يجب لله تعالى الحياة، فهو حيّ لا كالأحياء إذ حياته أزليّة أبديّة ليست بروح ودم.

الحياة في حق الله تعالى صفة أزليّة أبديّة ليست كحياة غيره بروح ولحم ودم.

والدليل على وجوب حياته وجودُ هذا العالم، فلو لم يكن حيًّا لم يوجد شيء من العالم، لكنّ وجود العالم ثابت بالحسّ والضّرورة(26) بلا شك.

الدليل العقليّ على وجوب اتصاف الله بالحياة وجودُ هذا العالم، فلو لم يكن حيًّا لم يوجد شيء من العالم، لأن وجود العالم هو بإيجاد خالقٍ عالم مريدٍ قادرٍ، ولا يصحّ الاتصاف بالعِلم والإرادة والقدرة إلّا لمن اتّصف بالحياة، لأنّ من ليس حيًّا لا يتصف بالعِلم والإرادة والقدرة، ولذلك قالوا: لو لم يكن الله تعالى حيًّا لما وُجِدَ العالم، لكنّ وجود العالم ثابت بالحسّ والضرورة بلا شك.

وأمّا البرهان النقليّ على اتصاف الله تعالى بهذه الصفة فنصوص منها قوله تعالى في آية الكرسي من سورة البقرة {الله لا إله إلّا هو الحيّ القيّوم}.

الوحدانيّة

معنى الوحدانيّة أنّه ليس ذاتًا مؤلّفًا من أجزاء، فلا يوجد ذاتٌ مِثْلُ ذاتِهِ وليس لغيره صفة كصفته أو فِعْلٌ كفِعْله.

معنى وحدانية الله أنّه عزّ وجلّ لا يوجد ذات مِثلُ ذاتِهِ، أي الله ليس له ثانٍ في الذات، وليس لغيره صفةٌ كصفته أو فِعْل كفِعْله، فلا نظير له تعالى في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

ومعنى الوحدانية أيضًا أن ذاته تعالى ليس مركبًا من أجزاء وإلّا لكان جسمًا صغيرًا أو كبيرًا كسائر الأجسام المركبة ولافتقر إلى المخصِّص والمكان والتحيّز والمقدار والجهة فيكون حادثًا محتاجًا إلى محدِثٍ وهذا محال في حقّه عزّ وجلّ.

وليس المراد بوحدانيّته وحدانيّة العدد، إذ الواحدُ في العدد له نصف وأجزاءٌ أيضًا، بل المراد أنّه لا شبيه له.

ظهر ممّا تقدّم بيانه أنّ المراد بالوحدانية نفيُ الشبيه عن الله سبحانه وتعالى لا أنه واحد من جهة العدد، وقد قال الإمام أبو حنيفة في بيان ذلك: "والله واحد لا من طريق العدد" أي لا من طريق العدد فيتوّهَمَ له ثان "ولكن من طريق أنّه لا شريك له".

وبرهان وحدانيّته هو أنّه لا بُدّ للصانع من أن يكون حيًّا قادرًا عالمًا مريدًا مختارًا، فإذا ثبت وَصْفُ الصّانع بما ذكرناه قلنا: لو كان للعالم صانعان وجب أن يكون كلُّ واحدٍ منهما حيًّا قادرًا عالمًا مريدًا مختارًا، والمختاران يجوز اختلافُهما في الاختيار لأنّ كلَّ واحدٍ منهما غيرُ مُجْبَرٍ على موافقة الآخر في اختياره وإلّا لكانا مجبورَيْن والمجبور لا يكون إلهًا.

لأنّه لا يكون مختارًا.

فإذا صحّ هذا، فلو أراد أحدُهما خلاف مراد الآخر في شيء كأن أراد أحدُهما حياة شخص وأراد الآخرُ موته لم يَخْلُ من أن يَتِمَّ مرادُهما أو لا يَتِمَّ مرادُهما أو يتِمَّ مرادُ أحدِهما ولا يتِمَّ مرادُ الآخر، ومُحالٌ تمامُ مرادَيْهِما لتضادِّهِما، أي إن أراد أحدُهما حياة شخصٍ وأراد الآخرُ موته يستحيل أن يكون الشخص حيًّا وميّتًا في آنٍ واحدٍ، وإن لم يتمَّ مرادهما فهما عاجزان والعاجز لا يكون إلهًا، وإنْ تَمَّ مرادُ أحدهما ولم يتمّ مراد الآخر فإنّ الذي لم يتمّ مراده عاجز، ولا يكون العاجز إلهًا ولا قديمًا، وهذه الدّلالة معروفة عند الموحّدين تسمّى بدلالة التّمانع. قال تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلّا الله لفسَدَتا} سورة الأنبياء، 22.

الدليل النّقليّ على وجوب اتصاف الله بالوحدانيّة آيات منها قوله تعالى: {سبحانه هو الله الواحدُ القهّار} سورة الزُّمر، وقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلّا الله لفسدتا} سورة الأنبياء، 22، أي لو كان للسموات والأرض آلهةٌ غيرُ الله لفسدتا، أي ما كانتا تستمران على انتظام، ومن الأحاديث أنّه صلى الله عليه وسلم كان إذا تعارَّ من الليل – أي استيقظ – قال: "لا إله إلا الله الواحدُ القهّارُ ربُّ السموات والأرض وما بينهما العزيزُ الغفّارُ" رواه الحاكم في المستدرك.

القيام بالنّفس

اعلم أنّ معنى قيامه بنفسه هو استغناؤه عن كلِّ ما سواه، فلا يحتاج إلى مخصّصٍ له بالوجود، لأنّ الاحتياج إلى الغير ينافي قِدَمَهُ وقد ثبت وجوبُ قِدَمِهِ وبقائِهِ.

معنى قيام الله بنفسه أنّه مستغنٍ عن كلِّ ما سواه، فلا يحتاج إلى مخصِّصٍ له بصفة دون صفة أو بالوجود دون العدم لأنّ الاحتياج إلى الغير ينافي قدمه سبحانه وتعالى، لأنّ الاحتياج للغير علامة الحدوث والله منزّه عن الحدوث، فقد ثبت بالدليل النقليّ والعقليّ وجوب قدمه تعالى وبقائِهِ، فلا ينتفعُ ربُّنا تعالى بطاعة الطائعين كما أنّه لا ينضرُّ بعصيان العُصاة، وكلُّ شيءٍ سواه عزّ وجلّ محتاج إليه ولا يستغني عنه تبارك وتعالى طرفةَ عينٍ.

المخالفة للحوادث

يجب لله تعالى أن يكون مخالفًا للحوادث بمعنى أنّه لا يشبه شيئًا من خَلْقِهِ، فليس هو بجوهر يشغل حيّزًا ولا عرضٍ.

يجب لله تعالى المخالفة للحوادث كلّها في الذات والصفات والأفعال والمخالفة للحوادث من الصفات السّلبية أي التي تدلّ على نفي ما لا يليق بالله، فهي عبارة عن نفي المماثلة للحوادث فليس الله تعالى جوهرًا يشغل حيّزًا ولا عرضًا يقوم بجوهرٍ.

والجوهر ما له تحيّز وقيام بذاته كالأجسام والعرضُ ما لا يقوم بنفسه وإنّما يقوم بغيره كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق والألوان والطعوم والروائح.

الجوهر ما يقوم بذاته والعرض ما يقوم بالجوهر كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق والطعوم والروائح، وكلّ هذا حادث مخلوق.

وبرهانُ وجوب المخالفة للحوادث الله تعالى أنّه لو شابَهَ الحوادث أو شيئًا منها في الذات والصفات لجاز عليه ما يجوز عليها من التغيّر والتطوّر والعجز والضعف ونحوِ ذلك، ولو جاز عليه ذلك لاحتاج إلى من يخصّصه ويغيّره فيكون حادثًا محتاجًا إلى محدِث وهو محال.

ولذلك قال الإمام أبو حنيفة في بعض رسائله في علم الكلام: "أنّى يشبه الخالقُ مخلوقَه"، معناه لا يصحّ عقلًا ولا نقلًا أن يشبه الخالقُ مخلوقَه.

كلامُ الإمام هذا أخذه من البراهين النقليّة لوجوب مخالفته تعالى للحوادث كقوله تعالى في سورة الشورى {ليس كمثله شيء}، وهو أوضح دليلٍ نقليٍّ في ذلك جاء في القرآن لأن الآية تُفهِمُ التّنزيه الكليَّ لأن لفظ شيء فيها ورد في سياق النّفي، والنكرةُ إذا وردت في سياق النفي كانت للشمول فأفهمَت هذه الآيةُ أنّ الله تبارك وتعالى لا يشبه أيَّ شيءٍ من الأشياء، والشيءُ يشمل الأجرام والأعراض، فنفَى تعالى عن نفسه بهذه الجملة مشابهة ذوي الأرواح من إنس وجنٍ وملائكة وغيرهم، ومشابهة الجمادات من الأجرام العلويّة والسّفليّةِ، ولم يُتَقَيَّدْ نَفْيُ الشّبه عنه تعالى في هذه الآية بجوهرٍ دون جوهرٍ أو عرضٍ دون عرضٍ، فأفادت الآية نفيَ مشابهة الله تعالى للمخلوقات بأي وجهٍ من الوجوه، وهذا يشمل تنزيهَهُ تعالى عن الكيفية والشكل والصّورة والكميّة والحدّ والمقدار.

وقال أبو سليمان الخطّابيّ: "إنّ الذي يجب علينا وعلى كلّ مسلم أن يعلمه أنّ ربّنا ليس بذي صورة ولا هيئةٍ، فإن الصورة تقتضي الكيفيّة وهي عن الله وعن صفاته منفيّة"، رواه عنه البيهقيّ في "الأسماء والصفات".

يفيد قولُ أبي سليمان حَمْدٍ الخطّابيّ وجوب تنزيه الله عن الصّورة والهيئة، فإنّ الصّورة تستلزم الكيفيّة، والله منزّه عنها كما تقدّم بيان ذلك.

وقد تُطلق الكيفيّة بمعنى الحقيقة كما في قول بعضهم: [البسيط]

كيفيَّةُ المرءِ ليس المرءُ يدرِكُها *** فكيف كيفيّة الجبّار في القِدَمِ

ومراد هذا القائل الحقيقةُ. وهذا البيت ذكره الزركشيّ وابن الجوزيّ وغيرهما.

ومعنى هذا البيت أنّ الإنسان إذا كان لا يحيط عِلْمًا بكلّ ما فيه، فحقيقته لا يحيط بها عِلْمًا فكيف يحيط علمًا بحقيقة الجبّار الأزليّ الذي لا يشبه العالم، ولذا نقول: لا يعرف الله على الحقيقة إلا الله.

فالكيفية أضيفت في هذا البيت إلى الله بمعنى الحقيقة لا بمعنى الهيئة. وهذا البيت ذكره الزكرشي في تشنيف المسامع وابن الجوزيّ في "دَفْع شُبهِ التشبيه" وغيرُهما كابن العماد الحنبليّ في شذرات الذهب، ولكن التعبير بكيفيّة الجبّار غير مستحسن لما فيه من الإيهام، ولو قيل:

حقيقةُ المرءِ ليس المرءُ يدرِكُها *** فكيف يُدرِكُ كُنْهَ الخالقِ الأزليْ

لكان أحسن.

وقال أبو جعفر الطحاويّ: "ومن وصف الله بمعنًى من معاني البشر فقد كفر" وهو من أهل القرن الثالث، فهو داخل في حديث "خير القرون قرني ثم الذين يلونَهُم ثم الذين يلونَهم" رواه الترمذيّ، والقرنُ المرادُ به مائة سنةٍ كما قال ذلك الحافظ أبو القاسم بن عساكر في كتابه "تبيين كذب المفتري" الذي ألّفه في التنويه بأبي الحسن الأشعري رضي الله عنه.

قولُ أبو جعفر الطحاويّ أحمد بنِ سلامة المصريّ قاعدة وجيزة تلخّص ما تقدّم بيانه، وهو من أهل القرن الثالث وتوفّي في أوّل القرن الرابع، وهو داخل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "خير القرون قرني"، الحديث، وهذا الحديث معناه من حيث الإجمال الصّحابةُ خيرُ هذه الأمّة لأنّ فيهم من لا يلحقُه بعلوّ مرتبته أحد ممّن جاء بعدهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. وأما من حيث الحكم على الأفراد فبعض أفراد الصحابة أقلّ درجةً ممّن جاء بعدهم لأنّ الصحابة لم يكونوا كلُّهم أولياء، والفضل عند الله بالتقوى ليس بالنّسب ونحو ذلك، قال الله تعالى: {إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم} سورة الحجرات، 13، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إنّ أولى الناس بي المتّقون من كانوا وحيث كانوا" رواه ابن حبّان في صحيحه وصحّحه.

صفات الله كلها كاملة

صفات الله أزليّة أبديّة لأنّ الذات أزليّ فلا تحصُلْ له صفة لم تكن في الأزل. أما صفات الخلق فهي حادثة تقبل التطور من كمال إلى أكمل فلا يتجدّد على علم الله تعالى شيء، والله تعالى خلق كلَّ شيء بعلمه الأزليّ وقدرتِهِ الأزلية ومشيئته الأزليّة. فالماضي والحاضر والمستقبل بالنسبة لله أحاط به بعلمه الأزليّ.

لمّا ثبتت الأزليّة لذات الله وجب أن تكون صفاته كلُّها أزليّةً أبديّةً لا تقبل التغيّر والتطوّر لأنّ التغيّر والتطوّر من حال إلى حال علامة الحدوث، فالإنسان يقبل الزيادة والنقصان والتغيّرَ من الكمال إلى النقص والعكس، أما الله تعالى لا يزداد ولا ينقص، فصفات الله لا تقبل التطجور من كمال إلى أكمل، وعلم الله لا يزداد ولا ينقص بل علمه كامل كما سائر صفاته يعلمُ به كلَّ شيء، فلا يتجدّد له عِلم جديد بل هو عالم في الأزَل بكلّ شيء، فالتغيّر يحصل في المعلوم الحادث لا في علم الله الأزليّ، فالله يعلم ما كان في الماضي وما يكون في الوقت الحاضر وما سيكون في المستقبل، حتى الأشياء التي تتجدّد في الآخرة اللهُ عَلِم بها في الأزل، حتى أنفاسَ أهلِ الجنّة وأهلِ النّار التي تتجدّد بلا انقطاعِ الله تعالى يعلم تفاصيلَها.

وأما قوله تعالى: {ولَنبلُوَنَّكُم حتى نعلمَ المجاهدين منكم والصّابرين} فليس معنى ذلك أنّه سوف يعلم المجاهدين بعد أن لم يكن عالمًا بهم بالامتحان والاختبار، وهذا يستحيل على الله تعالى، بل معنى الآية حتّى نميّز أي حتى نُظهِر للعباد المجاهدين منكم والصّابرين من غيرهم.

هذه الآية لا تعني أنّ الله يتجدّد له عِلمٌ، إنما تعني أنّ الله تعالى يبتلي عبادَهُ حتى يُظهِرَ ويَميّز لعباده من هو الصّادق ومن هو غير الصّادق، فالملائكة يعرفون أنّ هذا صادق صابر على طاعة الله وأنّ هذا ليس بصابر، يكشِفُ الله تعالى لهم ولمن شاء من خلقه من الذين يجاهدون في سبيل الله صابرينَ على المشقّات فيُظهِرُهم لعباده فيتميَّزُوا عن غيرهم الذين لا يصبرون، وهو تعالى عالم بعلمه الأزلي من هو الصابر ومن هو غير الصابر.

ويكفُر من يقول: إنّ الله تعالى يكتسِبُ عِلْمًا جديدًا.

يكفر من يقول إنّ الله يتجدّد له عِلم لم يكن عَلِمَهُ في الأزل.

وصفاتُ الله تعالى كلّها كاملة، قال تعالى: {ولله الأسماءُ الحسنى}.

صفات الله كلّها كاملة بدليل قوله تعالى {ولله الأسماءُ الحسنى فادعُوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه} أي فللّه تعالى الأسماء التي تدلّ على الكمال، فلا يجوز أن يُطلَق على الله تعالى اسم لا يدلّ على الكمال أو يوهم نقصًا، كما فعل سيّد قطب في بعض كتبه حيث سمّى الله تعالى ريشة، وفِعلُه هذا داخل تحت النهي المذكور في الآية السابقة فهو من الإلحاد في أسماء الله تعالى.

• وكذلك لا يجوز تسمية الله بآه، وهذه الكلمة استعملتها العرب لتدلّ على الشكاية والتوجّع كما في تاج العروس، وقد روى الترمذيّ في سننه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تثاءب أحدُكم فليضَعْ يده على فيه وإذا قال آه آه فإنّ الشيطان يضحك من جوفه" أي يدخل إلى فمه ويسخر منه. فكيف يكون آه بعد ذلك اسمًا لله تعالى، ويزاد على ما تقدم أنّ الفقهاء قالوا إن من قال آه في الصّلاة عامدًا بطلت صلاته، ومعلومٌ أنّ ذِكْرَ الله لا يُبطل الصّلاة، فلو كان آه من أسماء الله لمَا أبطَلَ الصّلاة.

• وليعلم أنّ الإمام أبا حنيفة نصّ – كما نقل عنه البياضيُّ في "الإشارات" على أنه لا يجوز لنا أن نصف الله إلا بما وصف نفسه، ولا أن نسمّيه باسم إلّا ما ثبت في القرآن أو في السنة أو بإجماع الأئمّة، وكذلك قال الإمام أبو الحسن الأشعريّ في "اللمع"، ونصّ كلامه: "فالأسماء ليست إلينا ولا يجوز أنْ نسمّي الله تعالى باسم لم يُسَمِّ به نفسه ولا سمّاه به رسوله ولا أجمع المسلمون عليه ولا على معناه".

• وكذلك لا يجوز تسمية الله بالقوّة كما فعل سيد قطب، وكأنه اقتدى بكلام بعض الملاحدة الذين يقولون: "إن للعالم قوّةً مدبّرة" ويعنون أنّ الله هو هذه القوّة، ولعلّ هذا ممّا اكتسبه منهم حين كان مع الشيوعيّة إحدى عشرة سنةً كما اعترف هو(27).

• وكذلك تسمية الله بالعقل المدبّر نوع من الإلحاد، لأن العقل صفة من صفات البشر والجن والملائكة، فهذه التسمية تدخل تحت قول الإمام الطحاوي "ومن وصف الله بمعنًى من معاني البشر فقد كفر".

• وكذلك ما في كتاب محمد سعيد البوطي "كبرى اليقينيات الكونية" من تسمية الله بالعلّة الكبرى والسّبب الأوّل والمصدر، فقد قال الإمام ركنُ الإسلام عليّ السُّغْديّ: "من سمّى الله علّة أو سببًا كفر"(28). وتسمية الله بالعلّة أشد قبحًا من تسميته بالسبب لأن العلة في اللغة المرض ونحوه، والله أزليّ أبديّ ذاتًا وصفاتٍ، فما أبعد هذا الكلام من كلام مَن مارسَ كتب عقائدِ أهل السنة، فعالُه كحال من لم يُعرّج عليها بالمرّة.

وقال تعالى: {ولله المَثَلُ الأعلى} فيستحيل في حقّه تعالى أيُّ نقص.

ومعنى هذه الآية أنه لله الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فله عزّ وجلّ صفاتُ الكمالِ التي لا يعتريها أيُّ نقصٍ كالعجز والجهل.

وأمّا قوله تعالى: {ومَكَروا ومَكَر اللهُ واللهُ خيرُ الماكرين} سورة آل عمران، 54، فالمكر من الخلق خبث وخداع لإيصال الضّرر إلى الغير باستعمال حيلة، وأمّا من الله تعالى فهو مجازاة الماكرين بالعقوبة من حيث لا يدرون، وبعبارة أخرى إنّ الله أقوى في إيصال الضرر إلى الماكرين من كلّ ماكر جزاءً لهم على مَكْرهم، فالمكر بمعنى الاحتيال مستحيل على الله.

في هذه الآية إسنادُ المكر إلى الله تعالى لكن في سياق المشاكلة(29)، فلا يكون مكر الله كمكر العباد، فمكر الإنسان أن يحاول إيصال الضّرر إلى إنسانٍ آخر بطريقة خفيّة يحتاج فيها إلى استعمال بعض الحيل وهذا مذموم، أما مكر الله فليس هكذا لأن مكر الله هو إيصال الضّرر إلى من يشاء من عباده من حيث لا يعلم ذلك العبدُ ولا يظنّ ولا يحسَبُ أنّ الضّرر يأتيه من هنا. فمكر العبد المذموم أما مكر الله لا يُذمُّ لأن الله لا يجوز عليه الظلم، فلا يكون الله ظالمًا إن انتقم من عباده الظالمين بما شاء.

وكذلك قوله تعالى {اللهُ يستهزئُ بِهِمْ} أي يجازيهم على استهزائهم.

قوله تعالى {اللهُ يستهزئ بهم} ليس معناه أن الله تعالى يستخفّ بالمنافقين كما يستخفّ العباد بعضُهم ببعض، إنّما جاءت هذه الكلمة أي يستهزئ في القرآن في سياق المشاكلة أيضًا على معنى المجازاة للكفار على استهزائهم، فإنّ المنافقين كانوا عندما يجتمعون بأمثالهم يتكلمون بذمّ الإسلام وكراهيته ويستهزئون به وبعباد الله المسلمين فأخبر الله تعالى أنّه يجازيهم بما يليق بهم على استهزائهم، وسمّى هذه المجازاة استهزاءً من باب المشاكلة كما تقدّم، ومثالها قول الشاعر:

قالوا اقترِحْ شيئًا نُجِدْ لك طبخَهُ *** قلتُ اطبُخوا لي جبَّةً وقميصَا

وعلى مثل ذلك يُحمل قولُ الله تعالى في سورة التوبة {نسُوا الله فنسِيَهُم} أي تركوا طاعة الله بالإيمان به وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم فتركَهُم الله من رحمته خالدين في نار جهنّم لا يُخفَّف عنهم عذابُها.

ومِثْل ذلك قوله تعالى {وقيل اليوم ننساكم كما نَسِيتُم لقاء يَوْمِكُم هذا} سورة الجاثية، 34، فقد ذُكِرَ على وجه المقابلة، ومعناه تركناكم من رحمتنا كما أنتم تركتم طاعة الله في الدنيا بالإيمان به.

واعلَمْ أنّ العلماء يقولون نؤمن بإثبات ما ورد في القرآن والحديث الصحيح كالوجه واليد والعين والرضا والغضب وغيرها على أنها صفات يعلمها الله لا على أنها جوارح وانفعالات كأيدينا ووجوهنا وعيوننا وغضبِنا. فإنّ الجوارح مستحيلة على الله لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} وقوله {ولم يكن له كُفُوًا أحد}.

قال العلماء: نؤمن بإثبات ما ورد في القرآن والحديث الصحيح من إضافة الوجه واليد والعين والرضا والغضب إلى الله تعالى على وجه إضافة الصفة إلى الموصوف، على أنها صفات يعلم اللهُ حقيقتها لا على أنها جوارح وانفعالات كأيدينا ووجوهِنا وعيونِنا وغضبِنا، فإن الجوارح والانفعالات مستحيلة على الله لقوله تعالى في سورة الشورى {ليس كمثله شيء} وقوله تعالى في سورة الإخلاص {ولم يكن له كُفُوًا أحد}، أي لم يكن له عديلٌ – أي مساوٍ – ولا مثيل، والعين تأتي بمعنى الحِفْظِ كما في قوله تعالى {تجري بأعيُننا} سورة القمر، 14، وقوله تعالى: {ولِتُصنَعَ على عَيْني} سورة طه، 39، أي على حفظي، {إنّ ربي على كل شيءٍ حفيظ} 57، هود، وورد في تعداد أسماء الله الحسنى {الحفيظ}.

واليد تأتي بمعنى القدرة، والقدرة هي القوّة كما في قوله تعالى: {والسّماء بنيناها بأيْدٍ} سورة الذّاريات، 47، وتأتي بمعنى العهد كما في قوله تعالى: {يدُ الله فوق أيديهم} سورة الفتح، 10، أي عَهْد الله فوق عهودهم، أي ثبت عليهم عهد الله لأن معاهدتهم للرسول تحت شجرة الرضوان في الحديبية على أن لا يَفِرُّوا معاهدةٌ لله تبارك وتعالى لأنّ الله تعالى هو الذي أمرَ بنيّة بهذه المبايعة.

وأما قوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان يُنفِقُ كيف يشاء} سورة المائدة، 64، فمعناه غنيّ واسع الكرم. والله تعالى يغضب ويرضى لا كأحدٍ من الورى كما نطق به القرآن بقوله تعالى: {رضي الله عنهم} سورة المائدة، 119، وفي حق الكفّار {وغضِبَ اللهُ عليهم ولَعنَهم} سورة الفتح، 6، والغضب بالنسبة للخلق تغيُّر يحصل عند غليان الدّم في القلب بإرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه، فهو انفعال نفسانيّ، وأمّا إذا وُصف الله بالغضب فيكون المعنى إرادة الانتقام، وإرادةُ الانتقام أزليّة، هذا هو المعروف عند الأشاعرة في عباراتهم.

والرّضا عبارة عن إرادة إنعامِهِ على عباده، أو عن نفس إنعامه عليهم وهذا هو معنى الرّحمة أيضًا، فليست رحمتُه رقّة القلب.

وأمّا ما ورد في الحديث الشفاعة الذي رواه مسلم من أنّ آدم وغيرَهُ يقولون يوم القيامة: "إنّ الله قد غضِبَ اليومَ غضبًا لم يغضب مثلَهُ قبلَه ولا يغضَبُ بعدهُ مثلَهُ" فهذا(30) يُقصَدُ به أثر الغضب، ليس الغضب الذي هو صفةٌ ذاتية لله.

وقد كان السلف كمالكِ بن أنس والليث بن سعد وسفيان الثوريّ والأوزاعي إذا أرادوا اختصار العبارة يقولون: "الله يغضب ويرضى بلا كيف"، كما في الأسماء والصفات للبيهقيّ، وأمّا الخلف وبعض السّلف أوّلوا فقالوا: رضا الله إرادتُه الرحمة وغضبه إرادتُه الانتقام، فأرجَعُوا الصّفتين إلى الإرادة، وكِلا القولين صحيح.

قالوا: لو كان لله عين بمعنى الجارحة والجسم لكان له أمثالٌ فَضْلًا عن مِثْلٍ واحدٍ، ولجاز عليه ما يجوز على المحدثات من الموت والفناء والتغيّر والتطوّر، ولكان ذلك خروجًا من مقتضى البرهان العقليّ على استحالة التغيّر والتحوّل من حالٍ إلى حالٍ على الله، لأنّ الدلائل العقليّة على حدوث العالم طروءُ صفاتٍ لم تكن عليه والتحوّلُ من حال إلى حال، ولا يصحّ إهمال العقل لأنّ الشرع لا يأتي إلّا بمجوّزات العقل، أي إلّا بما يقبله العقل لأنّه شاهدُ الشرع. فالعقل يقضي بأن الجسم والجسمانيات أي الأحوال العارضة للجسم مُحدَثة لا محالة وأنّها محتاجة لِمُحدِثٍ، فيلزمُ من ذلك أن يكون المتّصف بها له مُحدِث، ولا تصحّ الألوهيّة لمن يحتاج إلى غيره.

لو كان لله تعالى عين أو وجه أو يد بمعنى الجوارح لكان له أمثال ولجاز عليه ما يجوز على هذه الأمثال من الفناء والتغير، وقد حكم البرهان العقلي باستحالة التغير والفناء في حق الله عزّ وجلّ، وقد حكمنا على العالم بالحدوث لتغيره أي لطروء صفاتٍ لم تكن عليه، ولذا لا يجوز اعتقاد التغير في حقه تبارك وتعالى، وإلا فإنّ هذا الاعتقاد السّفيه هَدْرٌ لما يحكم به العقل السليم، وشرعُنا الحنيف لم يأتِ إلا بما يجوز في حكم العقل لا بما يناقضه كما نصّ على ذلك كثير من أهل الأصول، منهم أبو سليمان الخطابيّ وأبو إسحاق الشيرازيّ وغيرُهما.

فلا يأتي الشرع إلا بما يقبله العقل لأنّ العقل شاهدُ الشرعِ كما يدلّ على ذلك قول الله تعالى في سورة الحجّ {أفلم يَسِيروا في الأرض فتكونَ لهم قلوبٌ يَعقِلُون بها} وقوله تعالى في سورة الملك {وقالوا لو كنّا نسمَعُ أو نعقِلُ ما كنّا في أصحاب السعير}، فالعقل يحكم بأنّ الأحوال الطارئة على الأجسام مخلوقة وأن الأجسام محتاجة لمن أحدث فيها هذه الأحوال، فتكون محتاجة والمحتاج لا يكون إلهًا، فثبت تنزيه الله عن الجسمية كالعين واليد والقدم الجوارح ونحو ذلك.

وهذا في الإضافات التي قامت الأدلة على أنّها إضافاتُ صفاتٍ، وأمّا ما أضيف إلى الله تعالى ممّا لم يقم الدليل على أنّه صفة له سبحانه فلا يصحّ إجراؤها مُجراها، فلا يصح أن يقال مثلًا: إن الناقة صفة لله تعالى لأن الله قال في سورة الشمس {ناقة الله}، ولا أن يقال: إنّ الكعبة صفة له سبحانه لأننا نسمّيها بيت الله، بل الإضافة هنا إضافة تشريفٍ ومِلْكٍ. ومثل ذلك الجَنْبُ والإصبع والصورة والقدم.

فلا يجوز أن يقال: إن الجنب صفة لله تعالى لقوله عزّ وجلّ في سورة الزُّمر إخبارًا عن الكفار {أنْ تقول نَفْسٌ يا حسرتا على ما فرّطتُ في جَنْبِ الله}، بل معنى تحسُّرِ الكافر على ما فرّط في جَنْب الله: تحسُّرُه على تقصيره في القيام بحقوق الله، ولا يقال: إنّ الإصبع صفة لله لحديث مسلم: "إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء" فإن معنى هذا الحديث أن قلوب العباد في قبضة الله تعالى. ولا يقال: إن الله متصف بالصورة لحديث البيهقيّ "فإنّ الله خلق آدم على صورة الرحمن"، فإنّ معناه الصورة المشرفة عند الرحمن، على أنّ أكثر روايات هذا الحديث هي بلفظ "على صورته" بالإضافة إلى الضمير، فقد روى البخاريّ وغيره أن النبيّ عليه الصلاة والسلام قال: "إذا ضرب أحدُكم أخاه فليجتنب الوجه فإنّ الله خلق آدم على صورته" أي على صورة المضروب.

ولا يصحّ أن يقال: إنّ القدم صفة لله تعالى لحديث "فيضع الجبّارُ فيها قدمه فتقول قطٍ قطٍ"، بل معنى وَضْعِ الجبار قدمَهُ في النار إدخالُ الفوج الذين يُقَدَّمُون إلى النار فتمتلئ بهم كما قال الأزهريّ وغيرُه من أهل اللغة.

ومن الإلحاد في صفات الله وأسمائه أن يقال: إنّ الله جالس لا كجلوسنا أو إنّ الله جسم لا كالأجسام، فإنّ الجلوس لا يكون إلّا من ذي نصفَيْنِ أعلى وأسفل، ومَقْعَدةٍ يلاقي بها الجالس ما يجلِسُ عليه، فإذا قال القائل إن الله جالس فقد نسب إليه صفاتِ النقص هذه وأثبتها له، إذ لا تحتَمِلُ عبارتُه غير هذا المعنى، فلا ينفَعُه قوله: لا كجلوسنا، بعد ذلك وصار حاله كحال من يقول: إنّ الله نائم لا كنومنا أو عاجز لا كعجزنا، فإنّ عبارة "لا كنومنا" وعبارة "لا كعجزنا" لا تنفعان شيئًا في نفي الكفر عمّن ينسُب النوم والعجز إلى الرّبّ عزّ وجلّ، وكذلك عبارة "لا كجلوسنا" لا تفيد شيئًا في نفي الضلال عمّن ينسُب الجلوس إلى الله تعالى. ويجري هذا الحكم أيضًا على من يقول: الله جسم لا كالأجسام، فإنّ الجسم ما له أبعاد ثلاثة طول وعرض وعمق، وإطلاق ذلك على الله صريح في إضافة النقص إليه، فلا تنفَعُ عبارتُه "لا كالأجسام" بعد ذلك في منع الكفر عن قائلها.


(26) هذا من عطف العامّ على الخاصّ، الضرورة معناها العلم الضروري الذي يضطر إليه الإنسان من غير أن يحتاج إلى تفكر واستدلال، إذ نظرت إلى الحائط علمت بياضه مثلًا، لا تحتاج إلى أن تقول الحائط – البقرة وهي بيضاء، فالحائط أبيض.

(27) مجلة روز اليوسف، العدد 3555 بتاريخ 29 – 7 – 1996 ص34، 35، 36.

(28) انظر إتحاف السادة المتقين (2/100).

(29) المشاكلة: أن يُذكَرَ الشيءُ بلفظِ غيره لوقوعه في صُحبتِهِ، كقول الشاعر: مَنْ مبلِغٌ أفناء يَعْرُبَ كلَّها أنّي بنيتُ الجارَ قبل المنزلِ وراء فالجار لا يُبنى، والذي يُبنى الدارُ، والذي سوّغ هذا الإطلاق داعي المشاكلة، استُعملت هنا للإشارة إلى تمتين العلاقة والمودّة مع الجار كبناء جُدران وأركانِ المنزل. وقال الشاعر: ألا لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينا فنجهَلَ فوق جَهْلِ الجاهلِينا فليس المقصود بقوله (نجهَلَ فوق جهلِ الجاهلينا) حقيقة الجهل الذي هو الخروج عن الحِلم، وإنما المقصود أننما نؤدّبُ الجاهل ونعاقبه عقابًا يفوق جهلَهُ علينا، وسوّغ ذلك إعطاءُ اللفظ قوةً في الانتقام تفوق جَهْلَ الجاهلينا علينا. وقال آخر: قالوا اقترِحْ شيئًا نُجِدْ لك طَبْخَهُ قلتُ: اطبُخُوا لي جُبَّةً وقميصا فالجُبّة والقميص لا يُطبخان، والذي سوّغ هذا الإطلاق داعي المشاكلة، ليبيّن أنه بحاجة إلى الجُبّة والقميص كحاجته إلى الطعام أو أكثر. وقال تعالى: {فمن اعتدَى عليكم فاعتَدُوا عليه بمِثْلِ ما اعتدى عليكم} فمقابلة الاعتداء بمثله لا يسمى في الأصل اعتداءً، ولكن سوّغ هذا الإطلاق داعي المشاكلة، ليُعطَى اللفظ معنى المماثلة في تطبيق العقوبة دون زيادة، لأن معنى كلمة (اعتدى) في الأصل تجاوز الحدود.

(30)