لا يوصف كلم الله الأزليّ الأبديّ بأنّه متعدّد، ولا بأنّ فيه تقديمًا أو تأخيرًا.

وهذه الكتب المنزلة كلُّها عباراتٌ عن ذلك الكلام الذاتيّ الأزليّ الأبديّ.

هذه الكتب المنزّلة المركبة من ألفاظ تتعاقب وحروفٍ تتوالى فيسبق بعضُها بعضًا ليست عين الكلام الذاتي، بل هي عبارات عنه تدلُّ عليه.

ولا يلزم من كون العبارة حادثةً كونُ المُعَبَّرِ عنه حادثًا، ألا ترى أننا إذا كتبنا على لوح أو جِدار "الله"، فقيل: هذا الله، فهل معنى هذا أنّ أشكال الحروف المرسومة هي ذات الله، لا يتوهّم هذا عاقل. إنما يفهم من ذلك أن هذه الحروف عبارة عن الإله الذي هو موجود معبود خالق لكلّ شيء.

لا يلزم من كون ألفاظ الكتب المنزّلة حادثةً كونُ المعبِّرِ عنه أي كلام الله الأزليّ حادثًا، فالعبارة حادثة والمعبَّرُ عنه أزليّ ليس بحادث. وتقريب ذلك أن لفظ الجلالة "الله" عبارة عن ذات أزلي أبدي، فإذا قلنا: نعبد الله، فذلك الذات هو المقصود، وإن كُتِب هذا اللفظ فقيل: ما هذا؟ يقال: الله، بمعنى أن هذه الحروف تدلّ على ذلك الذات الأزلي الأبدي، لا بمعنى أن هذه الحروف هي الذات الذي نعبده.

ومع هذا لا يقال: القرآن وغيره من الكتب المنزّلة مخلوق، لكن يُبيَّن في مقام التعليم أن اللفظ المنزَّل ليس قائمًا بذات الله، بل هو مخلوق لله لأنه حروف يسبقُ بعضُها بعضًا، وما كان كذلك حادث مخلوق قطعًا، لكنه ليس من تصنيف ملكٍ ولا بشر، فهو عبارة عن الكلام الذاتي الذي لا يوصف بأنه عربيّ ولا بأنه عِبراني ولا بأنه سُريانيّ.

يحرم أن يقال: "القرآن مخلوق" لأن هذا الإطلاق يوهم أن صفة الكلام الأزلية مخلوقة، أما في مقام التعليم يقال: القرآن بمعنى اللفظ المنزّل مخلوق، وذلك لأنه لغة عربية بحروفٍ يسبق بعضُها بعضًا، وما كان كذلك فهو حادث مخلوق قطعًا، ولكنه ليس من تصنيف مَلَكٍ ولا بشر.

الله تعالى أسمَعَ جبريل عليه السلام قبل أن ينزل بالقرآن على سيّدنا محمّدٍ كلامًا غير كلامه الأزليّ، أسمَعَه كلامًا مخلوقًا بصوتٍ وحروفٍ متقطعة على ترتيب لفظ القرآن، ففهِمَ منه جبريلُ هذا اللفظ المنزل، وكذلك وَجَدَ جبريل هذا الصوت الذي سمعه مكتوبًا على اللوح المحفوظ فأنزله مفرقًا على حسب ما أمر الله على سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم قراءةً عليه لا مكتوبًا في صُحُفٍ، ويدلُّ لذلك قوله تعالى {إنّه لقولُ رسولٍ كريم} سورة التكوير، 19، أي إن القرآن مقروءُ جبريل عليه السلام، فجبريل هو المراد بالرسول الكريم، فالله تعالى خلق صوتًا بهيئة ألفاظ القرآن فسمعه جبريل، ووجده أيضًا مكتوبًا في اللوح المحفوظ، فقرأه جبريلُ على النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وكلٌّ يُطلق على كلام الله، أي أنّ صفة الكلام القائمة بذات الله يقال لها كلام الله، واللفظ المنزَّل الذي هو عبارة عنه يقال له كلام الله.

صفة الكلام القائمة بذات الله صفة أزلية أبدية يقال لها كلام الله، وكذلك اللفظ المنزّل الذي هو عبارة عن الكلام الأزلي الأبدي يقال له أيضًا كلام الله، بدليل قوله تعالى {يريدون أن يُبدِّلوا كلام الله} سورة الفتح، 15، والمعنى أنّ الكفار يريدون تبديل اللفظ المنزّل لا الصّفة الذاتيّة، لأنه ليس في استطاعتهم أن يغيروا صفة الله الذاتية كالكلام والقدرة وغيرهما، وقولنا عن اللفظ المنزل إنه كلام الله لأنه عبارة عن الكلام الذاتي الأزلي الأبدي.

والإطلاقان من باب الحقيقة، لأن الحقيقة إمّا لغويّة وإمّا شرعيّة وإمّا عرفيّة، وإطلاق القرآن على اللفظ المنزّل حقيقة شرعيّة فليُعلم ذلك.

الحقيقة اللغوية هي استعمال اللفظ في المعنى الذي وُضِعَ بإزائه في أصل اللغة، فاللفظ إذا استُعمل في معناه اللغويّ الحقيقي يقال له حقيقية لغوية، فإن نُقِلَ إلى معنًى آخر، فذلك المعنى الآخرُ مجاز بالنسبة لهذا اللفظ، كاستعمال لفظ الأسد في معنى الحيوان المفترس المعروف فإنه حقيقة لغوية، ثم استعماله في حق الإنسان الشجاع فإنه مجاز لأنه نُقِل عن معناه الحقيقي إلى معنى آخر.

والحقيقة العرفية هي استعمال اللفظ في المعنى المصطلح عليه في العُرف، أي عُرْفِ الناس وعاداتهم، مثال ذلك لفظ الدابّة، ففي الأصل معناها اللغويّ كلّ ما يَدِبُّ على وجه الأرض من إنسان وبهائم وحشرات ونحو ذلك، ثم الناس جعلوه للحمار وشبه ذلك، فاستعمال الدابّة بهذا المعنى المعنى أي الحمار وشِبهِهِ حقيقة عرفية.

وأما الحقيقة الشرعية فهي استعمال اللفظ في المعنى المصطلح عليه عند حملة الشرع، مثال ذلك لفظ الصلاة، ففي الأصل معناها اللغوي الدعاء، ولكن الفقهاء استعملوا هذا اللفظ بمعنى الأفعال والأقوال المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، فهذا الإطلاق الذي اصطلحوا عليه يقال له حقيقة شرعية، وكذلك إطلاق لفظ القرآن على الصفة القائمة بذات الله حقيقة شرعيّة [فضلًا عن كونه حقيقة لغوية وعقلية أيضًا]، وكذا إطلاقه على اللفظ المنزل حقيقة شرعيّة لأن حملة الشرع اصطلحوا على هذين الإطلاقين، فلا يكون هذان الإطلاقان عندهم مجازًا.

وتقريب ذلك كما تقدّم أنّ لفظ الجلالة "الله" عبارة عن ذاتٍ أزليّ أبديّ، فإذا قلنا: نعبُد الله، فذلك الذات هو المقصود، وإذا كُتِب هذا اللفظ فقيل: ما هذا؟ يقال: الله، بمعنى أنّ هذه الحروف تدلّ على ذلك الذات الأزليّ الأبديّ، لا بمعنى أنّ هذه الحروف هي الذات الذي نعبُده.

معناه كذلك هذا اللفظ المنزّل هو عبارة عن كلام الله الذاتي الذي هو صفته، وليس عينَهُ، بدليل قوله تعالى {إنّه لقولُ رسولٍ كريم} أي القرآن بمعنى اللفظ المنزل مقروء جبريل بإجماع المفسرين، قرأه على سيدنا محمد، وليس مقروء الله، ولو كان اللفظ المنزل عينَ كلام الله الذاتي لم يقل الله تعالى {إنه لقول رسول كريم} أي جبريل بل لكانت الآية مثلًا إنه لقول ذي العرش. وهذا دليل مفحِم يردّ كيد المشبهة الذين يقولون: كلام الله بالحرف والصوت والعياذ بالله.

ومن هؤلاء المشبهة ابن تيمية، فإنه قال: إنّ كلم الله حروف متعاقبة يسبق بعضها بعضًا ويتخلّله سكوت، كما في مجموع فتاوى (6/160)، فنسب الحدوث إلى الله تعالى لأن من يقوم به صفة حادثة فهو حادث. وقد قال أبو حنيفة "من اعتقد أن صفة الله حادثة فهو كافر، وكذلك من شك في ذلك أو توقف" ذكره ملا علي القاري في شرحه على الفقه الأكبر. وهذا دليل على فساد فهم ابن تيمية وفساد عقله، ولقد صدق الحافظ أبو زرعة العراقي في قوله: "إنّ علمه أكبر من عقله" أي محفوظاته كثيرة وعقله ضعيف، ذكره في الأجوبة المرضيّة على الأسئلة المكّيّة، فلا معنى لقول إن الله يتكلم بصوتٍ لا كأصواتنا كما أنه لا معنى لقول المجسمة جسم لا كالأجسام، وقد قال صاحب الخصال الحنبلي قال أحمد: "من قال الله جسم لا كالأجسام كفر". فالمشبهة التي شبهت كلام الله بكلام خلقه والمعتزلة التي نفت صفة الكلام عن الله عز وجلّ فرقتان ضالّتان.

الإرادة

اعلم أنّ الإرادة وهي المشيئة واجبة لله تعالى، وهي صفة أزليّة أبديّة يخصّص الله بها الجائز العقليّ بالوجود بدل العدم، وبصفة دون أخرى وبوقت دون آخر.

الإرادة صفة قديمة قائمة بذات الله أي ثابتة لذاته، يخصّص اللهُ بها الجائز أي الممكن العقليّ بالوجود بدل العدم وبصفةٍ دون صفةٍ وبوقتٍ دون آخر.

فالممكنات العقلية كانت معدومة ثم دخلت في الوجود لتخصيص الله تعالى لها بوجودها، إذ كان في العقل جائزًا أن لا تُوجَدَ فوجودها بتخصيص الله تعالى، فلولا تخصيص الله تعالى لَمَا وُجِدَ من الممكنات العقليّة شيء، فيُعلم من ذلك أنّ الله تعالى خصّص كلّ شيء دخل في الوجود بوجوده بدل أن يبقى في العدم، كذلك خصّص الله كل شيء دخل في الوجود بالصّفة التي عليها دون غيرها، فتخصيص الإنسان بصورته وشكله الذي هو قائم بتخصيص الله تعالى، لأنه كان في العقل جائزًا أن يكون الإنسان على غير هذه الصفة وهذا الشكل.

وكذلك تخصيص الإنسان بوجوده في الوقت الذي وُجِدَ فيه دون ما قبله وما بعده هو من الله تعالى، لأنه لو شاء الله لجعل الإنسان أوّل العالم، لكن الله تبارك وتعالى ما جعله أوّل مخلوق، بل جعله آخر الخلق باعتبار نوع وجنس الموجودات، إذ خَلَق آدم آخر ساعةٍ من يوم الجمعة بعد خلق السموات والأرض والبهائم والأشجار ونحو ذلك.

فالواحد منا يعلم أنه ما أوجد نفسه، ولا أوجد نفسه على هذا الشكل، ولا هو أوجد نفسه في هذا الزمن الذي وُجِدَ فيه، فوجب أن يكون ذلك بتخصيص مخصِّص وهو الموجود الأزليّ المسمّى الله.

وبرهانُ وجوب الإرادة لله أنّه لو لم يكن مريدًا لم يُوجَد شيءٍ من هذا العالم، لأنّ العالم ممكنُ الوجود، فوجوده ليس واجبًا لذاته عقلًا، والعالمُ موجود فعَلِمْنا أنه ما وُجِدَ إلا بتخصيص مخصِّصٍ لوجوده وترجيحه له على عدمه، فثبت أنّ الله مريدٌ شاءٍ.

البرهان النقليّ على وجوب الإرادة أي المشيئة قوله تعالى {وما تشاؤون إلّا أن يشاء اللهُ ربُّ العالمين} سورة التكوير، 29، وأمّا البرهان العقليّ على وجوب اتصاف الله بالمشيئة وجودُ هذا العالم، لأنّ العالم بالنظر إلى ذاته ممكن الوجود، إذ العقل يقبل وجوده وعدمه، فلمّا كان موجودًا عَلِمنا أنه ما وُجدَ إلا بتخصيص مخصِّصٍ لوجوده على عدمه، أي أنّ الله شاء وجود هذا العالم فخصَّصَهُ بالوجود بدل العدم، ولولا أن الله شاء وجود هذا العالم لَمَا وُجِدَ، فوجوده دليل على اتصاف البارئ عزّ وجلّ بالمشيئة أي الإرادة.

ثم الإرادةُ بمعنى المشيئة عند أهل الحقّ شاملة لأعمال العباد جميعها الخيرِ منها والشّرّ، فكلّ ما دخل في الوجود من أعمال الشّرّ والخير ومن كفرٍ أو معاصٍ أو طاعةٍ فبمشيئة الله وقع وحصل، وهذا كمال في حقّ الله تعالى، لأنّ شمول القدرة والمشيئة لائق بجلال الله، لأنه لو كان يقع في مِلْكه ما لا يشاء لكان ذلك دليل العجز، والعجزُ مستحيل على الله.

الإرادة بمعنى المشيئة – لا بمعنى المحبّة والرضى – عند أهل السنة والجماعة شاملة لأعمال العباد جميعها، الخير منها والشّرّ، إذ لو اختصّت مشيئة الله ببعض الممكنات دون بعض لاحتاجت إلى المخصّص ولزم حدوثها، وقد قام البرهان على قِدَم صفاته تعالى، فتعيّن عمومُ مشيئته في جميع الممكنات، خيرها وشرّها، كما قال تبارك وتعالى في سورة الأنعام {من يشأ الله يُضْلِلْهُ ومن يشأ يجعله على صراطٍ مستقيم} 39. فكل ما دخل في الوجود من أعمال الخير والشّر حصل بمشيئة الله كما قال ربّنا عزّ وجلّ في سورة فاطر {يُضِلُّ من يشاءُ ويهدي من يشاء}، وهذا كمال في حق الله، لأن شمول القدرة والمشيئة لجميع الممكنات كمال في حق الله، لأنه لو كان يحصل في ملكه ما لا يشاء لكان عاجزًا،

والعجز مستحيل على الله عزّ وجلّ، وادّعت المعتزلة أنّ مشيئة الله خاصّة بالخير دون الشرّ، وزعموا أنّ إرادة وجودِ العمل القبيح من الله قبيح وهو منزّه عن ذلك، وما قالوه باطل، فإنّ الله أراد وجود الذواتِ القبيحة والخبيثة كالخنازير والشياطين وليس ذلك قبيحًا منه تعالى، فكذلك إرادةُ وجودِ قبائح الأفعال ليست قبيحة منه عزّ وجلّ، وهم قاسوا الخالق على المخلوق والصواب أنّ ما يقبُح من العبد فِعلُه لا يقبح من الله خَلْقُه، بل الإيمان بأن الله خالق كلّ شيء من خيرٍ وشر أصل من أصول الإيمان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وتؤمن بالقدر خيرِهِ وشرِهِ" رواه الشيخان، والآي المارُّ ذكرها تدلّ على ذلك.

ولا تتعلق المشيئة بالواجب العقليّ ولا بالمستحيل العقليّ، إذ لو تعلّقت بالواجب لكان ممكنًا لا واجبًا، ولو تعلقت بالمستحيل لكان جائزًا لا مستحيلًا.

والمشيئة تابعة للعلم، أي أنّه ما عَلِمَ حدوثَهُ فقد شاء حدوثَهُ، وما عَلِمَ أنّه لا يكون لم يشأ أن يكون.

ما عَلِمَ الله تبارك وتعالى أنّه يحصل فقد شاء أن يحصل، وما عَلِمَ أنّه لا يحصل فقد شاء عزّ وجلّ أن لا يحصل، وهذا معنى كون المشيئة تابعةً للعِلم، وليس المعنى أن المشيئة تابعة للعلم في الوجود أي تاليةٌ له في الوجود لأن صفات الله تعالى الواجبة له كلُّها أزليّة أبديّة، لا توصف بأن بعضها يسبق بعضًا كشأن صفات المخلوقين.

وليست لمشيئة تابعةً للأمر، بدليل أنّ الله تعالى أمَرَ إبراهيم بذَبْحِ ولدِهِ إسماعيل ولم يشأ له ذلك.

ليست المشيئة تابعة للأمر، أي لا يقال: ما أمَرَ اللهُ به فقد شاء حصوله خلافًا للمعتزلة، بدليل أنّ الله أمر سيدنا إبراهيم بذبح ولده إسماعيل ولم يشأ حصول ذلك فلم يقع الذبح(25)، ولو كانت المشيئة تابعة للأمر لوقع الذبح، وكذلك نقول الله أمر أبا لهب بالإيمان ولم يشأ حصوله منه، فالمشيئة ليست تابعة للأمر، أما المعتزلة فقد خالفت ذلك فقالت: ما أمر الله به فقد شاء حصوله، وبَنَوْا على ذلك قائلين: أمرَ اللهُ الكفار بالإيمان فشاء حصول الإيمان منهم، قالوا: لكنهم لم يؤمنوا لأنهم شاؤوا الكفر. ولا يخفى ما فيه من نسبة العجز إلى الله تعالى. وهؤلاء المعتزلة ظنوا أنفسهم ينزّهون الله عن النقائص بقولهم الله لم يشأ الكفر من الكافرين، ولذا يسمُّون أنفسهم أهل العدل، وسيأتي الردّ عليهم مفصّلًا إن شاء الله تعالى.

وقد روي أنّ رجلًا معتزليًّا قال لبعض أئمة أهل السنة والجماعة: "أنت الذي تزعم أن الله أراد أن يُعصَى؟" يريد أنّ الله شاء أن يطاع لا أن يُعْصَى، فقال له: "ويحَك فمَنْ حال بين الله وبين ما أراد!"، أي لو أراد أن لا يُعصى لم يُعْصَ، فلا يمنع نفاذ مشيئته أحد، إذ لو منع نفاذها مانع لكان الله مقهورًا، فحاجّه من كلامه.

فإن قيل: كيف يأمرُ بما لم يشأ وقوعَهُ؟ فالجواب أنّه قد يأمرُ بما لم يشأ كما أنه عَلِمَ بوقوع شيءٍ من العبد ونهاهُ عن فِعْله.

إن قيل: كيف يأمر الله بشيء لم يشأ وقوعه منه؟ فالجواب أن الله قد يأمر العبد بشيء لم يشأ حصوله منه كما أنه تعالى قد ينهى العبد عن شيء وقد عَلِمَ حصوله منه، فالله أمر الكافر الذي مات كافرًا بالإيمان ولم يشأ حصول الإيمان منه كما أنه تعالى نهى الكافر عن الكفر وقد عَلِمَ حصول الكفر منه، وكذلك يقال: قد يأمر الله بما لم يشأ حصوله ابتلاءً للعباد كما ابتلي سيدنا إبراهيم بأمرِهِ بذبح ولدِهِ، فظهر ما عند سيدنا إبراهيم من الاستعداد للطاعة من غير أن يحصل الذبح، بل فُدِيَ إسماعيلُ بالكَبْشِ كما تقدم بيانه.

تنبيه: من الخطأ قول بعض الناس "كل شيء بأمره" بمعنى أن الله يأمر بكل شيء من خير أو شر، لأنه يوهم أن الله أمر بالشّرّ، والله لم يأمر بارتكاب الشّرّ من الكفر وسائر المعاصي، قال الله تعالى: {إنّ الله يأمرُ بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} سورة النحل، 90، والذي يصح قوله: كلّ شيء يحصل بمشيئة الله وتقديره وعلمه، لكن الخير يحصل بمشيئة الله وتقديره وعلمه ومحبّته ورضاه، وأمّا الشر فيحصل بمشيئة الله وتقديره وعلمه لا بمحبته ورضاه.


(25) لمّا أراد سيدنا إبراهيمُ تنفيذ ما أُمِرَ به فدى الله تعالى إسماعيل بكبشٍ من الجنة جاء به جبريل، فلم يذبح إبراهيمُ ابنهُ إسماعيل.