والله تعالى يرحَمُ المؤمنين والكافرين في الدنيا، وسِعَت رحمتُه كُلًّا، أمّا في الآخرة فرحمتُه خاصّة للمؤمنين، قال الله تعالى: {ورحمتي وَسِعَتْ كلَّ شيءٍ فسَأكتُبُها للّذين يتّقون (156)} سورة الأعراف، أي وسِعَتْ في الدنيا كلّ مسلم وكافر، قال: {فسأكتُبها} أي في الآخرة {للّذين يتّقون} أي أخُصُّها لمن اتقى الشِّرك وسائر أنواع الكفر.

هذه الآية دليل على أنّ الله تعالى يرحم المؤمنين والكافرين في الدنيا وذلك بأن يُعطِيَهم الصّحّة والرّزق والهواءَ العليل والماء البارد وما أشبهه ذلك، وأمّا في الآخرة فرحمة الله خاصّة بالمؤمنين بدليل الآية المذكورة.

وقال تعالى: {ونادى أصحابُ النّار أصحابَ الجنّةِ أنْ أفِيضُوا علينا من الماء أو ممّا رزقَكُم اللهُ قالوا إنّ الله حرّمَهُما على الكافرين (50)} سورة الأعراف. أي أنّ الله حرَّمَ على الكافرين الرِّزقَ النّافع والماء المُروي في الآخرة وذلك لأنّهم أضاعوا أعظم حقوق الله الذي لا بديل له وهو الإيمان بالله ورسوله.

معنى الآية أنّ الله حرّم على الكافرين الرّزق النّافع والماء المُروِي في الآخرة لأنهم اجتنبوا الإيمان بالله ورسوله في الدنيا حتى جاءهم الموت وهم على ذلك فجازاهم الله بالعذاب الباقي في الآخرة وذلك أنّ العقائد تُعتَقَدُ للدوام فكان عقابُهم عليها دائمًا جزاءً وفاقًا، أي كانت نياتهم أن يَبقَوْا على كفرهم فكان جزاؤهم عذابًا لا ينقطع. فهذه الآية فيها أنّ أهل النار ينادُون أهل الجنّةِ، إمّا يرَوْنهم عيانًا مع بُعد المسافة بين الجنّة والنّار في وقت من الأوقات، وإمّا يسمعون صوتهم، فيطلبون بسبب الضّيق الذي هم فيه {أنْ أفِيضُوا علينا من الماء أو ممّا رزقَكُم الله} فيكون جوابُ أهلِ الجنّة لهم {إنّ الله حَرَّمَهُما على الكافرين} فيسكت أهل النار ولا يجدون ماءً باردًا مُروِيًا إلّا ذاك الماء الذي هو بمنتهى الحرارة فيُقطِّعُ أمعاءَهُم والغِسلينَ الذي هو عُمارةٌ أهل النار أي ما يسيل من جلودهم.

ثم إنّ الله جعَلَ الدخول في الإسلام الذي هو أفضَلُ نِعَمِ الله سهلًا، وذلك بالنطق بالشهادتين بعد معرفةِ الله ورسولِهِ. وجعَلَ الكفرَ سهلًا، فكلمة واحدة تدلّ على الاستخفاف بالله أو شريعته تُخرِجُ قائِلَها من الإيمان وتوقِعُه في الكفر الذي هو أسوأ الأحوال حتى يكونَ عندَ الله أحقر من الحشرات والوحوش، سواءٌ تكلّمَ بها جادًّا أو مازِحًا أو غضبان. وقد شُرِحَ ذلك في كتب الفقه في المذاهب المعتبرَة وحكَمُوا أنّ المتلفظ بها يكفر.

جعل الله الدخول في الإسلام سهلًا وذلك بالنطق بالشهادتين مع اعتقاد معناهما، وجعل الكفر سهلًا فإنّ واحدةً دالّةً على الاستخفاف بدين الله تنقل قائِلَها من الإيمان إلى الكفر والعياذ بالله، وهذا هو معنى الحديث الذي رواه البخاريّ في صحيحه من حديث أبو موسى الأشعريّ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الجنّةُ أقرَبُ إلى أحدِكم من شِراكِ نَعْلِهِ والنّارُ مثلُ ذلك".

ثم إذا انتقل الإنسان من الإيمان إلى الكفر فقد صار أحقر من الحشرات، بلا أخسَّ ممّا يدحرجته الجُعَل بأنفه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن حبّان في سحيحه: "ل تحلِفُوا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهليّة فوالذي نفسُ محمّد بيدِهِ إنّ الذي يدهدِهُه الجُعَلُ بأنفه خيرٌ من هؤلاء المشركين". وهذا كله بينَتْهُ المذاهب المعتبرة في كتبهم فلتُراجَعْ. ومعنى "الذين ماتوا في الجاهلية" ماتوا على الشّرك. والكفار الذين ماتوا في الجاهلية قسمان: قسم بلغتهم دعوة الأنبياء إلى توحيد الله، وقسم لم تبلغهم، وكلٌّ كانوا مشركين، فمعنى الكفر يشمَلُهم كلَّهم وإن كانوا بالنسبة لعذاب الآخرة يختلف حالهم، لأن الذين ماتوا على الكفر ولم تبلغهم الدعوة لا يعذّبهم الله بالنّار،

أما الذين بلغتهم الدعوة فلم يسلموا فهم الذين يُعذّبون بالنار خالدين فيها أبدًا، ومعنى "الذي يُدهْدِهُه الجُعَلُ بأنفه" أي القَذر الذي يَسُوقُه الجُعَلُ بمنخريه ليتقوَّتَ به، والجُعَل حشرة صغيرة سوداء تسوق القذر الذي يخرج من بني آدم فتجعَلُه حُبَيباتٍ تسوقه لتتقوّت به، فهذا المَسُوق خير من هؤلاء الذين كان الناس في أيّام الجاهليّة يفتخرون بهم، فالمعنى كُفُّوا عن الافتخار بهم، وهذا الحديث صريح في أنّ الكفار أخسُّ ما خلق اللهُ.

قال الله تعالى: {إنّ شَرَّ الدَّوابِّ عندَ الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55)} سورة الأنفال.

الدّوابّ جمع دابّة وهي كلُّ ما يَدِبُّ على وجه الأرض من إنسان وبهائم وحشرات. أي من عاقل وغيره، ثم تعارف الناسُ على إطلاقها على ما يُركَب من البهائم ولكن لا يصح في القرآن هذا التفسير، فالإنسان يقال له في أصل اللغة دابّة لأنّه يدِبُّ أي يمشي على وجه الأرض. وهذه الآية معناها أنّ الكافر هو أحقر المخلوقات، وهذا المعنى متّفق مع ما سبق بيانه في شرح الحديث "لا تحلفوا بآبائِكم".

البدعة

البدعة لغةً ما أُحدِث على غير مثالٍ سابقٍ، وشرعًا المُحدَثُ الذي لم يَنُصّ عليه القرآنُ ولا الحديث، وتنقسم إلى قسمين كما يُفهَمُ ذلك من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ" أي مردود.

البدعة في اللغة ما فعله فاعل من غير أن يحذو فيه حَذْوَ أحدٍ سبقه، وشرعًا هي المُحدَث الذي لم ينصّ عليه بعينه القرآنُ أي لم يصرّح الكتابُ بالإذن فيه، ولا أذِنَ فيه الحديث نصًّا عليه، والبدعة قسمان كما يفهم من حديث الشيخين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ" أي من أحدث في دينِنا ما لا يوافقه فهو مردود.

وفي هذا الحديث إشعار بأنّ من أحدث ما هو موافق لديننا فليس مردودًا كما أحدث عمر رضي الله عنه في التّلبية شيئًا زائدًا على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلبية رسول الله: "لبّيك اللهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنّعمة له والمُلك. لا شريك لك" فزاد عمر: "لبّيك اللهمّ وسعدَيْك، الخيرُ في يديك، والعملُ والرّغباءُ إليك" رواه مسلم في صحيحه، فلم يَعِبْ عليه أحد من الصّحابة ذلك، وكذلك بعد زمن الصّحابة زاد العلماء أشياء موافقةً للشّرع ككتابة صلة الله عليه وسلم عَقِبَ اسم الرسول، فإنّ الرسول لمّا كتب كتابًا إلى هرقل كتب فيه "من محمّدٍ عبدِ الله ورسوله إلى هرقل عظيم الرّوم" من دون كتابة صلى الله عليه وسلم عقب اسمه كما أورده البخاريّ في أول صحيحه.

فما للوهابيّة لا ينكرون هذا، بل يفعلونه كما يفعَلُه غيرُهم، وينكرون أشياء حسنة كالاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم بدعوى أن الرسول لم يفعَلْه، بل هم متحكِّمون بآرائهم، فما استحسنته نفوسُهم أقرُّوه وما لم تستحسنه نفوسُهم أنكروه، وأمّا الحديث الذي رواه أبو داود في سننه "وكلُّ محدثةٍ بدعةٌ وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ" فلا يدخل فيه البدعةُ الحسنة لأنّ هذا الحديث من العامّ المخصوص، أي لفظه عامّ ولكنّه مخصوص بالبدعة المخالفة للشّريعة بدليل حديث مسلم الآتي بيانُه: "مَن سَنَّ في الإسلام سنّة حسنةً فله أجرُها" الحديث، وذلك لأنّ أحاديث رسول الله تتعاضَدُ ولا تتناقَض.

القسم الأول البدعة الحسنة وتسمّى السُّنَّة الحسنة، وهي المُحدَثُ الذي يوافق القرآن والسّنّة. القسم الثاني البدعة السّيّئة وتسمّى السّنّة السّيئة، وهي المُحدَث الذي يخالف القرآن والحديث، وهذا التقسيم مفهوم أيضًا من حديث جرير بنِ عبد الله البَجَليّ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن سنّ في الإسلام سُنّة حسنةً فله أجرها وأجرُ من عمِلَ بها بعدَه من غير أن ينقُصَ من أجورهم شيءٌ، ومن سنّ في الإسلام سُنّة سيّئة كان عليه وِزرُها ووِزرُ من عمِلَ بها من بعدِهِ من غيرِ أن ينقُصَ من أوزارِهم شيء" رواه مسلم.

الأمر المستحدَثُ إمّا أن يكون موافقًا للشرع داخلًا تحت قواعد ما حثَّ عليه فيكون بدعة حسنةً ويقال لها أيضًا السُّنة الحسنة وبدعة الهُدَى وسنّة الهُدَى، وإمّا أن يكون مخالفًا للشّرع قد طلب الشّرعُ تركَهُ فيكون بدعة سيّئة ويقال لها السُّنة السّيئة وبدعة الضلالة وسنة الضلالة، وهذا التقسيم مفهوم من الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه "من سنَّ في الإسلام سُنّة حسنة" الحديث، فهذا الحديث صريح في انقسام البدعة المتعلّقة بالدين إلى قسمين حسنةٍ وقبيحةٍ، ولذلك قال سيدنا عمر رضي الله عنه في جمع النّاس في قيام(213) رمضان على إمام واحد: "نعمت البدعة هذه والتي تنامون عنها أفضل" فعَدَّ تلك الطاعة بدعة وسمّاها بدعة حسنة، وكلام سيدنا عمر رضي الله عنه يوضع بلا لَبْس أنّ مراده أنّ هذا الفعل بدعة خيرٍ فيها ثواب، لكنّ تأخير القيام إلى آخر الليل أفضل وأكثر ثوابًا.

فمن القسم الأول الاحتفال بمولد النبيّ صلى الله عليه وسلّم في شهر ربيع الأول وأوّلُ من أحدثه المَلِكُ المظفّرُ مَلِكُ إربل في القرن السّابع الهجريّ.

من السُّنة الحسنة الاحتفال بمولد النبيّ صلى الله عليه وسلّم في شهر ربيع الأول، وأولُ من أحدثه المَلِكُ المُظفّرُ ملك إربل، وذلك في القرن السابع الهجريّ، وكان عالمًا عادلًا شجاعًا مجاهدًا كثير الكرم والإحسان إلى الضّعفاء والمساكين.

ووافقه على ذلك العلماء والصّوفية الصّادقون في مشارق الأرض ومغاربها منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني وتلميذُه الحافظ السّخاويّ(214)، وكذلك الحافظ السّيوطيّ(215) وله رسالة سمّاها "حُسنُ المَقْصِدِ في عمَلِ المولد".

وعمَلُ المولد يدخل تحت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم "من سَنَّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجرُ من عَمِل بها لا ينقص من أجورِهم شيء"، ومن عَدَّ هذه بدعة ضلالة فهو جاهل لا يعتدّ بكلامه، وقد يَحتجُ هؤلاء بحديث "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ" ولم يدرِ أنّ معنى الحديث إحداثُ ما ليس موافقًا للدّين فإنّه مردود.

وتنقيطُ التّابعيّ الجليل يَحْيَى بن يَعْمَرَ المُصحَفَ وكان من أهل العلم والتّقوى، وأقرّ ذلك العلماءُ من مُحدّثينَ وغيرِهم واستحسنوه، ولم يكن مُنقّطًا عندما أملى الرسولُ على كَتَبَةِ الوحي، وكذلك عثمانُ بن عفّان لمّا كتبَ المصاحفَ الخمسة أو السّتّة لم تكن مُنقّطة، ومنذ ذلك التنقيط لم يزل المسلمون على ذلك إلى اليوم، فهل يقال في هذا إنّه بدعة ضلالةٍ لأنّ الرسول لم يفعله، فإن كان الأمر كذلك فليتركوا هذه المصاحف المنقّطة أو ليكشِطوا هذا التنقيط من المصاحف حتى تعود مجرّدةً كما في أيّام عثمان. قال أبو بكر بن أبي داود صاحبِ السُّنن في كتابه "المصاحف": "أوّلُ من نَقَطَ المصاحف يحيى بنُ يَعْمَرَ وهو من علماء التّابعين روى عن عبد الله بن عمر وغيرِهِ".

من السُّنة الحسنة تنقيط التّابعيّ يحيى بن يَعْمَرَ المصحف وكان عالمًا تقيًّا توفّى سنة تسع وعشرين ومائة 129، وأقرّ فعلَهُ التّابعون والعلماء وبعدهم ولم يُضَلِّلوا من فعله مع أنّه أمر دينيّ متعلّق بكتاب الله تعالى، ولم يكن المصحف مُنقّطًا عندما أملى الرسول صلى الله عليه وسلم على كتبة الوحي، فالصحابة الذين كتبوا الوحي الذي أملاه عليهم الرسول كتبوا الباء والتاء ونحوهما بلا نقط. وكذلك سيّدنا عثمان لمّا كتب المصاحف وأرسلها إلى الأمصار لم تكن منقّطة.

ولا يزال تنقيط المصحف إلى يومنا، فهل يقال إنّ المسلمين ضلُّوا في هذا الأمر لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعَلْه ولم يُفعَل بحضرته فيُقِرَّهُ! فإن كان الأمر كذلك عند مشبهة هذا العصر فليتركوا المصاحف المنقّطة أو ليُزيلوا هذا التنقيط من المصاحف. وهذا الذي ذُكِرَ من كون يحيى بن يَعمَر أول من نقط المصحف نصّ عليه الحفاظ والمؤرّخون منهم الحافظ أبو بكر بنُ أبي داود في كتابه المسمّى كتابُ "المصاحف".

وكذلك مسجد الرسول صلى الله عليه وسلّم ما كان له محراب مجوّف في حياته عليه الصلاة والسّلام ولا كان له مئذنة وقد أحدِث في آخر القرن الأول، أحدث ذلك الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز وأقرّه المسلمون على ذلك، وهؤلاء المتنطّعون لا يعترضون على ذلك، فيُقرُّون ما يُعجِبُهم ويَنفُون ما لا يُعجِبُهم بلا دليل.

ومن القِسم الثّاني المحدثات في الاعتقاد كبدعة المعتزلة والخوارج وغيرِهم من الذين خرجوا عمّا كان عليه الصّحابة رضوان الله عليهم في المعتَقَدِ.

من بدع الضلالة والاعتقادات الحادثة على خلاف عقيدة أهل السُّنةِ والجماعة كبدعة المعتزلة الذين أنكروا عموم مشيئة الله تعالى لكلّ المخلوقات، وأنكروا خَلْقَ الله تعالى لأفعال العباد وأنكروا قيام صفات العِلم والقدرة والمشيئة والحياة والسمع والكلام بذات الله تعالى، وكذلك عقيدة المشبهة القدماء كالكراميّة والمُحدَثين وهم الوهابيّة، وكعقيدة الخوارج المتقدّمين كالبَيْهيّة الذين كانوا يقولون بكفر المَلِك الذي يحكم بغير الشرع وتكفير الرعيّة المتابِعَةِ له في الحكم، وكذلك المتأخرون من الخوارج وهم أتباع سيّد قطب الذين أحْيَوْا في هذا العصر عقيدة البَيْهسيّة، ولذا يستحلُّون قتل المسلمين في مصر والجزائر وغير ذلك.

وكتابة ص أو صلعم بعد اسم النبيّ بدلَ صلى الله عليه وسلّم، وقد نَصَّ المحدّثون في كتب مصطلح الحديث على أنَّ كتابة الصّاد مجرّدةً مكروه ومع هذا لم يُحَرّمُوها.

من البدع المكروهة كتابة ص أو صلعم بعد اسم النبيّ صلى الله عليه وسلّم وقد نصّ المحدِّثون كالحافظ العراقيّ والحافظ السُّيوطيّ على كراهية ذلك.

فمن أين لهؤلاء المتنطّعين المشوّشين أن يقولوا عن عمل المولد بدعةٌ محرّمة، وعن الصّلاة على النبيّ جهرًا عَقِبَ الأذان إنّها بدعة محرّمة بدعوى أنّ الرسول ما فعلَهُ والصّحابة لم يفعلوه.

ليس لهؤلاء الوهابيّة المشوّشين أن يقولوا عن عمل المولد بدعة محرّمة، إذ ليس فيه إلا قراءةُ السّيرة النبويّة العطرة وأخبار ولادته عليه الصّلاة والسّلام وإطعامُ الطعام للناس، وكلُّها داخلة تحت عموم ما حثّ الشّرع عليه، فمن أين لهم أن يقولوا عن الصّلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلّم جهرًا عقب الصلاة، بدعةٌ محرّمة وهي داخلة تحت عموم الحثّ على الصّلاة عليه إذا ذُكِر اسمه، فيدّعُون تحريم ذلك بدعوى أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم ما فعله وأنّ الصحابة ما فعلوه، بل هذا ادّعاء قاعدةٍ لا أصل لها في الكتاب ولا في السُّنّة.

والمتنطّعون هم الذين يتكلّفون ويفعلون ويقولون ما لا فائدة فيه بحيث يحرّفون الشّريعة، فمن بدَعِهم التي سنَّها لهم محمّد بن عبد الوهّاب تحريمُ الصّلاة على النبيّ جهرًا من المؤذّن عقِب الأذان، وهم يبالغون في تحريم ذلك حتى قال أحدهم في الشّام في جامع الدّقاق حين سمِعَ المؤذن يقول: الصّلاة والسّلم عليك يا رسول الله: هذا حرام هذا كالذي ينكح أمّه! بل أمَرَ زعيمُهم محمّد بن عبد الوهاب بقتل المؤذِن الأعمى الذي صلّى على النبيّ عقب الأذان جهرًا كما ذكر الشيخ أحمد زيني دحلان مفتي الشافعية في الحرم المكي في كتابه "فتنة الوهابيّة"، وقول هؤلاء الرّعاع ضد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم الذي أخرجه مسلم في صحيحه: "إذا سمعتم المؤذِنَ فقولوا مثلما يقول ثم صلّثوا عليّ"، فماذا تقول الوهابيّة الرّعاع بعد هذا؟!

ومنه تحريفُ اسم الله إلى آه ونحوِهِ كما فعل ذلك كثير من المنتسبين إلى الطُّرُق، فإنّ ها من البِدَعِ المحرّمة.

من البدع المحرّمة تحريف اسم الله إلى آه ونحوِهِ عند الذّكر كما يفعل ذلك كثير من المنتسبين إلى الطّرق المتشبّهين بالصُّوفية، وبعضهم يعتبر آه اسمًا لله، حتى إنّ بعضهم غَلَا فقال: آه أقرَبُ للفتوح من الله، فهذا العمل مبتدَع لم يكن عند الصُّوفيّة القدماء، وهذا التحريف لم يكن عند شيخ الطّريقة الشّاذليّة أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه، وإنما أحدثه شاذلية فاس فانحرفوا عما كان عليه أبو الحسن. وليعلم أنّ آه لفظٍ من ألفاظ الأنين والأنين ليس من أسماء الله، وما يرويه بعضُهم حديثًا وفيه أنّ الرسول قال عن مريض يئِنُّ: "دعوه يئنُّ فإنّ الأنين اسم من أسماء الله" فهو مكذوب على الرسول ولا يصحّ نسبته إليه كما في "المغير من الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير"، والأنين لا يدلُّ على كمالٍ وقد قال تعالى: {وللهِ الأسماءُ الحسنى فادعُوهُ بها (180)} سورة الأعراف.

قال الإمام الشّافعيّ رضي الله عنه: "المحدَثات من الأمور ضربان أحدُهما ما أُحدِثَ ممّا يخالِفُ كتابًا أو سُنّةً أو إجماعًا أو أثرًا، فهذه البدعة الضّلالة والثاني ما أُحدِث من الخير ولا يخالف كتابًا أو سنّة أو إجماعًا. وهذه محدَثة غيرُ مذمومة"، رواه البيهقيّ بالإسناد في كتابه "مناقب الشّافعيّ".

معنى كلام الإمام الشّافعيّ أنّ المحدثات من الأمور منها ما يخالف القرآن أو الحديث أو إجماع مجتهدي الأمّة أو ما كان عليه الصّحابة.

ومنها ما كان موافقًا للقرآن أو السُّنّة أو الإجماع أو ما كان عليه الصّحابة من غير إنكار له بينهم. والإجماع معناه اتفاقُ مجتهدِي أمّة محمّد على أمر من أمور الدين، والعبرة بالمجتهدين لأنّ الإجماع يثبت بهم، ومن شذ عن إجماع المجتهدين لا يُنظر إليه فقد قال أهل العلم:

وليس كلُّ خلافٍ جاء معتبرا *** إلّا خلافٌ له حظٌّ من النَّظَرِ

وقول الإمام الشافعيّ رواه الإمام البيهقيّ بالإسناد المتّصل في كتابه "مناقب الشّافعيّ".


(213) جمع الناس على صلاة التراويح في رمضان وكانوا في أيام الرسول يصلونها فرادى.

(214) ينظر الأجوبة المرضية.

(215) ينظر الحاوي للفتاوى.