الأمر الخارق الذي يظهَرُ على يد من ادَّعَوْا النبوّة مع التحدّي مع عدم معارضتِهِ بالمِثل نازلٌ منزلة قول الله: صدَقَ عبدي في كلّ ما يبلّغُ عنّي، أي لولا أنّه صادق في دعواه لما أظهَرَ اللهُ له هذه المعجزة، فكأنّ الله تعالى قال: صدق عبدي هذا الذي ادّعَى النبوّة في دَعواهُ لأنّي أظهرتُ له هذه المعجزة، لأنّ الذي يُصدّقُ الكابَ كاذِبٌ، واللهُ يستحيل عليه الكذب، فدَلَّ ذلك على أنّ الله إنّما خلقَهَ لتصديقه، إذ كلُّ عاقلٍ يعلَمُ أنّ إحياء الموتى وقلبَ العصا ثعبانًا وإخراجَ ناقةٍ من صخرةٍ صمَّاء ليس بمعتادٍ.
المعجزة نازلةٌ منزلَ قول الله: "صدق عبدي في كلِّ ما يبلّغ عنّي" أي كأنّ الله تعالى قال: صدق عبدي موسى في كلّ ما يبلّغ عنّي وصدق عبدي عيسى في كلّ ما يبلّغ عنّي وصدق عبدي محمّد صلوات الله وسلامه عليهم في كلّ ما يبلّغ عنّي، ولولا أنه صادق في دعواه لَمَا أظهر الله له هذه المعجزة، لأنّ الذي يقول بصِدْقِ الكاذب الذي يعلَمُ أنّ الكاذب يفتريه كاذبٌ مثلُه، والله يستحيل عليه الكذب، فدلّ ذلك على أنّ الله إنّما خلق الأمر الخارقَ المُعجِزَ لتصديقٍ مَن حصل على يديه. وكلُّ عاقلٍ يعلَمُ أنّ إحياء الموتى وقلب العصا ثعبانًا وإخراج ناقةٍ من صخرةٍ سمّاءَ ليس بمعتاد، فهذه أدلّة على صِدْق دعوى من حصلّتْ على يَدَيْهِ.
السبيل إلى العلم بالمعجزة بالقطع واليقين
العلم بالمعجزات يحصل بالمشاهدة لمن شاهدوها، وببلوغ خبرها بطريق التواتر في حق من لم يَشْهَدْها وذلك كعِلْمِنا بالبلدان النائية والحوادث التّاريخيّة الثابتة الواقعة لمن قبلنا من الملوك والأمم، والخبرُ المتواتر يقوم مقام المشاهدة فوجب الإذعانُ لمن أتى بها عقلًا كما أنّه واجب شرعًا.
العلم القطعيّ اليقينيّ بالمعجزات يحصل بطريقين: المشاهدة لمن شاهدها والخبر المتواتر في حقّ من لم يشاهدها، والتواتر معناه انتقال الخبر عن عددٍ كبيرٍ شهد المعجزة بواسطة عددٍ كبير ينقل عنهم لا يمكن اجتماعهم على الكذب، وهكذا في كلّ طبقة إلى أن يصل الخبر إلينا على هذا الوصف، لأنّ الخبر المتواتر هو أن يُخبرَ عددٌ كثير عن جمعٍ كثير بحادثةٍ قوليّة أو فعليّة بحيث لا يمكن عادةً أن يتواطؤوا على الكذب كعِلمنا بوجود البلدان النائية كالصّين واليابان وإن لم نرها ووجود حاتم الطائيّ وهارون الرشيد وسلاطين الدولة العثمانية وملوك فرنسا وبريطانيا ونحوهم وإن كنّا لم نشاهدهم ولم نلتقِ بهم، إذ الخبر المتواتر يقوم مقام المشاهدة.
وقد ثبت نقلُ قسمٍ من معجزات الأنبياء ومن بينها بعضُ معجزاتِ رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الطريق، وذلك كالقرآن الكريم وحنين الجذع ونبوع الماء من يده الشريفة صلى الله عليه وسلم، فوجب التسليم والرضى بالقلب لمن أتى بالمعجزة المنقولة بالتواتر عقلًا وشرعًا، ومن أعرض عن ذلك كان معاندًا مهدِرًا لقيمة الدليل العقليّ.
الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وسؤاله
قال الله تعالى {النّارُ يُعرَضُون عليها غدُوًّا وعشِيّا ويوم تقومُ السّاعةُ أدخِلوا آل فرعونِ أشدَّ العذاب (46)} سورة غافر.
يُخبِرُ اللهُ تبارك وتعالى أنّ آل فرعون أي أتباعَهُ الذين اتّبعوه على الكفر والشّرك تُعرَضُ النّارُ عليهم وهم في البرزخ مرتين، مرّةً وقت الغداة ومرّةً وقت العشيّ، والغداة من الصبح إلى الضحى، وأما العشيّ فهو وقتُ العصر آخر النهار. والآية صريحة في أنّ العرض قبل يوم القيامة، وظاهر أنّه ليس في الدّنيا، فلم يبقَ إلا أن يكون حصوله بعد الدفن، فهذه الآية نصّ في عذاب القبر {ويومَ تقومُ السّاعةُ} يقال للملائكة {أدخِلوا آل فرعون أشدَّ العذاب} وليس معنى آل فرعون أقارِبَهُ.
وقال تعالى: {ومن أعرضَ عن ذِكري فإنّ له معيشةً ضَنْكًا (124)} سورة طه.
الكفار الذين أعرضوا عن الإيمان بالله تعالى إذا ماتوا يتعذّبون في قبورهم وهذا هو المراد {معيشةً ضَنْكَا} أي ضيّقة، وليس المراد معيشةً قبل الموت وإنّما المراد حالُهم في البرزخ. وقد عُرِفَ كونُ المراد بها عذابُ القبر من الحديث المرفوع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقد فَسَّرَ هذه الآية {معيشةً ضَنْكًا} بعذاب القبر. رواه ابن حبّان والطّبرانيُّ من طريق أبي هريرة رضي الله عنه. وفي هذا دليل على أنّ الميّت في القبر بعد عَوْدِ الروح إلى جسده يكون له إحساس بالعذاب إن كان من المعذَّبين.
فهاتان الآيتان واردتانِ في عذاب القبر للكفار. وأمّا عصاةُ المسلمين من أهلِ الكبائر الذين ماتوا قبل التّوبة فهم صنفان: صِنْفٌ يُعفِيهُم الله من عذاب القبر وصِنف يعذّبُهم ثم ينقطِعُ عنهم ويؤخّرُ لهم بقيّةُ عذابِهم إلى الآخرة.
في هاتين الآيتين إثباتُ عذابِ القبرِ للكفّار. وأمّا أهلُ الكبائر من المسلمين الذين ماتوا قبل التوبة فهم صنفان: صنف لا يعذِّبُهم الله في قبورهم وصنف ينالُهم العذاب ثم ينقطِعُ ويؤخّرُ لهم بقية العذاب إلى يوم القيامة.
وليُعلَمُ أنّه لا يقال: إنّ الميّت إذا كان يُرَى في القبر في هيئة النّائم ولا يُرَى عليه شيء من الاضطرابات كالصُّراخ فإذًا هو ليس في عذاب إلا أن تكون روحُه معذّبةً، فقد قال بعض الفقهاء – فخر الدين الرازيّ – في "المحصول": "عدمُ الوِجدانِ لا يستلزمُ عدم الوجود" أي عدمُ الاطلاع على الشيء لا يستلزم عدم وجودِ ذلك الشيء، فإذا نحن لم نَرَ الشيء بأعيننا فليس معناه أنّ هذا الشيء ليس موجودًا، فكثير من الأمور أخفاها الله عنّا، وبعضُها يكشِفُها اللهُ لبعضِ عبادِهِ.
فقد روى البخاريّ ومسلم والترمذيّ وأبو داود والنّسائيّ عن ابن عبّاس: مَرَّ رسول الله على قبرَيْنِ فقال: إنّهما ليُعذَّبانِ وما يُعذَّبانِ في كبير إثمٍ، قال: بلى، أمّا أحدُهما فكان يمشي بالنّميمة وأمّا الآخَرُ فكان لا يستَتِرُ من البولِ، ثمّ دعا بعَسِيبٍ رطْبٍ فشقَّهُ اثنين فغرَسَ على هذا واحدًا وعلى هذا واحدًا، ثم قال: لعلَّه يُخَفَّفُ عنهما".
هذا الحديث حجّة بعد كتاب الله على إثبات عذاب القبر، وفيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ على قبرين فقال: "إنّهما ليُعذَّبان" فأثبت لهما العذاب في القبر، ثم قال: "وما يُعَذَّبانِ في كبير إثمٍ" أي بحسَب ما يرى كثير من النّاس ليس ذنبهُما شيئًا كبيرًا، ولكنّه في الحقيقة ذنبُهما كبير ولذلك قال "بلى" أي في الحقيقة هما يُعذّبانِ في ذنب كبير "أمّا أحدُهما فكان يمشي بالنميمة" وهي نقل الكلام بين اثنين للإفساد بينهما "وأمّا الآخَرُ فكان لا يستَتِرُ من البول" أي كان لا يتنَزَّهُ من البول بل يتلوّث به وهذا من الكبائر فقد قال عليه الصّلاة والسّلام:
"استنزِهُوا من البول فإنّ عامّة عذابِ القبر منه" رواه الدارقطنيّ في سُنَنِهِ من حديث أبي هريرة، ومعناه تحفّظوا من البول لئلا يلوِّثَ جلدَكُم وثيابكم لأنّ أكثر عذاب القبر منه. فهذان الأمران بحسب ما يراه كثير من الناس ليسا ذنبَيْنِ كبيرَيْنِ لكنّهما في الحقيقة عند الله ذنبان كبيران، والرسول صلى الله عليه وسلم رآهما بحالةٍ شديدةٍ وأنّهما يعذّبان.
ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعسِيبٍ رِطْبٍ أي بغُصْنِ نخلٍ أخضر فشقّهُ اثنين فغرس على هذا واحدًا من جهة رأسه وعلى هذا واحدًا من جهة رأسه أيضًا ثم قال: "لعله يُخفّفُ عنهما" أي لعلّ عذابَ القبر يُخفَّفُ عنهما ما دام هذان الشِّقّانِ رطبَيْنِ كما يدل عليه رواية البخاري وفيها "لعلّه يخفَّف عنهما ما لم يَيْبَسَا". ويؤخذ من هذا الحديث أنّ كلّ ما فيه رطوبة من النّبات أو بركة كالذِّكر وتلاوة القرآن نافع للميّت المسلم بإذن الله كما ذكر ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام".
واعلَمْ أنّه ثبت في الأخبار الصّحيحة عودُ الروح إلى الجسد في القبر كحديثِ البراءِ بنِ عازبٍ الذي رواه الحاكم والبيهقيّ وأبو عَوانَةَ وصحَّحهُ غيرُ واحدٍ، وحديثِ ابنِ عبّاسٍ مرفوعًا: ما مِن أحدٍ يَمُرُّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلِّمُ عليه إلا عرفَه وردّ عليه السّلام" رواه ابن عبدٍ البرِّ وعبدُ الحقّ الإشبيليّ وصحَّحَه.
ثبت في الأخبار الصحيحة عودُ الروح إلى الجسد في القبر كحديث البراء بن عازبٍ الذي رواه الحاكم في "المستدرك" والبيهقيّ في "شعب الإيمان" وهو حديث طويل فيه "ويعاد الروح إلى جسدِهِ"، وكحديثِ ابن عباسٍ مرفوعًا "ما من أحدٍ يمرُّ بقبر أخيه المؤمن" الحديث. رواه ابن عبد البَرِّ في "الاستذكار" والحافظُ عبدُ الحقّ الإشبيليّ في كتابه "العاقبة" وصحّحه.
فيسلتزم ذلك رجوعَ الروح إلى البدنِ كلِّه، وذلك ظاهرُ الحديثِ أو إلى بعضِهِ. ويتأكّد عودُ الحياةِ في القبر إلى الجسد مزيدَ تأكُّدٍ في حقّ الأنبياء، فإنّه ورد من حديث أنسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "الأنبياء أحياء في قبورهم يُصلُّون" صحّحه البيهقيّ وأقرّهُ الحافظ.
حديث ابن عبّاسٍ يستلزم رجوع الروح إلى الجسد، فعود الروح إلى الجسد ثابت في حق كلّ الأشخاص الصّالحين والطّالحين، وأمّا في حقّ الأنبياء فأقوى، فإنّه ورد من حديث أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: "الأنبياء أحياء في قبورهم يُصلُّون"، صحّحه الحافظ البيهقيّ في "حزء حياة الأنبياء" وأقرّه الحافظ ابن حجر العسقلاني فحكم بقوّته في "الفتح"، ويشهد له ما رواه مسلم "أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم مرَّ ليلة الإسراء بقبر موسى عليه الصّلاة والسّلام وهو قائم يصلّي فيه".
وروى البخاريّ ومسلم عن أنسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "إنّ العبد إذا وُضِعَ في قبره وتولّى عنه أصحابُه وإنّه ليَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهم إذا انصرفوا أتاه ملكان فيُقعِدانه فيقولان: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ محمّد؟ فأمّا المؤمن – أي الكامل – فيقول أشهد أنّه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظُرْ إلى مَقعَدِك من النّار أبدلَكَ اللهُ به مَقْعَدًا من الجنّة فيراهُما جميعًا. وأمّا الكافر أو المنافق فيقول لا أدري، كنتُ أقولُ ما يقول الناسُ فيه، فيقالُ: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، ثم يُضرَبُ بمِطْرَقَةٍ من حديد بين أذنيه فيصيحُ صيحةً يسمَعُها من يليه إلّا الثّقلَيْنِ".
لفظ الإشارة المذكورُ في قوله "ما كنتُ تقول في هذا الرجل محمّد" لا يُفهَم منه أنّه في تلك الساعة يكون سيّدنا محمّد ظاهرًا مرئيًّا مشاهَدًا، وإنّما هذه الإشارة تسمّى إشارةً للمعهود الذّهنيّ؟ وقوله "أمّا المؤمن" يُراد به المؤمن الكامل. والمسلم غيرُ الشهيد يُعرَض عليه مِثال مقعَدِهِ من الجنّة ومثال مقعَدِهِ من النار الذي كان سيدخله لو مات على غير الإسلام، فلمّا يرى ذلك يعرف فضل الإسلام معرفة عيانيّة كما كان يعرف في الدنيا معرفة قلبيّة. وأمّا شهيد المعركة فإنّ روحه يدخل الجنّة فورًا فيأكل من ثمارِها ويشرب من أنهارِها في مُنطلق غيرِ المكان الذي يتبوَّؤُه في الآخرة.
وقوله "وأمّا الكافر أو المنافق" فهو شَكّ من الراوي، ومعنى "لا دريتَ ولا تليتَ" لا عرفتَ، يقال له ذلك إهانةً له، وإنّما قيل له "ولا تليت" لتأكيد المعنى لأن المعنى واحد. والمطرقة التي يُضرَبُ بها الكافر لو ضُرِبَ بها الجبل لاندَكّ فيصيح صيحةً يسمَعُها من يليه من حيوانٍ إلا الثّقلين أي الإنس والجنَّ فإنّ الله حجب تلك الصّيحة عن أسماعِهِم ولولا ذلك لما تدافَنَ الناسُ.
وعن عبد الله بن عَمْرو أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذَكَرَ فَتَّانَي القَبْرِ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أتُرَدُّ علينا عقولُنا يا رسول الله؟" قال: "نعم كهيتِكُمُ اليوم" قال(209): فبِفِيهِ الحجَرُ.
هذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده. وفتّانا القبر هما الملكان اللذان يمتَحِنانِ الناسَ في القبر أي منكر ونكير، ومنكر ونكير معناه أن هيئة هذين الملكَيْن غير معروفة أي هيئتُهما تختلف عن سائر الملائكة وعن الإنس والجنّ، وليس معنى منكر الباطل. وقول سيّدنا عمر يريد به هل تُرَدُّ علينا عقولنا عند السؤال، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم "كهيئتِكُمُ اليوم" أنّه يكون الجواب عن سؤال الملكين بالروح والجسد. ومعنى "فبفيه الحجر" أنّ سيدنا عمر بن الخطاب سكت وانقطع عن الكلام لأنّه سمع خلافَ ما كان يظنّه لأنّه كان يظنّ أنّه لا تُرَدُّ عليهم عقولُهم فلما سمع الجواب عرف خطأ ظنِّهِ. وسؤال القبر خاصّ بأمّة محمّد صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن قبل سيدنا محمّد سؤال الميّت: ماذا يقول في موسى أو عيسى مثلًا.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إذا قُبِرَ الميّتُ أو الإنسانُ أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدِهما مُنكرٍ وللآخَرِ نَكير فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمّد؟ فهو قائلٌ ما كان يقول، فإن كان مؤمنًا قال هو عبد الله ورسولُه أشهَدُ أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمّدًا عبدُه ورسولُه، فيقول له: إن كنّا لنعلَمُ أنّك لتقولُ ذلك، ثم يُفسَحُ له في قبره سبعين ذراعًا بسبعين ذراعًا ويُنَوَّرُ له فيه. فيقال له: نم، فينام كنوم العروس الذي لا يوقِظُه إلّا أحبُّ أهلِهِ حتى يبعَثَهُ الله من مضجَعِهِ ذلك.
هذا الحديث رواه الترمذيّ في سننه. وقوله: "إذا قُبِر الميّتُ أو الإنسان" شكّ من الراوي، ومعنى "أسودان أزرقان" أنّ لون هذين الملكين أسودُ ممزوجٌ بزُرقَةٍ(210)، وهذا يكون أخوفَ ما يكونُ من الألوان حتى يفزَعَ الكافرُ منهما، أمّا المؤمن التقيّ فلا يخاف منهما لأنّ الله يلهمه الثبات، وهما لا ينظران إليه نظرة غضبٍ بخلاف الكافر فإنّه يرتاع منهما. وقول الملكين للمقبور: "ما كنت تقول في هذا الرجل محمّد؟" بتسمية الرسول باسمه إشارة إلى المعهود ذهنًا كما تقدّم، وليس معناه أنّ الرسول يحضر بذاته فيكون شاهدًا حاضرًا عند السؤال.
والإنسان المسؤول قائلٌ للملكين في الجواب عن السّؤال ما كان يقول قبل الموت. فالمسلم قبل الموت كان يقول عبدُ الله ورسولُه فيقولُ ذلك ويَقرِنُهُ بالشهادتين، وكلُّ مسلمٍ يجيب بذلك لكن لم يَرِد ماذا تقول الملائكة للعاصي بعدما يشهد بنبوّة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. والذي لا يستطيع الجواب هو الذي ينكر رسالة سيدنا محمد، فيقول: "كنتُ أقولُ ما يقول الناسُ". وقول الملكين "إن كنّا لنَعلَمُ" معناه قد كنّا نعلَمُ، وهذه "إنْ" مخفَّفةٌ من الثقيلة واللام في لَنَعلَمُ للتّوكيد، أي أنّنا قبلَ أن نجيبَ أنّك على هذا الاعتقاد نعلَمُ ذلك.
ثم إنّ المؤمن التقيّ يوسّع قبرُه سبعين ذراعًا طولًا في سبعين ذراعًا عرضًا وذلك بذراع اليد وهي شبران تقريبًا وبعضهم يُوسّعُ له أكثر من ذلك كما حصل للعلاء بن الحضرميّ الصحابيّ الجليل الذي كان من أكابر الأولياء فإنّه اتّسع قبرُهُ مَدَّ البصر. وكذلك يُفتح له في قبره باب إلى الجنّة فيأتيه نسيمُها ويُملأُ الخَضِرُ أي يُوضَعُ في قبره من نبات الجنة الأخضر، وهذا كلُّه حقيقيّ ليس وَهْمًا لكنّ الله يحجُبُ ذلك عن أكثر أبصار النّاس،
أما أهل الخصوصيّة من عباد الله الكاملين فيشاهدون. ومعنى "نم كنوم العروس" أنه لا يحسُّ بقلق ولا وحشة. أمّا الآن فالناس يخافون من الموت، لكنّ الأتقياء في تلك الساعة لا يخافون لأنّ الله آمنَهم من الخوف، وقد ورد في الأثر الذي رواه البيهقيّ في "شعب الإيمان" أنّ المؤمن الكامل تقول له الملائكة: السلام عليك يا وليّ الله، فلا يبقى بعد ذلك فيه خوف من الموت والقبر.
فإن كان منافقًا قال: لا أدري، كنتُ أسمَعُ النّاس يقولون شيئًا فكنتُ أقوله، فيقولان له: إنْ كنّا لنَعلَمُ أنّك تقول ذلك، ثم يقال للأرض التئمِي فتلتَئِمُ عليه حتى تختلف أضلاعُه، فلا يزال مُعذَّبًا حتى يبعثَه الله تعالى من مضجَعِهِ ذلك".
المنافقُ ومِثلُهُ الكافر المعلِنُ يقول: لا أدري، كنتُ أسمَعُ النّاس يقولون شيئًا فكنتُ أقوله" فيجيبُ مخبرًا عمّا كان يعتقده في الماضي قبل الموت من غير أن يعتقد الآن أنّه حقّ. ثم يقال للأرض التئمِي عليه، فيضيقُ عليه القبرُ حتى تتشابك أضلاعُه، ثم هذا العبد لا يزال مُعذَّبًا بهذا العذاب حتى يبعثَهُ الله، ثم بعد أن يُبعَثَ يُعذَّبُ بعذابٍ آخر ثم بعد دخولِهِ النّار يكون العذابُ أشدّ.
والحديثان رواهما ابن حبّان وصحَّحَهُما، ففي الأول منهما إثباتُ عَوْدِ الرُّوحِ إلى الجسد في القبر والإحساس، وفي الثاني إثباتُ استمرارِ الروحِ في القبر وإثباتُ النّومِ وذلك ما لم يَبْلَ الجسدُ.
حديث أنسٍ فيه إثبات عودُ الروح إلى الجسد في القبر مع الإحساس، وحديث أبي هريرة فيه استمرار بقاء الروح في الجسد ما لم يَبْلَ الجسدُ، وأمّا بعد بِلاهُ فالروح تنتقل من القبر ولا تكون فيه.
وهذا النّعيم للمؤمن القويّ وهو الذي يؤدّي الفرائض ويجتنبُ المعاصي، وهو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه: "الدّنيا سِجنُ المؤمنِ وسَنَتُهُ فإذا فارقَ الدّنيا فارقّ السّجن والسَّنة"(211). حديث صحيح أخرجه ابن حبّان. يعني المؤمن الكامل.
هذا النعيم في القبر للمؤمن الكامل وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم "الدّنيا سجنُ المؤمن وسنَتُهُ" أي دار جوع وبلاءٍ وضيقٍ له، أي إنّ الدنيا بالنسبة لِمَا يلقاه من النعيم في الآخرة كالسجن والسّنةِ، فإذا فارق الدنيا فارق السّجن والسّنة.
ثم إذا بَلِيَ الجسدُ كلُّه ولم يبق إلا عَجْبُ الذّنب يكون روحُ المؤمن التّقيّ في الجنّة، وتكون أرواحُ عصاةِ المسلمين أهلِ الكبائر الذين ماتوا بلا توبةٍ بعدَ بِلَى الجسدِ فيما بين السّماء والأرض، وبعضُهم في السّماء الأولى، وتكون أرواح الكفّارِ بعد بِلَى الجسد في سجّين، وهو مكان في الأرض السُّفْلَى.
إذا بَلِيَ الجسدُ كلُّه ولم يبق منه إلا عَجْبُ الذّنَب تكون أرواح المؤمنين الأتقياء في الجنّة، وأما عصاة المسلمين من أهل الكبائر الذين ماتوا بلا توبة، فتكون أرواحهم بعد بِلَى الجسد بين السّماء والأرض، وبعضهم في السّماء الأولى.
وأمّا أرواح الكفّار فبعد بِلَى أجسادِهم تكون أرواحُهم في سِجّينَ، وهو مكان في الأرض السُّفلى فوق جهنّم. وعَجْبُ الذّنب عظم صغير قدرُ حبّة خردل، فهذا يبقى من الجسد ولا يبلى ولو سُلِّطَ عليه نار شديدة، وقد ورد في صحيح مسلم: "منه خُلِقَ الإنسان وعليه يُركَّبُ" أي أنّ سائر العِظام تُركَّبُ على هذا العَظْم الصغير يوم البعثِ والحشر.
وأمّا الذين لا تبلى أجسادهم فهم الأنبياء وشهداء المعركة وبعض الأولياء.
وأما الشّهداء فتصعَدُ أرواحُهم فورًا إلى الجنّة.
الشهداء الذين ماتوا وهم يقاتلون في سبيل الله خصَّهم الله بمزايا عديدة. منها أنّهم لا تبلى أجسادهم وتصعد أرواحهم فورًا إلى الجنّة، وقد ورد في الحديث الذي رواه مسلم: "أرواحُهم في جوف طيرٍ خُضْرٍ لها قناديلُ معلّقةٌ بالعرش تسرحُ من الجنّة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل"، والمعنى أنهم قبل يوم القيامة تكون أرواحُهم في حوصلة هذه الطّيور يطيرون في الجنّة ويأكلون من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلّقةٍ بالعرش، فتتنعَّمُ أرواحُهم بهذه الطّريقة. أمّا يوم القيامة فكلُّ واحدٍ منهم يأخذُ مُتبوّأهُ الخاصّ، لا يكونون في حواصل الطيور التي في الجنة يومئذٍ.
والأولياء بعدما يأكل التراب أجسادهم أرواحُهم تصعد إلى الجنّة فتسرح في الجنّة بشكل طائرٍ ليس بشكل جسده الذي كان عليه في الدنيا على أن بعض الأولياء لا تأكل الأرض أجسادهم. فالروح يتشكّل بشكل طائرٍ فيأكل من ثمار الجنّة ثم بعد البعث تعود الأرواحُ إلى أجسادها ثم يدخلون الجنّة آمنين وفي ذلك ورد الحديث: "إنّما نَسَمَةُ المؤمنِ طيرٌ يعلُق في شجر الجنّة حتى يُرجِعَهُ الله إلى جسده يومَ يبعثَهُ" رواه مالك في الموطّأ. فأرواحهم بعد بِلَى أجسادهم تكون في الجنّة تأكل من أشجار الجنّة لكن لا يتبوّؤون المكان الذي هُيّئ لهم ليدخلوه في الآخرة، إنّما لهم مكان ينطلقون فيه في الجنّة فيأكلون من ثمار أشجارها.
النبي
تنبيه: يُستثنى من السّؤال الأنبياءُ والشهداء أي شهداء المعركة، وكذلك الطّفلِ أي الذي مات دون البلوغ.
هؤلاء يُستَثْنَوْنَ من سؤال الملكين في القبر.
فإن قيل: كيف يُمكنُ سؤالُ عددٍ كثيرٍ من الأموات؟ فالجواب ما قال الحَلِيميُّ: "إنَّ الأشْبَهَ أن يكون ملائكةُ السّؤالِ جماعةً كثيرةً يُسَمَّى بعضُهم مُنكرًا وبعضُهم نكيرًا. فيُبعَثُ إلى كلِّ ميّتٍ اثنانِ منهم".
إن قيل: كيف يتمُّ سؤال عددٍ كثيرٍ من الأموات الذين دُفِنُوا في وقت واحدٍ، فالجواب أنه يكون هناك جماعة من الملائكة، كلّ واحدٍ منهم يسمّى منكرًا، وجماعة كلُّ واحد منهم اسمه نكبير، فيأتي إلى كلّ ميّت اثنان منهم، أحدهما من هذه الجماعة والآخر من هذه الجماعة، ويجوز أن يكونا اثنين فقط ولكلٍّ منهما أشباح كثيرة تديرها روحٌ واحدة. وكذلك عزرائيل يحتمل أنه يتطوّرُ إلى أشباح كثيرة فيقبض هذه الأرواح الكثيرة، ثم يتناول منه الملائكة الروح، إمّا ملائكة الرحمة وإمّا ملائكة العذاب، وملائكة الرحمة منظرهم جميل أما ملائكة العذاب فمنظرهم مخيف، وهم لا يتركون الروح في يد عزرائيل بعدما يقبضها طرفة عين، بل يذهبون بها إلى السماء إن كانت الروح مؤمنة أو إلى الأرض السابعة إلى سجّين إن كانت كافرة.
تنبيه مهم
ما يتوهّمُه بعض الناس من أنّ القبر يضيق على كلّ أحدٍ ثمّ يُوسّعُ على المؤمن التقيّ غير صحيح، وهذا لا يليق بكرامة المؤمن الكامل، وما يرويه بعضُهم في حقّ سعد بن معاذ رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد" فغير صحيح، بل ورد في فضل سعدٍ "اهتزّ العرشُ لموتِ سعدِ بن معاذ" رواه البخاري في صحيحه. فمن اهتزّ العرشُ لموته كيف يليق بمثامِهِ أن تصيبه طغطةُ القبر؟! وممّا يمنَعُ صحّة ما ورد في حقّ سعدٍ من ضغطة القبر أنّه كان شهيدًا لأنّه مات من جُرحٍ أُصيب به في غزوة الخندث فلا يصحّ في حقّه أن يُعذّب بالضغطة، بل يُدفع ذاك الوارد بقوله تعالى: {ألا إنّ أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون (62) سورة يونس.
(209) أي سيدُنا عمر، تحدّث عن نفسه بصيغة الغائب، وهو التفات عن السكاكيّ.
(210) هذا مثل النحاة، هذا حُلْو حامضٌ، فهذا لا تعدُّد فيه للخبر لأنهما بمعنى خبرٍ واحد وهو مُزّ، والمزازة بين الحلاوة والحُموضة الصِّرْفة.
(211) والسَّنَة: القَحْط.