وقد جاء في تفسير هذه الآية عن مجاهدٍ تلميذ ابن عبّاس: "قِبلَةُ الله" ففسَّرَ الوجه بالقِبلة، أي لصلاة النّفل في السّفر على الراحلة.

التأويل في آيات وأحاديث الصّفات غير ممنوع كما تدّعي المشبهة، فقد جاء في تفسير قوله تعالى: {فأينما تُولُّوا فثمّ وجهُ الله} عن مجاهدٍ تلميذِ ابن عباس أنه أوّل "وجهُ الله" بقِبلةِ الله، أي يجوز استقبال وجهة السّفر لصلاة النفل في السفر على الدّابّة، وقد روى مسلم في صحيحه ما يؤيد هذا التأويل في باب جواز صلاة النافلة على الدّابّة في السّفر حيث توجَهَتْ، وذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي وهو مُقبلٌ من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وَجْهُهُ قال: وفيه نزلت {فأينما تَولُّوا فثمّ وجهُ الله} فهذا المشبّه الذي ينكر التأويل كأنه يقول: إنّ رسول الله كان مبتدِعًا يؤوّل الآيات بغير علم، وعلى غير ما أجاز الله تبارك وتعالى.

وأما الحديث الذي رواه الترمذيّ وهو "الرّاحمون يرحَمُهم الرّحمنُ ارحَمُوا من في الأرض يرحَمْكم من في السّماء" وفي روايةٍ أخرى: "يرحَمْكم أهلُ السماء" فهذه الرّواية تفسِّرُ الرّواية الأولى لأنّ خير ما يُفسَّرُ به الحديثُ الواردُ بالواردِ كما قال الحافظ العراقيُّ في ألفيّته، وخيرُ ما فسّرتَهُ بالوارد.

قوله صلى الله عليه وسلم: "الرّاحمون يرحَمُهم الرّحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" حديث قويّ رواه الترمذي في السنن وقال عقبه: "حديث حسن صحيح" والبخاريّ في الأدب المفرد، وهو الحديث المشهور بالمسلسل بالأوليّة، فإنّ كثيرًا من الشيوخ روَوْه مسلسلًا شيخًا عن شيخه، وكلّ منهم يقول: "وهو أوّل حديث سمعتُه منه" ولهذا الحديث رواية أخرى قويّة الإسناد ذكرها الحاكم في المستدرك والإمام أحمد في المسند وهي "يرحم}كم أهلُ السماء"، وهذه الرواية الثانية تفسّر الأولى، وخيرُ ما يُفسَّرُ به الحديث الوارد بالوارد من الكتاب والسُّنة كما ذكر الحافظ العراقيّ في ألفيته: وخير ما فسّرتَهُ بالوارد.

ومعنى "ارحموا من في الأرض" بإرشادهم إلى الخير كتعليمهم أمورَ الدّين الضّروريّة التي هي سبب لإنقاذهم من النار، وبإطعام جائِعِهم وكسوةِ عاريهم ونحو ذلك "يرحمكم أهل السماء" أي الملائكة التي في السّماء باستغفارهم للمؤمنين وإنزال المطر وغير ذلك من الرّحمات، فينفحونهم(19).

ثم المراد بأهل السماء الملائكة، ذكر ذلك الحافظ العراقيّ في أماليَه عقِيبَ هذا الحديث، ونصّ عبارته "واستُدِلَّ بقوله "أهلُ السماء" على أنّ المراد بقوله {من في السماء} سورة المُلك 16، الملائكة" اهـ، لأنّه لا يقال لله "أهلُ السماء".

المراد برواية "أهلُ السماء" الملائكةُ، ولا يقال الله أهل السماء، ورواية "من في السماء" محمولة عليها في المعنى، فيكون المراد "بمَن" الملائكة أيضًا.

وكذلك يُحمَل قوله تعالى: {ءَأمِنْتُم من في السماء أنْ يَخْسِفَ بكم الأرض} سورة الملك، 16، على أن المراد بمَنْ الملائكة أيضًا، وقد استُدلّ برواية "أهلُ السّماء" على أن المراد بقوله [تعالى] من في السماء الملائكة أيضًا لأنّهم هم سكّان السموات، ذكر ذلك الحافظ العراقيّ في أمالِيّه.

و"مَنْ" تصلُحُ للمفرد وللجمع، فلا حجّة لهم في الآية، ويقال مثلُ ذلك في الآية التي تليها وهي {أم أمِنتُم من في السّماء أن يُرسِلَ عليكم حاصِبًا} سورة الملك، 17 فمَنْ في هذه الآية أيضًا أهلُ السماء.

إنّ قال المشبّهة: كلمة "مَن" تُستعمَل للمفرد فلا يصحّ حملها على الملائكة لأنّهم جَمْع، فالجواب أنّ لغة العرب تجيز استعمال "من" الموصوليّة بمعنى المفرد والجمع، ففي علم النّحو معروف استعمال "من" لضمير الجمع كما في قوله تعالى {ومنهم من يستمعون إليك} يونس 42، كما تُستعمل لضمير المفرد كما في قوله تعالى {ومنهم مَن يستمع إليك} الأنعام 25 وقولِه تعالى {ومنهم مَن ينظر إليك} يونس 43، ويُرَدُّ أيضًا على المشبه الذي يزعُمُ أنّ الله عزّ وجلّ موجود بذاته في السماء بقوله تعالى:

{ونُفِخَ في الصُّور فصَعِقَ من في السموات ومَن في الأرض إلّا من شاء الله} سورة الزُّمَر 68، فمَن في هذه الآية وردَتْ أيضًا بمعنى الجمع، ويقال أيضًا لهؤلاء المشبّهة: هل تزعمون أنّ الله يُصعَق، ويُردَّ كذلك بقوله تعالى {يوم نطوي السماء كطّيِّ السِّجِلّ للكتب} سورة الأنبياء، 104، فهل يزعمون أنّ الله يطوَى يوم القيامة كطي الكتب! فمن في قوله تعالى {ءأمِنتم مّن في السّماء أن يخسف بكم الرض} يراد بها الملائكة، وكذلك يقال في الآية التي تليها {أم أمِنتُم من في السماء أن يُرسِلَ عليكم حاصِبًا} سورة الملك، 17.

فإن الله يسلّط على الكفّار الملائكة إذا أراد أنْ يُحِلَّ عليهم عقوبتَهُ في الدّنيا كما أنّهم في الآخرة هم الموكّلون بتسليط العقوبة على الكفار لأنّهم خزنة جهنّم وهم يَجُرُّون عُنقًا من جهنّم إلى الموقِف ليرتاع الكفّارُ برؤيته.

المراد "بمن في السماء" في الآيتين المتقدّمِتَي الذكر الملائكة، فقوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء أن يخسِفَ بكم الأرض فإذا هي تمُور} معناه أتأمَنُون عذابًا ينزلُ به المَلكُ بأمرٍ من الله فيخسِفَ بكم الأرض بأن تذهبَ سُفْلًا كما خَسَفَ جبريلُ بمدن قومٍ لوط {فإذا هي تَمُور} أي الأرض تتحرك بكم فتذهَبُ وتجيء، {أم أمنتم من في السماء أن يرسِلَ عليكم حاصبًا} أي ريحًا شديدةً ذاتَ حجارةٍ من السّماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل {فستَعْلَمون} أيّها الكفرةُ {كيف نذير} أي كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذّبتم به وَرَدَدْتُم الحقّ فلم تقبلوه، فإذا عايَنتم العذاب فستعلمون أنّ إنذاري بالعذاب حقّ.

وتلك الرواية التي أوردَها الحافظُ العراقيُّ في أمالِيّه لفظُها: الرّاحمون يرحَمُهم الرّحيمُ ارحموا أهلَ الأرضِ يرحمكم أهلُ السّماء".

الرواية التي ذكرها الحافظ العراقيّ في المجلس السادس والثمانين من "أماليّه" لفظُها: ؟الراحمون يرحَمُكم الرّحيم ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهلُ السّماء" وهو يرويها من طريق الحسن الزعفرانيّ وإسنادها حسن، وأمّا رواية الحاكم في المستدرك فهي: "الراحمون يرحَمُكم الرّحمن ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء" وإسنادها صحيح صحّحها الحاكم ووافقه الذهبيّ.

فظهر بذلك أنّ تمسُّك المشبّهة بالآيتين الواردتين في سورة المُل وحديثِ الرّحمة المتقدّم ذِكرُه للاحتجاج بذلك على أن الله تعالى موجود في السماء واقع في غير محلّه وجارٍ على غير السُّنن أي الطُّرُقِ التي تدِلّ عليها أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواياتُها المختلفة، ولو حُمِلَت هذه النصوص على الظاهر الذي يريدونه لوقع التعاوض ولأدّى ذلك إلى نسبة وقوع الصَّعْقِ على الله تعالى ونسبةِ الحيّز والصورة والحجم له عزَّ وجلَّ، تعالى اللهُ عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.

ثم لو كان الله ساكنَ السماء كما يزعُم البعض لكان الله يزاحِمُ الملائكة وهذا محال، فقد ثبت حديثُ أنّه "ما في السموات موضعُ أربعِ أصابِعَ" وفي لفظٍ "شِبْرٍ" "إلّا وفيه ملكٌ قائمٌ أو راكعٌ أو ساجد".

لو كان الله يسكُن السماء كما زعمت المشبهة لكان عزّ وجلّ يزاحِمُ الملائكة لأن السموات مملوءات بهم وهذا محال، فقد ثبت حديث الترمذيّ في سُننه وهو "ما في السموات موضعُ أربعِ أصابعَ" وفي لفظٍ "شِبْرٍ" "إلّا فيه ملكٌ" يصلّي فهو "قائم أو راكع أو ساجد"، فهل تزعُم المشبّهة أنّ الله منحصِرٌ فيما دون قدرِ شِبرٍ أو أربعِ أصابعَ!

وكذلك الحديث الذي رواه البخاريّ ومسلم عن أبي سعيد الخُدريّ أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ألا تأْمَنُوني وأنا أمينُ من في السّماء يأتيني خبرُ من في السّماء صباحَ مساء" فالمقصود به الملائكة أيضًا، وإن أريد به الله فمعناه الذي هو رفيع القدر جدًّا.

قوله صلى الله عليه وسلّم "وأنا أمينُ من في السماء" معناه أنّه صلى الله عليه وسلّم مؤتَمَنٌ مُصَدَّقٌ عند الملائكة، فهم يعتقدون أنه صلى الله عليه وسلم أمين صادق في إبلاغ الوحي، وقوله "يأتيني خبرُ مَن في السّماء صباح مساء" معناه يأتيه وينزل عليه صلى الله عليه وسلم خبرُ الملائكة، فالمقصود بقوله "مَن في السماء" في هذا الحديث أيضًا الملائكة لا اللهُ تعالى. وإنْ أريدَ به الله على ما ذهب إليه بعضهم فمعناه الذي هو رفيع القدر جدًّا على نفس التأويل الذي أوّلَ به البعض حديث الجارية المتقدِّمَ ذِكرُه.

وأمّا حديث زينب بنتِ جَحْشٍ زوجِ النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنّها كانت تقول لنساء الرسول صلى الله عليه وسلّم: "زوَّجَكُنَ أهالِيكُنَّ زوجني الله مِن فوقِ سبع سمواتٍ" فمعناه أنّ تزوُّجَ النّبي صلى الله عليه وسلّم بها مُسَجَّل في اللوح المحفوظ، وهذه كتابة خاصّةٌ بزينب ليست الكتابة العامّة، الكتابة العامّة لكلّ شخصٍ فكلُّ زواج يحصل إلى نهاية الدّنيا مسجَّل، واللوح فوقَ السّموات السّبع.

هذا الحديث ليس فيه إثبات المكان لله تعالى كما زعم بعض المسبّهة انسياقًا خلف وهمهم الفاسد، وإنّما الذي يثبته هذا الحديث أنّ تزويج زينب رضي الله عنها لم يقع بوليّ وشاهدين كما هو شأن غيرها من النساء، وإنما وقع وحصل زواجُ النبيّ صلى الله عليه وسلم بها بكتابةٍ في اللوح المحفوظ فوقَ سبعِ سمواتٍ، وهذه كتابة خاصّة بزينب، وأمّا الكتابة العامّة فهي أنّ مَنْ يتزوّجُ من أهل الأرض مُسجَّل زواجه في اللوح المحفوظ أنه يحصل بحصول كذا وكذا، أي بعقدٍ من ولي وشاهدين، وأمّا زواج زينب فقد انعقد بمجرّد حلول الوقت الذي سُجِّلَ في اللوح المحفوظ أنّه ينعقد فيه، فكان زواجُها من غير مشاركةٍ لأهل الأرض في انعقاده، بل بمجرّد كتابة خاصّةٍ بزينب في اللوح المحفوظ، ثم أوحَى الله للنبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك بقوله في سورة الأحزاب {زَوَّجْنَاكَها}، فالنبيّ صلى الله عليه وسلّم تزوّج زينب بالوحي من غير وليّ وشاهدين، وهذا الذي كانت زينب رضي الله عنها تفتخِرُ به.

والحديث رواه البخاريّ وغيره بألفاظ مختلفة، منها ما فيه عبارة "فوق سبعِ سمواتٍ" ومنها ما ليس فيه ذلك، ومعناه ما تقدّم بيانه، ويُفهم من هذا البيان أنّ الجارّ والمجرور "مِنْ فوقِ" ليس متعلِّقًا بلفظ الجلالة، بل متعلّق بالفعل "زَوَّجَ".

وأمّا الحديث الذي فيه: "والذي نفسي بيدِهِ ما مِن رجُلٍ يدعو امرأتَهُ إلى فِراشه فتأبى عليه إلّا كان الذي في السماء ساخطًا عليها" الحديث، فيُحمَلُ أيضًا على الملائكة بدليل الرواية الثانية الصّحيحة والتي هي أشهر من هذه، وهي: "لعنَتْها الملائكةُ حتى تُصبحَ" رواها ابن حبّان وغيرُه.

الرواية الأولى رواها الشيخان في صحيحَيْهما، ويُفهَم منها أنّ المرأة إذا لم يكن لها عذرٌ شرعيّ كالحيض والنفاس أو كانت مريضة يضرها الجماع لا يجوز لها أن تمنع زوجها من مجامعَتِها متى ما أراد وإلّا كانت فاسقة ملعونةً مسخوطًا عليها من الملائكة، فقوله: "الذي كان في السّماء" معناه المَلَك بدليل الرواية الثانية التي رواها ابن حبّان في صحيحه وكذلك البخاريّ في صحيحه وفيها "لعنتها الملائكة" وهي أشهر من الرواية الأولى.

وأمّا حديث أبي الدّرداء أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: "ربّنا الذي في السماء تقدَّسَ اسمُك" فلم يصِحَّ بل هو ضعيف كما حكم عليه الحافظ ابنُ الجوزيّ، ولو صَحَّ فأمرُهُ كما مَرَّ في حديث الجارية.

هذا الحديث أخرجه أبو داود في سننه وهو ضعيف لأنّ في إسناده زيادة بن محمّد وقد جرحه ابنُ حبّان فقال في "المجروحين": "منكر الحديث جدًّا يروي المناكير عن المشاهير فاستحقّ التّرك"، وقال البخاري فيه "منكر الحديث"، ومن مُنكراته هذا الحديث الذي فيه "ربَّنا الذي في السّماء" كما أشار ابن حبّان بإيراده للحديث في ترجمة زيادة بنِ محمّد. ولو صحّ لكان معناه أنّ الله أعلى من كلّ شيء قَدْرًا، أو يكون معناه ربّنا الذي تقدّس اسمُك في السماء بين الملائكة، فيكون الجارّ والمجرور متعلقين بالفعل "تقدّس"، وهذا على تقدير ورودِهِ وثبوتِهِ، والحقيقة أنه غير ثابت فلا يُحوِجُ إلى تأويل، وغير الثابت لا يُحتَجّ به إجماعًا في العقيدة.

وأمّا حديث جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله على عرشه فوق سماواتِهِ وسمواتُه فوقَ أراضيه مِثلُ القُبّةِ" فلم يُدخِلُه البخاريُّ في الصّحيح فلا حجّة فيه، وفي إسناده من هو ضعيف لا يُحتجُّ به، ذكرَهُ ابنُ الجوزيّ وغيرُه.

هذا الحديث رواه أبو داود في سننه وفي إسناده محمد بن إسحاق وهو ضعيف لا يُحتجُّ به، قال الحافظ الجوزيّ في كتابه "دفع شبه التشبيه بأكفّ التنزيه" عند ذِكرِه هذا الحديث: "تفرّد بروايته محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عُتبة وكلاهما لا يُحتجّ به"، وكذلك غير ابن الجوزيّ كالحافظ البيهقيّ قال في الأسماء والصفات: "كان مالكُ بن أنس لا يرضاه ويحيى بن سعيد القطان لا يروي عنه ويحيى بن معين يقول: "ليس بحجّة"، وبناء على هذا فإنه لا يُحكَم على هذا الحديث بالصّحّة، ولذا لم يُدخِلْه البخاريُّ في الصحيح مع أنّه يرويه في بعض كتبه الأخرى التي لم يِشترِط فيها الصّحة، مسائل العقيدة، فهو ساقط من مرتبة الاحتجاج.

وكذلك ما رواه في كتابه "خَلْق أفعال العباد" عن ابن عبّاس أنّه قال: "لمّا كلّم اللهُ موسى كان نداؤه في السّماء وكان اللهُ في السّماء" فهو غير ثابت فلا يُحتَجُّ به.

هذا القول الذي رواه البخاريّ في كتابه "خلْق أفعال العباد" عن ابن عبّاس أيضًا غير ثابت فلا يُحتَجُّ به، والبخاريّ لم يلتزم أن لا يذكر إلا الصّحيح في هذا الكتاب، لذلك لا يُكتفَى لتصحيح الحديث بمجرّد ذكره فيه، بل ذكرَهُ البخاريّ في كتابه "خلق أفعال العباد" بدون سند قائلًا: قال ابن عبّاس، فكيف يُحتَجُّ به في الاعتقاديّات؟!

وأما القول المنسوب لمالكٍ وهو قول "الله في السماء وعِلمُه في كلِّ مكانٍ لا يخلو منه شيء" فهو غير ثابت أيضًا عن مالك، وأبو داود لم يُسْنِدْهُ إليه بالإسناد الصّحيح، بل ذكره في كتابه "المسائل" ومجرّدُ الرواية لا يكون إثباتًا.

هذا القول المنسوب للإمام مالكٍ لا يثبت عنه، فقد ذكرَهُ ابنُ جماعة في كتابه "إيضاح الدليل" وقال فيه: "قال أحمد بن حنبل: عبدُ الله بن نافع لم يكن صاحب حديث وكان ضعيفًا فيه" فهذا نَقْلٌ عن الإمام أحمد أنّ عبد الله ابنَ نافع الصّائغ كان ضعيفًا في رواية الحديث، بل قال ابن فرحُون فيه: "كان أصمَّ أميًّا لا يكتب" ولا شك أنّه لا يثبت عن مالك قولٌ بمثل هذا السّند. وأبو داود لم يُسنِدْه إلى مالك بإسناد صحيح، بل ذكرَهُ في كتابه "مسائل الإمام أحمد" ومجرّد الرواية لا يكون إثباتًا(20).


(19) بنفحاتِ خيرٍ، ويمُدُّونهم بمددِ خيرٍ وبركةٍ ويحفظونهم على حسب ما يأمرهم الله تعالى.

(20) الوفاة: أبو حنيفة 150هـ/ مالك 179هـ/ الشافعي 204هـ/ أحمد بن حنبل 241هـ.