قال الله تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهلِيكُم نارًا وَقُودُها النّاس والحجارة عليها ملائكة غِلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمَرَهم ويفعلون ما يُؤْمَرُون} سورة التّحريم/6.

قوله تعالى: {قوا أنفسكم} معناه جنِّبوا أنفسكم النّار التي وقودُها النّاس والحجارة، فإنّ الأرض بعد أن يحاسب الناس عليها تُرمَى في جهنّم لتزيدَها وَقُودًا، وكذلك الشمس تُرمى في جهنّم بعد أن يُطمَس نورُها وكذلك القمر. وأمّا قوله تعالى {عليها ملائكة غِلاظٌ شدادٌ} فمعنى "غِلاظٌ" أنهم لا يرحمون الكافر، ومعنى "شداد" أقوياء، وقوله عزّ وجلّ {لا يعصون الله ما أمرَهُم ويفعلون ما يؤمرون} ويُفهَمُ منه أنّ الملائكة مجبولون على طاعة الله، أي لا يختارون إلا الطّاعة بمشيئة الله، وكلٌّ منهم يقوم بما أمِرَ به بلا تقصير، إذ الملائكة لهم وظائف فمنهم من هو موكّل بالمطر ومنهم من هو موكّل بالنبات ومنهم من هو موكّل بالريح ومنهم من هو موكّل بالجبال إلى غير ذلك من الوظائف.

وجاء في تفسير الآية أنّ الله يأمر المؤمنين أن يَقُوا أنفسهم وأهلهم النّار التي وقودُها الناس والحجارة بتعلّم الأمور الدينيّة وتعليمِ أهلِيهم ذلك، أي معرفةِ ما فرض الله فِعلَهُ أو اجتنابَهُ، أي الواجبات والمحرّمات وذلك كي لا يقعَ في التشبيه والتمثيل والكفر والضّلال.

جاء في تفسير الآية عن سيدنا عليّ رضي الله عنه أنه قال: "علِّمُوا أنفسكم وأهليكم الخير" رواه الحاكم في المستدرك وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد" ومعناه تعلّموا وعلِّموا أهليكم ما فرض الله فعلَه واجتنابه، كي لا يقع أحد منكم في ما يخالف شرع الله في العمل كالإخلال في الصّلاة أو الصّيام أو المعاملات، وفي الاعتقاد كالوقوع في التشبيه والتمثيل.

فيخلّد في نار جهنّم إن مات على الكفر والضلال ويكون وقودًا لها أعاذنا الله من مثل هذه الخاتمة.

ذلك لأنه من يشبّه الله تعالى بشيء ما لم تصحّ عبادته، لأنّه يعبُد شيئًا تخيّله وتوهّمه في مخيلته وأوهامه، قال أبو حامد الغزاليّ: "لا تصحّ العبادةُ إلّا بعد معرفة المعبود".

الذي يعبد شيئًا تخيّله وتوهّمه في مخيّلته فعبادته باطلة، لأن وَهْم الإنسان يدور حول ما ألِفَهُ من الشيء المحسوس الذي له حدّ وشكل ولون وحيّز وجهة ومكان، والله كان موجودًا قبل الجهة والمكان وكلِّ ما له حدّ وشكل ولون وحيّز لأن ذلك كلّه خُلِق بعد أن لم يكن موجودًا، حتى هذا الفراغُ الذي يتحيّز فيه العرش والشمس والقمر والنجوم لم يكن موجودًا قبل أن يخلقه الله، ولا يصح بناء الاعتقاد على الوهم بل العبرة والاعتبار في ذلك بالعقل السليمُ لا التخيّل، فإن الوهم يخطئ ويصيب واتباعُ حكم العقل يقود إلى الصّواب، ألا ترى أنك إذا نظرتَ إلى الأفق عند البحر مثلًا صوَّر لك الوهم انتهاء البحر عند مدى نظرك وأن السماء تلاقي الماءِ وأن الشمس تباشر الماء إذا غابَتْ وأشرقَتْ، وحَكَمَ عقلُك بالدّليل أنّ الأمر ليس كذلك. فالصّواب أن تتبع حكم العقل لا ما يصوّره الوهم.

والعقل السّليم يحكم بأن الخالق عزّ وجلّ ليس جسمًا له كمّيّة ولا يُتَصَوّرُ ولا يُتَخَيَّلُ، فمن اعتقد خلاف هذا فقد تبع الوهم وخالف حُكْمَ العقل فلم يعرف ربّهُ فيهلك، ولا تصح العبادة إلا بعد معرفة المعبود لأن من لم يعرف الله كيف يعبده ويقوم بطاعته. قال الإمام أبو حامد الغزاليّ في "روضة الطالبين وعمدة السّالكين": "فيجب عليك أولًا أن تعرف المعبود ثم تعبُدَه، وكيف تعبُدُ من لا تعرفه بأسمائه وصفاته وذاته، وما يجب له ويستحيل عليه في نعته، فرّبما تعتقد اعتقادًا في صفاته شيئًا ممّا يخالف الحقّ فتكونُ عبادتك هباءً منثورًا".

ما جاء في بدء الخلق

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سُئِل عن بَدء الأمر: "كان الله ولم يكن شيء غيرُهُ وكان عرشه على الماء وكتَبَ في الذِّكر كلَّ شيء ثم خَلَقَ السّموات والأرض" رواه البخاريّ.

جاء أناس من أهل اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفقّهوا في الدين، فسألوه عن بدء هذا الأمر ما كان؟ أي عن أوّل المخلوقات، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفادهم بذكر ما هو أهمّ من جواب سؤالهم بقوله: "كان الله ولم يكن شيء غيرُهُ" أي الله أزليٌّ ولا أزليّ سواه، ففي الأزل لم يكن ماء ولا هواء ولا نور ولا ظلام ولا مكان ولا زمان. فبيّن لهم رسول الله أن الله سبحانه وتعالى موجود لا ابتداء لوجوده، لا يشاركه في ذلك شيء آخر، وأنّ كلّ ما سواه له بداية.

وبعد هذا أجابهم عن سؤالهم فقال عليه الصلاة والسلام: "وكان عرشه على الماء" أي وُجِد عرشه على الماء، فكان هنا للحدوث بمعنى حدث وُوِجِد وأمّا "كان" الأولى فهي للأزلية. وهذا الحديث يشير إلى أنّ الماء خُلِق قبل العرش ثم خُلِق العرش، يؤيّد هذا حديثُ ابن حبّان "إن الله لم يخلق شيئًا ممّا خَلَق قبل الماء". وبوجود الماء وُجد الزمان والمكان، أمّا قبل ذلك لم يكن زمان ولا مكان. فالماء والعرش هما أول المخلوقات من الأشياء المحسوسة، أمّا من غير المحسوسة فالزمان والمكان وُجِدا بوجود الماء، وهذا يفهم منه أن الماء أصل لغيره وهو خُلِقَ من غير أصل، فبداية العالم من غير مادّة. وأمّا العرش فهو سرير كبير له أربعة قوائم ليس كسريرنا، يحمله أربعة من الملائكة.

وأمّا قوله عليه الصلاة والسلام: "وكَتَب في الذّكر كلّ شيء" فمعناه أنّ الله أجرى القلم الأعلى فكتب بقدرة الله في اللوح المحفوظ كلّ ما يحصل إلى يوم القيامة بتفاصيله، ويفهم من الحديث أنّ بعد خلق الماء والعرش وُجِدَ القلم فاللوح المحفوظ، والقلم تقدّم وجوده على وجود اللوح المحفوظ كما روى الترمذي ما يفيد ذلك.

والقلم واللوح جرمان عظيمان علويّان ليسا كأقلامنا وألواحنا، وقد ورد أنّ القلم الأعلى من نور ولكنه غير ثابت، ومعناه أنّه يشبه النّور، لأنّ النّور لم يُخلَق في ذلك الوقت ولا الظلام. وأمّا اللوح فقد ورد في وصفه أنّه من دُرّة بيضاء حافتاه ياقوتة حمراء ومساحته مسيرة خمسمائة عام.

وقوله صلى الله عليه وسلم "ثم خلق السموات والأرض" معناه إنّ بعد خمسين ألف سنة خلق الله السموات والأرض وما بينهما وذلك في ستة أيام الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، كلُّ يوم منها قدرُ ألف سنةٍ بتقدير سنيننا هذه، وفي آخر يوم السادس أي يوم الجمعة خلق الله سيدنا آدم عليه السلام، فمكث في الجنة مائة وثلاثين عامًا، ثم أهبط إلى الأرض فعاش فيها ما أتمّ به ألف عام ثم توفي عليه صلاة الله وسلامه، والحديث المذكور رواه البخاريّ.

فوائد:

1 – الأولى: لا ينبغي أن يقال "خلق الله العالم في ستة أيام" بل يقال: "خلق الله السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام".

2 – الثانية: إن قيل: "ما الحكمة من خَلْق الله السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ليس في أقلّ من ذلك؟" فالحواب أن يقال: ليعلّمنا الله التأني في الأمور.

3 – الثالثة: القول بأن حديث جابر المكذوب الذي فيه: "أوّلُ ما خلق الله نورُ نبيك يا جابر، خلقه الله من نوره قبل الأشياء" صحّ كشفًا لا معنى له، لأن الكشف الذي يخالف حديث رسول الله لا عبرة به، وقد قال علماء الأصول: "إلهام الوليّ ليس بحجّة" لأن كشف الولي قد يخطئ، كما في التقرير والتحبير، والتعريفات.

وهذا الحديث المكذوب ركيك، والركاكة دليل الوضع كما قال علماء الحديث لأن الرسول لا يتكلم بكلام ركيك المعنى. فالجملة الأولى منه تدلّ على أن نور محمد أول المخلوقات على الإطلاق، والجملة الثانية أي قولهم "خَلَقه الله من نوره قبل الأشياء" تدلّ على أن أول المخلوقات نورٌ خُلِقَ منه نورُ محمد، وهذا يناقض الجملة الأولى، وهذا التناقض ركاكة.

وهذا الحديث يعارض حديثًا صحيحًا وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلتُ يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرّت عيني، فأنبئني عن كلّ شيء، قال: "إنّ الله تعالى خلق كلّ شيء من الماء"، فكان سؤال أبي هريرة عن أول العالم وأصلِهِ، فأجاب الرسول بأنه الماء. وهذا الحديث أخرجه ابن حبّان وصحّحه في صحيحه.

وحديث جابر المكذوب لم يصحّحه أحد من الحفاظ، بل قال الحافظ السّيوطيّ في "قُوت المعتذي": "وأما حديث أوّليّة النّور المحمدي فلا يثبت"، والعبرة في التصحيح والتضعيف أن يكون من حافظ أي أن ينُصَّ حافظ على أن هذا الحديث الصحيح أو أن يذكر حافظ في كتابه أنه يقتصر فيه على الصحيح كالحافظ سعيد بن السكن الذي ألّف كتابًا اشترط فيه الاقتصار على الصحيح سمّاه السنن الصّحاح، وهذه القاعدة ذكرها الحافظ السيوطي في ألفيته في مصطلح الحديث فقال ما نصّه:

وخُذْه حيث حافظٌ عليه نصّ *** أو من مصنّف بجمعه يُخَصّ

فالحديث الصحيح يُعرَف أنه صحيح بنصِّ حافظٍ على صحته أو بأن تجده في كتاب ألّفه حافظ واشترط أنّه لا يذكر فيه إلّا الصحيح.

ويلتحق بهذا الحديث الموضوع قول بعض المؤذنين في بلاد الشّام عَقِبَ الأذان بصوت عال: "الصّلاة والسّلام عليك يا أول خلق الله ويا خاتم رسل الله"! فلو قالوا: الصلاة والسلام عليك يا خاتم رسل الله" كان خيرًا وصوابًا.

ثم إنّه ليس الفضل في تقدُّم الوجود، بل الفضل بتفضيل الله، فالماء مع ثبوت أوّليته لا يقال "إنه أفضل المخلوقات"، وأما الرسول عليه السلام فهو أفضل المخلوقات من غير أن يكون أوّلها، لا بجِسْمِهِ ولا نورِهِ، والأمر كما قال البوصيريّ [البسيط]:

فمبلَغُ العِلْمِ فيه أنّه بَشَرٌ *** وأنّه خيرُ خَلْقِ الله كلّهِمِ

فمعيار الأفضلية ليس الأسبقية في الوجود، بل الأفضلية بتفضيل الله، فالله تعالى يفضّل ما شاء من خلقه على ما شاء، والله جعل سيدنا محمّدًا أفضل خلقه على الإطلاق وأكثرهم بركةً معأنّه آخرُ الأنبياء وجودًا صلى الله عليه صلاةً يقضي بها حاجاتنا ويفرّج بها كُرُباتِنا ويكفينا بها شَرَّ أعدائنا وسلّم عليه وعلى آله سلامًا كثيرًا.

أجاب الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا السّؤال بأنّ الله لا بداية لوجوده أي أزلي، ولا أزليَّ سواهُ، وبعبارة أخرى ففي الأزل لم يكن إلا الله تعالى، والله تعالى خالق كلِّ شيء، أي مخرِجَه من العدم إلى الوجود.

لا يوجد فردٌ من أفراد العالم أزليّ لا بداية لوجوده، وليس نوع العالم أو جنسه أزليًّا لا بداية له، بل العالم بأفراده وجنسِهِ مخلوق لله تعالى، لم يكن ثم كان بقدرة الله تعالى وتخليقه، وهذا هو اعتقاد المسملين وشعار الموحّدين قاطبة، مَن خالفه فهو كافر بإجماع المسلمين كما صرّح به القاضي عياض والتّقيّ السّبكيّ وابن دقيقِ العيد وغيرهم من الأئمة، فاعتقاد ابن تيمية أزليّة نوع العالم كما يقول الفلاسفة المحدَثون باطل وينطبق عليه الحكم الذي ذكره الزركشيّ في تشنيف المسامح: "وكفّرهم المسلمون وضلّلوهم" اهـ.

ومعنى خلق كلَّ شيء أنه أخرج الموجودات من العدم إلى الوجود.

معنى ذلك أنّ الله هو محدِث كلّ شيء من العدم إلى الوجود، ولا يُضاف الخَلْقُ بهذا المعنى إلّا لله كما تقدّم.

والله تعالى حيّ لا يموت، لأنه لا نهاية لوجوده أي أبديّ، فلا يطرأ عليه العَدَمُ إذ لو جاز عليه العدم لاستحال عليه القِدَمُ أي الأزليّة.

لا يطرأ على الله تعالى العدم، إذ لو جاز عليه العدم والفناء لكان محلًّا للحوادث أي لكان محدثًا مخلوقًا، والمخلوق لا يكون أزليًّا، فالأزليّ لا بدّ أن يكون أبديًّا، أي الذي لم يسبقه عدم لا يلحقه عدم.

وحُكْم من يقول: "الله خَلَق الخَلْقَ فمن خلق الله" التكفير قطعًا، لأنّه نسب إلى الله تعالى العدم قبل الوجود، ولا يقال ذلك إلا في الحوادث أي المخلوقات، فالله تعالى واجب الوجود أي لا يُتصوَّرُ في العقل عدمُه، فليس وجوده كوجودنا الحادث لأنّ وجودنا بإيجاده تعالى، وكلُّ ما سوى الله جائز الوجود، أي يمكن عقلًا وجودُه بعد عدمٍ وإعدامُه بعد وجودِهِ بالنّظر لذاته في حكم العقل.

حكم من يقول: فمن خلق الله" التكفير بلا شكّ، لأنه نسب الحدوث إلى الله تعالى، وهذا السؤال هو سؤال المحال لأن الذي تقتضيه البراهين العقلية والنّصوص القرآنيّة أنّ صانع العالم يجب أن يكون أزليًّا، فيستحيل أن يكون له خالق، أي يستحيل أن يكون مخلوقًا، وإذا خطر مثل هذا السؤال في البال فعلاجه ما دلّ عليه الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا: خَلَقَ اللهُ الخلق فمن خلق الله، فمن وجد في ذلك فليَقُلْ آمنت بالله ورسُله" ففي هذا الحديث دواء لما يخالِجُ كثيرًا من النّفوس ويتحدّث به كثير من الناس في ما بينهم، وقد حصل ما تحدّث به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث.

أي من خطر في باله مثل هذا الخاطر فعلاجه أن يَنْجُوَ عنه بغيره، أي يشغل بالَهُ وفكرَهُ بغيره، ويدفعَهُ بما هو المعتقد الصحيح، وليقل: "آمنتُ بالله ورسله" أو "آمنت بالله وبرسله"، فإنّ هذا ينفعه في قطع هذا الخاطر، والخاطر هو ما لا تملِكُ منعَهُ من أن يَرِدَ على قلبك، ويتميّز بكونه بلا إرادة، وأمّا الشك فبإرادة.

واعلم أنّ أقسام الموجود ثلاثة: الأول: أزليّ أبديّ وهو الله تعالى فقط، أي لا بداية ولا نهاية لوجوده.

أقسام الموجود ثلاثة:

1 – الأوّل: أزليّ أبدي وهو الله تعالى فقط، وقد سئل الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه عن الله تعالى، فقال: "كان كما هو، ويكون على ما كان" ذكره في إحدى رسائله الخمس. فقوله: "كان كما هو" معناه أن الله أزليّ لم يسبقه عدم، وقوله "ويكون على ما كان" معناه أنه تعالى أبديّ لا يطرأ عليه فناء، فالله تعالى قديم أزليّ، وبثبوت القِدَم له عقلًا وجب له البقاء، لأنه لو أمكن أن يلحقه العدمُ لانتفى عنه القدم، وانتفاءُ القِدم عنه مستحيل فانتفى عنه إمكانُ الفناء، فهو الباقي لذاته.

ويجب القِدم أيضًا لصفاته، لأنه لو لم تكن صفاته أزليّةً، بل كانت تحدُث في الذات لكان ذلك موجبًا لحدوث الذات وهو مستحيل على ذات الله، فعُلِم من ذلك أنه لا يطرأ على الله صفة لم تكن في الأزل، ولا يتجدّدُ له علم ولا إرادة ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر أيضًا، فلا زيادة ولا نقصان في صفاته، لأن الذي يزيد وينقص حادث مخلوق، فبين الخالقيّة والمخلوقيّة اختلاف ظاهر.

وحكم من يقول إنّ هناك شيئًا أزليًّا سوى الله التكفير قطعًا، ولذلك كفرت الفلاسفة باعتقادهم السّفيهِ أنّ العالم قديم أزليّ، لأنّ الأزليّة لا تصحّ إلّا لله تعالى فقط.

من اعتقد أنّ العالم أزليّ لا بداية له وأنّه لم يزل موجودًا مع الله بمادّته وصورتِهِ أو بمادّته فقط كابن تيمية فهو كافر، وقد قال الإمام الزّركشيّ في كتابه "تشنيف المسامع": "وهذا العالم بجُملته عُلوِيُّهُ وسُفلِيُّهُ وجواهِرُهُ وأعراضُه محدَث بمادته وصورته، كان عدمًا فصار موجودًا، وعليه إجماع أهل الملل، ولم يخالف إلا الفلاسفة ومنهم الفارابيُّ وابن سينا، قالوا: إنّه قديم بمادّته وصورته وقيل قديم المادّة محدَث الصورة" ثم قال: "وقد ضلّلهم المسلمون في ذلك وكفّروهم" أي أنّهم أجمعوا على تكفيرهم، فكيف يكون ابن تيمية لسان المتكلّمين على مذهب السّلف بل كذب من قال هذا في وصفه، وهو في الحقيقة مبتدِعٌ في الاعتقاد والأحكام، وقد خرق الإجماع في مسائل عديدة كما قال الحافظ أبو زُرعة العراقيّ في الأجوبة المرضيّة على الأسئلة المكّيّة.

والثّاني: أبديّ لا أزليّ أي أنّ له بداية ولا نهاية له، وهو الجنّة والنّار فهما مخلوقتان أي لهما بداية إلّا أنّه لا نهاية لهما، أي أبديّتان فلا يطرأ عليهما خراب أو فناء لمشيئة الله بقاءهما، أمّا من حيث ذاتُهما فيجوز عليهما الفناء عقلًا.

2 – الثاني: من أقسام الموجود موجود أبديّ لا أزليّ وهو الجنّة والنّار، فهما لهما بداية ولكن لا يطرأ عليهما خراب ولا فناء، فلا ينقطع نعيم الجنّة ولا يتوقّف عذاب الكفار في الناتر بنصّ القرآن ونصّ الحديث وإجماع الأمّة، وذلك لمشيئة الله بقاءهما، فبقاؤهما ليس بالذات، بل بإبقاء الله لهما، أمّا من حيث ذاتهما فيجوز عليهما الفناء عقلًا، لكن بالنّظر إلى أن الله شاء لهما البقاء فإنهما لا تفنيان. أما بقاء الله تعالى فإنّه ذاتبّ، ويُعلَمُ من ذلك أنه لا باقي بذاته إلّا الله، فبقاء الله واجب أي لا يقبل العقل خلافه، وأمّا بقاء الجنّة والنّار فليس بقاءً واجبًا عقليًّا، ولكن وجب لهما البقاء من حيث حكمُ الله تعالى ببقائهما.

وقد ذكر بعض علماء أهل السنة أشياء غير الجنة والنار خلقت للبقاء فلا تفنى منها العرش والماء الذي تحته والقلم واللوح وغير ذلك، وقد سئل الإمام أحمد رضي الله عنه عن العرش: هل يفنى؟ فقال: لا، لأنه سقف الجنّة.

والثالث: لا أزليّ ولا أبديّ، أي أنّ له بداية وله نهاية وهو كلّ ما في هذه الدنيا من السموات السّبع والأرض، فلا بدّ من فنائهما وفناءِ ما فيهما من إنسٍ وجنٍّ وملائكة.

3 – الثالث من أقسام الموجود موجود لا أزليّ ولا أبديّ، أي أنّه له بداية وله نهاية، وهو كلّ ما في هذه الدّنيا من السموات السبع والأرض، فلا بدّ من فنائهما وفناء ما فيهما من إنس وجنّ وملائكة بدليل قوله تعالى في سورة الرحمن {كلُّ من عليها فان} 26، أي كلّ من على الأرض يفنى وفناء البشر والجنّ هو بمفارقة أرواحِهِم لأجسادهم، وهذا نصّ في فناء من على وجه الأرض، وأما فناء باقي ما تقدم ذكره فيفهم من قوله تعالى في السورة نفسها {ويبقى وجهُ ربِّك} أي يبقى ذاته سبحانه، فإنه الوجه هنا معناه الذات، أي يبقى ربُّك.

واعلم أنّه جرت عادة العلماء على ذِكر أنّ الحكم العقليَّ ينقسم إلى ثلاثة الوجوب والاستحالة والجواز، وقالوا: الواجب ما لا يُتصوّر عدمه وهو الله وصفاته.

العقل يحكم على كلّ أمرٍ من الأمور بحكمٍ من ثلاثةٍ: الوجوب والاستحالة والجواز، فإما أن يكون الأمر واجبًا عقليًّا، وإمّا أن يكون مستحيلًا وإما أن يكون جائزًا، وقالوا: الواجب العقليّ ما لا يُتصوَّرُ عدمه أي ما لا يتصور العقلُ عدمه وهو الله وصفاته القائمة بذاته، فالعقل يُحَتِّمُ وجود الله ولا يَقبَلُ انتفاءه، ويحتِّمُ وجود صفاتِهِ القائمةِ بذاتِهِ، أي الثابتة له عزّ وجلّ، ولذلك نقول: الله تعالى ذاتُه واجب الوجود وكذلك صفاته.

والمستحيل ما لا يُتَصَوَّرُ في العقل وجوده، وقد يُعبِّرُون عنه بالممتنع.

المستحيل العقليّ هو ما لا يتصوّر في العقل وجوده، وقد يُعَبَّرُ عنه بالممتنع عقلًا، وهو ما يحتِّمُ العقلُ انتفاءَهُ ولا يقبل وجوده، أي هو ما لا يقبَلُ الوجود من حيث ذاته، فيقال مثلًا: الشريك لله مستحيل عقليّ، أي لا يجوز في العقل وجودُه، وكذلك العجز والجهل بالنّسبة إلى الله، ومن المستحيل العقليّ أيضًا كونُ الحادث أزليًّا.

والجائز ما يُتَصَوَّرُ في العقل وجودُه وعدمُه.

الجائز العقليّ ويقال له الممكن العقليّ هو ما يُتصوَّر في العقل وجوده تارةً وعدمه تارةً أخرى، فبالنظر إلى ذاته بحكم العقل يمكن وجوده بعد عدم وإعدامُه بعد وجود، وهذا الحكم ينطبق على العالم كلّه.

ولذلك يصفون الله بالواجب الوجود.

أي لأجل ما تقدّم بيانه من الأحكام العقليّة الثلاثة يصفون الله بالواجب الوجود، لأنه سبحانه لا يقبل العدمَ من حيث ذاته، ولا يجوز أن يُطلَقَ عليه تعالى حكمَ جواز الوجود أو استحالتِهِ.