، للاضطراب لأنه روي بهذا اللفظ وبلفظ من ربك فقالت الله وبلفظ أين الله فأشارت إلى السماء، وبلفظ أتشهدين أن لا إله إلا الله قالت نعم، قال أتشهدين أني رسول الله قالت نعم والأمر الثاني أن رواية أين الله مخالفة للأصول لأن من أصول الشريعة أن الشخص لا يحكم له بقول الله في السماء بالإسلام لأن هذا القول مشترك بين اليهود والنصارى وغيرهم، وإنما الأصل المعروف في شريعة الله ما جاء في الحديث المتواتر: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" ولفظ رواية مالك، أتشهدين موافق للأصول.
إذا ورد الحديث بروايات متعددة ظاهرها التعارض ظاهر هذه يعارض ظاهر هذه نظر علماء الحديث حينئذٍ إلى هذه الروايات فإن كان فيها ما هو ضعيف لم يلتفتوا إليه، إن كان فيها حديث في سنده ضعف لم يعتبروه، وإن كانت رواياته مقبولة من حيث الظاهر رجال أسانيد كل حديث روايتهم مقبولة(15)، نظروا هل يمكن الجمع بينها هل يمكن التوفيق بين معانيها فيفسّر بعضها ببعض فإن أمكن ذلك جمعوا بين الروايات وإن لم يكن ذلك لجأوا إلى الترجيح فينظرون هل هناك أمر في السند أو في المتن يرجح هذه الرواية على تلك فيحكم بضعف المرجوحة لمخالفتها الرواية الأقوى منها مع عدم إمكان الجمع فإن وجدوا مرجحًا في إحدى الروايات رجحوها وإن لم يجدوا توقفوا على الحكم على كل الروايات بالصحة أو بالضعف فيسقط العمل بكل هذه الروايات وهو ما يسمى بالاضطراب، نسمي الحديث حينئذٍ حديثًا مضطربًا.
نظر العلماء في حديث الجارية نظروا في رواياته فوجدوا الروايات صحيحة الإسناد من حيث الظاهر، ليس أسانيدها ما يرد الحديث، لم يجدوا كذابًا أو وضاعًا مثلًا فقال بعض العلماء رواية أين الله ظاهرها السؤال عن المكان، المعنى الظاهر لأين السؤال عن المكان فظاهر هذه الرواية مخالف لصريح آية {ليس كمثله شيء} هذه الآية صريحة في نفي المثيل عن الله تعالى ولو كان الله في مكان لكان له أمثال فظاهر رواية أين الله مخالف لصريح هذه الآية والنصوص تتعاضد ولا تتناقض فلا بد من الجمع بين النصين، قالوا أين تأتي للسؤال عن المكانة كما تأتي للسؤال عن المكان والسؤال عن المكانة لا يتعارض مع النصوص القرآنية والحديثية الأخرى لا يتعارض مع آية {ليس كمثله شيء} وغيرها من الآيات والأحاديث، إذن فحمل أين في حديث الجارية على معنى السؤال عن المكان، نؤول حديث الجارية ليناسب معناه معنى الآيات التي وردت في التنزيه فيكون المعنى ما اعتقادك في الله؟ ويكون معنى جوابها أن الله رفيع القدر، هذا ما قال بعض العلماء.
وقال بعض العلماء إن رواية أين الله ولو حملناها على معنى السؤال عن المكانة واعتقاد الجارية في الله فإن معناها يبقى مخالفًا للأصول، إذ إن من أصول الشريعة أن الشخص ليحكم له بالدخول في الإسلام لا بد له من النطق بالشهادتين، فلا يكفي قول الله في السماء ليحكم على الشخص في الإسلام، هذا اعتقاد اليهود والنصارى، وإن قلنا إن المعنى رفيع القدر جدًا، لكي نحكم على الكافر بالإسلام لا بد من الشهادتين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" نص على تواتره الحافظ السيوطي؟
فرواية مسلم معارضة لهذا الأصل معارضة للحديث المتواتر، ومن المعلوم أن حديث الآحاد إذا خالف الأصول القطعية يرد ولا يقبل فهنا كذلك فتكون رواية أين الله شاذة مخالفة للأصول فلا يعتمد عليها، أما رواية مالك فهي موافقة للأصول، حكم الرسول صلى الله عليه وسلم على الجارية بالإسلام بالشهادتين، فوافقت هذه الرواية أصول الشريعة ووافقت الحديث المتواتر ولم تعارضه فهي الصحيحة التي يعتمد عليها. وعلى هذه الطريقة نحن في الكلام عن حديث الجارية، شيخنا رحمه الله كان هذا أكثر ما يذكره في الكلام عن حديث الجارية(16)، وهو موافق للواقع من أن الروايات ليست متساوية بل بعضها أرجح من بعض، روايةُ مالك "أتشهدين" هي الراجحة ورواية مسلم المرجوحة.
وقال بعض العلماء هذا الحديث ورد بروايات متعددة ظاهرها الصحة ولا يمكن الجمع بينها بحيث تكون مفسرة بعضُها لبعض قالوا ولا يمكن ترجيح بعضها على بعض بحيث نأخذ بواحدة ونرد الأخرى، إذًا الحديث مضطرب، معناه كل رواياته ترد كل رواياته لا يعمل بها. هذا ما قيل في حديث الجارية ولك أن تتكلم بكل واحدة من هذه الطرق لكن إياك في معرض المناظرة أن تقول بالأقوال الثلاث، لا نقول حديث الجارية يؤول وهو مخالف للأصول ومضطرب، لأن مقتضى التأويل صحة رواياته، معناه رواية مسلم صحيحة ورواية مالك صحيحة، ومقتفى الترجيح أن رواية مسلم ضعيفة لا يعمل بها لمخالفة المتواتر ويعمل برواية مالك لموافقته المتواتر، ومقتضى الاضطراب أن كل الروايات لا يعمل بها.
فإما أن نعول بالتأويل أو بالترجيح أو بالاضطراب، وكذلك العامي الذي نكلمه للمرة الأولى بحديث الجارية لا نذكر له الأوجه الثلاث، وإلا يضيع بل تذكر له قولًا واحدًا، وقد تذكر له قول التأويل لأن العامي قد لا يقبل معك أن تقول له في كتاب مسلم حديث ضعيف ويناقشك في هذا، فاذكر للعامي القول الأول وخصوصًا إذا لم يكن من إخواننا.
لأنهم يعتبرون الأخذ بالظاهر تشبيهًا لله بخلقه، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر العسقلانيّ في فتح الباري شرح صحيح البخاري.
وأمّا في مسلم من أنّ رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فسأله عن جارية له قال: قلتُ يا رسول الله أفلا أعتقها، قال: "ائتني بها" فأتاه بها فقال لها: "أين الله" قالت: "في السماء" قال: "من أنا" قالت: "أنت رسول الله"، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" فليس بصحيح.
هذا الحديث غير صالح للاحتجاج به في العقيدة، لأنه لا بدّ للاحتجاج بالحديث في أمور الاعتقاد أن يكون الحديث قد بلغ رتبة المشهور وإن لم يكن متواترًا عند جمهور أهل العلم، لأنّ العقائد تبنَى على القطعيّات لا على الظّنّيات، وهذا الحديث لم يبلغ رتبة المشهور.
وقال بعض العلماء: "لا بدّ أن يكون صحيحًا ثابتًا بلا خلاف"، وهذا الحديث ليس كذلك.
والمشهور ما له طُرقٌ محصورة بأكثر من اثنين، وأما المتواتر فهو ما رواه جمع بلا حصر عددٍ معيّن ولا صفةٍ مخصوصةٍ، بل بحيث يبلغون حدًّا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب(17).
فليس بصحيح لأمرين: للاضطراب؛ لأنه روي بهذا اللفظ وبلفظ "مَن ربُّكِ" فقالت: "الله، وبلفظ "أين الله" فأشارت إلى السّماء، وبلفظ "أتشهدين أن لا إله إلّا الله" قالت: "نعم" قال: "أتشهدين أنّي رسول الله" قالت "نعم".
الحديث المضطرب هو الذي يُروَى من قِبل راوٍ واحدٍ أو أكثر على أوجهٍ مختلفةٍ متساويةٍ لا مرجّحَ بينها ولا يمكن الجمع بينها، أي جاء الحديث بمتنٍ في رواية يخالف المتن للحديث نفسه في رواية أخرى بحيث لا يمكن الجمع بين الروايتين ولا يمكن أن ترجَح الواحدة على الأخرى، فهذا الحديث لا يقال له حديث مضطرب، وكلا الروايتين من الضعيف.
وحديث الجارية المذكورُ مضطرب على فرض تساوي رواياته في القوّة، لأنه ورد بعدّة ألفاظ لا يمكن الجمع بين معانيها، منها أنّ رجلًا جاء فقال: "يا رسول الله إنّ لي جارية" ترعى لي غنمًا فجاء ذات يومٍ ذئبٌ فأكل شاةً فغضِبتُ فضككتُها – أي ضربتُها على وجهها – قال: أريد أن أعتِقها إن كانت مؤمنةً، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلّم: ائتني بها" فأتى بها فقال لها الرسول: "أين الله" فقالت: "في السماء"، وروي بلفظ "من ربُّك" فقالت: "الله". وبلفظ "أين الله" فأشارت إلى السماء وبلفظ "أتشهدين أن لا إله إلا الله قالت نعم، قال أتشهدين أني رسول الله" قالت "نعم" وإلى هذا يشير كلام البيهقي رحمه الله، هذا إذا حُمِلت رواية أين الله على ظاهرها كما تفعل المشبّهة، وأمّا إذا حُمِلَت على أنها سؤال عن المكانة لا عن المكان، وأنّ قولها "في السّماء" معناه أعلى من كلّ شيء قدرًا فينتفي التعارض عندئذٍ، وتصير هذه الروايات مرويّةً بالمعنى يفسِّر بعضُها بعضًا وليس فيها أدنى متمسّك للمشبّهة.
وأمّا إذا قلنا إنّ روايات الحديث غير متساوية في القوة وهو الواقع فرواية "أتشهدين" إلى آخره أقوى من رواية "أين الله" فتكون هي الراجحة ورواية "أين الله" مرجوحة لا يعتمد عليها.
والأمر الثّاني: أنّ رواية "أين الله" مخالفة للأصول لأنّ من أصول الشّريعة أنّ الشخص لا يُحكم له بقول "الله في السماء" بالإسلام لأنّ هذا القول مشرك بين اليهود والنّصارى وغيرهم، وإنما الأصل المعروف في شريعة الله ما جاء في الحديث المتواتر: "أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله"، ولفظُ رواية مالكٍ "أتشهدين" موافقة للأصول.
لا يليق برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال عنه إنّه حكم على الجارية السّوداء بالإسلام لمجرّد قولها "الله في السّماء" فإنّ من أراد الدخول في الإسلام يدخل فيه بالنّطق بالشهادتين وليس بقول "الله في السماء" الذي هو قول مشترك بين اليهود والنّصارى وغيرهم من مِلَلِ الكفر. وإنّما الأصل المعروف في شريعة الله أن الدخول في الإسلام يكون بالنّطق بالشهادتين كما جاء في الحديث الذي نصّ على تواتره الحافظ السّيوطيّ وغيره وهو قوله صلى الله عليه وسلم "أمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله" أخرجه البخاريّ في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما، فحديث الجارية فيه معارضة لهذا الحديث المتواتر الذي هو أصح الصّحيح ووجه المعارضة أن حديث الجارية فيه الاكتفاء بقول "الله في السماء" للحكم على قائله بالإسلام،
وحديث ابن عمر رضي الله عنهما فيه التصريح بأنّه لا بُدّ للدخول في الإسلام من النّطق بالشّهادتين، فحديث الجارية لا يقوى لمقاومة هذا الحديث لأنّ فيه اضطرابًا في روايته ومخالفةً لأصل من أصول الشريعة، فكيف يؤخذ يظاهر حديث الجارية ويُعرَضُ عن هذا الحديث الصحيح المتواتر، ومن المعلوم أنّ حديث الآحاد إذا خالف الأصول القطعيّة يُرَدُّ ولا يُقبَل، فهنا كذلك، فتكون رواية "أين الله" شاذّةً مخالفةً للأصول فلا يعتمد عليها، وأمّا رواية مالك "أتشهدين أن لا إله إلا الله" إلى آخرها موافقة للأصول فالاعتماد عليها.
ولولا أنّ المشبّهة لها هوًى في تجسيم الله وتحييزه في السماء كما هو معتقد اليهود والنّصارى لما تشبّثوا بظاهر لفظ رواية "أين الله"، ولذلك يرونه أقوى شبهةٍ يجتذبون به ضعفاء الفهم إلى عقيدتهم، عقيدةِ التجسيم، وكيف يخفَى على ذي لُبٍّ أن عقيدة تحيّز الله في السّماء منافية لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء}.
فإن قيل: "كيف تكون روايةُ مسلم "أين الله": فقالت: في السماء إلى آخره مردودةً مع إخراج مسلم لها في كتابه، وكلُّ ما رواه مسلم موسوم بالصّحّة"، فالجواب أن عددًا من أحاديث مسلم ردّها علماء الحديث وذِكرَها المحدّثون في كتبهم كحديث أنّ الرسول قال لرجلٍ: "إنّ أبي وأباك في النّار" وحديث إنّه يُعطَى كلُّ مسلمٍ يوم القيامة فداءً له من اليهود والنّصارى، وكذلك حديث أنسٍ: "صلّيتُ خلفَ رسول الله وأبي بكر وعمر فكانوا لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم". فأمّا الأوّل فضعّفَهُ الحافظ السّيوطيّ والثاني ردَّهُ البخاريّ، والثالث ضعّفه الشافعي وعددٌ من الحفّاظ.
الجواب عن السؤال المذكور أنّ ما رواه مسلم من الأحاديث من حيث الجملة صحيح لكنّ عددًا منها ردَّها علماء الحديث، منها.
• الحديث المرويّ في كتاب الإيمان أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال لرجلٍ: "إنّ أبي وأباك في النّار" فقد تقرّر في الأصول أنّ أهل الفترة ليسوا معذّبين في الآخرة، وقد ضعّفه الحافظ السّيوطيّ في أكثر من تصنيفٍ له كما في الحاوي للفتاوى.
• والحديث المرويّ في كتاب التّوبة أنّه يُعطِي كلُّ مسلمٍ الحديث، إذ تقرّر في الأصول أيضًا أن بعض المسلمين يُعذَّبُون في نار الآخرة، وقد ردّ هذا الحديث الإمامّ البخاريُّ كما ذكر الحافظ ابن حجر العسقلانيّ في فتح الباري.
• والحديث المرويّ في كتاب الصّلاة عن أنس أنّه قال: "صليتُ خلفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم" الحديث، وقد نصَّ أكثرُ أئمة المذاهب على قراءةِ البسملة في الصّلاة، ونَصَّ قسم منهم على أنّها آية من الفاتحة يُجهَرُ بها في موضع الجهر ويُسَرُّ بها في موضع الإسرار مع عِلمِهم بهذا الحديث لأنهم لم يثبتوه، وقد ضعّفه الإمام الشّافعيّ رضي الله عنه.
فهذا الحديث على ظاهره باطل لمعارضَتِهِ الحديث المتواتر المذكور، وما خالفَ المتواترَ فهو باطل إن لم يقبل التّويل، اتفق على ذلك المحدِّثون والأصوليّون.
هذا الحديث إذا حُمِل على ظاهره فهو باطل لمعارضته المتواتر المذكور، والحديث المتواتر قطعيُّ الثبوت، لذلك قال العلماء: ما خالف المتواتر فهو باطل إن لم يقبل التأويل، وحديث الجارية حديثُ آحادٍ، أي هو ظنّي الثبوت لا قطعيُّهُ، وما كان ظنّيِّ الثبوت لا يؤخذ به، ولا يعتمد عليه إذا عارض الثّابت بالقطع واليقين بحيث لا يكون هناك مجال للتوفيق بينهما، صرّح بذلك الخطيب في "الفقيه والمتفقّه" والنّوويّ في "التّقريب" وإمام الحرمين في "الورقات" وغيرهم.
لكن بعض العلماء أوّلوه على هذا الوجه: قالوا: معنى "أين الله" سؤال عن تعظيمها لله، وقولُها: "في السماء" عالي القدر جدًّا.
بعض العلماء صحَّح حديث الجارية على تأويله وحَمْلِهِ على معنًى غير المعنى الظاهر بحيث لم يَعُد هناك تعارض بينه وبين الحديث المتواتر، وقالوا: "أين الله" معناه ما اعتقادُكِ في الله من التعظيم والعلوّ ورِفعةِ القَدْر، أي أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم سألها عن اعتقادِها في الله من المكانة والتّعظيم، لأنّ لفظة "أين" يُستفهَم بها عن المكانة كما يُستفهَم بها عن المكان كقول القائل:
أين الثّريّا وأين الثّرى *** وأين مُعاوي وأين علي
وقول الجارية "في السماء" معناه أعلى من كل شيء قدرًا وهذا استعمال معروف عند العرب، قال النابغة الجعديّ وهو من الصّحابة:
بلغنا السماء مجدُنا وسناؤنا *** وإنّا لنرجو فوقَ ذلك مَظهَرا
رواه ابن عبد البرّ وغيره.
أمّا أخذُهُ على ظاهره من أنّ الله ساكنٌ السماء فهو باطل مردود لِمَا تقرَّرَ في عِلم مصطلح الحديث أنّ ما خالف المتواتر باطل إن لم يقبل التأويل، فإن ظاهره ظاهرُ الفساد، فإنّ ظاهره أنّ الكافر إذا قال: "الله في السماء" يُحكَم له بالإيمان.
حَمْلُ رواية مسلم على ظاهرها مخالف لأكثر من نصٍّ قطعيّ الثّبوت والدّلالة من القرآن والحديث، لأن ظاهره يوهم التحيّز والتجسيم في حقِّ الله تعالى وهذا ظاهرُ الفسادِ، ومن لَزِمَ هذا الظاهرَ الفاسدَ واعتقده لِزِمَهُ أيضًا أن الكافر إذا قال "الله في السماء" يحكم له بالإيمان، وهذا فاسد أيضًا لأن هذه الكلمة يقولُها النّصرانيّ واليهوديُّ، بل قال مثلها فرعون ولم يُحكم لأي منهم بصحة الاعتقاد في الله تعالى.
وحَمَلَ المشبّهةُ رواية مسلم على ظاهرها فضلُّوا.
حَمَلَ المشبّهةُ في عصرنا وهم المشهورون بالوّهابيّة رواية مسلم على ظاهرها كأسلافهم من مجسِّمة القرون الماضية فضلُّوا ووقعوا في التناقض لأنهم قالوا: نحن لا نأوِّل، بل نحمل الآياتِ والأحاديث الواردة في الاستواء والنّزول وحديث الجارية على ظواهرها والعياذ بالله تعالى، ثم تنبَّهُوا أنّهم إذا حملوا حديث الجارية على ظاهرها كان ذلك إقرارًا منهم بأنّ السماء ظرفٌ لله وأنّه موجود بذاته فيها، فيتناقض ذلك مع ما زعموه من أنّ الله تعالى موجود فوق العرش بذاته فقالوا: نحمل عبارة "في السماء" على معنى على السماء أي فوقها، فأوّلوا الكلام وأخرجوه عن ظاهره، وتأويلّهم هذا مخالِفٌ لمحكم الآيات والأحاديث.
ولا ينجيهم من الضّلال قولُهم: إنّنا نحمل كلمة "في السماء" بمعنى إنّه فوق العرش، لأنّهم يكونون بذلك أثبتوا له مِثْلًا وهو الكتاب الذي كتب الله فيه "إنّ رحمتي سبقت غضبي" فوق العرش، فيكونون أثبتوا المماثلة بين الله وبين ذلك الكتاب لأنّهم جعلوا الله وذلك الكتاب مستقرّيْنِ فوق العرش فيكونون كذّبوا قول الله تعالى: {ليس كمثله شيء}.
لا يُنجي الوهابيّة وأسلافهم من الضّلال تأويلُهم كلمة "في السماء" بمعنى "فوق العرش بذاته" لأنهم يكونون بذلك أثبتوا لله تعالى مكانّا وحيّزًا وحدًّا ومسافةً بينه وبين خلقه واتصالًا بالعرش، ويكونون بذلك أيضًا أثبتوا لله تعالى مِثْلًا وهو الكتاب الذي كتب الله فيه "إنّ رحمتي سبقت غضبي" فعلى زعمهم يكون الله تعالى مِثْلَ ذلك الكتاب، كلاهما فوق العرش فيكونون قد جعلوا الله مماثلًا لهذا الكتاب في التحيّز فوق العرش فهم مكذبون لقول الله تعالى: {ليس كمثله شيء}.
وهذا الحديث رواه ابن حبّان بلفظ: "مرفوع فوق العرش"، وأما رواية البخاريّ فهي "موضوع فوق العرش" وقد حَمَل بعضُ الناس "فوق" بمعنى "تحت" وهو مردود برواية ابن حبّان "مرفوع فوق العرش" فإنّه لا يصحّ تأويل "فوق" فيه بتحت.
رواية ابن حبّان "رفوع فوق العرش" بمعنى رواية البخاريّ "موضوع فوق العرش"، لكن حَمَل بعض المشبّهة كلمة "فوق" على معنى لا يصحّ حملُها عليه فقالوا هي بمعنى "تحت"، محاولين بذلك التخلّص من الإلزام المذكور آنفًا، أي حتى يقولوا: لم نجعل الله مماثلًا للكتاب. ثم يقولون: الله فوق العرش وأما ذلك الكتاب فهو تحته! وهذه المحاولة مردودة برواية ابن حبّان "مرفوع فوق العرش" لأنّ كلمة مرفوع لا يستقيم معها هذا التأويل، إذ لا يقال مثلًا: الإبريق مرفوع تحت الطاولة، ولذا لا يصح أن يقال: إنّ الكتاب مرفوع تحت العرش، فكلمة "مرفوع" تأبى هذا التأويل.
وقد ظنّ هؤلاء أنّ تأويلهم هذا مماثل لما جاء في تفسير {بعوضةً فما فوقها} أي فما دونَها، وغاب عنهم أنّ المعنى المقصود من {فما فوقها} أي في الصِّغَر أي ما زاد عليها في الصّغر، فقالوا نحمل كلمة "فوق" في الحديث بمعنى "دون" أي "تحت"! ويُرَدُّ تأويلهم برواية ابن حبّان كما تقدّم بيانه، ويزاد أنّ كلمة "فوق" في الآية لم تأوّل بمعنى "تحت" التي تدلّ على الظرفيّة المكانيّة كما ذهبوا إليه في الحديث، بل بمعنى الدُّونيّةِ في الحجم والصّغر.
ثم على اعتقادهم هذا يلزم أن يكون الله محاذيًا للعرش بقدر العرش أو أوسع منه أو أصغر، وكلُّ ما جرى عليه التّقدير حادث محتاجٌ إلى من جعله على ذلك المقدار.
يلزم من قول المشبّهة "الله فوق العرش" أن يكون الله محاذيًا للعرش فيكون له – بحسب زعمهم – مقدار بقدر العرش أو أصغر أو أكبر، فيكون محتاجًا إلى مخصِّصٍ خصَّصَهُ بأحد هذه المقادير وهذا عجز، والعجز مستحيل في حقّ الله عزّ وجلّ، فيبطُلُ قول المشبّهة هذا بالدّليل العقليّ.
والعرش لا مناسبةَ بينه وبين الله كما أنّه لا مناسبة بينَهُ وبينَ شيءٍ من خَلْقِهِ.
المناسبة إنّما تكون بين المتشابهات، ولا مشابهة من أيّ وجهٍ من الوجوه بين الخالق والمخلوق.
ولا يتشرَّفُ الله بشيءٍ من خَلْقِهِ ولا ينتفع بشيء من خَلْقِهِ.
الله تعالى عظيم أزلًا وأبدًا، فهو سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى شيء من خَلْقِهِ، لا العرض ولا الكرسيّ ولا غيرهما لثبوت العظمة له سبحانه وتعالى إذ هو غنيّ عن العالمين، فلو كان الله فوق العرش كما تقول المشبّهة لكان تعالى متشرّفًا بالعرش محتاجًا إليه، إذ يزعمون أنّ استقرار ربّنا على العرش صفة كمال فيكون الله – على زعمهم – تشرّف بشيء من خلقه، كما يكون الله – على زعمهم – منتفعًا باستقراره على العرش، ولا يخفى فساد هذا الاعتقاد على من له مسكةٌ من عقل.
وقولُ المشبّهة: "الله قاعد على العرش" شَتْم لله لأنّ القعود من صفة البشر والبهائم والجنّ والحشرات، وكلُّ وصفٍ من صفاتِ المخلوق وَصْفُ الله به شتم له.
نسبة القعود إلى الله شتمٌ له عزّ وجلّ لأنّ القعود لا يكون إلّا ممّن له جزء أعلى وجزء أسفل وينثني وله مِقعَدَة يلامس بها ما يقعُد عليه، ولذا يقال: قعد فلان والقِرد والبقرة، فوَصْفُ الله تعالى بالقعود تنقيص له سبحانه، فإذا قيل الله يقعد أو يرتاح أو يَلِدُ أو ينسى كان ذلك سبًّا له عزّ وجلّ كما جاء في الحديث القدسي الذي رواه البخاريّ في صحيحه أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال: قال الله تعالى: "شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك" وفسّر ذلك بقوله: "وأمّا شتمه إيّاي فقوله اتّخذ الله ولدًا"، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "إنّما سمّاه شتمًا لما فيه من التّنقيص"، فهذه الصّفات التي منها القعود تدلّ على الحاجة فلا يجوز نسبتها إلى الله تعالى، وهي تنافي عظمة الله واستغناءَهُ عن العالمين.
قال الحافظ الفقيه اللغويّ مرتضى الزّبيديّ: "مَن جَعَل الله تعالى مُقَدَّرًا بمقدارٍ كَفَر"، أي لأنّه جعله ذا كمّيّةٍ وحجمٍ، والحجمُ والكميّة من مُوجِبات الحدوث، وهل عَرَفْنا أنّ الشّمس حادثة مخلوقة من جهة العقل إلّا لأنّ لها حجمًا، ولو كان الله تعالى حجمٌ لكان مِثلًا للشمس في الحجميّة، ولو كان كذلك ما كان يستحقّ الألوهيّة كما أنّ الشمس لا تستحقّ الألوهيّة. فلو طالب هؤلاء المشبهة عابدُ الشمس بدليل عقليّ على استحقاق الله الألوهية وعدم استحقاق الشمس الألوهية لم يكن عندهم دليل، وغايةُ ما يستطيعون أن يقولوا: قال الله تعالى: {اللهُ خالقُ كلِّ شيءٍ} 62، سورة الزُّمر، فإن قالوا ذلك لعابد الشمس يقول لهم عابدُ الشمس: أنا لا أؤمن بكتابكم أعطوني دليلًا عقليًّا على أنّ الشمس لا تستحقّ الألوهيّة فهنا ينقطعون.
نص الحافظ الفقيه اللغويّ الحنفيّ محمّد مرتضى الزّبيديّ في "إتحاف السّادة المتّقين" على أنّ من جعل الله تعالى مُقدَّرًا بمقدار كفر، وذلك لِمَا فيه من نسبة الكميّة والحجم إلى الله تعالى وهما من دلالات الحدوث، أي يدلّان على أنّ من اتّصف بهما فهو حادث مخلوق، وقد عرفنا بطريق العقل أن الشمس حادثة لأنّ لها حَجْمًا، فلو كان لله حجم لماثَلَ الشمس في الحجميّة، ولو كان كذلك ما كان يستحقّ الألوهيّة كما أنّ الشمس والقمر وسائر ما له حجم لا يستحقّ الألوهيّة، ولو قال عابد الشمس للمشبّهة أعطجوني دليلًا عقليًّا على استحقاق الله الألوهيّة وعدم استحقاق الشمس الألوهيّة لعجزوا عن ذلك، ولم يكن عندهم دليل، أقصى ما يقولُونه قوله تعالى {الله خالقُ كلِّ شيء}،
فيجيب عابد الشمس بقوله: أنا لا آؤمن بكتابكم أعطوني دليلًا عقليًّا على أن الشمس لا تستحقُ الألوهية، ويقول لهم: معبودي جسم كبير جميل منير يراه كلُّ أحدٍ، يشعر بنفعه كلُّ أحدٍ للبشر والبهائم والتربة والهواء وغير ذلك، أما معبودُكم الذي تزعمون أنّه حجم فوق العرش فلا أنا رأيتُه ولا أنتم ولا يشعر أحد بنفعه، فما الذي يجعل عبادتي باطلة وعبادتكم حقًّا؟! ولِمَ كان معبودُكم هو الذي يستحق الألوهيّة دون معبودي؟! فإن قالوا: معبودك حجم، قال: ومعبودكم كذلك على زعمكم، وإن قالوا:
له صورة، قال: ومعبودكم كذلك على ما زعمتم، وإن قالوا: يحتجب أحيانًا، قال: ومعبودكم محتجب طِوال الأحيان على ما زعمتم، فهنا ينقطعون ويعجزون عن إقامة الحجة على عابد الشمس، وأمّا السُّنّيُّ فلا يُعجِزُه عابدُ الشمس ولا غيرُه من أهل الضّلال عن إقامة الحجّة، فإنه يقول: الشمس لها مقدار وحجم وصورة وشكل هو الاستعدارة فلا بُدّ لها من مخصِّصٍ خصَّصها بذلك، وهي متّصفة بصفة الحرارة فلا بدّ لها من مخصِّصٍ خصّصها بهذه الصّفة، فلِمَ كان شكلها مستديرًا ولم يكن بيضاويًّا أو مثلثًا أو غير ذلك، ولِمَ كانت صفتها الحرارة لا البرودة أو الاعتدال؟
العقل لا يقبل أن تكون هي قد جعلت نفسها على هذا الشكل وبهذه الصّفة، فلا بدّ لها من خالقٍ جعلها على هذا الشّكل وتلك الصّفة، وهذا الخالق لا يُوصَف بشكل أو حجم أو حرارة أو برودة أو غيرها من صفات المخلوقين، ولذا لا يحتاج إلى مخصّص يخصِّصُه أو مُوجدٍ أوجدَهُ، بل هو الأزليّ الأبديّ الذي أخرج كلَّ شيء في العالم من العدم إلى الوجود، فهو وحده المستحقُّ للعبادة.
فلا يوجد فوق العرش شيءٌ حيٌّ يسكنه، إنّما يوجد كتابٌ فوق العرش مكتوبٌ فيه "إن رحمتي سبقت غضبي" أي إنّ مظاهر الرّحمة أكثر من مظاهر الغضب، الملائكة من مظاهر الرّحمة وهم أكثر عددًا من قطرات الأمطار وأوراقِ الأشجار، والجنّةُ من مظاهر الرّحمة وهي أكبر من جهنّم بآلاف المرّات.
معنى ما كُتِبَ في ذلك الكتاب الذي فوق العرش "إن رحمتي سبقت غضبي" أنّ ما خَلَقه الله تبارك وتعالى رحمةً للنّاس ونِعمةً لهم أكثر ممّا خلَقه سبحانه عذابًا لهم ونِقمةً، فالملائكة مثلًا من مظاهر الرحمة ولا يعلَمُ عددهم لكثرتهم إلّا الله تعالى كما قال سبحانه في سورة المدّثر {وما يعلم جنود ربك إلا هو}، والجنّة أيضًا من مظاهر الرحمة وهي أكبر من جهنّم بآلاف المرّات، فإنّ لآخر أهلها دخولًا إليها فيها مِثْلَ الدّنيا وعشرة أمثالِها كما صحّ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم، رواه ابن حبّان وغيره.
وكونُ ذلك الكتاب فوقَ العرش ثابتٌ أخرج حديثه البخاريُّ والنّسائيُّ في السّنن الكبرى وغيرُها، ولفظُ رواية ابن حبّان "لمّا خَلَقَ الله الخلقَ كتَبَ في كتابٍ يكتُبُه على نفسه وهو مرفوع فوق العرش إنّ رحمتي تغلِبُ غضبي".
كون ذلك الكتاب فوق العرش ثابت أخرج حديثه البخاريُّ في صحيحه والنّسائيُّ في السّنن الكبرى وغيرهما كابن حبّان في صحيحه، ولفظ روايته "مرفوع فوق العرش"، وهذا يُبطِلُ محاولة تأويل كلمة "فوق" في حديث البخاريّ بأنّها بمعنى "دون" كما سبق بيانه. ومعنى "يكتُبُه على نفسه" أنّه وَعْدٌ من الله والله لا يُخلِفُ وَعْدَه، فمظاهر رحمته لا بُدَّ أن تكون أكثر من مظاهر عذابه.
فإن حاول محاوِلٌ أن يؤوّل "فوق" بمعنى "دون" قيل له: تأويل النّصوص لا يجوز إلّا بدليل نقليّ ثابت أو عقليّ قاطع، وليس عندهم شيءٌ من هذين، ولا دليل على لزوم التأويل في هذا الحديث.
تأويل بعض المشبّهة "فوق" بمعنى "دون" لا دليل نقليَّ أو عقليّ قاطع عليه، فلا يصحّ شرعًا ولا لغةً لأنّه خروج عن الظاهر بلا مستَنَدٍ ولا دليل.
كيف وقد قال بعضُ العلماء: إنّ اللوح المحفوظ فوقَ العرش لأنّه لم يَرِدْ نصٌّ صريحٌ بأنّه فوق العرش ولا بأنّه تحت العرش فبقي الأمرُ على الاحتمال، أي احتمال أنّ اللوح المحفوظ فوق العرش واحتمالِ أنّه تحت العرش، فعلَى قولِهِ إنّه فوق العرش يكون جعل اللوحَ المحفوظَ معادِلًا لله، أي أن يكون الله بمحاذاةِ قسم من العرش واللوحُ بمحاذاة قسمٍ من العرش، وهذا تشبيه له بخلقه لأنّ محاذاة شيءٍ لشيءٍ من صفات المخلوق.
اختلف العلماء في مكان اللوح المحفوظ، فقال بعض هو فوق العرش وقال آخرون هو تحته، فعلى قول من قال إنّه فوق العرش يكون المشبّهُ قد جعل الله محاذيًا لقِسم من العرش واللوح المحفوظ محاذيًا للقِسم الآخر من العرش، وهذا تشبيه لله بخلْقِهِ بلا شكٍّ لأن محاذاة شيءٍ لشيءٍ من صفات الأجسام.
وممّا يدلّ على أنّ ذلك الكتاب فوق العرش فوقيّةً لا تحتمل التّأويل الحديثُ الذي رواه النّسائيّ في السنن الكبرى "إنّ الله كتَبَ كتابًا قبل أن يخلُقَ السموات والأرض بألفي سنة فهو عنده على العرش وإنّه أنزَلَ من ذلك الكتابِ آيتين ختم بهما سورة البقرة"، وفي لفظٍ لمسلم: "فهو موضوع عنده" فهذا صريح في أنّ ذلك الكتاب فوق العرش فوقيّة حقيقيّةً لا تحتَمِلُ التّأويل.
ممّا يدلّ على امتناع تأويل كلمة "فوق" بمعنى "تحت" لفظُ النسائي في السّنن الكبرى وهو "فهو عنده على العرش" ولفظُ مسلم "فهو موضوع عنده"، فهاتان الروايتان صريحتان في أنّ ذلك الكتاب فوق العرش فوقية حقيقيّة لا تحتمِلُ التأويل، وتشهدان على أنّ من زعم أنّ الله فوق العرش فهو مشبّه لربّه ومعادِلٌ له بخَلْقِهِ.
وكلمة "عند" للتشريف ليس لإثبات تحيّز الله فوق العرش، لأنّ "عند" تستعمل لغير المكان، قال الله تعالى: {وأمطَرْنا عليها حِجارةً من سِجِّيلٍ مَنضُودٍ* مُسَوَّمَةً عند ربّك} سورة هود، 82 – 83، إنّما تدلّ "عند" هنا أنّ ذلك بعِلْمِ الله وليس المعنى أنّ تلك الحجارة مجاورةٌ لله تعالى في المكان، فمن يحتجُّ بمجرّد كلمة "عند" لإثبات المكان والتقارُبِ بين الله وبين خلقه فهو من أجهل الجاهلين، وهل يقول عاقلٌ إنّ تلك الحجارة التي أنزلها الله على أولئك الكفرة نزلت من العرش إليهم وكانت مكوَّمَةً بمكان في جنب الله فوق العرش.
كلمة "عند" الواردةُ في الروايتين السّابقتين الذّكر للتشريف، وليس لإثبات التّحيز لله تعالى فوق العرش كما قد يتوهّم قاصرُ نَظَرٍ، لأن "عند" تستعمل لغير المكان كما تستعمل للمكان، ومن استعمالها لغير المكان قوله تعالى {وأمطَرْنا عليها حجارةً من سجِّيل مَنضود* مُسَوّمةً عند ربّك وما هي من الظالمين ببعيدٍ} سورة هود، 82 – 83، فلا يقول عاقل إنّ "عند" هنا تدلّ على أنّ لله مكانًا وأنّه بينه وبين الحجارة تقاربًا، أي قربًا بالمسافة، وإنّما معنى الآية أنّ الله أمر المَلَك أن يُمطِرَ على قبيلة لوطٍ حجارةً مسوَّمَةً أي معلَّمةً، على كلِّ حجر علامة تدلّ على من تنزل عليه، وقد جَمَعَ الله عليهم عذابًا بأن قلب جبريل عليه السلام قراهم وزادهم تلك الحجارة، فمعنى {عند ربّك} أي نزول هذا العذاب على قوم لوط بعلم الله.
ومثل ذلك في الدّلالة قول الله تعالى في سورة السّجدة {ولو تَرَى إذ المجرمون ناكِسُوا رؤوسِهم عند ربّهِم}، فإنه يلزم من استدلّ بكلمة "عند" على إثبات المجاورة لله تعالى أن يثبت على زعمه أنّ الله تعالى يكون يوم القيامة بجوار المشركين في أرض المحشر، وهو ما لا يقوله موحَدٌ.
فما أشدَّ جهل هؤلاء المشبّهة وما أبعدَهم عن فهم لغة العرب، فإنّ قولهم "عند" في تلك الروايتين للمكان إلى القول بأنّ تلك الحجارة مكوّمةٌ بمكان في جنب الله فوق العرش، تعالى الله عمّا يقوله الظالمون علوًا كبيرًا.
وقد روى البخاريّ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: "إذا كان أحدُكم في صلاته فإنّه يناجي ربَّه فلا يَبصُقَنَّ في قِبلته ولا عن يمينه فإنّ ربه بينَه وبين قِبلته" وهذا الحديث أقوى إسنادًا من حديث الجارية.
معنى هذا الحديث الذي رواه البخاريّ في صحيحه أنّ المصلّيّ يناجي ربَّه ومعنى مناجاة الله الإقبالُ على الله بالدعاء والتمجيد، فالمصلّي تجرّد لمخاطبة ربّه وانقطع عن مخاطبة الناس، فليس من اللائق عندئذٍ وليس من الأدب مع الله أن يبصُقَ أمام وجهه، فقوله صلى الله عليه وسلم "فإن ربّه بينه وبين قِبلته" أي رحمة ربّه أمامه، أي الرحمة الخاصّة التي تنزل على المصلّين(18)، وليس المعنى أنّ الله بذاته تِلقاءَ وجه المصلّي.
وأخرج البخاريّ أيضًا عن أبي موسى الأشعريّ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اربَعُوا على أنفُسِكُم فإنّكم لا تَدْعُون أصمَّ ولا غائبًا، إنّكم تدعُون سميعًا قريبًا، والذي تدعونه أقربُ إلى أحدِكم من عُنُقِ راحلةِ أحدِكم".
كان بعض الصحابة في سفر حتى وصلوا إلى وادي حيبر، فصاروا يهلّلون ويكبّرون بصوت مرتفع، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شفقةً عليهم: "اربعُوا على أنفسكم" أي هوِّنُوا على أنفسكم ولا تُجهِدونها برفع الصّوت كثيرًا "فإنّكم لا تَدْعون أصمَّ" أي الله تعالى يسمَعُ بسمعِهِ الأزلي كلَّ المسموعات قويّةً كانت أم ضعيفةً في أي مكان كانت، وأمّا قوله "ولا غائبًا" فمعناه أنّه لا يخفى عليه شيء، وقوله "إنّكم تدعون سميعًا قريبًا والذي تدعونَهُ أقربُ إلى أحدِكم من عنُق راحلة أحدِكم" معناه أنّ الله أعلم بالعبد من نفسه وأنّ الله مطّلع على أحوال عباده لا يخفى عليه شيء، فالمراد من ذلك القرب المعنويّ وليس معناه القربَ بالمسافة لأن ذلك مستحيل على الله، فالعرش والفرش الذي هو أسفلُ العالم بالنسبة إلى ذات الله على حدٍّ سواءٍ، ليس أحدُهما أقرب من الآخر إلى الله بالمسافة، وهذا الحديث رواه البخاريّ أيضًا في صحيحه.
فيقال للمعترض: إذا أخذت حديث الجارية على ظاهره وهذين الحديثين على ظاهرهما بَطَل زعمُك أنّ الله في السّماء، وإن أوّلت هذين الحديثين ولم تؤوّل حديث الجارية فهذا تحكُّم – أي قول بلا دليل – ويصدُق عليك قولّ الله في اليهود {أفتؤمنون ببعضِ الكتابِ وتكفرون ببعضٍ} سورة البقرة 85.
يقال للمعترض الذي يحتجّ بظاهر حديث الجارية لإثبات المكان لله تعالى: إذا أخذت بظاهر حديث الجارية وظاهر هذين الحديثين بطل زعمك أنّ الله في السماء وزعمك أن الله فوق العرش، لأنّ ظاهر حديث البخاريّ الأول أنّ الله موجود فيما بين المصلي والكعبة، وظاهرَ الحديث الثاني أنّ الله موجود ما بين الرّاكب والدّاعي وعنقِ راحلته أي دابّتِهِ، والمعترض يلتزم الأخذ بالظاهر ويتركُ التأويل، وظاهر هذين الحديثين ما ذكرنا، وهما أقوى بكثير من حديث الجارية ولا يمكنه الجمعُ بين ظواهر هذه الأحاديث الثلاثة فيبطل ما زعمه من التشبيه.
وإن أجاز التأويل فأوّل هذين الحديثين اللذين في البخاريّ ولم يؤوّل حديث الجارية فهذا تحكم، أي قول بلا دليل، ويدلّ على أنّه يجري خلف هواه، ويريد أن يحمل ما ورد في الشرع على ما يوافق هواه، ويصدق عليه قول الله تعالى {أفتؤمنون ببعضِ الكتابِ وتكفرون ببعضٍ}.
وكذلك ماذا تقول في قوله تعالى: {فأينما تُوَلُّوا فثَمّ وَجْهُ الله} سورة البقرة، 115، فإن أوّلتَهُ فلِمَ لا تؤوّلُ حديث الجارية,
كذلك يقال للمعترض ماذا تقول في قوله تعالى {فأينما تُوَلُّوا فثَمّ وجه الله} فإن أخذت بالظاهر كان معنى كلامك أنّ الله موجود بذاته في كلّ جهةٍ يتّجه إليها المصلّي المسافر المتنفّلُ في صلاته، وهو راكب الدابة وهذا مخالف لاعتقادك وأخذِك بظاهر حديث الجارية من أنّ الله موجود في السماء أو أنّه تعالى فوق العرش، وإن أوّلت هذه الآية فما يمنعُك من تأويل حديث الجارية أيضًا إلا هوًى اتبعتَهُ وباطلًا زيّنه لك شيطانك! فمَنْعُكَ التأويل تارةٍ وإجازتُك له تارةً أخرى لا تتبَعُ في ذلك قاعدةً نصّ عليها الكتابُ، ولا قانونًا بيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو استنبطه أهلُ الاجتهاد، بل شأنك شأن أهل البدع كما روي عن بعض السّلف رضي الله عنه أنّ المبتدع لا بُدّ أن يتناقض.
(14) تَدَلَّى: قًرُبَ.
(15) ليس فيهم كذاب أو وضاع مثلًا.
(16) الشيخ محمد علم الدين.
(17) مثال المشهور الصّحيح حديث "إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتّخذ الناس رؤساء جهّالًا فسُئلوا فأفتَوا بغير علم فضلُّوا وأضلُّوا" أخرجه البخاري في صحيحه. ومثال المتواتر حديث "من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوأ مقعده من النّار" رواه الشيخان في صحيحهما.
(18) تكون تلقاء وجهه، فقوله صلى الله عليه وسلم "فإن ربّه" من مجاز الحذف.