جَرَتْ عادةُ العلماءِ المؤلّفين في العقيدة من المتأخرين على قولهم: "إنّ الواجبَ العينيَّ المفروضَ على كلّ مكلّف – أي البالغِ العاقل – أن يعرف من صفات الله ثلاثَ عشرةَ صفةً: الوجود والقدم والمخالفة للحوادث والوَحدانيّة والقيامَ بنفسه والبقاء والقُدرة والإرادة والحياة والعِلْمَ والكلام والسّمع والبصر، أنّه يستحيل على الله ما ينافي هذه الصّفات. ولمّا كانت هذه الصّفاتُ ذُكِرَت كثيرًا في النّصوص الشّرعيّة قال العلماء: "يجب معرفتها وجوبًا عينيًا، أي على كل مكلّف بعَيْنِه".

من عادة العلماء المتأخرين من أهل السّنة أن يذكروا في كتب العقيدة وجوبَ معرفةِ الصفات الثّلاث عشرة على كلّ مكلّف، من هؤلاء العلماء عبد المجيد الشرنوبيّ في "شرح تائية السلوك" وأبو بكر الدمياطي في "إعانة الطالبين"، وليس المقصودُ من ذكر المتأخرين من العلماء أنّ المتقدّمين منهم لم يقولوا بوجوب معرفة الصفات الثّلاث عشرة، بل المتقدّمون والمتأخرون مجمعون على وجوب معرفة هذه الصفات القائمةِ بذات الله أي الثابتةِ له وإن لم يجب على كلّ مكلّف حفظ ألفاظها، وقد ذكر غيرُ واحد من المتقدمين وجوبَ معرفة هذه الصفات على المكلفين، منهم الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه، واتفق المتقدّمون والمتأخرون من أهل السنة على أنّه يستحيل على الله ما ينافي هذه الصفات. فلما تكرّر كثيرًا ذِكْرُ هذه الصفات في النّصوص الشرعيّة في القرآن والحديث بحيث كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يعلّمها لكلّ أحدٍ من المسلمين قال العلماء: يجب معرفتها على كلّ مكلّف.

وقال بعضهم بوجوب معرفة عشرين صفةً، فزادوا سبع صفات معنويّة، قالوا: وكونُه تعالى قادرّا ومريدًا وحيًّا وعالمًا ومتكلِّمًا وسميعًا وبصيرًا، والطريقة الأولى هي الراجحة.

الصفات الثلاثَ عشرة

صفة نفسية *** صفات معانٍ *** صفات سلبية

الوجود *** القدرة *** الإرادة *** القدم

العلم *** الحياة *** الوحدانية

البقاء *** السمع *** القيام بالنفس

البصر *** الكلام *** المخالفة للحوادث

• الصفات الثلاث عشرة منها صفة نفسيّة

• وثمانِ صفات معاني هي: القدرة والإرادة العلم الحياة، البقاء، السّمع البصر والكلام، وكلّ منها معنًى قائم بذات الله، أي هي صفات تقوم بالذات المقدّس.

• وأربع صفات سلبيّة هي: القدم الوحدانيّة القيام بالنفس والمخالفة للحوادث. وكل منها سَلْبُ أي نفي نقصٍ عن الله تعالى، فالقِدَم هو انتفاء الحدوث، والوحدانية هي انتفاء الشريك، والقيام بالنفس هو انتفاء الحاجة، والمخالفة للحوادث هي انتفاء الشبيه والمثيل.

وزاد بعضهم كالفُضالي الشّافعي في "كفاية العوام" سبع صفاتٍ أوجبوا معرفتها سَمَّوها صفاتٍ معنويّةٍ وهي كونه تعالى عالمًا وكونه قادرًا وكونه مريدًا وكونه حيًّا وكونه سميعًا وكونه بصيرًا وكونه متكلّمًا، وسُمِيّت معنويّة لأنّ تَعَقُّلَها فرع تَعَقُّلِ صفات المعاني السبع، لأنّ الصّفات المعنويّة لازمة لصفات المعاني. ولكنّ الطريقة الأولى هي الراجحة لأنّ كون الله تعالى عالمًا قادرًا مريدًا حيًّا سميعًا بصيرًا متكلّمًا. يُعلَمُ بمعرفة الصفات الثلاث عشرة فلا حاجة للتكرار، لأنّ معنى كونه عالمًا قيامُ العلم به، ومعنى كونه حيًّا قيامُ الحياة به وهكذا، فليس لذلك معنًى زائدٌ يتصف الذات المقدّس به، ولذا قال أكثر المحققين: إنّ الواجب على كلّ مكلّف معرفة ثلاث عشرة صفة من غير زيادة لأنّ معرفة اتصافه تعالى بالحياة مثلًا يُفهَمُ منه كونُهُ حيًّا، ومعرفة اتصافه بالقدرة يُفهَمُ منه كونه قديرًا وهكذا كما سبق بيانه.

الوجود

اعلَمْ رحِمَكَ الله أنَّ الله تعالى موجودًا أزلًا وأبدًا، فليس وجودُه تعالى بإيجاد مُوجدٍ.

الأصل الذي تُبنَى عليه العقيدة الإسلاميّة معرفة الله ومعرفة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومعرفة الله هو العِلمُ بأنّه تعالى موجود لا ابتداء ولا انتهاء لوجوده، وهو عزّ وجلّ منفردٌ بذلك، وليس وجوده تعالى بإيجاد مُوجِدٍ لأنه لو كان كذلك لكان مخلوقًا حادثًا، والحادث لا يكون إلهًا.

وقد استنكَرَ بعضُ الناس قول "الله موجود" لكونه على وزن مفعول، والجواب أنّ مفعولًا قد يُطلَقُ على من لم يَقَعْ عليه فِعْلُ الغير كما نقول: "الله معبود"، وهؤلاء ظَنُّوا بأنفُسِهم أنّ لهم نصيبًا في علم اللغة وليسوا كما ظَنُّوا.

استنكر بعضُ أدعياء العلم قول "الله موجود" لكون لفظ "موجود" على زنة "مفعول" فيقتضي بزعمهم وقوع الفعل عليه(21) والجواب أنّ زنة "مفعول" قد تطلق أيضًا على من لم يقع عليه فِعلُ الغير، كما نقول "الله معبود" ولا يُفهم منه أنه يؤثر فيه فعلُ الغير، لا حسًا ولا معنًى، وقد ذكر الجوهريّ في الصّحاح أنّ العرب قد تطلق لفظ المفعول بمعنى الفاعل في كلمات عديدة من ذلك: عُنِيَ بالشيء فهو معنيٌّ به أي مُعتنٍ به، وزُهِيَ الرّجُلُ فهو مَزْهُوٍّ بمعنى تكبّر فهو متكبِّر. ونقل الإجماع على جواز تسمية الله موجودًا سعد الدين التفتازانيّ في شرح العقائد النسفية.

ثم ليُعلَمْ أنّ اللفظ الذي يعطي المعنى الفاسِدَ الذي لا يليق بالله هو "مُوجِد" بفتح الجيم، اسمُ مفعول من "أوجَدَ يُوجِدُ" ولذا نقول: العالم مُوجَد بإيجاد الله واللهُ مُوجِدُه بكسر الجيم.

قال اللغويُّ الكبير شارح القاموس الزَّبيديُّ في شرح الإحياء ما نصُّه: "والبارئ تعالى موجود فصحّ أن يُرَى"، وقال الفيُّوميّ اللغويّ صاحب المصباح: "الموجود خلاف المعدوم".

قول الحافظ المحدّث الفقيه محمّد مرتضى الزَّبيديَ وقول أحمدَ بن محمّد الفيُّوميّ اللغويّ يدلّان على أنّه لا مانع لغويّ من إطلاق لفظ "موجود" في حقه عزّ وجلّ، والعِبرة بكلام أهل العلم الثقات في النقل عن العرب القدماءِ أهلِ اللغة لا بِمَنْ يتطفَّلُ على ذلك بغير عِلم.

القِدَم

يجب لله القِدَمُ بمعنى الأزليَّة لا معنى تقادُمِ العهد والزَّمن، لأنّ لفظ القديم والأزليّ إذا أُطلِقا على الله كان المعنى أنّه لا بداية لوجوده، فيقال الله أزليّ، الله قديم.

يجب لله تعالى القِدَم، والقِدم إذا أطلق على الله كان بمعنى الأزليّة أي انتفاءِ البداية، فهو تعالى لم يسبق وجوده عدمٌ، ولا يُراد بالقِدم إذا أطلق على الله تقادُمُ العهدِ وطولُ الزّمن، لأنّ من تقادَمَ عهدُه أي طالَ زمنُه يكون لوجوده بداية فيحتاج إلى مُوجِدٍ أوجدَهُ وخالقٍ أبدَعَهُ فيكونُ مُحدَثًا مخلوقًا محتاجًا إلى خالقٍ خلَقَه، والمحتاج إلى غيره لا يكون إلهًا فالإله لا بُدَّ أن يكون أزليًّا لا بداية لوجوده، وهو تعالى منفرد بذلك، فلا موجودَ قديمٌ أزليٌّ إلّا هو عزّ وجلّ، قال الله تعالى في سورة الحديد {هو الأوّل} 3.

وإذا أُطلقا على المخلوق كانا بمعنى تَقادُمِ العهد والزّمن، قال الله تعالى في القمر: {حتى عاد كالعُرجُونِ القديم} سورة يس/39، وقال صاحب القاموس الفيروزآبادي: "الهرمان بناءان أزليّان بمصر".

إذا أُطلق القديم أو الأزليّ على المخلوق كانا بمعنى تقادم مرور الزّمن، ومِن إطلاق القديم على المخلوق قوله تعالى في القمر {حتى عاد كالعرجون القديم} والعُرجُون هو عِذقُ النّحل وهو شيء في أعلى النخل إذا مضى عليه زمان يَيْبَسُ فيتقوّسُ، بمعنى الآية أنّ القمر في آخر أطوارِهِ يصير بهيئة العرجُون القديم، فهنا القديم جاء بمعنى الشيء الذي مضى عليه زمان طويل. ومن إطلاق الأزليّ على المخلوق ما ذكره صاحب القاموس المحيط الفيروزآبادي في أهرام مصر قال: "الهَرَمانِ بناءان أزليّان بمصر" أي مضى عليهما زمان طويل.

وأمّا برهانُ قِدَامِهِ تعالى فهو أنّه لو لم يكن قديمًا لَلَزِمَ حدوثُه فيفتَقِرُ إلى مُحدِثٍ فيلزَمُ الدَّوْرُ أو التّسلسلُ وكلٌّ منهما محال، فثبتَ أنَّ حدوثَهُ تعالى مُحال وقدَمَهُ ثابت.

برهان قِدَم الله تعالى أنّه لو لم يكن قديمًا لَلَزِمَ حدوثُه، فيكون مُحدَثًا مخلوقًا، فيفتقر إلى مُحدِث، وهذا المُحدِثُ كذلك يفتقر إلى مُحدِث إن لم يكن قديمًا أزليًّا وهكذا، فيلزَمُ الدّوْرُ أي توقُّفُ وجودِ الشيء على ما يتوقّفُ وجودُه عليه كما لو قيل: زيد أوجده عمرو وعمرو أوجده زيد، فهذا معناه وَقفُ وجودِ زيدِ على وجود عمرو المتوقّفِ وجودُه على وجود زيد، وهذا أمر لا يقبله العقل لأنه يؤدّي إلى القول بأنّ الشيء مخلوق لمخلوقِهِ وهو يقتضي أيضًا أن يكون الشيء قبلَ نفسه باعتبار خالقيته، وبعد نفسه باعتبار مخلوقيته.

أو يلزم التّسلسُلُ وهو توقُّف وجود شيءٍ على شيءٍ قبلَهُ يتوقّف وجودُه على شيء قبلَهُ وهو توقُّف وجودِ شيءٍ على شيءٍ قبلَهُ يتوقّف وجودُه على شيء قبلَهُ وهكذا إلى غير ابتداء، وهذا لا يقبله العقل أيضًا لأن وجود الحادث الحاليّ على مقتضى هذا القول لا يكون إلا بعد انتهاء الحوادث التي قبله لا نهاية لعددها، وانتهاءُ ما لا نهاية له مستحيل، مثاله أن يقول شخص لآخر: لا أعطيك درهمًا حتى أعطيَكَ قبلَه درهمًا وهكذا لا إلى أوّل، فإنّه لا يحصل على الدّرهم الموعودِ كما هو ظاهر.

ولمّا كان كلٌّ من الدَّوْر والتّسلسل باطلًا وثبت أنّه محال تبيّن بُطلانُ ما يقتضيهما وهو حدوث ذاتِهِ عزّ وجلّ، فثبت أنّ حدوثه تعالى محالٌ وقِدَمَهُ ثابت.

البقاء

يجب البقاء لله تعالى بمعنى أنّه لا يلحَقُه فناء، لأنّه لمّا ثبت وجوبُ قِدَمِهِ تعالى عقلًا وجب له البقاء، لأنّه لو أمكن أن يَلْحقه العدمُ لانتفى عنه القِدم.

البرهان العقليّ على وجوب البقاء لله تعالى أنّه تعالى لو جاز عليه العدم لكان حادثًا يجوز عليه ما يجوز على الحوادث ولاحتاج إلى مخصّصٍ يُخَصِّصُه بالوجود بدل العدم كشأن سائر الحوادث فينتفي حينئذٍ عنه القِدم، ولكن لما ثبت في العقل وجوبُ القدم لله وجب البقاء له واستحال عليه الفناء، والدليل من المنقول على اتصاف الله تعالى بالبقاء قوله عزّ وجلّ في سورة الرحمن {ويبقى وجهُ ربّك ذو الجلال والإكرام} 27، والوجه هنا يتعين تفسيره بالذات ولا يصحّ تفسيره بالصّفة، لأنّ الذات هو الذي يُوصَف بذي الجلال والإكرام لا الصّفة، فيكون المعنى ويبقى ذات ربّك.

فهو تبارك وتعالى الباقي لذاته لا باقيَ لذاته غيرُهُ، وأمّا الجنّة والنّار فبقاؤهما ليس بالذات بل لأنّ الله شاء لهما البقاء، فالجنّة باعتبار ذاتها يجوز عليها الفناء وكذلك النّار باعتبار ذاتها يجوز عليها الفناء.

البقاء الذي هو واجب لله هو البقاء الذاتيّ، أي ليس بإيجاب شيءٍ غيره له، بل هو يستحقه لذاته لا لشيء آخر، ولا يكون لشيء سواه هذا البقاءُ الذاتيّ، إنّما البقاء الذي يكون لبعض خلق الله تعالى كالجنّة والنّار ليس بقاءً ذاتيًّا، لأن الجنّة والنار حادثتان، والحادث لا يكون باقيًا لذاته، فبقاءُ الجنة والنار ليس بذاتيهما، بل لأنّ الله تعالى شاء لهما البقاء فالجنة باعتبار ذاتها والنارُ باعتبار ذاتها يجوز عليهما الفناء عقلًا لكونهما حادثتين، ثم إنّ البقاء الذي هو نعت الجنة والنار معناه مرورُ زمانٍ بعد زمانٍ عليهما وهكذا لا إلى آخر، وأما بقاء الله تعالى فليس بمرور زمانٍ قطعًا، فبقاؤهما ليس كبقاء الله عزّ وجلّ.


(21) أي توهَّموا أنّ لفظ "موجود" يُفهَم منه أنّه يؤثّر فيه فِعْلُ الغير فمنعوا إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى جهلًا منهم.