وهو صفة أزليّة ثابتة لذات الله، فهو يسمع الأصوات بسَمْعٍ أزليّ أبديّ لا كسمعنا، ليس بأذُنٍ وصماخٍ، فهو تعالى لا يَعْزُبُ أي لا يغيبُ عن سمعه مسموع وإن خفي أي علينا وبَعُدَ أي عنّا كما يعلَمُ بغير قلب.

السمع صفة قديمة قائمة بذات الله أي ثابتة له، وهو تعالى يسمع جميع الأصوات بسمع أزليّ أبديّ، ولا يجوز أن يكون سمعُهُ تعالى حادثًا كسمع خلقِهِ، ولا يجوز أن يكون بآلةٍ كسمعنا، فهو يسمع بلا أذنٍ ولا صماخٍ، ولا يغيب عن سمعه مسموع وإن خفيَ علينا أو بَعُدَ عنّا، ولا يلزَمُ مِن قِدَمِ سمعِهِ عزّ وجلّ قِدَمُ المسموع كما لا يلزَمُ مِن قِدم العِلم والقدرةِ قِدم المعلومات والمقدورات.

ودليلُ وجوب السّمع له عقلًا أنّه لو لم يكن متّصفًا بالسّمع لكان متّصفًا بالصَّمَمِ وهو نقصٌ على الله، والنقص عليه محال، فمن قال إنّه يسمع بأذُنٍ فقد ألحَدَ وكفر.

البرهان العقلي على وجوب السمع لله تعالى أنّه لو يكن متّصفًا بالسّمع لكان متّصفًا بنقيضه أي الصَّمم وهو نقصٌ على الله تعالى والنقص في حق الله محال. ذكر هذا البرهان الإمام الأشعريّ في اللمع، وعليه فإنّ مَنْ نفَى صفة السمع عنه عز وجل فإنه يكفر، وكذا من اعتقد أنه تعالى يسمع بأذنٍ فإنّه يكفر والعياذ بالله تعالى، وقد وقع بعضُ من لم يتعلّم التّنزيه في التشبيه فحرَّفَ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه ابن ماجة في سننه: "للهُ أشدُّ أذَنًا" بفتح الهمزة والذال، أي أشدُّ استماعًا، لأنّ الأذَنَ في اللغة الاستماع، فزعَمَ أنّ لفظة "للهُ أشدُّ آذانًا" بمدّ الهمزة والذال، فاعتقد أنّ الله تعالى له أذُن ونسب إليه الجارحة والعياذ بالله تعالى، وهذا تشبيه محض.

البَصَرُ

يجب لله تعالى عقلًا البصرُ أي الرّؤية، فهو يَرَى برؤيةٍ أزليّة أبديّة المرئيّات جميعها فيرى ذاته بغير حدقةٍ وجارحةٍ لأنّ الحواسَّ من صفات المخلوقين.

يجب لله تعالى عقلًا وشرعًا البصر أي الرؤية، والبصر صفة أزليّة أبديذة متعلِّق بالمُبصَرات، وبصره عز وجلّ ليس مختصًّا بالجواهر ومخا يقوم بالجوهر من المرئيات، بل الله يرى كلَّ موجود بلا استثناء، أي بصره يتعلق بكلّ موجود فهو تبارك وتعالى يرى ذاته الأزليَّ ويرى الحادثات برؤيته الأزليّة، وذلك بغير حدقةٍ وجارحةٍ لأنّ الحواسَّ من صفات المخلوقات واللهُ منزّه عنها، ولا يلزم من قِدم البصر قِدَمث المُبصَرَات كلّها على وزان ما تقدّم في السمع.

والدليل على ثبوت البصر له عقلًا أنّه لو لم يكن بصيرًا رائيًا لكان أعمَى، والعمَى أي عدمُ الرؤية نقصٌ على الله، والنقص عليه مستحيل. ودليل السّمع والبصر السّمعيُّ الآياتُ والأحاديثُ كقوله تعالى: {وهو السّميع البصيرُ} سورة الشورى/11، وقوله صلى الله عليه وسلم في تعداد أسما الله الحسنى "السّميعُ البصيرُ" وهو في حديثٍ أخرجه الترمذيّ وصحّحه ابن حبّان.

البرهان العقليّ على وجوب اتّصاف الله عزّ وجلّ بالبصر أنّه لو لم يكن كذلك لاتّصف بنقيض ذلك وهو العَمَى، والعَمَى أي عدمُ الرؤية نقص فيحق الله والنقص مستحيل على الله عزّ وجلّ. ذكرَ هذا البرهان الإمامُ الأشعريّ في اللُّمَع. وأمّا البرهان النّقلي من الآيات على وجوب اتصاف الله بالسّمع والبصر فكقوله تعالى في سورة الشورى {وهو السميع البصير} وقوله عزّ وجلّ في سورة طه {إنّني معكما أسمَعُ وأرَى} سورة النساء، {وكان الله سميعًا بصيرًا}، ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم في تعداد أسماء الله الحسنى: "السّميع البصير" وهو في حديث أخرجه الترمذي في سُننِهِ، وصحّحه ابن حبّان كما في كتاب "الرقائق من الإحسان".

الكلام

الكلام هو صفة أزليّة أبديّة، هو متكلّم بها آمِرٌ ناهٍ واعِدٌ متوعِّدٌ. ليس ككلم غيره، بل أزليّ بأزليّة الذات لا يُشبِهُ كلام الخَلْق وليس بصوتٍ يَحْدُث من انسِلال الهواء أو اصطِكاكِ الأجرام، ولا بحرفٍ ينقطعُ بإطباق شفةٍ أو تحريكِ لسانٍ.

لا يشبه كلامُ الله كلام المخلوقين لأن كلام المخلوقين حادث، وكلامُه تعالى أزليّ بأزليّة الذات، إذ لو كان حادثًا لكان الذات حادثًا، ويستحيل كون ذات الله حادثًا لأنّه يستحيل قيامُ الحوادث بالقديم كما سبق بيانه، فإذًا كلامُ الله معنًى قائمٌ أي صفة قائمة بذات الله عزّ وجلّ، ويُفهَمُ من هذا البيان أن كلام الله ليس بصوتٍ يحصل منَ انسِلالِ الهواء أو اصطكاكِ الأجرام أي احتكاكِ الأجسام، وليس بحرف يحصل بإطباق شفةٍ أو تحريكِ لسانٍ، أمّا كلام الإنسان فهو صوت يعتمد على مخارج ومقاطِعَ ويُبتدأَ ويُختَتَم ويكون بلغات وحروف واللهُ منزّه عن ذلك.

ونعتقد أنّ موسى سمع كلام الله الأزليَّ بغير حرفٍ ولا صوتٍ كما يَرَى المؤمنون ذات الله في الآخرة من غير أن يكون جوهرًا ولا عرضًا، لأنّ العقل لا يُحِيلُ سماعَ ما ليس بحرفٍ ولا صوتٍ.

نعتقد اعتقادًا جازمًا أنّ سيّدنا موسى عليه السلام سمع كلام الله الأزليّ بغير حرف ولا صوت، وسماعُه كلام الله الأزليّ الأبديّ بأذنه الحادثة لا يقتضي كون كلامِ الله حادثًا كما أنّ المؤمنين يوم القيامة وهم في الجنّة يرون بأعينهم الحادثة ذات الله الأزليّ الأبديّ من غير أن يكون في جهة أو أن يكون جوهرًا أو عرضًا. والعقل لا يُحيل سماع ما ليس بحرف ولا صوتٍ وإن كنّا لا نستطيع تصوُّرَ ذلك وتخيُّلَه، إذ إنّنا عاجزون عن إدراك حقيقة صفات الخالق سبحانه كعَجْزِنا عن إدراك ذاتِه عزّ وجلّ.

هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وأمّا المعتزلة فقد نَفَتْ صفة الكلام وقالوا: "معنى الله متكلّم" أنّه يخلق كلامًا في غيره، وليس معناه أنه متّصف بصفة الكلام الأزليّة الأبديّة، وقالوا عن سيدنا موصى إنّ الله أسمَعَه كلامًا خلقه في الشّجرة التي كان عندها موسى والعياذ بالله، وكلامهم هذا باطل لأنّه يلزمهم من ذلك أنّ الشّجرة كلّمت سيدنا موسى وقالت له {إنّني أنا الله لا إله إلّا أنا فاعبُدني وأقم الصلاة لذكري} سورة طه، 14، وهذا ممّا يُقطع بفساده، كيف وقد أسند الله تعالى الكلام إلى نفسه وأكّد ذلك بالمصدر فقال تعالى في سورة النساء {وكلّم الله موسى تكليمًا} والتأكيد بالمصدر يفيد نَفْيَ المجاز، وقال تعالى في سورة الأعراف {إنّي اصطفيتُك على النّاس برسالاتي وبكلامي} فأثبتت هاتان الآيتان اتصاف الله بصفة الكلام الأزليّ الأبديّ، وهي صفة قائمة بذاته عزّ وجلّ.

وكلامُه تعالى الذاتيّ ليس حروفًا متعاقبةً ككلامنا، وإذا قرأ القارئ منّا كلامَ الله فقراءتُه حرفٌ وصوتٌ ليست أزليَّةً.

كلام الله تعالى الذاتيُّ صفة أزليّة أبديّة قائمة بذاته عزّ وجلّ، ليست حروفًا متتالية ككلامنا المخلوق، وأما قراءتنا لكلام الله الذي هو اللفظ المُنزّل على النبيّ صلى الله عليه وسلّم فهي بحرف وصوت وليست أزليّة. ويُفهَم من هذا أنّ كلام الله يُطلق ويراد به الكلام الذاتيّ الذي هو صفة الله عزّ وجلّ وليس حرفًا ولا صوتًا، ويطلق ويراد به اللفظ المنزَّل على سيّدن محمّد صلى الله عليه وسلم، وسيأتي مزيدُ بيانٍ في ذلك.

وقد نُقل هذا التفصيل عن أبي حنيفة رضي الله عنه وهو من السّلف أدرك شيئًا من المائة الأولى ثم توفّي سنة مائةٍ وخمسين هجريّةً، قال: "والله يتكلم لا بآلةٍ وحرفٍ" فليُفهَمْ ذلك.

نُقِلَ هذا البيان، أي أنّ كلام الله يطلق على الصفة القائمة به تعالى التي ليست حرفًا ولا صوتًا عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، وهو من رؤوس السّلف إذ وُلِدَ سنة ثمانين للهجرة وتوفي سنة مائة وخمسين هجريةً وقد قال: "يوتكلّم – أي الله – لا ككلامنا، نحن نتكلّم بالآلات من المخارج والحروف والله متكلّم بلا آلةٍ ولا حرفٍ" فليُفهم ذلك.

وليس الأمر كما تقول المشبّهة بأنّ السّلف ما كانوا يقولون بأنّ الله متكلِّم بكلام ليس بحرف، وإنّما هذا بدعة الأشاعرة.

قول الإمام أبي حنيفة يدل على كذِبِ المشبّهة حيث قالوا: إن السّلف لم يقولوا إنّ الله متكلّم بكلامٍ ليس بحرف ولا صوت، وزَعْمِهِم إنّ هذا بدعة الأشاعرة، ومرادُهم بهذا صرف الناس عن التنزيه إلى اعتقادهم الباطل الذي لا يقبله العقل، إذ زعموا أنّ الله يتكلّم بأصواتٍ وحروفٍ تقوم بذاتِهِ سبحانه فجعلوا الحروف الحادثة قائمةً بذات الله الأزليّ والعياذ بالله تعالى، فإن قالت المشبّهة: دليلنا على أنّ كلام الله بالحرف والصّوت قوله تعالى: {إنّما أمرُه إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون} سورة، 82، فالجواب لو كان الأمر كما تدّعُون لتناقضت هذه الآية مع غيرها من الآيات، والقرآنُ يتعاضدُ ولا يتناقض، ومعنى هذه الآية أنّ الله يوجد الأشياء بدون تعب ومشقّة وبدون ممانعةٍ أحدٍ له،

أي أنه يخلق الأشياء التي شاء أن يَخْلُقَها بلا تأخّر عن الوقت الذي شاء وجودها فيه، فمعنى {كن فيكون} يدلّ على سرعة الإيجاد، وليس المعنى كلّما أراد الله خلق شيءٍ يقول كن كن كن وإلّا لكان معنى ذلك أنّ الله كلّ الوقت يقول ذلك، وهذا محالٌ لأنّ الله عزّ وجل لا تقوم بذاته الحوادث وهو تعالى يخلق في اللحظة الواحدة ما لا يدخل تحت الحصر. ثم كلمة "كن" لغة عربيّة والله تعالى كان قبل اللغات كلّها، فعلى قول المشبّهة يلزم أن يكون الله ساكتًا قبلُ ثم صار متكلِّمًا وهذا محال لأنّ هذا شأنُ البشر!

وقد قال أهل السنة: لو كان يجوز على الله أن يتكلّم بالحرف والصوت لجاز عليه كلُّ الأعراض من الحركة والسّكون والبرودة واليبوسة والألوان والروائح والطعوم وغير ذلك وهذا محالٌ. وكذلك يلزم من قول إنّ الله يخلق بلفظ "كن" الذي هو لفظ مركّب من حرفين خلقُ المخلوق بالمخلوق وهذا أيضًا محال، إنما يخلق اللهُ المخلوقات بقدرته القديمة على وفاق مشيئته القديمة وعِلمِهِ القديم.

وهذا الكلام من أبي حنيفة ثابت ذكَرَهُ في إحدى رسائله الخمس.

قول الإمام أبي حنيفة "ويتكلّم لا ككلامنا" إلى آخره ثابت عنه، ذكره في رسالة "الفقه الأكبر" وهي إحدى رسائله الخمس التي صحّت نٍسبَتعُها إليه كما قال المحدّث الحافظ اللغويّ الفقيه الحنفيّ محمد مرتضى الزبيديّ في شرحه على إحياء علوم الدّين.

والقرآن له إطلاقان، يُطلَق على اللفظ المنزَّل على محمّد وعلى الكلام الذاتيّ الأزليّ الذي ليس هو بحرف ولا صوتٍ ولا لغةٍ عربيةٍ ولاغيرها. فإن قُصِدَ به الكلامُ الذاتيُّ فهو أزليّ ليس بحرف ولا صوت، وإن قُصِدَ به وبسائر الكتب السماويّة اللفظ المنزّلُ، فمنه ما هو باللغة العبريّة ومنه ما هو باللغة السُّريانيّة.

القرآن له إطلاقان، أي له معنيان:

• الأول: إطلاقه على اللفظ المنزّل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي يقرؤه المؤمنون، كما في قوله(22) تعالى في سورة الإسراء، {وإذا قرآت القرآن} وكما في قولك: قرأتُ ربعَ القرآن أو نصفه، وكما في قوله تعالى {فإذا قرأناه}(23).

• والثاني: إطلاقه على الكلام الذاتيّ الأزليّ الأبديّ الذي ليس هو بحرفٍ ولا صوتٍ ولا لغةٍ عربيّة ولا غيرها(24)، وهذا الإطلاق هو الذي يريده علماء أهل السنة والجماعة بقولهم: "القرآن كلام الله غير مخلوق".

فالقرآن والتوراة والإنجيل والزّبُور وسائرُ كتب الله إن قصد بها الكلام الذاتيّ فهي أزلية أبدية ليست بحرف ولا صوت، وإن قُصد بها اللفظ المنزّل الذي بعضه بلغة العرب وبعضه بالعبرانية وبعضه بالسُّريانية فهو حادث مخلوق لله، لكنها ليست من تصنيف مَلَك ولا بشر. وهي عبارات عن الكلام الذاتي الذي لا يوصف بأنه عربيّ ولا بأنه عبرانيّ ولا بأنه سرياني. وكلّ يطلق عليه كلام الله، أي أن صفة الكلام القائمة بذات الله يقال لها كلام الله، واللفظ المنزّل الذي هو عبارة عن كلام الله الذاتي الأزلي الأبدي يقال له كلام الله.

وهذه اللغات وغيرُها من اللغات لم تكن موجودةً، فخَلَقَها اللهُ تعالى فصارت موجودةً، والله تعالى كان قبل كلّ شيء، وكان متكلِّمًا قبلها ولم يَزَلْ متكلِّمًا، وكلامه الذي هو صفته أزليّ أبدي.

لا يوصف كلام الله الأزلي الأبدي بأنه لغة عربيّة أو غيرها من اللغات، لأنّ صفة الكلام كسائر صفاته عزّ وجلّ أزليّة لا ابتداء لها كذاته عزّ وجلّ، وأما هذه اللغات فوجودها حادث، والله موصوف بصفة الكلام أزلًا وأبدًا، فهو متكلّم قبل وجود اللغات ولا يزال متكلّما من غير أن يكون كلامه الأزلي لغةً، فلا يوصف كلامه الذي هو صفة له بكونه لغة أو صوتًا ولا بشيءٍ من صفات الخلق، بل هو تعالى لا يفتقر في كلامه إلى مخارج وأدوات، فلا يتكلم بلغةٍ قطعًا، فهو متقدِّسٌ عن جميع صفات المخلوقين، ولذلك لا يقبل العقل أن يكون كلامه الذي هو صفته القديمة الأزلية بلغةٍ من هذه اللغات المخلوقة الحادثة بل هو معنًى قديمٌ قائمٌ به عزّ وجلّ أزليّ أبديّ.


(22) كحديث (لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو).

(23) فاتّبع قرآنَهُ سورة القيامة، 18، أي إذا جمعناه في صدرك يا محمد فاتّبع قرآنَهُ أي اعمل به . ويقال قرأتُ الماء في الحوض بمعنى جمعتُه.

(24) أي يطلق ويراد به الكلام الذاتي الذي هو معنًى أي صفةٌ قائمةٌ بذات الله.