خلاصة ما مضى من الأبحاث أنّ من عرفَ الله ورسولَهُ ونطقَ بالشّهادتين ولو مرّةً في العمُر ورضي بذلك اعتقادًا فهو مسلم مؤمن.

من اعتقد جازمًا بمعنى الشهادتين ونطق بهما معتقدًا معناهما فهو مسلم مؤمن لا بُدَّ أن يدخل الجنّة يومًا من الدّهر إذا مات على الإيمان لقوله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه مسلم في صحيحه: "من قال لا إله إلا الله وكفَرَ بما يُعبَد من دون الله حرّمه الله على النّار" أي حرّمَ الله أن يَخْلُدَ في نار جهنّم، وإن دخلها بذنوبه فإنّه لا بُدَّ أن يخرجَ منها ويدخل الجنّة.

ومن عرف ونطق ولم يعتقد فليس بمسلم ولا بمؤمنٍ عند الله، وأمّا عندنا فهو مسلم لخفَاءِ باطنه علينا، وإن كان يتظاهر بالإسلام ويكره الإسلام باطنًا أو يتردّدُ في قلبه هل الإسلام صحيح أم لا، فهو منافق كافر، وهو داخل في قول الله تعالى: {إنّ المنافقين في الدَّرْكِ الأسفلِ من النّار} 145 سورة النساء، فهو والكافر المُعلِنُ خالدانِ في النّار خلودًا أبديًّا.

من عرف معنى الشهادتين ونطق بهما دون أن يعتقد بمعناهما فليس بمسلمٍ ولا مؤمنٍ عند الله، وأمّا عندنا فهو مسلم لأنّا حكَمْنا عليه بحسب الظّاهر وباطنُه قد خفي علينا، وفي حقيقة أمره هو منافق داخل تحت قوله تعالى في سورة النساء {إنّ المنافقين في الدّرْك الأسفلِ من النّار} فهو والكافر المعلن خالدان في النّار لا يخرجان منها ولا يتوقّف عذابُهما.

وقولُ البعض: يصحُّ إيمان الكافر بلا نُطْقٍ مع التّمكّن، قولٌ باطلٌ لا يُلتَفَتُ إليه.

بعضُ العلماء قالوا: "لا يشترط النّطق بالشّهادتين لصحّة الإسلام، فلو صدّق الكافرُ بقلبه بمعنى الشهادتين وجَزَمَ لكنّه لم ينطق بهما فهو مؤمن إلّا إذا عُرِضَتْ عليه الشهادتين فأبى النّطق بهما"، وهذا القول خلافُ عقيدة الجمهور، فقد نقل الإمامُ المجتهد ابن المنذر الإجماع على أنّ الدّخول في الإسلام لا يكون إلا بالنطق بالشّهادتين، ذكر ذلك في كتابه "الإجماع"، ومعناه أنّ دخول الكافر في الإسلام لا يكون إلّا بالنّطق بالشهادتين، وأمّا ذاك القول الباطل فإنّه مخالف للحديث المتواتر الذي رواه ابن ماجة في سننه "أُمِرْتُ أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله" وما خالف المتواتر من الحديث كالذي خالف الآية القرآنيّة فيكون باطلًا.

وقال بعضهم: "من نشأ بين أبوين مسلمين يكفيه المعرفةُ والاعتقادُ لصحّةِ إسلامِهِ وإيمانِهِ لو لم ينطِقُ بالمرّة".

من نشأ بين أبوين مسلمين على العقيدة الصّحيحة تكفيه المعرفة والاعتقاد لصحّة إيمانه وإسلامه لو لم ينطق بالمرّة بالشّهادتين قبل البلوغ أو بعدَهُ وذلك لأنّه بمجرّد ولادته تجري عليه أحكام المسلمين بالتبعيّة لوالده ثم عند التّمييز أو البلوغ لم يَعْرِضْ له ما يُوجِبُ سقوط هذا الحكم عنه فيبقى حكم المسلمين جاريًا عليه على ما دلّ عليه النّصُّ وفِعْلُ السَّلفِ.

وكذلك من نشأ على عقيدة الإسلام بين أبوين كافرين فهو مسلم مؤمن عند الله طالما لم يعتقد اعتقادًا كفريًّا ولم ينطق بكلام كفريّ ولم يفعل فعلًا كفريًّا.

ثمّ من صحَّ له أصلُ الإيمان والإسلام ولو لم يَقُمْ بأداء الفرائض العَمَليّة كالصّلوات الخمس وصيام رمضان ولم يجتنب المحرّمات إلى أن مات وهو على هذه الحال قبل أن يتوب فقد نجا من الخلود الأبديّ في النّار. ثم قِسم منهم يسامِحُهم الله ويُدخِلُهم الجنّة بلا عذاب، وقسم منهم يعذّبُهم ثم يُخرِجُهم ويُدخِلُهم الجنّة، والله أعلم بمن يسامِحُه ومن لا يسامِحُه.

من كان عنده أصل الإسلام ولكنه لم يؤدّ الواجبات ويجتنب المحرّمات حتى مات، فهو مسلم مؤمن عاصٍ ناجٍ من الخلود الأبديّ في النّار، فيدخُلُ الجنّة بعد عذاب إن لم يعف الله عنه أو يدخُلُها من غير عذاب إن سامحه الله، وإنّا نسأل الله المسامحة على ذنوبنا وأن يوفقنا إلى أداء الواجبات واجتناب المحرّمات.

وأمّا من مات بعد أن تابَ فأدّى جميع ما افترض الله عليه واجتنَبَ المحرّمات فهو كأنّه لم يُذنِب لقوله صلى الله عليه وسلم: "التّائب من الذّنب كمن لا ذنب له" حديث صحيح رواه ابن ماجة عن ابن مسعود.

هذا الحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه يُفهَمُ منه أنّ الشّخص إذا أذنب ثم تاب ثم أذنب ثم تاب فإنّ توبته تُقبل مهما تكرر منه الذنب ثم التوبة، وإنّما يُغلَقُ باب التوبة عند طلوع الشمس من مغربها.

وفي صحيح البخاريّ أنّ رجلًا قال: يا رسول الله أُسلِمُ أو أُقاتِلُ؟ قال: "أسلِمْ ثم قاتِلْ"، فأسلمَ فقاتَلَ فقُتِلَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عَمِلَ قليلًا وأُجِرَ كثيرًا" أي لأنّه نال الشهادة بعد أن هدَمَ الإسلامُ كلَّ ذنبٍ قدّمه، فالفضل للإسلام لأنّه لو لم يُسلِمْ لم ينفعه أيُّ عملٍ يعمَلُه. وهذا الرجل كان التحق بالمجاهدين من أجل أنّ قومه الذين هم مسلمون خرجوا من غير أن يُسلم ثم ألهَمَهُ الله أن يسأل الرسول فسأل فأرشده الرسولُ إلى أن يسلِمَ ثم يقاتل.

يُفهَم من هذا الحديث أنّ الأصل الذي تُبنى عليه الأعمال الصّالحة هو الإيمان بالشهادتين بالتصديق بمعناهما مع النطق بهما، ولولا ذلك ما كان عمل هذا الرجل الذي سأل الرسول ذاك السّؤال: ينفَعُه عند الله، ولكنّ الله ألهمَه ذاك السّؤال فأسلم فقاتل فاستشهد رضي الله عنه.

وليعلم أنّ من نِعَم الله على عباده المؤمنين أنّ من مات بنوعٍ من أنواع الشهادات يغفرَ له ولا يُعذّب ولو كان عنده ذنوب مثلُ الجبال، فكيف إذا كان موته بأفضل أنواع الشّهادة وهو من مات وهو يقاتل في سبيل الله بنيّة خالصة لا رياءَ فيها، والشّهيد يوم القيامة يُخيَّرُ من أيّ أبواب الجنّة الثمانية شاء أن يدخُل، بل إنّ ملائكة الرحمة يحملون روحه بكفنٍ من حريرِ الجنّة، يأخذون هذه الرّوح من عزرائيل ولا يتركونها في يده طرفة عين وممّا خُصَّ به الشّهيد يوم القيامة أنّ جُرحه يكون لونُهُ لون الدّمِ ورِيحُه ريحَ المسك، فيكون علامةً على أنّه فائز عند الله في الآخرة.

خاتمةُ الخاتمةِ

ليفكّر العاقلُ في قوله تعالى: {ما يُلْفِظُ من قولٍ إلّا لديْهِ رقيبٌ عتيدٌ18} سورة ق، فإنّ من فكّر في ذلك عَلِمَ أنّ كلّ ما يتكلّمُ به في الجِدّ أو الهزل أو في حال الرّضى أو الغضب يسجّله الملكان، فهل يَسُرُّ العاقل أن يرى في كتابه حين يُعْرَض عليه في القيامة هذه الكلمات الخبيثة؟! بل يَسُوؤه ذلك ويحزنه حين لا ينفع النّدم، فليَعْتنِ بحفظ لسانه من الكلام بما يَسُوؤُه إذا عُرِضَ عليه في الآخرة.

معنى قوله تعالى: {ما يلْفِظُ من قولٍ إلّا لديه رقيبٌ عتيدٌ} أنّ الملائكة الموكّلين بكتابة عمل العبد يكتبون ما يَلْفِظُ به هذا الإنسان منحسنات أو سيئاتٍ وما كان من المباحات أيضًا، ثم بعد ذلك يُمْحَى ما سجّلوه من المباحات وتبقى الحسنات والسيئات(226)، فهل يرضى عاقل برؤية السّيئات في كتابه حين يُعرَضُ عليه يوم القيامة؟ فإذا رأى في كتابه الذي يتناوله يوم القيامة من أيدي الملائكة القبائح من المعاصي فإنّه يسوؤه يوم القيامة، ولا يوجد في ذلك اليوم استغفارٌ تُمْحَى به المعصية، إنما الاستغفار والتوبة ينفعان في الدّنيا، فإذا تاب الإنسان من كلام هو من السّيئات قبل الموت يُمحَى ذلك الكلام من صحيفته، أي يمحوه المَلَكُ الموكَّلُ بذلك.

ولذا ينبغي للعاقل حِفظُ لسانِهِ والاحترازُ من الكلام الذي يسوؤه إذا عُرِض عليه في الآخرة، فقد روى الترمذيّ عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنّه قال: يا رسول الله أوَ إنّا مُؤاخذُون بما ننطق به، فقال: ثكِلَتْكَ أمُّك وهل يَكُبُّ النّاسَ في النّار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنَتِهم".

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خصلتان ما إنْ تجمَّل الخلائقُ بمثلهِما: حُسْنُ الخلُقِ وطولُ الصّمتِ" رواه عبد الله بن محمّد أبو بكر بنُ أبي الدّنيا القرشيُّ في كتاب "الصمت".

"حُسْنُ الخُلُق" المذكورُ في الحديث عبارة عن ثلاثة أمور: كَفُّ الأذى عن النّاس، وتحمُّلُ أذى النّاس، وأن يعمَلَ المعروف مع الذي يعرف له إحسانَهُ ومع الذي لا يعرف له. ومن نال حُسْنَ الخلُقِ فقد نال مقامًا عاليًا، فقد يبلغ الرّجُل بحُسن خلُقِهِ درجة القائمِ الصّائمِ، أي الذي لا يترك القيام في جوف الليل ولا يترك صيام النّفل.

ومعنى "طولُ الصّمت" تقليلُ الكلام في غير ذكر الله وسائر الحسنات، وهذا مطلوب محبوب عند الله، أما ذِكرُ الله وسائرُ الحسنات فإكثار استعمال اللسان بها مطلوب، فالإنسان ينبغي له أن لا يتكلّم إلّا بكلام هو خير له، والأشياء التي ينبغي حفظ اللسان عنها كثيرة، ومن أكثرها وقوعًا من النّاس الغيبة، نسأل الله السّلامة وأن يحفظ لنا ألسنتنا من المهالك. فليحرص الشّخص على الصّمت إلا من خير كما روى الترمذيّ مرفوعًا: "إنّك لا تزال سالمًا ما سكتَ فإذا تكلمت كُتِبَ لك أو عليك"، ومن أطايب الكلام ما رواه الطّبرانيُّ في "المعجم الكبير" عن المُنَيْذِرِ رجلٍ من الصّحابة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال حين يُصبِحُ رضيتُ بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمّدٍ نبيًّا فأنا الزّعيم – أي الكافل والضّامِنُ – لآخُذَنَّ بيدِهِ حتّى أدخِلَه الجنّة"، نسأل الله أن نكون ممّن يأخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأيدينا ويُدخِلُنا الجنّة، آمين.

انتهى الشّرح

وسبحان الله والحمد للهِ ربّ العالمين

وصلى الله وسلّم على سيدنا محمّد الأمين

وآلِهِ وأصحابِهِ الطّيّبين


(226) قال ابن عباس: "ما كان من المباحات من كلام العبد يُمْحَى وتُثبَتُ الحسنات والسيّئات" أخرجه الحاكم بنحوه في المستدرك.