واعلم يا أخي المسلمِ أنّ هناك اعتقاداتٍ وأفعالًا وأقوالًا تنقُض الشهادتين وتوقِعُ في الكفر لأن الكفر ثلاثة أنواع: كفر اعتقاديّ وكفر فعليّ وكفر لفظيّ.
الكفر ثلاثة أنواع: كفر اعتقاديّ كما يُفهَمُ من قوله تعالى في سورة الحُجُرات {إنّما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثمّ لم يرتابوا}، أي لم يشكُّوا والشك يكون بالقلب. وكفر فعليّ كما يُفهَم من قوله تعالى في سورة فُصِّلَتْ {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر}، وكفر لفظيّ كما يفهم من قوله تعالى في سورة التوبة {يحلِفُون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم}. وكلّ من هذه الأنواع الثلاثة يوقع في الكفر بمفرده مِن غير شرطِ أن ينضمّ إليه نوعٌ آخر.
وذلك باتفاق المذاهب الأربعة كالنوويّ وابن المُقرِيّ من الشافعية، وابن عابدين من الحنفية، والبُهُوتي من الحنابلة والشيخ محمّد عِلّيْش من المالكيّة وغيرهم فلينظرها من شاء. وكذلك غيرُ علماء المذاهب الأربعة من المجتهدين الماضين كالأوزاعيّ فإنّه كان مجتهدًا له مذهبٌ كان يُعمَلُ به ثم انقرض أتباعه.
تقسيم الكفر إلى ثلاثة أنواع مسئلة إجماعية اتفق عليها علماء المذاهب الأربعة وغيرها كما يدلّ على ذلك استقراءُ ما ذكره ونقله العلماء في كتب العقائد والفقه والحديث والتاريخ كالإمام أبي حنيفة في رسائله الخمس التي صنَّفَها في أصول الدّين، فقد ذكر عنه القاضي كمال الدين أحمد بن حسن البيَاضيُّ صاحبُ الإشارات أنّه عَدَّ فيها بِضْعَ عشْرةَ خصلةً مخرجةً من الإسلام. وكالإمام مُحيي الدين يَحْيَى بن شرف النوويّ في المنهاج وروضة الطالبين، وأبي بكرٍ ابنِ المُقريء في تمشيته من الشافعية، ومحمّد أمين بن عمر المعروف بابن عابدين في رد المحتار على الدر المختار، والبدرِ الرشيد في رسالته في المكفِّرات من الحنفية، وكمنصور ابن يونس البُهُوتي في الرَّوْض المُرْيع شرحِ زادِ المُسْتَقْنِع من الحنابلة، والشيخ محمّد علِّيش في شرحه لمختَصر خليل من المالكية، وعلى هذا غيرُهم من فقهاء المذاهب الأربعة فلينظرها من شاء.
وكذلك غير علماء المذاهب الأربعة من المحدِّثين وغيرِهم، فقد شَهِدَت مصنفاتُهم على ذلك، كالكتب الستة وتاريخ الطبري، وهذا مذهب المجتهدين الماضيين قاطبةً كالإمام الأوزاعيّ، فإنه كان مجتهدًا له مذهب كان يُعمَلُ به ثم انقرض أتباعه، وقد أفتى الأوزاعيُّ هشامَ بنَ عبد الملك بقتل غيلان الدمشقيّ لما أظهره من عقيدة القدريّة، وكان الخليفةُ الراشدُ المجتهدُ عمرُ بن عبد العزيز قد أراد قتله قبل ذلك للسبب نفسه، فأظهر البراءة من تلك العقيدة فتركه من القتل وقال له: "إنْ كنتَ كاذبًا أذاقكَ اللهُ حَرَّ السّيف"، فتنفذت فيه دعوةُ هذا الرجل الصالح بعد ذلك.
فبَعْدَ هذا لا يُنظَرُ إلى كلام فتحي يكن في كتابه المسمّى "الموسوعة الحركيّة" حيث أنكر انقسام الردة إلى ثلاثة أنواع، وزعم أنّه أمر مبتدَعَ في هذا الزمان لم يذكره أهل العلم قبل ذلك، فكلامُه لا يُقام له وزن، وإنّما يُرْمَى به في كلّ سهْلٍ وحَزْنٍ.
الكفر الاعتقادي: مكانه القلب كنَفْي صفة من صفات الله تعالى الواجبة له إجماعًا كوجوده وكونه قادرًا وكونه سميعًا بصيرًا.
لا عُذْرَ لأحدٍ في نفي صفةٍ من صفات الله التي تجب معرفتُها على كلّ مسلم مكلّف بإجماع العلماء، وهي ثلاث عشرة صفةً: الوجود والقدم والبقاء والوحدانية والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس أي عدمُ الحاجة إلى غيره والحياةُ والعِلمُ والمشيئة والقدرة والكلام والسمع والبصر، وقد نَصّ الإمام أبو الحسن الأشعريُّ في ما نقله عنه ابن فُورك في مجرد مقالاته على كفر من أنكر هذه الصفات.
ويُعلَمُ من هذا أنّ من أنكر صفة القدرة لله تعالى يُحكَم بكفره مهما بلغ الجهلُ به، وما ذكره ابن قُتَيْبَة وابنُ الهُضَيْمي صاحب كتاب "دعاةٌ لا قضاة" وغيرهما ممن ينسب نفسه إلى العلم مَن غير حقيقةٍ من أن الجاهل إذا أنكر قدرة الله على كلّ شيء لا يكفر هو خرق للإجماع وشذوذ عن الدين وعن عقيدة أهل السنة والجماعة، فقد نقل ابن الجوزي في أخبار الصفات الإجماع على أن منكِرَ قدرة الله تعالى على كل شيء كافرٌ، ونقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح.
أو اعتقادِ أنه نور بمعنى الضّوء أو أنه روح. قال الشيخ عبد الغنيّ النابلسيّ: "من اعتقد أن الله ملأ السموات والأرض أو أنه جسم قاعد فوق العرش فهو كافر وإنْ زعم أنّه مسلم".
يُحكَمُ بالكفر على الشخص باعتقاده أنّ الله نور بمعنى الضوء، أما إذا قال: "الله نور" ولم يقصد بذلك الضوء فلا حرج عليه، لأن الله سمّى نفسه بهذا الاسم كما جاء في سورة النور {الله نور السموات والأرض}، كما روى الترمذيُّ والبيهقيُّ وغيرُهما في تعداد أسماء الله الحسنى، ومعناه الهادي أو المُنير. وكذلك يُحكَمُ على الشخص بالكفر باعتقاده أن الله روح أو أنه تعالى حالٌ في العالم أو في جزءٍ من أجزائِهِ، قال الشيخ عبد الغنيّ النابلسيّ الدمشقيّ في كتاب الفتح الرّبّاني: "من اعتقد أنّ الله ملأ السموات والأرضَ أو أنه جسم قاعد فوق العرش فهو كافر وإن زعم أنه مسلم".
الكفر الفعليّ: كإلقاء المصحف في القاذورات، قال ابن عابدين: "ولو لم يقصد الاستخفاف لأن فعله يدل على الاستخفاف"، أو أوراق العلومِ الشرعية، أو أيِّ ورقةٍ عليها اسمٌ من أسماء الله تعالى مع العِلْمِ بوجود الاسم فيها.
من الكفر الفعليّ إلقاءُ المُصحَفِ في القاذورات أو بعضٍ من أوراقِهِ، فهذا كفرٌ جزمًا بلا خلاف، قال ابن عابدين وهو من مشاهير متأخري الحنفية: "ولو لم يقصد الاستخفاف لأن فعله يدل على الاستخفاف". ومثل رَمْيَ المصحفِ رميُ كتب الحديث الشريف فإنه دالّ على الاستخفاف بالشريعة.
ومن الكفر أيضًا رميُ أوراقِ العلومِ الشرعية(2)، أو أيّ ورقةٍ عليها اسمٌ من أسماء الله تعالى أو غيرها من الأسماء المعظّمة كأسماء الأنبياء والملائكة التي قُصِدُوا بها مع العِلْمِ بوجود الاسم فيها. وأما رَمْيُ اسم محمّد وموسى وعيسى ونحوها من غير أن يُقصَد به نَبيٌّ من الأنبياء فإنه لا يكون كفرًا. وقد فَصَّلَ بعضُ العلماءِ في رمي الورقة التي فيها اسمُ الله في القاذورات فقال: من رماها استخفافًا بالله تعالى فهو كافر، ومن لم يقصد الاستخفاف باسم الله عزّ وجلّ فلا يكفر ولكنه أثم إثمًا كبيرًا. وهذا الخلاف إنما هو في رَمْي الورقة التي فيها اسم الله، وأما رَمْي المصحف في القاذورات فهو كفرٌ إجماعًا كما تقدم.
ومن علّق شعار الكفر على نفسه فإن كان بنيّة التبرّك أو التعظيم أو الاستحلال من غير ضرورةٍ كان مرتدًّا.
من علّق شِعار الكفر على نفسه كالصّليب أو لَبِس زُنَّارَ النّصارى أو قلنسوة المجوس فإن كان بنية التبرك أو التعظيم أو الاستحلال أي اعتقاد جواز ذلك من غير ضرورةٍ كان مرتدًّا. فإن علّقه من غير تعظيمٍ ولا لتبرُّكٍ ولا مع استحلالٍ لغير ضرورةٍ فلا يكفر(3)، ولكنه أثم إثمًا كبيرًا كما ذهب إليه الشافعية، وذهب أغلبُ الحنفية إلى أن ذلك كفر، فأغلب الحنفية على أنّ مَن علّق شعار الكفر على نفسه من غير ضرورة كفرٌ من غير تفصيل.
واتفق الفريقان وغيرُهما من علماء الإسلام على أن من علّق شعار الكفر على نفسه ودخل معابد الكفار مخالطًا لهم أنه يكفر لأنه فعل لا يصدر إلا من كافر إجماعًا، والقاعدة أنّ كلّ فعلٍ اتفقَ المسلمون على أنه لا يصدُرُ إلا من كافر فهو كُفرٌ.
الكفر القوليّ: كمن يشتم الله تعالى بقوله – والعياذ بالله من الكفر -: أخت ربّك، أو ابن الله، يقع الكفر هنا ولو لم يعتقد أنّ لله أختًا أو ابنًا.
نعم، يقع الكفر هنا ولو لم يعتقد أنّ لله أختًا أو ابنًا لأنه كذّب قول الله تعالى {لم يلد ولم يولد} سورة الإخلاص/4، وقول ذلك شَتْمٌ لله عزّ وجلّ كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: "شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك"، وفسَّر ذلك بقوله: "وأما شتمه إيّاي فقوله: اتخذ الله ولدًا" رواه البخاريّ في صحيحه، وعلى ذلك فإنّ قولَ بعضهم: "نحن أبناء الله" كفر صريح لا يقبل التأويل، وما ادّعاه أحمد ديدات وغيره من أن هذا القول سائغٌ من باب المجاز أيضًا كفرٌ، وكيف يكون هذا سائغًا مقبولًا وقد ثَبَتَ في الحديث القدسيّ المتقدِّم الذِّكر أنّ نسبة الولد إلى الله شتمٌ له عزّ وجلّ!
فقول بعضهم "نحن لا نقصد البنوّة بمعنى الولادة، وإنما(4) نقصِدُ العناية والعطف والرحمة" لا عبرة به، فقد ذكر ابن عَطِيًّة في تفسيره "المحرر الوجيز" أنّ إطلاق نسبة البُنُوّة إلى الله ولو قُصِد به الحنان – كفرٌ، ثم إنّ هؤلاء قد وافقوا اليهود بقولهم هذا، لأن اليهود لمّا قالوا "نحن أبناء الله" ما قصدوا أنّ الله ولدَهم، إنما قصدوا أنّ الله يعزّهم، ومع ذلك فإن الله تعالى كفّرهم وردّ دعواهم بقوله عزّ وجلّ {وقالت اليهودُ والنَّصارى نحن أبناء الله وأحِبّاؤه قل فلِمَ يعذِّبكُم بِذُنُوبِكم بل أنتم بشرٌ ممّن خَلَقَ} سورة المائدة/18.
ولو نادَى مسلمٌ مسلمًا آخَرَ بقوله: "يا كافر" بلا تأويل، كَفَر القائل لأنه سَمّى الإسلام كفرًا. ويكفر من يقول للمسلم "يا يهوديُّ" أو أمثالها من العبارات بنيّة أنه ليس بمسلم إلّا إذا قصد أنه يشبهُ اليهودَ فلا يكفر.
ولو نادى مسلمٌ مسلمًا آخر بقوله يا كافر، ففي ذلك تفصيل، فإن أراد تكفيره بلا تأويل، أي قصد بقوله هذا أنه خارج من الإسلام مع معرفته بأنه مسلم كفر القائل عندئذٍ لأنه سمّى الإسلام كفرًا، وكذا لو قال له يا يهوديُّ أو أمثالها من العبارات من غير تأويلٍ، أي قالها بنية أنه ليس بمسلم، ويدل على ذلك ما رواه البخاريّ في الصحيح أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن رَمَى مسلمًا بالكفر أو قال عدوّ الله إلّا عادت عليه إنْ لم يكن كما قال"، وفي لفظ لهذا الحديث: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باءَ بها أحدُهما فإن كما قال وإلا رجعت عليه" رواه مسلم في صحيحه. فقد حذّرنا رسول الله في هذا الحديث من أن نقول لمسلم كافرُ أو عدوَّ الله، وبيّن لنا أن من قال ذلك لمسلم يعود عليه وَبال هذه الكلمة.
وأمّا إن قال له ذلك متأوّلًا بنوعِ تأويلٍ فلا يكفر بأن قصد أنه يُشبهُ الكفار في عَمَلِهِ بأن رآه يجالس الكفار مثلًا ويوادُّهم ويوافِقُهم في كثير من أمورهم فقال له أنت كافر قاصدًا بذلك أنه يشبه الكفار في عمله لا أنه كافر حقيقةً فلا يكفر، أو قال لمسلم يعامل الناس بالربا ويظلِمُهم بلا شفقة: يا يهوديُّ وقصد أنه يشبه اليهود في معاملاته فلا يكفر عندئذٍ لتأوّلِهِ، ومِثْلُهُ رجلٌ بلَغَه أن إنسانًا مسلمًا انتحر فقال: مات كافرًا، لأن القائل لجهله يظنّ أن الانتحار كفرٌ فإنه في هذه الحال لا يكفر، لأن له تأويلًا وهو اعتماده على سببِ في ذلك الشخص ظنّه مخرجًا من الإسلام، وهو ليس كذلك، أي عرضَتْ له شُبهة ظنَّ بسببها أن الانتحار مخرِج من الإسلام، وفي الحقيقة ليس مخرجًا من الإسلام.
ولو قال شخص لزوجته: أنتِ أحبُّ إليّ من الله أو أعبدُكِ كفر إن كان يفهم منها العبادة التي هي خاصّة لله تعالى.
لو قال شخص لزوحته: أنت أحبُّ إليَّ من الله كَفَرَ لأنّ هذا اللفظ استخفاف بالله تعالى, ولو قال لها: أعبدكِ كفر أيضًا لأنّ فيه إشراكًا بالله عزّ وجلّ، لكن إن كان القائل لا يفهم من قوله: أعبدكِ، العبادة التي هي خاصة لله تعالى، بل يظن شدّة الجهل أنّ معنى هذه الكلمة أحبّكِ محبّة شديدة فلا يكفر.
ولو قال شخص لآخر: الله يظلمك كما ظلمتني كَفَرَ القائلُ لأنّه نَسَبَ الظلم إلى الله تعالى، إلّا إذا كان يفهم أنّ معنى يظلمك ينتقم منك فلا نكفّره بل ننهاه.
الظُّلم معناه التصرف في مِلك الغير بما لا يَرْضَى، وعُرِّف أيضًا بأنه مخالفَةُ أمرِ ونَهْيِ من له الأمر والنهيُ، فمن قال لآخر: "الله يظلمك كما ظلمتني" كفر لأنه سبحانه وتعالى لا آمر له ولا ناهٍ، وكلُّ شيءٍ في العالم مُلكُه على الحقيقة لا يُسأل عمّا يفعل والعباد يُسألون، قال الله تعالى: {وما ربُّك بظلاّمٍ للعبيد}سورة فُصّلت، فمن زعم خلاف ذلك فقد كذّب القرآن. ولكن إذا قال ذلك وكان يفهم أن معنى يظلِمُك ينمتقم منك فلا نكفّره بل ننهاه، ولا يخفى أن معنى قولنا يفهَمُ إلى آخره أنه يعتقد أنّ هذا هو معنى كلامه في اللغة، وأما الذي يقول "الله يظلمك" ويقف عندها فإنه يكفر ولا تأويل لكلامه، ومن يشك في ذلك يكفر ولو نوى أنه ينتقم منه.
ولو قال شخص لشخص آخر (بعامّية بعض البلاد) والعياذ بالله: "يلعن ربك" كفر.
الذي يقول "يلعن ربك" كفر كفرًا صريحًا ولا تأويل لكلامه، وهذه الكلمة عاميّة تستعمل في بلاد الشام بمعنى أنه يقول: "ألعَنُ ربّك" والعياذ بالله.
وكذلك يكفر من يقول للمسلم (بعامية بعض البلاد): "يلعن دينك". قال بعض الفقهاء: إن قصد سيرته فلا يكفر، قال بعض الحنفية: يكفر إن أطلق، أي لم يقصد سيرته ولا قصد دين الإسلام.
يكفر من يقول للمسلم: "يلعن دينك" وهو لا يفهم من ذلك إلا لَعْنَ دين المسلم وهي كلمة عامية أيضًا تُستعمل في بلاد الشام، وأما إذا قصد بالدين السيرة، أي قصَدَ لَعْنَ عاداته وأخلاقه الخبيثة فلا يكفر. وأما إن أطلق، أي لم يقصد سيرتَهُ ولا دينَ الإسلام فإنه يكفر، لأن إطلاق مثل هذه العبارة يُحْمَلُ عند فَقْدِ القرينة على المعنى الظاهر أي على الاعتقادِ كما يشير إلى ذلك كلامُ ابن عابدين في الحاشية.
وكذلك يكفر من يقول – والعياذ بالله –: "فلان زاح ربّي"، لأنّ هذا فيه نسبة الحركة والمكان لله.
يكفر من يقول هذه الكلمة لأنّ فيها نسبة الحركة والانتقال إلى الله تعالى، وبعضهم يفهَمُ منها نسبة الإحساس بالضيق والانزعاج إليه سبحانه وتعالى، وهذان معنيان مستحيلان في حقّ الله تعالى.
وكذلك يكفر من يقول – والعياذ بالله -: "قَدْ الله" يقصد المماثلة.
يكفر من يقول – بعامية بعض البلاد -: "قد الله"، وهي كلمة يستعملها بعض السفهاء في بلاد الشام، ويقصد أحدُهم المُماثلة في الحجم والمِقدار، وبعضُهم يقصد منه القَدْرَ فيقول: "أنا شايف حالي قد الله" أي أنه يساوي الله في القَدْر والعياذ بالله، وهذا كفرٌ أيضًا.
وكذلك يكفر من نَسَبَ إلى الله جارحةً من الجوارح، كقول بعض السّفهاء: "يا زُبَّ الله"، وهو لفظ صريح في الكفر لا يُقبَلُ فيه التأويل.
يكفر من نسب إلى الله تعالى جارحة من الجوارح كالرأس أو الأُذُن أو اللسان أو غيرِ ذلك من الأعضاء كقول بعض السّفهاء: "يا زُبّ الله"، وهو لفظ صريح في الكفر لا يُقبل فيه التأويل، وهم يفهمون أن معنى الزُّبّ الآلة التي هي الذكر، وقد شاعت هذه الكلمة في عدّة قُرة في لبنان وسوريا، فلا يجوز السكوت عن النهي عنها، بل النهيُ عنها أولى من النهي عن الزنى والسّرقة والرِّبا وكشفِ المرأة رأسها في الطريق، قال شيخنا العبدريُّ رحمه الله: أخبرني ثقة بأنه كان يحذِّرُ أهله الذين ببلدة بلودان من هذه الكلمة قال: حذَّرْتُ امرأة من قرائبي كبيرةً في السِّنِّ من هذه الكلمة، فقالت: "أليس له ذلك الشيء" اهـ.
وكذلك يكفر من يقول: "أنا ربُّ من عمِلَ كذا".
يكفر من يقول هذه الكلمة لأنه جعل نفسه ربًّا للعباد، ومِثْل ذلك لو قال: أنا ربُّ النّجّارين أو أنا ربُّ التُّجّار أو أنا ربُّ النّحاة، فإنه يكفر لأنه لا معنى لذلك إلّا أنه خالقُهم. أما إذا قال: "أنا ربّ هذه الصنعة" كالتجارة بمعنى أنّي خبير بها فلا يكفر، أو قال أنا ربّ النحو بمعنى أنه يُتقِنُه فإنه لا يكفر أيضًا. ويجوز أن يقال لمن يملك شيئًا كدابّة أو بستان أو جاريةٍ أو عبدٍ: فلان ربّ هذه الدابّة أو ربّ هذه الجارية أو ربّ هذا العبد" بمعنى سيّدِهِ، قال صاحب القاموس الفيروزآبادي في القاموس المحيط:
"ربّ كلّ شيء مستحقّه"(5). وما شاع في بعض البلاد من قولهم عن الأب: "ربّ العائلة". فهو قبيح لا يَسُوغ لغةً، لأنه لا يصح في اللغة وَصْف الشخص بأنه ربّ الأشخاص الأحرار الذين يَعُولهم، على أن كثيرًا من الذين يلهجون بهذا اللفظ أو بلفظ "ربّ الأسرة" لا يفهمون المعنى اللغويَّ للعبارة، وإنما يظنّون أنها تُطلق على من يكفي عِيالَهُ حاجاتِهم فلا يُحكَم بكفرهم حينئذٍ.
وكذلك يكفر من يقول – والعياذ بالله -: "خَوَت ربّي".
يكفُر من يقول هذه الكلمة، وهي لفظة عامية معناها جَعَله مجنونًا أو كالمجنون أو سَبّبَ له ذلك، ولا يخفَى ما في ذلك من تنقيص في حقّ الله عزّ وجلّ.
أو قال للكافر: "الله يكرمّك" بقصدِ أن يُحِبّه الله، لأنّ الله تعالى لا يحبّ الكافرين، كما قال تعالى: {فإن تَوَلَّوْا فإنّ الله لا يحبّ الكافرين} سورة آل عمران/32.
يكفر من يقول للكافر: "الله يكرمك" بقصد أن يحبّه الله لأن الله لا يحبّ الكافرين كما قال تعالى في سورة آل عمران {فإن تَوَلَّوْا فإنّ الله لا يحبّ الكافرين} أي فإن أعرضوا عن الإيمان بالله ورسوله فهم كفّار لا يحبّهم الله لِكُفرهم. وأمّا من قال لكافر: "أكرمك الله" ولا يريد بذلك أنّ الله يحبّه أو أنّه مقبول عند الله تعالى، بل أراد الدعاء له بالتّوسعة في الرّزق فلا يكفر، لأنّ هذا معنًى تحتملُه هذه الكلمة في اللغة العربية، فيقال: فلان أكرمه الله بمالٍ كثيرٍ مثلًا.
وكذلك القول للكافر: "الله يغفِرُ لك" إنْ قصد أنّ الله تعالى يغفِرُ له وهو على كفره إلى الموت.
من قال للكافر الحيّ: "الله يغفِرُ لك" وقَصَدَ أن يغفر الله له وذنوبه وهو باقٍ على كفره إلى الموت، أي مع مواظبته على الكفر حتى يموت كَفَرَ، لأنّ هذا تكذيب لقوله تعالى في سورة النساء {إنّ الله لا يغفِرُ أن يُشرَكَ به ويغفِرُ ما دون ذلك لمن يشاء}، وقال تعالى: {ما كان للنّبيّ والّذين آمنوا أن يستغفِروا للمشركين ولو كانوا أُولي قُرْبَى مِن بَعْدِ ما تبيَّنَ لهم أنّهم أصحاب الجحيم} سورة التوبة/113.
وأما إن قصد من قوله ذلك أن يغفِرَ الله له بالإسلام فلا يكفر.
وكذلك يكفر مَن قال لمن مات على الكفر: الله يرحمُه" بقصد أن يُريحَه في قبره، لا بقصد أن يُخفّفَ عنه عذابَ القبر من غير أن ينال راحةً، فإنّه إن قال ذلك بهذا القصد فيحتمل أنّه لا يكفر.
يكفر من يقول لمن مات على الكفر "الله يرحمُه" بقصد أن يريحه في قبره من العذاب، لأنّ طلَبَ الرّحمة للكافر بعد موته على الكفر تكذيب للشّرع فإنّ الله تعالى أخبر في القرآن الكريم أنّ الكافر لا يُرحَمُ في الآخرة، فمن طلب له الرّحمة مع ذلك من الله فكأنه يقول: يا ربّ كذّبْ نفسَك أو كذِّبْ شَرْعَك، فالله تعالى أخبرنا في القرآن أنّ رحمته وَسِعَتْ في الدّنيا كلّ مؤمن وكافرٍ أما في الآخرة فقد جَعَلها خاصَّةً بالمؤمنين، قال تعالى: {ورحمتي وسِعَتْ كلَّ شيءٍ فسأكتُبها للّذين يتّقون} سورة الأعراف/156.
وأمّا إذا قال بقصد أن يُخفَّفَ عنه عذابُ القبر من غير أن ينال راحةً وكان يَجْهَلُ أنّ الكافر لا يُخَفَّفُ عنه عذابُ القبر، فإنّه لا يكفر.
وأما في حال حياته فالتّرحُّم عليه – أي على الكافر – جائز لأنّه يجوز أن يهتدي فيسلم فيموت على الإسلام.
ويكفر من يستعملُ كلمة الخلقِ مضافةً للنّاس في الموضع الذي تكون فيه بمعنى الإبراز من العدم إلى الوجود كأن يقول شخصٌ ما: "أخلُق لي كذا كما خلقك الله".
كلمة الخَلْق لها في لغة العرب خمسة معانٍ، أحدها معنى الإبراز من العدم إلى الوجود، وعلى هذا المعنى لا تُستعمَل مضافةً إلى غير الله، لأنّه لا مُبرَز لشيء من الأشياء من الوجود إلى العدم إلا الله، كما قال الله تعالى في سورة الزُّمَر {الله خالقُ كلِّ شيء}، هذا مع إجماع المسلمين على عدم إطلاق لفظ الخالق إلّا على الله عزّ وجلّ. وأمّا استعمال كلمة الاختراع في حق الإنسان فلا يضرّ بالاعتقاد، فيقال مثلًا: "فلان اخترع كذا".
ويكفُرُ من يشتمُ عزرائيل عليه السّلام كما قال ابنُ فَرحُونٍ في "تبصرة الحكّام"، أو أيَّ ملكِ من الملائكة عليهم السّلام.
من يشتِمُ سيدنا عزرائيل عليه السّلام فإنّه يكفر كما نَصَّ على ذلك ابن فَرحُونٍ المالكيُّ في تبصرة الحكّام، وكذا يكفر من يشتم أيَّ مَلَك من ملائكة الله كجبريل وإسرافيل وميكائيل وغيرِهم عليهم السّلام.
وكذلك من يقول: "أنا عايف الله" أي كَرِهت الله.
كذلك يكفر من يقول "أنا عايف الله" لأنّ هذه الكلمة استهزاء صريح بالله تبارك وتعالى.
ويكفر من يقول: "الله لا يتحمّل فلانًا" إذا فَهِمَ العَجْز، أو أنّ الله ينزعج منه، أمّا إذا كان يفهم من هذه الكلمة أن الله يكرَهُه فلا يَكْفر.
يكفر من يقول: "الله لا يتحمّل فلانًا" إذا كان يفهم من ذلك نسبة العجز إلى الله تعالى، أو أنّ الله ينزعج منه ويحصل له انفعال، أمّا إذا كان يفهم من هذه العبارة أنّ الله لا يحبّ هذا الإنسان لفِسْقِهِ – وإن كان مسلمًا – فلا يكفر.
ويكفر من يقول: "يلعن سماء ربّك"، لأنّه استَخَفَّ بالله تعالى.
يكفر من يقول – بعامّيّة بعض البلاد كبلاد الشام -: "يلعن سماء ربّك" إذا فَهْمُهم من هذه الكلمة شَتْمُ الله عزّ وجلّ، وكذلك يكفر لو قصد سَبَّ السماء التي هي مسكن الملائكة لأنّه حقّر ما عَظَّمَهُ الله عزَّ وجلَّ، فالله تعالى عَظّم شأن السماء فجَعَلها مسكنَ الملائكة وقِبلةَ الدعاء ومهبِطَ الرحمات والبركات، فتحقِيرُها استهزاءٌ بما عَظّم الله.
وأمّا من يقول: "يلعن سماك" فإن أراد مسكن الملائكة فالحكم كما تقدّم، وإن أراد سَبَّ سقف البيت الذي هو فيه أو الفراغ الذي يلي موضع إقامته أو يعلو رأسَهُ فلا يكفر على أنّ ما ذُكِرَ يُسمَّى أيضًا في لغة العرب سماءً.
وكذلك من يسمّي المعابد الدّينيّة للكفّار بيوتَ الله.
كذلك يكفر من يسمّي المعابد الدّينيّة للكفار بيوت الله، كما يفعل مُداهنةً وجهلًا كثير من المنتسبين إلى الإسلام في هذه الأيّام، فإنّها بيوت بُنِيَت لتنقيص الله تبارك وتعالى وتكذيب نبيّهِ، وليُسْرَدَ فيها الكفر الذي يناقض العقيدة الحقّة، فمن أين تكون بعد ذلك بيوتًا معظّمةً عند الله!
نَعَمْ لو بُنيَ مسجدٌ لعبادة الله تعالى ثم استولى عليه الكفّار فحوّلُوه مكانًا يُستعمَل للكفر أو لجمع القاذورات أو متحفًا كما فُعِلَ في بلاد الأندلس وفِلَسْطِينَ وتركية وغيرها من البلاد لم يَخرُجْ بذلك عن حكم المسجدِيّة، وليست هذه الأماكنُ مراد المصنّف رحمه الله بالمعابد التي ذكرها كما هو ظاهر من كلامه.
وأمّا قوله تعالى {ولولا دَفْعُ الله النَّاسَ بعضَهم ببعضٍ لهُدِّمَتْ صوامِعُ وبِيَعٌ وصَلواتٌ ومساجدُ} سورة الحج/40، فالمراد به معابد اليهود والنّصارى لمّا كانوا على الإسلام، لأنها كمساجد أمّة محمّد حيث إن الكلّ بُني لتوحيد الله وتمجيده لا لعبادة غير الله، فقد سمَّى الله المسجد الأقصى مسجدًا وهو ليس من بناء أمّة محمد.
يعني أنّ معابد اليهود والنصارى لمّا كانوا على الإسلام بُنِيَت لتوحيد الله وتمجيده لا لعبادة غير الله، ومنها الصّوامع جمع صَوْمَعَةٍ، وهي أبنية مُحَدّبة الرؤوس ضيّقة الأعلى واسعة الأسفل، تبنى على أماكن مرتفعة كان يتعبّد فيها الراهب من النّصارى قبل أن يُشركوا بالله عزّ وجلّ، كانوا يبنونها على التّلال ويقصدون بذلك التّفرغ لعبادة الله كخلوات الصّوفية عندنا.
وكذلك البِيَعُ جمعُ بِيعَةٍ، كانت مُتَعَبَّدَ النّصارى لمّا كانوا مسلمين وقتذاك، وأما الصَّلوات جمع صَلُوتا لغة عبرانية – فهي الأماكن التي كانت اليهود المسلمين تتعبّد فيها قبل أن يكفروا بتكذيبهم المسيح عليه السلام، فإنّهم كانوا قبل ذلك مسلمين على شريعة التوراة الأصليّة قبل التّحريف، والمساجد المراد بها في هذه الآية مساجد أمّة محمد صلى الله عليه وسلّم.
فهذه الأماكن كلُّها بُنِيَتْ لتوحيد الله وتعظيمه، فهي كمساجد أمّة محمد صلى الله عليه وسلّم في ذلك، وتسمية الله تعالى المسجد الأقصى مسجدًا مع أنّه ليس من بناء أمّة محمّد يدلّ على أنّه بُني أيضًا لتوحيد الله وتمجيده، قال تعالى {سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} سورة الإسراء/1.
فهذه الأماكن المباركةُ كلّها بنيت لتوحيد الله تعالى، فهي مغايرة للمعابد الدينية التي رفعَتْها النّصارى واليهود اليوم، فإنّ هذه بُنِيت للإشراك بالله عزّ وجلّ. فلا تقاص هذه على تلك فتُسَمَّى بيوتَ الله.
ومعنى الآية أنّ الله تعالى أقام الحكّام لدفع الأذى والضَّرر ولِيَسْتَقِرَّ بهم أمانٌ بين البشر، ولولاهم لهُدِّمت صوامعُ وبِيَعُ وصَلواتٌ للمسلمين من الأمم السّابقةِ ومساجدُ للمسلمين من الأمّة المحمّديّة.
فليتقِّ الله امرؤٌ وليَحْذَرْ أنْ يُسَمِيَ ما بني للشّرك بيوت الله، ومن لم يتّق الله قال ما شاء.
ليَتّق الله امرؤٌ ويَحْذَرْ من تسمية ما بني للإشراك بالله بيوت الله، ومن لم يتّق الله قال ما شاء ثم وَجَدَ – إنْ لم يتب – عاقبة قوله في الآخرة حيث يَوَدُّ الكافرُ لو يَفتدِي من عذاب النّار بأمّه وأبيه وصاحبته وبينه وفصيلته التي تُؤوِيه، قال ربّنا تبارك وتعالى في سورة الكهف {فمن شاء فليؤمِنْ ومن شاء فليكْفُر إنّا أعتدنا للظّالمين نارًا أحاط بهم سُرادِقُها}.
وليُعلَمْ أنْ قول المؤلّف – رحمه الله -: "ومن لم يتّق الله قال ما شاء" ليس أمرًا بقول الإنسان ما يشاء ولو خالف الشريعة وكَذَّبَ الدّين، إنّما هو تهديد كما في الآية السّابقة الذِّكر، وليس ترخيصًا لمن شاء أن يكفر في الكفر، فلا وَجْهَ لقول بعض الملحدين المنحرفين المحرّفين إنّ هذه الآية فيها الإذن بحرّية الفكر بمعنى أنّ الإنسان له أن يختار الإسلام أو غيره من الأديان والعياذ بالله تعالى. ومعنى قوله تعالى {نارًا أحاط بهم سُرادِقُها} أنّ الكفّار محفوفون بنار جهنّم من جميع الجهات.
وكذلك من حدّث حديثًا كَذِبًا وهو يعلم أنّه كذِبٌ، فقال: "الله شهيد على ما أقول" بقصد أنّ الله يعلم أنّ الأمر كما قلتُ، لأنه نسبَ الجهل لله تعالى لأنّ الله يعلم أنّه كاذب ليس صادقًا.
الله يعلم الكاذب كاذبًا والصادق صادقًا(6) فإنّه يكفر لأنه نسب الجهل إلى الله تعالى، فإنّ معنى كلامه أنّ الله يعلَمُ الأمر على خلاف الواقع والشيء على غير ما هو عليه، وهذا هو الجهل، فكلامه فاسد بلا شكّ لأنّ الله يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، فالله عزّ وجلّ يعلم أنّ هذا القائِلَ كاذبٌ ليس صادقًا. وأمّا إن كان ناسيًا أنه عَمِلَ ذلك الشيء فقال: "الله شهيد أنّي ما عَمِلْتُه" فلا يكفر.
وكذلك لا يجوز القول "كلُّ واحدٍ على دينه اللهُ يُعِينُه" بقصد الدّعاء لكلٍّ.
انتشر على ألسِنَة كثيرٍ من العوامّ في بلاد الشام قولهم: "كل واحد على دينه الله يُعِينُه"، وهؤلاء يقولونه يقصد الدّعاء لكلِّ واحدٍ من المسلمين والكافرين متضمِّنًا الرّضا بكفر الكفّار فيكون كفرًا لأنّ الرّضا بالكفر كفرٌ، أي أنّهم يطلبون أن يُعِينَ الله الكافرين على الكفر فيكفرون بذلك لأنّ في ذلك الرّضا بالكفر للغير.
وأمّا من قال هذه الكلمة لا بقصد الدّعاء، بل بقصد الإخبار بأنّ الله هو الذي يُقْدِرُ الكافر على الكفر ويمكّنه منه فلا يكفر لأنّ هذا هو الاعتقاد الصحيح، فإنّ الله يهدي من يشاء ويُضلُّ من يشاء، والإعانة هنا معناها التّمكين والإقدار لا الرّضا كما يتوهّم كثير من النّاس، فالله هو الذي أعان المؤمن على إيمانه وفِعْلِ الصالحات وهو الذي أعان الكافر على كفره وفِعْل المحرّمات، وممّن صرّح بهذا إمامُ الحرمَيْن عبد المَلِك الجوينيّ في الإرشاد، والشيخ محمّد علّيش المالكيّ مفتي الدّيار المصريّة في مِنَح الجليل شرح مختصر خليل، والشيخ محمّد الباقر النّقشبنديّ.
ويكفر من يقول معمِّمًا كلامَهُ: "الكلب أحسن من بني آدم".
يكفر من يقول هذا اللفظ لأنه عامٌّ يؤدّي إلى تكذيب قول الله تعالى {ولقد كرَّمْنا بني آدم} سورة الإسراء/70، وأما إن كان في كلام القائل قرينةٌ تدلّ على التخصيص أي تخرِجُ الكلام عن عمومه أي عن أنْ يُرادَ به كلُّ جنس بني آدم فإنّه لا يكفر، سواء كانت القرينة لفظيّةً أو حاليَّةً كأن يقول مثلًا: الكلب أحسن من بني آدم الكفّار، أو كانت القرينة تدلُّ على أن قصد المتكلّم كونُ الكلب أحسن من المخاطب في بعض الخَصال كالوفاء لصاحبه الذي يرعاه فإنّه ينجو من الكفر أيضًا.
أو من يقول: "العرب جَرَب" أمّا إذا خَصَّصَ كلامَهُ لفظًا أو بقرينة الحال كقوله: "اليوم العربُ فسدوا" ثم قال: "العرب جَرَب" فلا يكفُر.
كذلك يكفر من يقول: "العرب جرب" لأنّ هذا اللفظ عامّ أيضًا، فيشمل ذمّ العرب جميعًا، من كان منهم نبيًّا أو وليًّا صالحًا ومن لم يكن، أمّا إن خصّص كلامه بقرينة لفظيّة أو حاليّة كقوله: "اليومَ العربُ فسدوا" ثم قال: "العرب جَرَب" مريدًا هؤلاء الذين يعتقِدُهم فاسدين فإنّه لا يكفر حينئذٍ، ولكنّه لا يسلَمُ من المعصية لأنه كلّ العرب اليومَ فاسدين.
ويكفر من يسمّي الشيطان ببسم الله الرحمن الرحيم، لا إنْ ذكر البسملة بنيّة التعوّذ بالله من شرّه.
يكفر من يسمّي الشيطان ببسم الله الرحمن الرّحيم لأنّه جعل هذه الكلمة الطّيّبة اسمًا للشيطان الملعون، وهذا يجري على ألسنةِ كثيرٍ من العوامّ أي على وجهٍ يوهِمُ أنّ الشيطان هو بسم الله الرحمن الرحيم.
وأمّا من قال: بسم الله الرحمن الرّحيم" عند إرادة ذِكْرِ الشيطان بنية التعوّذ بالله من شَرِّهِ مريدًا أن يحفظه الله من شرّ الشيطان ببركة البسملة فإنّه لا يكفر لأنّه لم يُسَمِّ الشّيطان بالبسملة.
وهناك بعض الشّعراء والكُتّاب يكتب كلماتٍ كفريّةً، كما كتب أحدُهم: "هرب الله"، فهذا من سوء الأدب مع الله الموقعِ في الكفر، وقد قال القاضي عِياض في كتابه الشّفا: "لا خلاف أنّ سابّ الله تعالى من المسلمين كافر". ويكفر من يستحسن هذه الأقوال والعباراتِ، وما أكثرَ انتشارَها في مؤلّفات عديدة.
بعض الشّعراء والكُتّاب ممّن لا يبالي بالدّين ولا يلتزم بالشّرع يكتب كلمات كفريّة يُضمِّنها أشعارَهُ وتصانيفه كما كتب أحدهم: "هرب الله" والعياذ بالله تعالى، وهذا من سوء الأدب مع الله الموقعِ في الكفر لِمَا فيه مِن استخفافٍ بالله ونِسبةِ التحيّز في المكان والحركةِ والفرار إليه سبحانه وتعالى. وقولُ القاضي عياضٍ في كتابه "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" أنّه لا خلاف أنّ سابّ الله تعالى من المسلمين كافر نصٌ صريحٌ على اتفاق العلماء على كُفْر من قال مِثْلَ هذه الألفاظ الشنيعة.
وسوءُ الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم بالاستهزاء بحالٍ من أحواله أو بعملٍ من أعمالِهِ.
سوء الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم بالاستهزاء بحالٍ من أحواله أو عملٍ من أعمالِهِ أو أمرٍ من أوامِرِه كفرٌ، وذلك كالذي يستهزئ بلبس العمامة أو لبسِ القميص المعروف بالجلاّبية أو الدشداشة أو استعمالِ السّواك أو إعفاءِ اللحية أو نَتْفِ الإبط. ونحو ذلك بعد أن يعلم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم فَعَل ذلك أو مدَحَه. ومن ذلك أيضًا الجلباب الذي تلبسه المرأة فوق ثيابها زيادةً في السّتر فيغطّيها من أعلى إلى أسفل، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم حثّ عليه، فمَنْ عَلِمَ ذلك واستهزأ بلبسه كَفَر.
والاستهزاء بما كُتِبَ فيه شيءٌ من القرآن الكريم، أو الأنبياء عليهم السّلام، أو بشعائر الإسلام أو بحكم من أحكام الله تعالى كُفْر قطْعًا.
الاستهزاء بالقرآن الكريم أو الأنبياء عليهم السلام كالقول إنّ سيّدنا آدم يشبه القرود أو القولِ إنّ سيّدنا يوسف عليه السّلام نوى الزّنا أو القولِ إنّ سيّدنا موسى كان سيّء الخُلُق أو القول إنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلم كان متعلّق القلب بالنساء وما أشبه ذلك كفرٌ. ومِثل ذلك الاستهزاء بشعائر الإسلام أي معالِمِه أي ما كان من علامات الدّين كالأذان ورَمْي الجِمار، والاستهزاءُ بحكم من أحكام الله كحِلِّ الطّلاق وحُرمةِ الكذِبِ ووجوبِ ستر العورة واستحباب سترِ المرأةِ لوَجْهِها، فكلّ ذلك كفرٌ قطعًا بلا خلاف.
وكذلك استحسان الكفر من غيره كفرٌ لأنّ الرّضى بالكفر كفرٌ.
من استحسَن الكفرَ الذي صدّر من غيره يكفر، كأن قيل لشخصٍ "إنّ فلانًا قال كذا من الكفر" فاستحسن هذه الكفريّة في نفسه أو بلسانه كأن قال: "لا بأس بها" يكفر، لأنه رضي بالكفر والرّضا بكفر الغير كفرٌ، قال الله تعالى {ولا يَرْضَى لعبادِهِ الكفر} سورة الزّمر/7. ومن علامات الرّضا التّصفيق لخطيبٍ قال كفرًا على وجه الرّضا والتأييد له على ما قاله، وكذا الضّحك لقولِ سفيهٍ كلمة الكفر على وجه الموافقة له على قوله، وأمّا إن كان مغلوبًا بضحكه أو مستخِفًّا بالقائل فإنّه لا يكفر.
ولا يكفر من نقل عن غيره كفريّةً حصلت منه من غير استحسان لها بقوله: "قال فلانٌ كذا"، ولو أخّر صيغة "قال" إلى آخر الجملة فيشترط أن يكون في نيته ذِكْرُ أداةِ الحكايةِ مؤخّرةً عن الابتداء.
لا يكفر من نقل عن غيره قولًا أو كتابةً كفريّةً حصلت منه من غير استحسانٍ لها بقوله: "قال فلانٌ كذا"، فإن الله تعالى قال في سورة المائدة {لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثةٍ}، ولو أخّر صيغة الحكاية إلى آخر الجملة كأن قال: "المسيح ابن الله قول النّصارى" أو "قالته النصارى" فإنّ هذا حكايةٌ مانعةٌ للكفر عن الحاكي بشرطِ أن يكون في نيّته ذِكْرُ أداةِ الحكاية آخر الجملة التي تتمضّن الكفر قبل البدء بها، فإن كان في نيّته أن يذكر أداة الحكاية مؤخّرةً ثم نسي فلا يكفر.
(2) وهذا لا تفصيل فيه.
(3) إذ لبسه خوفًا على نفسه من أذى الكفار بالقتل فلا يكفر.
(4) إذا استحل ذلك للضرورة بأن أكره لا يكفر، بل يجوز له ذلك.
(5) ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في ضالة الإبل: "حتى يلقاها ربُّها" و"حتى تلد الأمة ربّتها" وفي رواية "ربّها" وفي التنزيل حكاية عن يوسف عليه السلام {أمّا أحدُكما فيَسْقي ربَّه خمرا}.
(6) فمن قال: "الله شهيد على ما أقول" وهو يَعْلَمُ أنّ قوله على خلاف الواقع.