هذا الحديث فيه دليل على أنّ كلًّا من هذين الفريقين كفّار، أمّا المعتزلة فقد مر بيان حالهم وهم نحو عشرين فرقةً، منهم مَن وصل إلى حدّ الكفر كالذين ذكرناهم ومنهم من لم يصل إلى ذلك الحدّ، بل اقتصروا على قول: "إنّ الله لا يُرَى في الآخرة كما لا يُرَى في الدّنيا"، والمعتزلة هم القدريّة وقد سُمُّوا بذلك لنفيهم القدر.

وأمّا المرجئة فهم طائفة انتسبوا للإسلام. وكانوا يعتقدون أنّ العبد المؤمن مهما عَمِل من الذنوب ومات بلا توبة فليس عليه عذاب، قالوا: "لا يضرّ مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة" قاسوا هذه على هذه فضَلُّوا وهلكوا، لأن قولهم "لا ينفع مع الكفر طاعة" صحيح لأنّ الكافر مهما قام بصور أعمال الطاعة وهو على كفره لا ينتفع بذلك، وأمّا قولهم "لا يضرّ مع الإيمان ذنب لمن عَمِلَه" فهو كفر وضلال لأنّ المؤمن ينضرُّ بالمعاصي التي يرتكِبُها. والإرجاء معناه التأخير وقد سُمُّوا بالمرجئة لأنهم قالوا بإرجاء العذاب عن المؤمن أي بتأخيره ونَفْيِهِ عنه على الإطلاق.

وسبب هلاكهم في هذه المسألة أنّهم فهِمُوا بعض الآيات على غير وجهها كقوله تعالى {وهل نُجازي إلّا الكفور} سورة سبأ، 17، فظنُّوا أنّ غير الكافر لا يُعذَّب، وإنما معنى هذه الآية أنّ ذلك العذاب الذي ذُكِر لا يلقاه إلّا الكفورُ، وهؤلاء – ولله الحمد -انقرضوا منذ زمانٍ فما بقي منهم أحد فيما نعلم، وإنّما لهم ذِكر في كتب الاعتقاد.

وليعلم أنّ الصّواب الذي لا يصحّ غيره تكفير القدريّة ببدعهم التي وصلَتْ إلى حدّ الكفر، وذلك لنصّ القرآن على ذلك ولِمَا صحّ من نصوص حديثيّة تقدّم بعضُها وقيامُ إجماع الصحابة والتابعين وأتباع التابعين على تكفيرهم، وغيرهم من العلماء المحققين وأكابر الصّوفيّة، وما زعمه بعض المتأخرين من تصحيح عدم تكفيرهم فهو قول ساقط مردود ينطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ" أخرجه مسلم في صحيحه.

وممّا يدلّ على تكفير القدريّة إلى جانب ما تقدّم بيانه ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره عن زُرارة عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنّه تلا هذه الآية {ذُوقوا مسَّ سَقَرَ 48، إنّا كلَّ شيءٍ خلقناه بقدرٍ} سورة القمر، قال: "نزلت في أناس من أمتي يكونون في آخر الزّمان يكذّبون بقدر الله" وروى البيهقيّ في كتابه "القضاء والقدر" عن رافع بن خديج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكفيرهم وأنّهم يكونون أتباع الدجّال عند ظهوره. وكذا روى في الكتاب نفسه عن سيدنا الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما أنّه قال:

"والله ما قالت القدريّة بقول الله ولا بقول الملائكة ولا بقول النبيين ولا بقول أهل الجنّة ولا بقول أهل النّار ولا بقول صاحبهم إبليس"، وروى عن أبي سهيل عمّ الإمام مالك أنّه قال: كنتُ أمشي مع عمر بن عبد العزيز فاستشارني في القدريّة فقلتُ: "أرى أن تستتيبَهم فإن تابوا وإلا عرضتَهم على السّيف" فقال عمر ابن عبد العزيز: "وذلك رأيي" قال مالك: "وذلك رأيي" وقد كفّر الشافعي حفصًا الفرد الذي كان من رؤوس المعتزلة وقال له: "لقد كفرَت بالله العظيم" رواه البيهقيّ في مناقب الشّافعيّ.

وكذلك روى البيهقي عن الحارث بن شريح البزّار قال: قلت لمحمد بن عليّ زين العابدين: يا أبا جعفر إنّ لنا إمامًا يقول في هذا القدر فقال: "يا ابن الفارسيّ انظر كلَّ صلاةٍ صليتَها خلفَه فأعِدْها، إخوانُ اليهود والنّصارى، قاتلهم الله أنَّى يُؤفَكُون". وكفّرهم أبو حامدس الإسفراييني من أصحاب الوجوه بين الشافعيّة ولم يصحّح الصّلاة خلفَهم، ذكره النوويّ في المجموع.

والهدايةُ على وجهين، أحدهما إبانة الحقّ والدّعاء إليه ونَصْبُ الأدلّة عليه، وعلى هذا الوجه يصحّ إضافة الهداية إلى الرُّسل وإلى كلِّ داعٍ لله، كقوله تعالى في رسوله محمّد صلى الله عليه وسلم {وإنّك لتهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ} 53، سورة الشورى، وقوله تعالى: {وأمّا ثمودُ فهدَيناهُم فاستحبُّوا العمى على الهُدَى} 17، سورة فصّلت.

الهداية على معنيين:

1- أحدهما: إظهار الحقّ والدعاء إليه أي أمرُ الناس به وإقامة الأدلة، وعلى هذا الوجه يصح إضافة الهداية إلى الرسل وكلِّ داعٍ لله تعالى، كقوله تعالى في حقّ سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم في سورة الشورى {وإنّك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم} أي إنّك يا محمّد تدلّ على الطريق القومي، وليس معناه أنّك تخلق الاهتداء في قلوب الناس كما قال ربّنا عزّ وجلّ في سورة القصص {إنّك لا تهدي من أحببتَ} أي يا محمّد أنت لا تستطيع أن تخلق الاهتداء في قلب مَن أحببت اهتداءه {ولكنّ الله يهدي من يشاء} أي لكنّ الله هو الذي يخلق الاهتداء في القلب مَن شاء له الاهتداء في الأزل.

الرصول صلى الله عليه وسلم كان يحبُّ أن يهتدي عمُّه أبو طالب لأنّه قريبه ولأنّه حماه لكنّ الله ما شاء له الإيمان فمات ولم يسلم. لمّا كان على فراش الموت دخل عليه الرسول فقال له(55): "يا عمّ قل لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله" فلم يفعل وقال: "إني على مِلّة عبد المُطّلب"، وكان قبل ذلك يقول للنبيّ: "لولا أن تُعيِّرني بها قريش لأقررتُ بها عينك"، ثم لمّا مات جاء عليّ بن أبي طالب إلى الرسول فقال: يا رسول الله إنّ عمّك الشيخ الضّالّ قد مات، فقال: "اذهب فوارِهِ" أي جهِّزه للدّفن.

وجاءت الهداية أيضًا على معنى تبيين الحقّ والدلالة عليه في قوله تعالى في سورة فُصّلت {وأمّا ثمودُ فهدَيناهم} أي بيّن الله تعالى لثمودَ طريق الهدى وأرسَلَ إليهم نبيّه صالحًا فتبيّن لهم طريق الإسلام {فاستحبُّوا العَمَى على الهُدَى} أي فكذّبوه واختاروا الضلال ولم يقبلوا الإيمان فأهلكهم الله بطغيانهم فأمر الله سيدنا جبريل فصاح بهم فهلكوا. وثمود هذه قبيلة من قبائل العرب كانت قبل سيدنا محمد، ومساكنهم بعد المدينة بثلاثمائة كيلو متر تقريبًا إلى جهة الشام.

والثاني من جهة هداية الله تعالى لعباده، أي خَلْقِ الاهتداء في قلوبهم كقوله تعالى {فمن يُردِ الله أن يهديه يشرح صدرَهُ للإسلام ومَن يُرِدْ أن يُضِلَّه يَجعَلْ صدرَهُ ضيّقًا حَرَجًا 125} سورة الأنعام، والإضلالُ خَلْق الضلال في قلوب أهل الضلال، فالعباد مشيئتُهم تابعة لمشيئة الله قال تعالى {وما تشاؤون إلّا أن يشاء اللهُ 30} سورة الإنسان.

2 – الثاني: من معاني الهداية ما يكون على معنى خلق الاهتداء في قلوب العباد، وهذه الهداية خاصّة بالله تعالى، كقوله تعالى في سورة النعام {فمن يُرِدِ الله أن يهديَهُ} أي أن يخلُقَ في قلبه الاهتداء فيجعلَهُ مهتديًا {يشرح صدره للإسلام} أي يحبّبْ الإسلام إليه ويزينه له {ومن يُرِد أن يُضلّه يجعَلْ صدره ضيّقًا حرجًا} فلا يُحبِّبُ الإسلام إليه. والإضلال معناه خلق الضّلال في قلوب أهل الضّلال، فمن شاء الله أن يكون ضالًّا كافرًا يحول الله بينه وبين الإيمان فيضيقُ صدره وينفر قلبه عن قبول الحقّ. فهو سبحانه يخلق الاهتداء في قلوب من يشاء من عباده فضلًا منه وكرمًا، ويخلق الضلالة في قلوب من يشاء من عباده عدلًا منه لا ظلمًا. فالعباد مشيئتهم تابعة لمشيئة الله لا غالبةً لها بدليل قوله تعالى في سورة الإنسان {وما تشاؤون إلّا أن يشاء الله}.

وهذه الآية من أوضح الأدلّة على ضلال جماعة أمين شيخو لأنّهم يقولون: إن شاء العبد الهداية يهديه اللهُ وإن شاء العبد الضلال يضلّه الله، فماذا يقولون في هذه الآية {فمن يُرِدِ الله أن يَهدِيَهُ يشرَحْ صدرَهُ للإسلام} فإنّها صريحة في سبق مشيئة الله على مشيئة العبد لأنّ الله نسَبَ المشيئة إليه وما ردّها إلى العباد، فأولئك كأنهم قالوا: مَن يُرد العبدُ أن يشرح صدره للإسلام يشرح اللهُ صدرَهُ، ثم قوله {ومن يُرِدْ أن يُضِلَّه} فلا يمكن أن يرجع الضمير في {يُرِدْ أن يُضِلّه} إلى العبد لأن هذا يجعل القرآن ركيكًا ضعيف العبارة، والقرآن أعلى البلاغة، لا يوجد فوقَه بلاغةً، فبان بذلك جهلُهم العميق وغباوتُهم الشّديدة.

قوله تعالى وما تشاؤون إلّا أن يشاء الله {من أوضح الأدلّة على ضلال القدريّة ومنهم جماعة أمين شيخو لأنهم يقولون: إن شاء العبد الهداية يهدِهِ الله وإن شاء العبد الضّلالة يضلّه الله. فيجعلون مشيئة الله تابعةً لمشيئة العبد وهو ضدّ معنى الآية المذكورة. والآية {فمَن يُرِدِ الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} صريحة في أن مشيئة الله سابقة على مشيئة العبد، لأنّ الله نسب المشيئة إليه لا للعبد وجعَلَ مشيئة العبد تابعةً لمشيئته عزّ وجلّ. أمّا المعتزلة فقد قالوا في قوله تعالى {فمن يردِ اللهُ أن يهديه يشرح صدره للإسلام} من يُردِ العبدُ أن يشرح صدره للإسلام يشرح الله صدره، وقالوا معنى {ومن يُرد أن يُضلّه} من يرد العبد أن يضلّه الله فالله يضلُّه بإرجاع الضميرَ في {يُرِدْ} في الموضعين إلى العبد لا إلى الله،

فجعلوا مشيئة العبد سابقةً على مشيئة الله أي غالبة لها والعياذ بالله تعالى. وإرجاعُهم الضّمير في {يُرِد} إلى العبد لا يوافق العربيّة لأنّ لفظ الآية {فمن يُرِدِ الله} صريح في أنّ فاعل {يُرِد} هو الله عزّ وجلّ لا العبد، فقوله المعتزلة هذا لا يوافق بلاغة القرآن التي لا بلاغة فوقَها.

وعلى موجَبِ كلامِهم يكون معنى الآية {فمن يُرِدِ الله أن يهدِيَهُ يَشْرحْ صدرَهُ للإسلام} أنّ العبد الذي يريد أن يهديه الله يشرحُ الله صدره للهدى، وهذا عكس اللفظ الذي أنزله الله، وهكذا كان اللازمُ على موجَبِ اعتقادِهم أن يقول الله: والعبدُ الذي يريد أن يُضلّه الله يجعَلُ صدره ضيّقًا حرجًا، وهذا تحريف للقرآن لإخراجه عن أساليب اللغة العربيّة التي نزل بها القرآن وفَهِمَ الصّحابةُ القرآن على موجبِها، والدليل على أنّهم يفهمون القرآن على خلاف ما تفهَمُه هذه الفرقة اتفاقُ المسلمين سَلَفِهم وخلَفِهِم على قولهم "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن".

يُفهم ممّا تقدّم أنّ اعتقاد المعتزلة عكسُ لفظِ الآية المذكورة، ولو كان اعتقادهم صحيحًا لكان لفظ الآية (العبد الذي يريد أن يضلّه الله يجعلُ صدره ضيقًا) وهذا ضدّ ما نزل به القرآن وعكس ما أجمع عليه المسلمون من قولهم: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" يقولها الصغير والكبير منهم بلا نكير ولا دَفْع من أحد جيلًا بعد جيل. ومن أوضح الآيات التي تدلّ على تحريف هذه الفرقة لدين الله قوله تعالى في سورة المائدة {ومن يُرِد اللهُ فتنتَهُ فلن تملِك له من الله شيئًا أولئك الذين لم يُرِد الله أن يُطهِّر قلوبهم 41}، فقوله عزّ وجلّ {ومن يُرد الله فتنتَهُ} (أي ضلالته) فلن تملك (أي يا محمّد) من الله شيئًا أولئك الذين لم يُرِد الله أن يطهِّر قلوبهم (أي من الكفر). فهذا دليل واضح على أنّ الله هو الذي شاء الضّلالة لمن ضَلَّ من عباده، فالله تعالى في هذه الآية يخاطب رسوله بأنّه تعالى شاء أن يَضِلَّ أولئك فضلُّوا، وأنت لا تستطيع يا محمّد أن تخلق فيهم الاهتداء لأنّ الله ما شاء أن يُطهِّرَ قلوبهم من الكفر.


(55) أخرجه البخاري في صحيحه.