واعلَمْ أنّ النطق بالشهادتين بعد البلوغ فرض على كلّ مكلّف مرّةً واحدةً في عمره بنيّة الفرض عند المالكية، لأنهم لا يوجبون التّحيّات في الصلاة، إنما هم يعتبرونها سُنة، وعند غيرهم كالشافعية والحنابلة تجب في كلّ صلاة لصحة الصلاة.

النطق بالشهادتين بعد البلوغ فرض على كلّ مكلّف مرّة واحدة في عُمُرِهِ بنية الفرض عند المالكية، لأنهم لا يوجبون التحيات في الصلاة، إنما هم يعتبرونها سنة، فإذا رفع المصلي من السجود الأخير وجلس وسلّم وهو جالسٌ صحّت صلاته عندهم من غير إثم، وعند غير المالكية كالشافعية والحنابلة تجب في كلّ صلاة لصحة الصلاة.

لا دينَ صحيحٌ إلّا الإسلام

الدين الحقّ عند الله الإسلام، قال تعالى {ومن يَبْتَغِ غيرَ الإسلامِ دينًا فلن يُقْبَلَ منه وهو في الآخرةِ من الخاسرين}. سورة آل عمران/85.

دلّت الآية المذكورة أن كلّ من اتّخذ دينًا غير دين الإسلام فهو خاسر في الآخرة، ودينُه باطل، ولا يجوز أن يقال عنه: دين سماويّ، وليس معنى ما تقدم أنّه لا يُسمَّى سوى الإسلام دينًا، بل يقال دين اليهود ودين المجوس لكنه دين باطل، وقد أمر الله الرسول أن يقول للمشركين {لكم دينُكم وليَ دين} سورة الكافرون/6، أي لكم دينكم الباطل فعليكم أن تتركوه، ولي دين الحقُّ فإنا ثابت عليه.

وقال تعالى أيضًا {إنّ الدّين عند الله الإسلام} سورة آل عمران/19.

تدلُّ هذه الآية أيضًا على أن الدين الوحيد المقبول في الآخرة هو الإسلام، فمن عَدَلَ عنه فقد خاب وخسر، وما سواه من الأديان باطل.

فكلُّ الأنبياء مسلمون، فمن كان متّبعًا لموسى صلى الله عليه وسلم فهو مسلم موسويّ، ومن كان متبعًا لعيسى صلى الله عليه وسلم فهو مسلم عيسويّ، ويصح أن يقال لمن اتّبعَ محمّدًا مسلم محمّديّ.

الأنبياءُ جميعُهم دينُهم الإسلام، فكان آدم على الإسلام، وكذلك الأنبياء بعده إلى نبينا محمد عليه الصلاة والسلام كانوا كلُّهم يعبدون الله ولا يشركون به شيئا، ومن كان في زمن موسى عليه الصلاة والسلام واتّبعه اتباعًا صحيحًا فهو مسلم موسويّ، أي من أتباع موسى، وكذلك الأمر في من كان في أيام عيسى فاتبعه اتباعًا صحيحًا فهعو مسلم عيسويّ. ومعنى مسلم محمدي مسلمٌ متّبعٌ محمدًا فيما جاء به اتباعًا صحيحًا.

فلم يكن بين الأنبياء اختلاف في الدين، بل جاؤوا كلهم بدين واحد، وإنما اختلفت شرائِعُهم، لأن الله تعالى جَعَل في شرع الرسول اللاحق بعض الأحكام التي تختلف عن أحكامٍ كانت في شرع الرسول السابق، فالله تعالى فَرَضَ على أنبياء بني إسرائيل وأممَمِهِم صلاتين، وأوجب فيما أوجبَ على بعضٍ أن يدفعوا ربع أموالهم زكاة، وأنزل على آدم تحليل زواج الأخ بأخته التي هي توأمةُ أخيه الآخر. وأنزل اللهُ على سيدنا محمد التيمّم بالتراب عند فَقْد الماء أو العجز عن استعماله ولم يكن ذلك في شرائع الأنبياء قبله، بل كانوا يتوضؤون ويصلّون، فإن لم يجدوا ما يتوضؤون به توقفوا عن الصلاة حتى يجدوا الماء.

وكلٌّ يجب العمل به في شريعة ذلك الرسول، والله تعالى يغيّر الأحكام التي كانت في شرع رسولٍ سبقه وهو العليم بمصالح عباده، والمصالح تختلف باختلاف الأزمان والأحوال. وقد عَلِمَ ربُّنا تبارك وتعالى أن الشريعة المحمدية قائمةٌ بمصالح العباد إلى يوم القيامة، فلذلك جعل هذه الشريعة خاتمة الشرائع، فلا يُبعَثُ بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبيّ، ولا يُغَيَّرُ من أحكام شريعتِهِ بعده شيءٌ.

والإسلامُ هو الدين الذي رضيَهُ الله لعباده وأمرنا باتّباعِهِ.

الإسلام هو الدين الذي أحبّه اللهُ لعباده وأمرَنا باتباعه كما أمرَ مَنْ قبلنا من الأمم بذلك كما يدلّ عليه قولُ الله تعالى في سورة الشورى: {شَرَعَ لكم من الدّينِ ما وَصَّى به نوحًا والذي أوحَيْنا إليك وما وَصَّيْنا به إبراهيم وموسى وعيسى أنْ أقيموا الدّين ولا تَتَفرّقُوا فيه}.

ولا يُسَمَّى الله مسلمًا كما تلفَّظَ به بعضُ الجهال.

لا يجوز أن يُسمَّى الله مسلمًا، فقد حصل في مدينة بيروت في بعض السنينَ أن السماء أمطرت في عيد النصارى وكان في عيد المسلمين صَحْوٌ فقال بعض النصارى: إنّ الله مسلم، وهذا كلام باطل كما لا يخفى، فإنّ المسلم معناه المنقاد، والله لا ينقاد بل غيرُه ينقاد له، وهو يُطلق في اصطلاح الشرع على العاقل الذي صدّق بقلبه بالشهادتين وتلفظ بهما، ولا يجوز وَصْف الله بذلك، وإنما يسمَّى الله تعالى السلامَ أي السالمَ من كلِّ نقصٍ وعيب، وما ورد في القرآن من تسمية الله بالمؤمن.

فالمراد به الذي يَصْدُقُ عبادَهُ وعدَهُ ويفي بما ضَمِنَهُ لهم ولا يُراد به المعنى المقصود عند إطلاق لفظ المؤمن على الشخص المسلم. ثم إننا أطلَقْنا اسمَ المؤمن على الله لأنه سبحانه سَمَّى به نفسه كما جاء في القرآن وثبت في الحديث، ولولا ذلك لما أطلقناه عليه سبحانه، فما أطلقَهُ الله على نفسه أطلقناه عليه وما لا فلا. كما أوضحه الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه وغيره من الأئمة. قال الإمام أبو الحسن الأشعريّ رضي الله عنه في "اللُّمع": "فالأسماءُ ليست إلينا ولا يجوز لنا أن نسمي الله تعالى باسمٍ لم يُسَمِّ به نفسه ولا سمّاه به رسوله صلى الله عليه وسلم ولا أجمعَ عليه المسلمون" اهـ.

فقديمًا كان البشر جميعُهم على دينٍ واحدٍ هو الإسلام.

قديمًا في زمن آدم عليه الصلاة والسلام كان البشر كلُّهم على دين الإسلام، لم يكن بينهم كافر، فآدمُ وأولاده ما كانوا يدينون إلا بالإسلام، قال الله تعالى {كان النّاسُ أمّةً واحدةً} سورة البقرة/213، أي كلّهم كانوا على الإسلام، واستمرُّوا على ذلك في زمن سيدنا شيثٍ عليه السلام وفي زمن إدريس عليه السلام.

وإنما حدث الشرك والكفر بالله تعالى بعد النبيّ إدريسَ.

المعنى أن الشرك والكفر بالله حدثا بعد وفاة النبيّ إدريس عليه السلام، أي بعد وفاة آدم بألف سنةٍ، ثم مضى بعد وفاة إدريس ألفُ سنةٍ إلى أن بُعِثَ نوحٌ عليه السلام.

فكان نوحٌ أولَ نبيٍّ أُرسِلَ إلى الكفّار يدعو إلى عبادة الله الواحدِ الذي لا شريكَ له.

سيدنا نوح أول نبيٍّ أُرسِل إلى الكفّار يدعو إلى الإسلام، وهذا معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاريُّ وغيره أنّ آدم عليه السلام يقول يوم القيامة للناس: اذهبوا إلى نوح فإنّه أولُ رُسُل الله إلى أهل الأرض. فالمقصود هنا بأول رسل الله أولُ نبيّ أرسَلَه الله إلى قومٍ كفّارٍ، ولا يراد به أنه أول الأنبياء على الإطلاق، بل سبقه آدمُ وشيث وإدريس عليهم السلام، فالأوليّة المرادة هنا هي أوليّة نسبيّة لا مطلقة، وهذه المدة التي بين إدريس ونوحٍ عليهما السلام هي الجاهلية الأولى التي عناها الله تعالى بقوله في سورة الأحزاب {ولا تَبَرّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهليّةِ الأولى}، ولم يُرسَل إلى أهلها نبيّ قبل نوح عليه السلام.

وقد حذّرَ اللهُ جميعَ الرسل من بعده من الشرك.

حَذَّرَ الله جميع الرسل من بَعْد نوحٍ عليه السلام من الشرك، والمقصود من ذلك تحذير أُمَمِهِم، لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الشرك.

فقام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بتجديد الدعوة إلى الإسلام بعد أن انقطع فيما بين الناس في الأرض.

توالى الأنبياءُ من بعد نوحٍ إلى عيسى عليه السلام، ثم بعد رَفْعه إلى السماء مضى نحوُ ستمائة عامٍ من غير بعثة نبيٍّ إلى أن نزل الوحيُ على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقام بتجديد الدعوة إلى الإسلام بعد أن انقطع فيما بين الناس في الأرض، إذ لم يكن بين البشر على الأرض مسلمٌ غيرُهُ عند ذلك(1). كما أخبر الله تعالى في سورة الأنعام: {قل إنّ صلاتي ونُسُكي ومحيايَ ومماتي لله رب العالمين(162) لا شريك له وبذلك أُمِرتُ وأنا أوّلُ المسلمين} أي في زمانه صلى الله عليه وسلم.

وأما سيدنا عيسى عليه السلام فكان في السماء لا في الأرض. فلما نزل الوحيُ على سيدنا محمد لم يكن بين البشر على الأرض مسلمٌ غيرُهُ، فعرب الجزيرة العربية كانوا يعبدون الأوثان، وأهل فارس كانوا يعبدون النار، وسائر أهل الأرض كانت لهم أصنام أو أشياءُ أخرى يعبدونها، فلم يكن مسلم بشرٌ عند أول نزول الوحي إلا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

مؤيَّدًا بالمعجزاتِ الدالّةِ على نبوّته، فدخَلَ البعضُ في الإسلام.

دعا سيدُنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى عبادة الله وتوحيده مُؤَيَّدًا من ربّه بالمعجزات التي تدل على نبوته عليه الصلاة والسلام، فدخل البعض في الإسلام كالجَعْد بن قَيْس المُراديّ الذي أسلم بسبب ما سَمِعه من جنيّ مسلم من أتباع سيدنا عيسى عليه السلام، فإنه قال – وكان قد بلغ مائة سنةٍ -: خرجْنا أربعةُ نَفَرٍ نريد الحجّ في الجاهلية، فمرَرْنا بوادٍ من أودية اليمن، فلما أقبل الليلُ استَعَذْنا بعظيمِ الوادي وعَقَلْنا رواحِلَنا، فلمّا هدأ الليلُ ونام أصحابي إذا هاتف من بعض أرجاء الوادي يقول:

ألا أيها الركبُ المُعرّسُ بلّغوا *** إذا ما وقفتُم بالحطيمِ وزمزما

محمّدًا المبعوثَ منّا تحيّةً *** تشيّعُه من حيث سَارَ ويَمّما

وقولوا له إنا لدينك شيعةٌ *** بذلك أوصانا المسيح بن مريما

فكان ذلك سبب إسلامه رضي الله عنه اهـ. ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة في تمييز الصحابة. والمعرّس هو المسافر الذي نزل ليلًا في مكان ولم يستمرّ في السّير، والشيعة الأنصار، والحطيم حِجْر إسماعيل. فهذا الهاتف جني مؤمن أدرك سيدنا عيسى قبل رفعه إلى السماء وآمن به وسمع منه وصيته بالإيمان بمحمد وأتباعِهِ إذا ظهر، فلما وصل الركبُ إلى مكة سأل الجعدُ أهلَ مكة عن محمد، فاجتمع به فآمن به وأسلم، وذلك كان من أول بِعثة محمّدٍ قبل أن ينتشر خبره في الجزيرة العربية.

وجَحَدَ بنبوّته أهل الضلال الذين منهم مَن كان مشركًا قبلً كفرقةٍ من اليهود عبدَتْ عُزَيْرًا، فازدادوا كفرًا إلى كفرهم.

أنكَرَ نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أهلُ الضلال، الذين منهم مَن كان مشركًا قبلًا كفرقة من اليهود عبدت عزيرًا، وهو رجل من الصالحين، كان قد ألقى التوراة من حِفْظه بعد أن تَلِفَتْ نُسَخُها كلُّها، فقال بعضُ بني إسرائيل: هذا ابن الله، لولا أنه ابن الله ما استطاع أن يُلقي التوراة من حِفظه، فكفروا بذلك، ثم كذبوا سيدنا عيسى عليه السلام فازدادوا كفرًا إلى كفرهم، ثم كذبوا سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم فازدادوا في الكفر أيضًا.

وآمَنَ به بعض أهل الكتاب اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام عالم اليهود بالمدينة.

من الذين آمنوا من أهل الكتاب عالمُ اليهود بالمدينة عبدُ الله بن سلام، فقد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ثلاثة أمور كان يعلم أن العرب لا عِلْمَ لهم بها، فأجابه عليه الصلاة والسلام عنها بالوَحْي وقال له: أخبرني بهنّ جبريل آنفًا، فآمن وتشهد وبشّره رسول الله صلى الله عليه وسلم بحُسن الخاتمة ودخول الجنة، فهو من المُبَشَّرين بالجنة.

وأصحمةَ النّجاشيّ ملكِ الحبشة وكان نصرانيًّا ثم اتّبع الرسول اتباعًا كاملًا ومات في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلّى عليه الرسول صلاة الغائب يوم مات، أوحَى الله إليه بموته، ثم كان يُرَى على قبره في الليالي نورٌ، وهذا دليل أنه صار مسلمًا كاملًا وليًّا من أولياء الله رضي الله عنه.

ومن الذين آمنوا أيضًا من أهل الكتاب أصحمة النجاشي بتشديد الياء وتركِهِ، وتَرْكُ التشديد موافق للغة الحبشة، إذ لا تعرف ياء النسبة فيها. وقد اتبع الرسول اتباعًا كاملًا، وعاش بعد إسلامه سبعَ سنوات ولمّا مات قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلُّوا على أخيكم أصحمة" رواه البخاريّ في صحيحه. ثم كان يُرَى على قبره في الليالي نور كما رَوَى رُزَيْنٌ العبدريّ عن السيدة عائشة، قالت: كنّا نتحدَّثُ أنه لا يَزالُ يُرَى على قبره نور، وهذا دليلٌ أنه صار مسلمًا كاملًا.

والمبدإ الإسلاميُّ الجامع لجميع أهل الإسلام عبادةُ الله وحده.

الأساس الجامع لجميع أهل الإسلام من أمّة سيدنا محمّد والأمم السابقة من لَدُنْ آدم إلى يوم القيامة هو الإيمان بالله وحده مع إيمانِ كلٍّ منهم بنبيّ عصرِهِ.

حكم من يدّعي الإسلام لفظًا وهو مناقضٌ للإسلام معنًى

هذا بيان حكم من يزعُم الإسلام بلسانه وهو مخالف للإسلام في الحقيقة باعتقادِ أو قولِ أو فعلِ ما ينافيه.

هناك طوائفٌ عديدة كذّبت الإسلام معنًى ولو انتمَوا للإسلام بقولهم الشهادتين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمّدًا رسولُ الله وصَلَّوْا وصاموا لأنهم ناقضوا الشهادتين باعتقادِ ما ينافيهما، فإنهم خرجوا من التوحيد بعبادتهم لغير الله، فهم كفّار ليسوا مسلمين، كالذين يعتقدون ألوهية علي بن أبي طالب أو الخَضِرِ أو الحاكمِ بأمر الله وغيرِهم، أو بما في حكم ذلك من القول والفعل.

هنا فِرَقٌ متعدّدة كذبت الإسلام من حيث الحقيقةُ والواقعُ، ولو ادّعَوْا أنهم مسلمون بقولهم الشهادتين، وصَلَّوْا وصامُوا ظاهرًا وصورةً، كالحلولية وأهل الوَحدة المطلقة والمجسمة، لأنهم ناقضوا الشهادتين باعتقاد ما ينافيهما، فإنهم يتلفظون بالشهادتين وهم مكذّبون لمعناهُما ليسوا بمسلمين، فإن الحلولية تعتقد أن الله يحُلّ في العباد، وأهل الوَحدة المطلقة يعتقدون أن الله هو العالم، والمجسّمة يعبدون جسمًا مُتَخَيَّلًا يزعُمون أنه الإله.

وكالذين يعبدون سيدنا عليًّا رضي الله عنه وهو الخليفة الراشد ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين يعبدون الخضر عليه السلام، وهو نبيّ على القول الراجح، أو السلطان العُبَيْدِيَّ الذي كان في مصر في القاهرة، وكان يعبُدُ الشياطين في خلواته، وقد عُرِفَ بلقب الحاكم بأمر الله، وغيرهم ممّن يعتقد مثل اعتقادِهِم أو يأتي بما في حُكم ذلك من القول والفعل.

وحُكم من يَجْحَد الشهادتين التكفير قطعًا ومأواه جهنّم خالدًا فيها أبدًا، لا ينقطع في الآخرة عنه العذابُ إلى ما لا نهاية له، وما هو بخارج من النار.

حُكم مَن يُنكِرْ الشهادتين أو إحداهُما التكفير بلا خلافٍ، ومأواه في الآخرة جهنم خالدًا فيها أبدًا كما قال ربنا تبارك وتعالى في سورة الأحزاب {إنّ الله لعن الكافرين وأعدَّ لهم سعيرًا خالدين فيها أبدًا} 64/65. وعلى هذا أهل الإسلام قاطبةً. وقد شذ عن هذا الإجماع جهم بن صفوان وأحمد بن تيمية فقالا بفناء النار.

أمّا الأول فقد قُتِلَ بحكم الشرع لهذه المقالة وغيرِها من الضلال. وأمّا الآخَرُ أحمد بن تيمية فقد استتيب مرةً بعد مرةٍ، وكان إذا واجهَهُ العلماءُ يظهرُ التوبة والتراجُعَ، لكنه ما يلبثُ أن يرجع إلى إظهار الشذوذ، فحَكَمَ قضاةُ المذاهب الأربعة عند تكرر ذلك منه بحَبْسِهِ إلى أن يموت، فمات وهو محبوسٌ في قلعة في دمشق.

ومن أَدَّى أعظمَ حقوق الله بتوحيدِهِ تعالى، أي تَرْكِ الإشراكِ به شيئًا وتصديق رسولِهِ صلى الله عليه وسلم لا يخلد في نار جهنّم خلودًا أبديًّا وإنْ دخلها بمعاصيه، ومآله في النهاية على أيّ حالٍ كان الخروجُ من النار ودخولُ الجنّة بعد أن يكون قد نال العقابَ الذي يستحق إن لم يَعْفُ الله عنه.

الذي أدّى أعظمَ حقوقِ اللهِ وهو الإيمان بالله ورسوله، فلم يَعْبُدَ غير الله، ولا نسب إلى الله عزّ وجلّ ما لا يليق به من الصفات، وعَقَدَ قلبه على تصديق رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا لا يخلّدُ في النار إن دخَلَها بمعاصيه الكبائر التي لم يتب منها، ولا بُدَّ أن يدخل الجنة بعد أن يعاقب بذنوبه التي كان اقترفها، وهذا إن لم يعف الله عنه، أمّا إن عفا الله تعالى عنه فإنه لا يدخل النار، فحكم المسلم العاصي الذي مات قبل التوبة أنه تحت المشيئة، إمّا أن يعذبه الله ثم يدخله الجنة، وإمّا أن يعفو عنه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يخرج من النّار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وَزْنُ ذرّةٍ من إيمان" رواه البخاري.

معنى الحديث أن من مات وفي قلبه أقلُّ الإيمان، أي أقلّ ما يصحّ به الإيمان لا بُدّ أن يَخرُجَ من النار إن دخلها بمعاصيه، لأنه مات وفي قلبه ما يحصل به النجاة من الخلود الأبديّ في النار.

والذّرّةُ مفرد الذّرِّ وهو شبيه الغبار الذي يُرَى عندما يدخل نور الشمس من الكَوَّة، كما يطلق على النمل الأحمر الصغير. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه.

وأما الذي قام بتوحيده تعالى واجتنَبَ معاصِيَهُ وقام بأوامره فيدخل الجنّة بلا عذاب حيث النعيمُ المقيمُ الخالد.

الذي آمنَ بالله عزّ وجلّ وأدى الفرائض واجتنبَ المحرَّمات فهو التقيُّ الذي مآله يوم القيامة أن يدخل الجنة بلا عذاب، فلا يلقى جوعًا ولا عطشًا ولا نكدًا في القبر ولا يومَ القيامة، بل يدخل الجنة حيث النعيمُ المقيمُ، فيكون مأواه الذي لا يخرج منه.

بدلالة الحديث القدسيّ الذي رواه أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عزّ وجلّ: "أعددتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خَطَرَ على قلب بَشَر". وقال أبو هريرة: "اقرؤوا إنْ شئتم قوله تعالى {فلا تَعْلَمُ نفسٌ ما أخْفِيَ لهم من قرّة أعينٍ جزاءً بما كانوا يعمَلُون} سورة السجدة/17. رواه البخاريّ في الصحيح.

معنى الحديث أن الله جَعَلَ لعباده الذين أدَّوا الواجباتِ كلَّها واجتنبوا المحرمات كلّها نعيمًا لم يَرَه أحدٌ من الخلق قبل ذلك ولا سَمِعَ به، ولا خَطَرَ مجردَ خُطُورٍ على قلب إنسان، وقال أبو هريرة رضي الله عنه بعد أن نقل الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى: {فلا تَعْلَمُ نفسٌ ما أخفي لهم من قُرّة أعيُنٍ جزاءً بما كانوا يعملون}، ومعنى {قُرّة أعينٍ} شيءٌ تَقَرُّ به أعينُهم، أي تفرح به من النعيم الخاصّ. فالآية مُفَسَّرةٌ بما قد جاء في هذا الحديث القدسيّ.


(1) أي عند قيامه بتجديد الدعوة.