لِيُعْلَم أنّ الله تعالى خالِقُ الرّوح والجسد فليس رُوحًا ولا جسدًا، ومع ذلك أضاف اللهُ تعالى روح عيسى صلى الله عليه وسلم إلى نفسه على معنى المِلك والتّشريف لا للجزئيّة في قوله تعالى {من رُّوحِنا} سورة الأنبياء، 91، وكذلك في حقّ آدم قوله تعالى {من رُوحي} سورة ص، 72، فمعنى قوله تعالى {فنفخنا فيه من روحنا} سورة التحريم، 12، أمرنا جبريل عليه السّلام أن ينفُخَ في مريم الرّوح التي هي مِلْك لنا ومشرّفة عندنا.
أضاف اللهُ تعالى روح سيّدنا عيسى إلى نفسه في قوله تعالى {من رُوحنا} سورة الأنبياء، 91، وكذلك أضاف عزّ وجلّ روح سيّدنا آدم إلى نفسه في قوله تعالى {من روحي} سورة ص، 72، الإضافتين للدلالة على شرف روحَيْ عيسى وآدم عليهما السّلام عند الله تعالى مع إثبات أنهما مِلك لله وخَلْق له، وذلك كما إذا قلنا: الكعبة بيت الله، فالإضافة هنا ليست للجزئية، أي ليس المعنى أنّ الكعبة هي بيت جزء من الله، وإنما المعنى أنّ الكعبة بيت مملوك لله مشرّف عنده، ففائدة الإضافة إظهارُ شرفِ المخلوقين المضاف إلى الله تعالى، فقوله تعالى في سورة التحريم {فنفخنا فيها من رُوحنا} أمرنا جبريل عليه السلام أن ينفخ في مريم روح عيسى التي هي مِلك لنا ومشرفة عندنا، ولا يجوز عقلًا أن يكون الله روحًا لأنّ الروح حادث والله منزّه عن الاتصاف بالحوادث.
وعلى مِثل ما تقدّم يُحمل الحديث الذي رواه البخاريّ في صحيحه: "خَلَق الله آدمَ على صورته". فمعناه إضافة المِلك والتشريف، أي على الصورة التي خلقها الله وجعلَها مشرّفة مكرّمة، لا على معنى إضافة الجزئيّة والشيء يضاف إلى الله بمعنى أنّه صفته كقولنا: قدرة الله وعِلم الله، فهذه الإضافة إضافةُ الصّفة إلى الموصوف أو بمعنى إضافة المِلك والتشريف كقولنا ناقة الله أو بيت الله في حق الكعبة أو مسجدٍ ما، وأمّا إضافة الجزئية فلا تجوز على الله، ولذا نقول قوله تعالى {من روحنا} و{من روحي} من قبيل إضافة روحَيْ سيّدنا عيسى وآدم إلى الله إضافة المِلك والتشريف.
لأنّ الأرواح قسمان: أرواحٌ مشرّفةٌ وأرواح خبيثة، وأرواح الأنبياء من القِسم الأوّل، فإضافة روح عيسى وروح آدم إلى نفسه إضافة مِلك وتشريفٍ، ويكفر من يعتقد أن الله تعالى روح، فالرّوح مخلوقة تنزّه الله عن ذلك.
الأرواح قسمان: أرواح مشرّفة لها عند الله درجة عالية، وأرواح خبيثة لا يحبّها الله تعالى، وأرواح الأنبياء كروح سيّدنا عيسى وآدم من القِسم الأوّل، فإضافة روحَيْهما إلى الله إضافة مِلك وتشريف، ولا يجوز أن يُعتقَد أنّ الله روح عظيمة وأنّ روح آدم أو عيسى جزء منها، بل يكفر من يعتقد ذلك لأنّ فيه تشبيهًا للخالق بالمخلوق.
وكذلك قوله تعالى في الكعبة {بيتي} سورة الحجّ، 26، فهي إضافة مِلْكٍ للتشريف لا إضافةُ صفةٍ أو ملابَسَةٍ لاستحالة المُلامَسَةِ أو المُماسَّةِ بين الله والكعبة.
كذلك قوله تعالى في سورتي البقرة والحج في الكعبة {بيتيَ} فهي إضافة مِلك وتشريف لا إضافة صفةٍ أو ملابسةٍ أو مخالطةٍ لاستحالة المُلامَسَةِ والمُماسَّةِ بين الله والكعبة لأنّ المُلامسة والمُماسّة لا يكونا إلّا بالبقاء جسمين(43).
وكذلك أضاف اللهُ ناقة سيدنا صالح إلى نفسه فقال {ناقة الله وسُقياها} سورة الشمس، 13، وذلك لِمَا كان لها من خصوصيّة على غيرها من النوق بالشأن العظيم الذي كان لها، فالله هو خالِقُها ومخرِجُها من الصّخرة مع فصيلها وكانت تعطي أهل البلد كفايتهم من الحليب فيأخذون منها الحليب في يوم ورودِها الذي خُصِّصَت به، فلا ترَدُ مواشِيهم فيه، وقوله تعالى {ناقة الله} فيه تحذير من أن يعتدوا عليها وعلى سُقياها، أي اليومِ الذي تَرِدُ فيه إلى الماء.
وكذلك قول الله تعالى {ربُّ العرشِ} سورة المؤمنون، 116، ليس إلّا للدّلالة على أنّ الله خالقُ العرش الذي هو أعظم المخلوقات، ليس لأنّ العرش له ملابَسَة لله بالجلوس عليه أو بمحاذاتِهِ من غير جلوس، ليس المعنى أنّ الله جالس على عرشه باتصال، وليس المعنى أنّ الله محاذٍ للعرش بوجودِ فراغٍ بين الله وبين العرش إنْ قُدِّرَ ذلك الفراغُ واسعًا أو قصيرًا، كلُّ ذلك مستحيل على الله.
كذلك الإضافة في قوله تعالى {ربُّ العرش} لإفادة أنّ العرش الذي هو أكبر المخلوقات خَلْقٌ ومِلكٌ لله عزّ وجلّ، ولا تفيدُ ملابسَةَ العرش لله تعالى بالمُماسّة أو المحاذاة، فليس بين الله والعرش اتصالٌ ولا فراغٌ واسعٌ أو قصير، لأنّ هذا يقتضي أن يكون الله حجمًا، والأحجام مخلوقة لا ريْبَ. والملابسة هي علاقة بين شيئين بمعنى الاتصال ونحوه، فإذا اتصل شيء بشيء فقد يضاف إليه من أجل هذا الاتصال، كأن أريد الإخبار عن سكن زيد وإقامته بأرضٍ فقيل: منزل زيد بالبصرة، فالملابسة أي العلاقة بين زيد والبصرة هي السكن، والإضافةُ بين لفظ الرّبّ والعرش في {ربُّ العرشِ} ليست من هذا القبيل.
وإنّما مزيّة العرش أنّه كعبةُ الملائكةِ الحافين من حولِهِ كما أنّ الكعبة شُرفت بطواف المؤمنين بها، ومن خواصّ العرش أنّه لم يُعْصَ الله تعالى فيه لأنّ مَن حوله كلَّهم عباد مكرمون لا يعصون الله طرفة عين، ومن اعتقد أنّ الله خلق العرش ليجلس عليه فقد شبّه الله بالملوك الذين يعملون الأسِرَّةَ الكبار ليجلِسُوا عليها، ومن اعتقد هذا لم يعرف الله، ويكفر من يعتقد المُماسَّة لاستحالتها في حقّ الله تعالى.
أضيف العرش إلى لفظ "الرّبّ" في قوله تعالى {ربُّ العرش} لإفادة أنّ العرش الذي هو أكبر المخلوقات مِلكٌ ومشرّف عند الله، فمن مزيّته الدالّة على شرفه أنّه كعبة الملائكة الذين يَحُفُّونَهُ من حولِهِ، وأنّه مكان لم يُعْصَ الله تعالى فيه لأنّ الملائكة عبادٌ مكرمون لا يعصون الله طرفة عين، ومن اعتقد المُماسَّة أي الملامسة بين الله والعرش فقد جَهِلَ الله وعبدَ ذاتًا مقدّرًا بحجمٍ فلا يكون مسلمًا.
تفسير الآية {الرحمن على العرش استوى} سورة طه، 5
يجب أن يكون تفسير هذه الآية بغير الاستقرار والجلوس ونحو ذلك، ويكفر من يعتقد ذلك.
هذه الآية من الآيات المتشابهة، أي التي تحتمل أكثر من معنى بحسب اللغة، لكنّ المعنى الظاهر غير مراد منها لمناقضته للآيات المحكمة وللحكم العقليّ القاطع، ولذا يجب أن يكون تفسير هذه الآية بغير الاستقرار والجلوس ونحو ذلك من معاني المخلوقين كما رُوِي عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: "استوى كما أخبر لا كما يخطر للبشر" ومن فسّرها باستقرار أو جلوسٍ أو نحوهما من صفات البشر فقد غلِط غلطًا شنيعًا، بل يكفر من يفسرها بذلك.
فيجب تَرْكُ الحمل على الظاهر، بل يُحمَل على محملٍ مستقيم في العقول، فتُحمَل لفظة الاستواء على القهر، ففي لغة العرب يقال: استوى فلان على الممالك إذا احتوى على مقاليد المُلك واستعلى على الرّقاب، كقول الشاعر:
قد استوى بِشْر على العراقِ *** من غير سيفٍ ودمٍ مهراقِ
يجب ترك حمل آية الاستواء على الظاهر لأنه غير لائق بالله تعالى، وتُحمَل كلمة "استوى" على المعنى الموافق للغة والشرع، فإنّ الاستواء في لغة العرب يحتمل خمسة عشر معنًى كما ذكر الحافظ أبو بكر بن العربيّ ومن معانيه الاستقرار والاستعلاء المعنويّ والاستيلاء وبلوغ الأشدّ والقهر، واللائق بالله تعالى منها القهر والاستيلاء وعلو المكانة، ولذا حمَلَ كثير من العلماء معنى الاستواء على القهر، ففي لغة العرب يقال: استوى فلان على الممالك إذا احتوى على مقاليد الملك واستعلى على الرقاب، قال الشاعر.
قد استوى بِشْر على العراقِ *** من غير سيفٍ ودمٍ مهراقِ
أي سيطر بشر بن مروان على العراق ومَلكَهُ من غير قتال ولا سَفْكِ دماء(44).
ومعنى قَهْرُ الله للعرش الذي هو أعظم المخلوقات حجمًا أنّ العرش تحت تصرُّف الله، فالله خلقَهُ وهو يحفظُ عليه وجوده، ولولا حِفظ الله تعالى له لهوَى إلى الأسفل فتحطَّم، بل الله تعالى قاهِرُ العالم كلِّه، فهذه الشمس وهذا القمر وكذا النجوم لولا أنّ الله يحفظها على هذا النظام الذي هي قائمة عليه لكانت تهاوت وحَطَّم بعضُها بعضًا واختلَّ نظام العالم.
وأما حمل الاستواء في الآية على معنى الاستقرار والجلوس فهو ممنوع، فقد قال الشيخ حسن البنّا في كتاب "العقائد الإسلامية": "السّلف والخلف ليس بينهم خلاف على أنّه لا يجوز حَمْلُ آية استواء على المعنى المتبادَرِ" وهذا الكلام من جواهر العلم.
وقد رُوي عن أمّ سلمة إحدى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم وعن سفيان بن عُيَينة وعن مالك بن أنس أنهم فسَّروا استواء الله على عرشه بقولهم: "الاستواء معلوم ولا يقال كيف والكيف غير معقول". ومعنى "الاستواء معلوم" أنّه معلوم ورودُه في القرآن، ومعنى "والكيف غير معقول" أنّ الشكل والهيئة والجلوس والاستقرار لا يقبله العقل لأنها صفات لا تجوز على الله عزّ وجلّ، وقج سُئل الإمام أحمد رضي الله عنه عن الاستواء فقال: "استوى كما أخبر لا كما يخطر للبشر" ذكره الحافظ ابن الجوزيّ في "دفع شُبَهِ من شَبَّه وتمرّد".
وقد ثبت عن الإمام مالك بإسناد قويّ جيّد أنّه قال في استواء الله: "استوى كما وصف نفسه ولا يقال كيف وكيفَ عنه مرفوع" جوّدَ إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح. ولا يصحّ عن مالك ولا عن غيره من السّلف أنّه قال: "الاستواء معلوم والكيفية مجهولة" فهذه العبارة لم تثبت من حيث الإسناد عن أحد من السّلف، وهي موهمة معنًى فاسدًا وهو أنّ استواء الله على العرش هو استواء له هيئة وشكل لكن نحن لا نعلَمُه، وهذا المعنى الفاسد هو الذي تريده الوهابيّة المشبّهة، وهو خلاف مرادِ السّلف بقولهم: "والكيف غير معقول" ولا يُغتَرُّ بوجود هذه العبارة في كتاب "إحياء علوم الدين" فمؤلِّفُه الغزاليُّ لا يريد ما تفهَمُه المشبّهة لأنّه مصرّح في كتابه نفسه بأنّ الله منزّه عن الجسميّة والتحيّز في المكان وعن الحد والمقدار.
وفائدةُ تخصيص العرش بالذكر أنّه أعظم مخلوقات الله تعالى حجمًا، فيُعلَمُ شمولُ ما دونَهُ من باب الأولى. قال الإمام عليّ: "إنّ الله تعالى خلق العرش إظهارًا لقدرته ولم يتخذه مكانًا لذاته"، رواه الإمام المحدّث الفقيه اللغويّ أبو منصور التميميّ في كتابه "الفرق بين الفرق".
فائدة تخصيص العرش بالذكر أنّه أعظم مخلوقات الله تعالى حجمًا، فيُعْلَم شمولُ ما دونه من باب الأولى كما قال الله تعالى في سورة التوبة {وهو ربُّ العرش العظيم} مع أنّه سبحانه وتعالى ربُّ كل شيء وإنّما خُصَّ العرش بالذكر لأنه أكبر المخلوقات حجمًا، فإذا كان مربوبًا لله تعالى عُلِمَ أنّ ما دونَهُ بالأولى مربوب له عزّ وجلّ، وإظهارًا لهذا المعنى قال الإمام عليّ رضي الله عنه: "إنّ الله خلق العرش إظهارًا لقدرته" أي للدلالة على عظيم قدرته عزّ وجلّ، لأن كون العرش محتاجًا إلى الله ومقهورًا تحت سيطرة الله الذي خلقه، ومحفوظًا بحفظه، وباقيًا بإبقائه مع عظيم حجمه واتساع مساحته دليلٌ على عظمة قدرة الله وعمومِها.
والملائكة الحافّون حول العرش لمّا ينظرون إلى عِظمِ العرش يزدادون خوفًا من الله ويزدادون عِلْمًا بكمال قدرة الله، لهذا خلق الله العرش وليس ليتخذه مكانًا لذاته، وقول سيّدنا عليّ رواه الإمام المحدّث الفقيه اللغوي أبو منصور البغداديّ التميميّ في كتابه "الفرق بين الفرق" وبئس معتقدُ ابن تيمية، فإنّه قال في كتابه "الموافقة": "الله محدود لكن لا يعلَمُ حدَّهُ إلّا هو" فقوله هذا تشبيه لله بالعرش، ولا يفيده قولُه "لا يعلم حدّه إلا هو".
أو يقال: استوى استواءً يعلَمُه هو مع تنزيهه عن استواءِ المخلوقين كالجلوس والاستقرار.
مَن شاء يؤوّل قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} تأويلًا تفصيليًّا فيقول: استوى بمعنى قهر، ومن شاءَ يؤوّل تأويلًا إجماليًّا فيقول: استوى استواءً يليق به، من غير تعيينِ معناهُ مع تنزيه الله عن صفات المخلوقين كالجلوس والاستقرار، كما قال الإمام مالك رضي الله عنه عندما سُئل عن هذه الآية: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، وقد تقدّم شرحه. والكيف هو ما كان من صفات المخلوقين، فأثبت مالك رضي الله عنه لله تعالى ما وصف به نفسَه وهو الاستواء ولم يعيّن المعنى المراد، لكنّه نفى أن يكون هذا المعنى جلوسًا أو استقرارًا أو كيفيّةً أخرى من الكيفيات.
واعلَمْ أنّه يجب الحذَرُ من هؤلاء الذين يُجِيزُون على الله القُعود على العرش والاستقرارَ عليه مفسّرين لقوله تعالى: {الرّحمن على العرش استوى} بالجلوس أو المحاذاة من فوق.
هؤلاء يقال لهم في أيامنا الوهابيّة لأنّهم تبعوا رجلًا يقال له محمد بن عبد الوهاب، ظهر منذ نحو مائتي عام، وأحيا ضلالات أحمد بن تيمية الذي ارتضى القول بأنّ الله بقدر العرش أو أصغرُ منه، وارتضى القول بأنّ الله لو شاء لاستقرّ على ظهر بعوضة فكيف بعرش عظيم، وارتضى غير ذلك من الكلمات الساقطة والعقائد المرذولة، فتبعه على ذلم قومٌ من أعراب نجد، قاسية قلوبُهم ضعيفة عقولهم، شبّهوا الله تعالى بخلقه واعتقدوا أنّه جسم مستقرّ في جهة الأعلى.
ومدّعين أنّه لا يُعقَل موجود إلّا في مكان وحجّتهم داحِضَة.
ادّعت الوهابيّة أنّه لا يعقل موجود إلّا في مكان، أي قالوا: الموجود لا بدّ له من مكان والله موجود فإذًا له مكان، ولذا قالوا: نفيُ المكان عن الله نفيٌ لوجود الله. وحجتهم هذه داحضة أي باطلة لأنّ فيها قياس الخالق على المخلوق، ولأنّه ليس من شرط الوجود التحيّز في المكان، وليس من شرط الوجود جريان الزمان على الموجود، وذلك أنّ كلّ موحّد يعلم أنّ المكان مخلوق والزمان مخلوق لم يكونا ثم أوجدهما الله تبارك وتعالى، فقبل خَلْق المكان كان الله تعالى موجودًا بدلالة الحديث الذي رواه البخاريّ في صحيحه "كان الله ولم يكن شيءٌ غيره"، وهؤلاء المخالفون يُقِّرون بذلك فهم إذًا يقرّون بأنّ الله تعالى كان قبل خلقِ المكان والجهات بلا مكان ولا جهة،
فإذا صحّ وجود الله تعالى قبل المكان بلا مكان انتقض ما زعموه وصحّ وجوده عزّ وجلّ بعد خلق المكان بلا مكان لأنّه لا يتغير ولا يتبدّل. ومصيبة هؤلاء جهلّهم بأصول العقائد وبلغة العرب فأخذوا بظواهر الآيات والأحاديث المتشابهة مفسّرين لها بمقتضى الحسّ فهلكوا.
ومُدَّعِين أيضًا أنّ قول السّلف استوى بلا كيفٍ موافقٌ لذلك ولم يَدْرُوا أنّ الكيف الذي نفاه السلف هو الجلوس والاستقرار والتحيّز في المكان والمحاذاةُ وكلُّ الهيئات من حركةٍ وسكونٍ وانتقالٍ.
كذلك ادّعت الوهابيّة أنّ قول السّلف استوى بلا كيف معناه أنّه عزّ وجلّ استوى استواءً لا نعلمُ كيفيته، ومراد هؤلاء المشبهة – كما صرحوا بذلك – أنّ الله استوى استواءَ الجلوس والاستقرار والمحاذاة ولكن لا نعلَمُ كيفية ذلك والعياذ بالله تعالى. والمحاذاة معناها المقابلة، أي أن يكون الشيء مقابلَ شيءٍ آخر، كقولنا: السماء الأولى تحاذي السماء التي فوقها. وهؤلاء المشبّهة جهِلُوا أنّ هذه هي الكيفيّة التي نفاها السّلف عن الله تعالى بقولهم: استوى بلا كيف.
فقول الأوزاعيّ ومالكٍ والليث بن سعد وغيرهم من أئمّة السّلف: "أمِرُّوها كما جاءت بلا كيفيّة" معناه آمنوا بهذه الآيات المتشابهة لأنها جاءت في القرآن ولا تفسّروها تفسيرًا فاسدًا بنسبة الكيفيّة لله تعالى، والكيفيّة نوع من الأعراض أي من صفات الخلق كما قال الإمام أبو الحسن الأشعريّ، فيكون المعنى: آمِنوا بصفات الله التي جاءت في النّصوص الشّرعيّة من غير أن تشبّهوها بصفات المخلوقين.
والذي يَدْحَض شُبَهَهُم أنْ يقال لهم: قبل أن يخلُق العالم أو المكان هل كان موجودًا أم لا؟ فمن ضرورة العقل أن يقول بلى، فيلزَمُه لو صحَّ قولُه "لا يُعلم موجود إلّا في مكان" أحدُ أمرين: إمّا أن يقول المكان والعرش والعالم قديم، وإمّا أن يقول الربُّ تعالى مُحدَث، وهذا مآلُ الجهلةِ الحشويّة، ليس القديمُ بالمحدَث والمُحدَثُ بالقديم اهـ.
شُبَه المشبّهة أن يقال لهم: قبل أن يخلق اللهُ العالمَ أو المكانَ هل كان موجودًا أم لا؟ فمن ضرورة العقل أن يقولوا: نعم كان موجودًا، لأنّ العقل يحكم بذلك. فجوابُهم هذا اعتراف بتصحيح وجوده تعالى قبل المكان بلا مكان.
ثم يلزمُ المشبِهَ لو صحَّ قوله "لا يُعلَمُ موجود إلّا في مكان أحد أمرين: إمّا أن يقول: المكان والعرش والعالم قديم، لأنّه يقول إنّ الله موجود لا بداية لوجوده، ويزعم أنّ الموجود لا بدّ أن يكون في مكان، فكأنّه يقول إنّ الله له مكان قديم، وهذا قولٌ بوجود شريك لله في الأزليّة لم يخلقه الله وهذا كفرٌ بالإجماع. وإمّا أن يقول كلّ موجود لا بدّ أن يكون في مكان والمكان حادث، إذًا الرّبُّ تعالى محدَث وهذا كفر أيضًا بالإجماع، وهو مآل الجهلة الحشويّة أي مؤدَّى كلامِهم، فيقال لهم: ليس القديم بالمُحدَثِ ولا المُحدَثُ بالقديم، أي القديم لا يكون محدثًا والمحدَث لا يكون قديمًا".
وقال القشيريّ أيضًا في التّكرة الشرقيّة: "فإن قيل أليس الله يقول {الرّحمن على العرش استوى} سورة طه، 5، فيجب الأخذ بظاهره، قلنا الله يقول أيضًا {وهو معكم أين ما كنتم} سورة الحديد، 4، ويقول تعالى: {ألَا إنّه بكل شيءٍ محيط} سورة فصّلت، 54، فينبغي أيضًا أن نأخذ بظاهر هذه الآيات حتى يكون على العرش وعندنا ومعَنا ومحيطًا بالعالم مُحدِقٌا به بالذات في حالة واحدة. والواحد يستحيل أن يكون بذاته في حالة واحدة بكلّ مكان.
معنى قول القشيريّ أنّ المشبّهة إذا ادّعت تحكُّمًا بلا دليل أنّه يجب الأخذ بظاهر قوله تعالى {الرّحمن على العرش استوى} وقالوا: فنثبت أنّ الله مستقر على العرش جالس عليه، قلنا في الجواب: الله تعالى يقول أيضًا في سورة الحديد {وهو معكم أين ما كنتم} ويقول تعالى في سورة فُصِّلَت {ألا إنّه بكلِّ شيءٍ محيط} فينبغي أيضًا على مقتضى كلامكم أن نأخذ بظاهر هذه الآيات حتى يكون مستقرًا على العرش وعندنا ومعنا بذاته في الأرض ومحيطًا بالعالم محدِقًا به بالذات كالدائرة المحيطة بما في داخلها في حالة واحدة، والواحد يستحيل أن يكون بذاته في حالة واحدة بكلّ مكان في وقت واحد، لأنّ ظاهر قوله تعالى {وهو معكم أين ما كنتم} أنّه بذاته مع هذا ومع هذا ومع هذا،
وظاهر قوله تعالى {ألا إنّه بكل شيءٍ محيط} أن يكون كالدائرة تحيط بما في ضِمنِها، وأن يكون الشيء الواحد في أماكن متعدّدة بذاتٍ واحدٍ شيءٍ لا يُعقَلُ. هذا معنى قولِ أبي نصر القشيريّ رحمه الله، وهو حجّة دامغة لباطِلِهم مفحمة لمتكلّميهم قاطعة لدعاوِيهم. وقد نقل قول القشيري الحافظ الزُّبيديّ في شرح الإحياء.
قالوا: قولُه {وهو معكم} يعني بالعلم و{بكلّ شيءٍ محيط} إحاطة العلم، قلنا: وقولُه {على العرش استوى} قهَر وحفِظ وأبقَى انتهى. يعني أنّهم قد أوّلوا هذه الآيات ولم يحمِلوها على ظواهرها فكيف يعيبون على غيرهم تأويل آيةِ الاستواء بالقهر، فما هذا التّحكّم؟!
إنْ أوّلت المشبّهة قوله تعالى {وهو معكم} بالعِلم، وقوله تعالى {بكل شيء محيط} بإحاطة العِلم، فلَمْ يحمِلوا هاتين الآيتين على الظاهر، قلنا: كذلك قوله تعالى {على العرش استوى} لا يُحمَل أيضًا على ظاهره، بل يؤوَّلُ بالقهر والحفظ والإبقاء. فهم سلكوا مسلك التأويل في تَيْنِك الآيتين فلِمَ يعيبون على غيرهم سلوك المسلك نفسه في تأويل آية الاستواء، ويزعمون أن التأويل في الآيات المتعلّقة بالذات والصّفات تحريف وتعطيل، إن هذا إلا تَحَكُّمٌ، أي دعوى بلا دليل ولا مستند.
ثم قال القشيريّ رحمه الله: "ولو أشعرَ ما قلنا توهُّمَ غلبتِهِ لأشعر قولُه {وهو القاهرُ فوقَ عبادِهِ} سورة الأنعام، 18، بذلك أيضًا حتى يقال: كان مقهورًا قبل خَلْقِ العبادِ هيهات إذ لم يكن للعباد وجودٌ قبلَ خَلْقِه إيّاهم.
من المشبّهة من يزعم أنّ تأويل الاستواء بالقهر يُشعِرُ بكون الله تعالى مغالِبًا قبل أن يصير قاهرًا، فيقولون لذلك تأويلكم للاستواء بالقهر مردود وتفسيركم باطل، قلنا: لو أشعر تأويلُ الاستواء بالقهر توهُّمَ كونِهِ مغالِبًا قبل صيرورته غالبًا لأشعر قوله تعالى في سورة الأنعام {وهو القاهرُ فوق عبادِهِ} بذلك أيضًا حتى يقال على مقتضى كلامِكم: كان مقهورًا قبل خلق العباد، وهذا فاسد إذ لم يكن للعباد وجود قبل أن يخلُقَهم، فظهر أنّ ما ادَعيتموه غير صحيح، وأنّه كما لا يشعر قوله تعالى {وهو القاهرُ فوقَ عبادِهِ} بِسَبْق مغالبة أو مغلوبيّة لا يُشعِرُ تفسير قوله تعالى {الرّحمن على العرش استوى} بالقهر مغالبةً أو مغلوبيّةً.
بل لو كان الأمر على ما توهَّمَهُ الجهلةُ من أنّه استواء بالذات لأشعَرَ ذلك بالتغيّر واعوجاجٍ سابقٍ على وقتِ الاستواء، فإنّ البارئ تعالى كان موجودًا قبل العرش، ومن أنصَفَ عَلِمَ أنّ قول من يقول: العرش بالرّب استوى أمثَلُ من قول مَن يقول الرّبّ بالعرش استوى، فالرّبُّ إذًا موصوف بالعلوّ وفوقيّة الرُّتبة والعظمةِ ومنزّهٌ عن الكون في المكان وعن المحاذاةِ. اهـ.
لو كان معنى الاستواء المذكور في الآية الجلوسَ والاستقرار على العرش واتخاذِ كيفيّة تناسِبُه بعد خَلْقِهِ لأشعر ذلك بنسبة التغيّر إلى الذات المقدّس وانتقاله من حال إلى أخرى وهذا ظاهر الفساد. ومن أنصف – أي اتّبعَ الحقَّ – عَلِمَ أنّ قول من يقول "العرش بالرّبّ استوى" أي تمَّ وجودُ العرش وبقي بإبقاء الله له، بمعنى أنّه حصل في العرش أثرُ فِعْلٍ فعَلَهُ الرّبُّ تبارك وتعالى، هو أمثلُ من قول من يقول "الرّبّ بالعرش استوى" إذ إنّ الأوّل لم ينسُب إلى الله صفةً لا تليق به فيما قال، وأمّا الثاني فقد جعل الله تعالى محلًّا للتأثر، وجَعَلَ لمخلوقٍ هو العرش أثرًا في الخالق تعالى، أي جَعَلَ إحداثُ الله للعرش مغيّرًا لصفته تعالى وهو باطل عقلًا ونقلًا كما لا يخفى.
فالله موصوف بالعلوّ المعنويّ وفوقيّة المنزِلة والعظمةِ لا بعلوّ المسافة ولا بفوقية الجهة، ومنزّه عن الوجود في المكان الواحدِ أو في كلّ الأمكنة وعن المحاذاة أي المقابَلةِ. ومن توهَّمَ أنّ الحرف "على" كلّما وَرَدَ دلّ على ارتفاع المكان أو أنّ كلمة "فوق" حيث استُعمِلت دلّت على الجهة العليا فقد أبعَدَ النُّجْعَةَ(45) وجاء بما يناقض لغة العرب التي نزل بها كتاب الله تعالى، قال ربُّنا عزّ وجلّ في سورة آل عمران {وعلى الله فليتوكَّلِ المؤمنون} فليس معناه العلوَّ الحسّي، وقال تعالى في سورة الأعراف مُخبِرًا عن فرعون أنّه قال {وإنّا فوقَهُم قاهرون} ولم يُرِدْ أنّهم ركِبوا رقاب المؤمنين.
قال القشيريّ رحمه الله: "وقد نبغَتْ نابغةٌ من الرّعاع لولا استزالُهم للعوامّ بما يَقْرُبُ من أفهامِهم، ويُتَصَوَّرُ في أوهامهم لأجلَلْتُ هذا الكتاب عن تلطيخِهِ بذكرِهم، يقولون: نحن نأخذ بالظاهر ونُجري الآياتِ المُوهِمَةَ تشبيًها والأخبارَ الموهِمةَ حدًّا وعضوًا على الظاهر، ولا يجوز أن نُطرّق التأويل إلى شيء من ذلك، ويتمسّكون بقول الله تعالى {وما يعلمُ تأويله إلّا الله} سورة آل عمران، 7، وهؤلاء الذين أرواحُنا بيده أضرّ على الإسلام من اليهود والنّصارى والمجوس وعبدة الأوثان، لأنّ ضلالات الكفّار ظاهرة يتجنَّبُها المسلمون، وهؤلاء أتَوا الدِّينَ والعوامّ من طريقٍ يغترُّ به المُستَضْعَفُون فأوحَوا إلى أوليائهم بهذه البدع وأحلُّوا في قلوبهم وصف المعبودِ سبحانه بالأعضاء والجوارح والرّكوبِ والنزولِ والاتكاء والاستلقاء والاستواء بالذات والتردد في الجهات، فمن أصغى إلى ظاهرهم يبادِرُ بوَهْمه إلى تخيُّل المحسوسات فاعتقاد الفضائح فسال به السيلُ وهو لا يدري" اهـ.
أي ظهرت طائفة من السّفهاء لولا استدراجُهم للعوامّ بما يُتصوَّرُ في الأوهام لحفظتُ هذا الكتاب – أي الرسالة القشيريّة – عن تلطيخه بذكرهم، فلولا حاجة التحذير ما كنتُ عرّجتُ على ذكرهم، وهؤلاء يقولون: نحن نأخذ بالظاهر من المعاني التي تحمِّلُها الآيات المتشابهة من حيث اللغة ونُجري الأخبار المرويّة عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم الموهِمةَ حدًّا للخالق عزّ وجلّ على الظاهر، ويقولون: ولا يجوز تأويل شيء من ذلك زاعمين أنّ قوله تعالى {وما يعلم تأويلَهُ إلّا الله} ويشهد على قولهم وهو زَعْم باطل.
وهؤلاء أضرّ على الإسلام من ضلالات الكفّار المعلنين كاليهود والنّصارى وعبدة الأوثان، لأنّ المسلمين يتجنّبون الكفّار المّعلنين، أمّا هؤلاء فقد سلكوا طريقًا ينخدع به المُستضعفون الذين لا رسوخ لهم في علم العقيدة، فنشروا بين أنصارهم الذين يتبعونهم هذه البدع، وجعلوا تشبيه الله بخلقه عقيدةً لهم، فمن أصغى إلى مقالاتهم الفاسدة وتوهَّم بمخيلته المحسوسات من الاستواء بالذات والنزولِ الحسّيّ في حقّ الذات المقدّس فاعتقد التشبيه فقد انجرف وانقاد إلا المهالك وهو لا يدري.
فتبيّن أنّ قول من يقول: "إنّ التأويل غير جائز" خَيْط وجَهْل، وهو محجوج بقوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس "اللهمّ علِّمه الحكمة وتأويلَ الكتاب" رواه ابن ماجة وغيرُه بألفاظ متعدّدة وأوّلُه عند البخاري.
يظهر ممّا سبق بيانه أنّ من يمنع التأويل مردود مَنْعُه بقول النبي صلى الله عليه وسلّم لابن عباس: "اللهمّ علّمه الحكمة وتأويل الكتاب" رواه ابن ماجة في سننه وأحمد في مسنده والطبرانيّ في المعجم الكبير والبخاريّ في صحيحه، فلولا جواز التأويل وحسنُ الإتيان به في موضعه لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لابن عباس أن يعلّمه الله إيّاه. ولو كان التأويل غير جائز لكان النبيّ على زهم هؤلاء دعا بدعاءٍ غير جائز والعياذ بالله تعالى.
قال الحافظ ابن الجوزيّ في كتابه "المَجالِس": "ولا شكّ أنّ الله استجاب دعاءَ الرسول صلى الله عليه وسلم هذا" اهـ وشدَّد النّكير والتشنيع على مَن يمنع التأويل ووسَّعَ القول في ذلك، فليطالِعْه مَن أراد زيادة التأكّد.
بيّن الحافظ ابن الجوزيّ في كتابه "المجَالِس" أنّ الله تعالى استجاب لدعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي دعا به لابن عباس رضي الله عنما، وقد ألّف ابن الجوزيّ كتبًا متعدّدة في الردّ على المجسّمة مانِعي التأويل منها "المجالس" و"دَفْعُ شبه التشبيه بأكفّ التنزيه" و"أخبار الصفات" فقال في "أخبار الصفات": "وانتدَب للتصنيف ثلاثة أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي وابنُ الزاغونيّ، فصنفوا كتبًا شانوا بها المذهب فحَملوا الصّفات على مقتضى الحسّ، فسَمِعوا أنّ الله خلق آدم على صورته فأثبتوا صورة ووجهًا زائدًا على الذات وعينين وفمًا ولَهَواتٍ وأضراسًا وجهةً هي السّحاب ويدين وأصابع وخِنصِرًا وإبهامًا وصدرًا وفخِذًا وساقين ورجلين، وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا: يجوز أن يَمَسَّ ويُمَسَّ ويُدني العبدَ من ذاته، وقال بعضهم: ويتنفّس، ثم هم يُرضُون العوامّ بقولهم: لا كما يُعقل".
وقال مشيرًا إلى ابن حامد وابن الزاغوني في الكتاب نفسه: "ولمّا عَلِمَ بكتابي هذا جماعة من الجهلة لم يعجبهم، لأنهم ألِفُوا كلامَ رؤسائهم المجسّمة، فقالوا: ليس هذا المذهبَ، قلتُ: ليس بمذهبكم ولا بمذهبَ من قلّدهم من أشياخكم، فقد نزّهتُ مذهب الإمام أحمد، ونفيتُ عنه كذب المنقولات وهذيان المعقولات غير مقلّد فيما أعتقده".
ثم قال: "وهم يتحرّجون من التشبيه وقد تبعهم خلق من العوامّ، فقد نصحتُ التابع والمتبوع.." إلى آخر ما ذكره في "المجالس".
ومعنى قوله تعالى: {يخافون ربّهم من فوقِهِم} سورة النحل، 50، فوقيّةُ القهر دون المكان والجهة، أي ليس فوقيّة المكان والجهة.
معنى قوله تعالى {يخافون ربَّهم من فوقِهم} فوقية القهر دون فوقية المكان والجهة لأن الأولى لائقة بالخالق والثانية لا تليق به.
ومعنى قوله تعالى: {وجاء ربُّك والملَكُ صفًّا صفًّا} سورة الفجر، 22، ليس مجيء الحركة والانتقال والزّوال وإفراغ مكانٍ وملء آخر بالنسبة إلى الله، ومن اعتقد ذلك يكفر. فالله تعالى خلق الحركة والسّكون وكلّ ما كان من صفات الحوادث، فلا يوصف الله تعالى بالحركة ولا بالسكون، والمعنيُّ بقوله {وجاء ربُّك} جاء أمرُ ربّك، أي أثر من آثار قدرته. وقد ثبت عن الإمام أحمد أنّه قال في قوله تعالى {وجاء ربّك} إنّما جاءت قدرتُه. رواه البيهقيّ في مناقب أحمد وقد مرّ ذكره.
معنى قوله تعالى: {وجاء ربُّك} جاءت قدرتُه كما ثبت عن الإمام أحمد ذلك، وقد رواه البيهقيّ عنه بالإسناد الصّحيح في "مناقب أحمد"، ومعناه جاءتْ آثار قدرة الله، أي تظهر يوم القيامة مظاهر قدرة الله العظيمة، فتكون هذه الآية من طريق مجاز الحذف حيث يُحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه لوضوح المعنى كقوله تعالى في سورة البقرة {وأُشرِبُوا في قُلُوبِهمُ العِجلَ} أي حبَّ العجل.
(43) فلمّا قال الله تعالى في القرآن الكريم عن الكعبة لإبراهيم وإسماعيل {أنْ طَهِّرا بيتي} سورة البقرة، 125، فذلك لِيُفهِمَنا أنّ الكعبة عنده مقامًا عاليًا وأنها مشرّفة عنده، وهذا ليس من باب إضافة الصّفة ولا من باب إضافة المُلامَسَة.
(44) ومثله قول الشاعر: فلما علونا واستوينا عليهمُ جعلناهمُ مرعًى لِنَسْرٍ وطائرِ
(45) أي أبعَدَ فيما ذهب إليه من طلب المقصود.