بسم الله الرحمٰن الرحيم
لا إله إلا الله عُدّةً للقاءِ الله عزّ وَجلّ)(1)(
الحمدُ لله على إفضالِه(2)، والصلاةُ على خيرِ خلقِه محمّدٍ المصطفى وآله:
قال الشيخ الإمامُ إمامُ الحرمين أبو المعالي قدّس الله رُوحَه في كتاب "الإرشاد": "اعلم أنّ أوّلَ ما يجبُ على البالغِ العاقلِ باستكمال سنّ البلوغ أو الحُلُم شرعًا: القَصدُ إلى النظر(3)
الصحيح الـمُفْضي إلى العِلم بحَدَث العالَـم"(4).
قال الشارح لكلامِه وهو الشيخُ الإمام أبو القاسم الأنصاريّ النيسابوريّ: هذه الكلـماتُ مُشتَمِلَةٌ على ثلاثِ فصول:
الفصل الأول: في شرائط التكليف
وقد قال أصحابُنا(5): شرائط التكليف(6) ثلاثةٌ: العقل، والبلوغ، وورود الرسول؛ قال النبيّ ﷺ: «رُفِعَ القلمُ عن ثَلاثةٍ عن الصبيِّ حتى يَبْلُغَ، وعنِ المجنونِ حتى يُفِيقَ، وعنِ النائمِ حتى يَستَيْقظَ»(7).
ومَنْ لا عَقلَ له لا يتـأتّى له دَرْكُ الخطاب، ولا يَصِحُّ منه النظرُ في دِلالة صِدْق الرسول، ولا سبيلَ له إلى امتثالِ ما أُمرَ به، ففي توجيهِ الخطاب عليه تَناقضٌ بَيّنٌ، وكأنّه قيل: "افهم يا مَن لا تفهم".
ثم العاقلُ في عُرْفِ أهل الصناعة: كُلُّ مَنْ يَعُدُّه العقلاءُ عاقلًا، وخرجَ عن حدِّ المعتوهين، أو: مَن يَصِحُّ منه النظرُ والاستدلالُ(8) فيما وراء المحسوسات.
وأما البلوغ فلولا تنصيصُ الشرع عليه لَـمَا عرفناه شرطًا في التكليف، ويَصِحُّ أنْ يُقال: الصِبا مَظِنّةُ الغباوة في الأغلب، وفي زواله كمالُ العقل؛ فلذلك جُعِلَ البلوغُ شرطًا في التكليف.
ثم البلوغُ قد يحصل بالحُلُم، وقد يحصل باستكمال السنّ المعهود في الشرع(9).
ونَظْمُ الكلام: "أوّل ما يجب شرعًا على العاقل البالغ بأحدِ هذيْن الأمريْن: إمّا الحُلم أو كمال السنّ"(10).
أمّا الشرط الثالث وهو ورودُ الرسول(11) وهو ما أشار إليه الإمامُ بقولِه: "شرعًا"، فاعلم أنّه لا حُكْمَ ولا شَرْعَ قبلَ الشرع(12)، والـمَعْنِيُّ بالأحكام: الشرائعُ التي منها الحُسْنُ(13) والقبيحُ(14) والوجوبُ(15) والندبُ(16) والإباحةُ(17) والحظرُ(18)
والكراهيةُ(19)وغيرُ ذلك مِن الصحّة(20) والفساد(21) ونحوِهما.
وحقيقة الواجب: ما يُذَمُّ تاركُه، وقد عَلِمْنا أنّه لا يتعيّنُ في قضيّة العقل فِعلٌ يستحقّ على تركِه ذمٌّ أو يُلام فاعِلُه إلّا مِن قِبَلِ مَنْ له الأمرُ والنهي، فإنّ الأفعالَ وتروكَها في حكم العقل سواءٌ في هذا الباب، فثبت أنّه لا سبيلَ إلى معرفةِ واجبٍ قبلَ الشرع، فلا بدُّ مِن ورودِ رسولٍ مِنْ قِبَل الله تعالى تُتلقى منه الشرائعُ، فيَصدر منه الإيجابُ بشرطِ أنْ يكونَ معه دليلُ الإيجاب، والـمَعْنِيُّ بدليل الإيجاب: الآيةُ الدالّة على صِدقه(22).
ثم يجب أن يكون المخاطَبُ المدعوّ إلى النظر عاقلًا بالغًا مُتيقِّظًا بحيث يتمكّن مِن تحصيلِ العِلم بصِدْق(23) الرسول وثبوتِ الشرع.
ولا يتوقّف ثبوتُ الشرع على عِلْم المخاطب به، بل يكفي تمكّنُه مِن تحصيل العِلم بصدق(24) الرسول، فإذا جاء الرسولُ ومعه الدليلُ الباهرُ الواضحُ ثم أوجبَ وحذّرَ وأنذرَ، فقد تحقّقَ الإيجابُ على مَن استجمع شرائطَ التكليف، وثبت الشرعُ، عَلِمَ أو جَهِل، هذا حُكْمُ الواجب الأول.
وأمّا الفصل الثاني: فهو معقودٌ في بيان قولِه رضى الله عنه: "أوّل ما يجبُ القَصدُ إلى النظر الصحيح".
وقد اختلف (ق2أ) أصحابُنا في أوّل ما يجبُ على المكلّف:
فقال بعضُهم: أوّل ما يجب عليه النظرُ(25)، كما سنوضحه مِن بعدُ إن شاء الله.
وقال بعضهم: إنّما المقصودُ مِن النظر معرفةُ الله تعالى، فإذًا أوّلُ الواجبات معرفةُ الله تعالى بشرائطِها ثم مِن شرائطها النظر (26).
وقال بعضُهم: أول ما يجبُ إرادةُ النظر والقَصدُ إليه،
وهو ما حكاه الإمام عن القاضي أبي بكر(27) رحمهما الله(28).
وقال بعض المتكلّمين(29): إرادةُ النظر لا تتأتّى إلّا مِن مُتَرَدّدٍ في حُكْمِ المنظور فيه، فإذًا القصدُ إلى النظرِ شرطُه سبقُ التردّد وهو الشكّ(30)، وهذا يُعزى إلى أبي هاشم(31) وشيعتِه حيث قالوا: "أوّل الواجبات إيرادُ الخاطريْن"(32).
وهذا غير مَرْضيّ عند المحقّقين؛ فإنّ الذاكرَ للشىء إذا لم يكن عقدُهُ مُصمَّمٌ(33) فيه حقًّا أو باطلًا يكون لا مَحالة شاكًّا، فهو مأمورٌ بإزالة الشكّ بطريق النظر، فأمّا أنْ يكون مأمورًا باكتساب الشكّ فلا.
وقد يقول أبو هاشم: "هذان الخاطران يَرِدان على قَلبِ كلّ عاقل في ابتداء الأمور(34) ضرورة"(35).
وقد قال القاضي: "لا يمتنعُ في قضيةِ العقل الهجومُ على النظرِ مِن غير سبقِ تردّد".
وقد حكى الأستاذ أبو منصور(36) في كتابه المترجم بـ "المقنع" عن شيخنا أبي الحسن رحمه الله أنّه قال في بعض كتبه: "قالَ بعضُ أصحابنا: أوّلُ الواجبات الإقرارُ بالله تعالى وبرسلِه وكُتبه ودين الإسلام".
قال الأستاذ: "أرادَ أبو الحسن بقوله: "قال بعضُ أصحابنا" بعضَ المتكلّمين، ولم يُرِدْ به مَن هو على طريقته ويختص به مِن أصحابِه، فإنّه لا يُوافق أصلَه".
قال الأستاذ: "ويجوز(37) أن يكون قد ذهب إليه ذاهبٌ مِن أصحابه فقال: "يجب على المكلّف أوّلًا أنْ يُقِرّ بدين الإسلام ويتقبّلَه؛ لِئَلّا يكون في مُهلةٍ بل يُسارعُ إلى الوجوب(38)، فإنّ القولَ بالمهلةِ مِن مذهب المعتزلة"((39))/(40).
قال: "ولهذا قال أبو الحسن في بعض كُتبه: لو سأل سائلٌ عمن وردَ من الصين ورأى الاختلافَ ماذا يلزمه؟ فقال عنه جوابان:
"أحدُهما: أنّه يلزمه النظرُ ليعرفَ الحقَّ فيتبعه(41).
والثاني: يَلزمه اتباعُ الحقّ وقبولُ الإسلام ثم تصحيحُ المعرفةِ بالنظر والاستدلال على أقلّ ما يُجزئه"(42)/(43).
قلتُ: وسنذكر بعد هذا اختلافَ الأصحاب في أنّ النظرَ في قواعد الدين مِن فروض الأعيان(44) أو مِن فروض الكفايات(45).
فمن صارَ إلى أنّه مِن فروضِ الكفايات فيقول: "أوّلُ ما يجب على المكلفِ الإقرارُ بالله وبصفاتِه وكُتبه ورسله والتزام ما جاؤوا به"(46).
والفصل الثالث: في معنى قوله رضي الله عنه: "النظرُ الصحيح المفضي إلى العِلْم بحدَثِ العالَـم"، وفي تخصيص هذا النظر بالوجوب.
وإنّما قال ذلك؛ لأنّه لا طريقَ يُتوصل به إلى معرفةِ الله تعالى إلا الاستدلال بأفعالِه عليه، فإنّه سبحانه ليس يُدْرَك حِسًّا ولا بَداهةً وإنّما يُعرف بالدلالات، ولا دليلَ يدلّ عليه إلا الأفعال وذلك هو الذي يُسمّى "العالَـم".
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (47)الآية، وقد قال النبيّ ﷺ: «ويلٌ لمن لاكَها بين لَحيَيْه ولم يتفكّر فيها»(48) هكذا رواه البخاريّ في الجامع الصحيح الذي صنّفه(49).
ثم وَصَف اللهُ تعالى أُولي الألباب فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾(50) أي في جميع أحوالهم، يعني يجعلون هذه الفكرةَ منهم في جميع أحوالهم على بالٍ(51)، ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(52)، ويقولون: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا﴾(53) أي عَبثًا لا فائدة فيه، بل خلقتَها آياتٍ ودلالاتٍ لذوي العقول(54)، فمَن تدّبرَها حقّ التدبر وعَمِلَ بمقتضاها وأطاع مالِكَها في أوامرِه ونواهيه فاز بالجزاءِ الحسن وبالنعيم الدائم، ومَن تغافلَ عنها ولم يلتزم حقوقَها استوجبَ العذاب الأليم لقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾(55) ونظائر هذه الآي كثيرة في التنزيل.
ثم قال الإمام: "والنظر في اصطلاح الموحدين(56) هو الفِكرُ الذي يَطلب به مَن قام به عِلـمًا أو غلبةَ ظن"(57).
وإنما قال: "في اصطلاح الموحدين"؛ لأنّ النظر يَرِدُ على معانٍ في اللغة كثيرةٍ ويختلف معناه (ق2ب) بصِلاتِه.
فإذا تجرّد مِن الصِلات كانَ بمعنى الانتظار(58)، تقول: "نظرته" بمعنى انتظرته، قال الله تعالى: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ (59) أي ما ينتظرون إلا صيحة واحدة(60).
وإذا وُصِلَ بحرف "إلى" كان بمعنى الرؤية في الغالب(61)، تقول: "نظرت إلى فلان" أي أبصرتُه.
وإذا وُصِلَ بحرف "اللام" كان بمعنى الرحمة(62)، يقال: "نظر الأميرُ للرعية" إذا تَعطّف عليهم ورَحِمهم.
وإذا وُصِل بحرف "في" كان بمعنى الفِكر والاعتبار(63) قال الله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ (64)أي تفكر فيها(65).
وقوله: "الفِكرُ الذي يَطلب به مَن قام به". أشار بقوله: "مَن قام به" إلى أنّ الناظرَ مَن قام به النظرُ، كما أنّ العالِـم مَن قام به العِلمُ، وليس الناظرُ مَن فَعَل النظرَ، فإنّ الربَّ سبحانه هو الفاعلُ للكائنات على الحقيقة، ولا يُوصف بكونِه ناظرًا بفعلِه النظرَ في غيره، وأَحَدُنَا وإنْ كان فاعلًا لنَظَره ولكن لم يكن ناظرًا لفعلِه النظر، وإنّما كان ناظرًا لاختصاصِه بالنظر قيامًا. على أنّ الناظر على الحقيقة هو محلّ النظر لا الجملة التي المحلُّ منها، خِلافًا للمعتزلة((66)).
وقوله رضي الله عنه: "أو غلبة ظنّ(67)" أشار بهذا إلى أنّ النظر كما يُطلب به العِلمُ فقد يُطلب به غلبةُ الظنّ خِلافًا لمن قال: "لا مطلوبَ بالنظر إلّا العِلم"، وبه قال القاضي(68).
أمّا الاستدلالُ بالنظر فهو تقسيمُ المستدِلّ، وتفكّرُه في المستدَلّ، وتأمّلُه له.
واعلم أنّ عند شيخنا الإمام العِلمُ الحاصلُ عَقِيب النظر يقع ضروريًّا(69)، فقال بانيًا عليه(70): "النظرُ ترددٌ في أنحاء الضروريّات وتنبّه لجهاتها مع المباحثة". قال: "وتلك الأنحاء يؤول حاصلُ القول فيها إلى تقسيماتٍ ضروريّةٍ بين النفي والإثبات، يعرضُها العاقلُ على فِكرِه العقليّ ويُحَكّمُ فيها النفي والإثبات، فإنْ كان ينقَدِح نفيٌ حكمَ به، وإن كان ينقدِحُ إثباتٌ قطع به"(71).
ثم قال رحمه الله: "فإنّ قال قائلٌ: قد أنكرت طائفةٌ مِن الأوائل إفضاءَ النظر إلى العِلم، وزعموا أنّ مَداركَ العلوم الحواسّ فكيف السبيل إلى مكالمتهم؟"(72) (الفصل إلى آخره)(73).
واعلم أنّه لم يُرد بالأوائل أصحابَ الفلسفة(74) والهندسة(75) وأصحابَ النجوم(76) والهيئات(77) والعناصر(78)؛ فإنّ مبنى هذه العلوم على النظر العقليّ إذ لا مَدْرَك لها غيرُه وهذا مما لا خِلاف فيه بينهم، وإنّما عنى بالأوائل السُّمنيّة((79)) وهم الذين صاروا إلى أنّ مَداركَ العلوم الحِسُّ والخبرُ، وكذلك القائلون بتكافُؤ الأدلّة(80)، وهم أقوامٌ ليس يثبت لهم قَدَمٌ في الدين فأنكروا النظرَ، وردّوا الأقْيسة العقليّة والشرعيّة، ووجّهوا على أصحاب المذاهب شكوكًا، ولا مقصدَ لهم بأسئلتهم إلّا التشكيكُ والتمويه.
والذي صار إليه جماهيرُ أهل الحقّ: أنّ النظرَ مِن مَدارِك العلوم كالحسّ والخبر، وهو طريقٌ يُفضي بصاحبه إلى العِلم إذا تَـمّ على سَدادِه واستجمع شرائطَه(81).
ومَن حصر مَدارِك العلوم في الحواسّ فقد أنكرَ العلوم البديهيّة التي لا سبيلَ للعُقلاء إلى إنكارها، إذ يلزمه الإنكار، وذلك ما يجدُه الإنسانُ مِن نفسه مِن أحوالِه كآلامه ولَذّاتِه، وكونِه عالِـمًا مُريدًا قادرًا ونحوِ ذلك، وكعِلْمِه بأنّ هذا نهارٌ، وأنّ الاثنين أكبرُ مِن الواحد، وأنّ الشخصَ الواحدَ لا يُتصوّر حصولُه في مكانيْن في وقتٍ واحدٍ، وكذلك يستحيلُ أنْ يكون قديمًا حادثًا إلى غيرِ ذلك مِن الأمور البديهيّة، فهذه العلوم وما يجري مَجراها حاصلةٌ لا عن الحسّ ولا عن الخبر، ولا سبيلَ (ق3أ) إلى جَحْدها.
وسبيل مكالمة مُنكري النظر: أنّ نَقْسم الكلامَ عليهم، فنقول: أتزعمون أنّكم عالِـمون بفساد النظر أمْ تستريبون فيه؟ فإنْ زعموا أنّهم عالِـمون بفساد النظر فقد أبطلوا مصيرهم إلى أنّ مَدارِك العلوم الحواسّ، فإنّ فساد النظر لا يُدرك بالحواسّ.
ثم نقول: إنْ سلّمْنا لكم العِلمَ بفسادِ النظر، فالعِلمُ إمّا أنْ يقعَ ضروريًّا أو يحصل نظريًّا. فإن ادّعيتم عِلـمًا ضروريًّا تبيّن عِنادُكم، فإنّ العِلمَ الضروريّ يشتركُ فيه العقلاءُ وهم يستوون في دَرْكِه إذا انتفى عنهم الآفاتُ،كما يستوون في المحسوسات عند انتفاء الآفات عنهم. ومَن ادّعى عِلـمًا ضروريًّا بفساد النظر فلا تَسلمُ دعواه عن معارضةٍ بمثلها، فَيُدّعى علمٌ ضروريٌّ بصحّة النظر.
وإن ادّعوا أنّ العِلمَ ببطلان النظرِ يُتلقى مِن النظر فقد تمسّكوا إذًا بضربٍ مِن النظر في إبطال جميعِه، وذلك تناقضٌ لا خفاءَ به، وفي إبطال النظرِ بالنظر اعترافٌ بصحّته.
فإنْ قالوا: ما ذكرتموه ينعكسُ عليكم فإنّكم في إثباتِ النظر لا تخْلون: إمّا أن تُسندوا دعواكم إلى الضرورة أو النظر، والتقسيم كالتقسيم، وإثباتُ شىءٍ بنفسه مستحيل؛ لأنّ الشىء لا يَشهد لنفسه.
يُقال لهم: كلامكم هذا يُفيدُكم عِلـمًا بثبوت مذهب، أو بطلان مذهب، أو لا يُفيدكم شيئًا مِن ذلك؟ فإنْ زعموا أنّه لا يُفيدُ عِلـمًا ولا يَجْلب حُكمًا فقد اعترفوا بكونه لَغْوًا، وكَفونا مؤونةَ الجواب. وإنْ قالوا: غرضُنا مقابلةُ الفاسد بالفاسد، أَدَرْنا عليهم التقسيمَ. وقلنا: مقابلةُ الفاسد بالفاسد نوعٌ مِن النظر، فما قولكم فيها أتفيدُ عِلـمًا أم لا تُفيد؟ ولا مَخْلص لهم عن هذا التقسيم في كلامٍ يتكلّمون به، وقُصاراه إثباتُ الشىء بما يُدّعى فيه البطلان.
فإنْ قالوا: وقُصارى كلامِكم إثباتُ الشىء بنفسِه، ولـمَّا يتحقّق ثبوتُه بعدُ فقد استويا في هذه القضيّة. قلنا: ولا سواء؛ فإنّ في إبطالِ النظر بالنظر تناقضًا بَيّنًا وهو الجمعُ بين الإثباتِ والنفي، وليس في إثباتِ جنسِ الشىء بنوعٍ منه ما يُناقضُ الإثبات، وذلك بمثابةِ العِلمِ والخبرِ فإنّهما يتعلّقان بأنفسهما وبغيرهما، فبالعِلم يُعْلَم العلمُ، وبه يُعلم سائر المعلومات.
وقال أصحابنا: سبيلُ إبطالِ النظر بالنظر كسبيلِ مَن ينفي الصِدقَ عن جميع أخبارِه بواحدٍ مِن أخباره الذي نفى الصِدقَ عنها فيقول: "جميعُ كلامي كذبٌ" فلا سبيل إلى معرفةِ صِدْقِه وكَذِبِه في جميع أخباره بهذا الخبر؛ فإنّ هذا الخبر مِن جملةِ أخباره التي حكم بكذبها.
وسبيل إثباتِ النظر بالنظر كسبيل مَن يُثبتُ صدقَه في جميع أخباره بواحدٍ منها فيقول: "جميعُ كلامي صِدقٌ" فيمكن معرفةُ صدقِه في جميع أخبارِه بهذا الخبر مِن غيرِ تناقض فيه.
قال القاضي: "نحن إذ ألقينا دليلًا(82) على إثباتِ جنس النظر فلسنا مُثبتين للشىء بنفسه، وإنّما أثبتناه بغيرِه، كما إذا طردنا دلالةً على حدث العالَـم فطالبنا الخصمُ بإثبات تلك الدلالة فلا نُعيدُ تلك الدلالة، بل نبيِّن صحّةَ تلك الدلالة بدليلٍ آخر، غير أنّهما يجتمعان في اسم الدليل، والنظر كذلك في مسألتنا".
ثم نقول: القائلُ قائلان: قائلٌ يُثبت النظر، وقائلٌ ينفيه، وكلّ واحدٍ مِن القائليْن يُسَلّم لخصمِه أنّه لم يَصِر إلى معتقدِهِ بَديهةً وضرورة، وفي تسليمِ الخصم لنا بأنّهم لم يصيروا إلى معتقدِهم بديهةً على الهجوم إثباتُ النظر على رغم آنافهم، كما قرّرناه قبل.
قال الإمام: "ونحن نقول العلومُ كلُّها ضروريّةٌ، غيرَ أنها منقسمةٌ إلى مهجومٍ عليها وإلى مَبحوثٍ عنها، وصحّةُ النظر مما يُدرك ضرورة بطريق البحث، فإنّ النظر يقسّم تقسيمات (ق3ب) ضروريّة بين النفي والإثبات"(83)، وتوقفه في مدارِجها ومراتِبها وإسناد الثواني منها إلى الأوائل مع ذِكر ما سبق مِن المراتب.
وهذه التقاسيمُ إذا كانت ضروريّةً وتتبّعها البحثُ، فتُوجبُ لا محالةَ تعيّنَ آحادها وبطلان البواقي.
وإن أردت ضربَ مثالٍ فنقول: إذا رأينا شخصًا في مكانٍ ثم رأينا المكانَ خاليًا عنه، أو لم نره في المكان ثم نراه فيه، فيتصدى لنا تقسيمٌ ضروريٌّ، فنقول: خلوّ المكان منه إمّا: لعدمِه أو لانتقاله إلى مكانٍ آخر، وكذلك شُغلُه للمكان إمّا لانتقالِه إليه أو بحدوثِه عن عدمٍ، فأيّ واحدٍ مِن الأمرين بطلَ تعيّنَ الآخرُ على الضرورة. وكذلك كلّ تقسيمٍ دائر بين النفي والإثبات فهذا حُكمُه.
وإن أردتَ إيرادَ هذا الكلام في مَعْرضٍ أحسن مِن هذا قلتُ: بم عرفتم أنّ الحِسّ مِن مَدارِك العلوم؟ فسيقولون: طريقُ إثبات ذلك: إمّا فزعُ العقلاء إليه عند الالتباس، وإمّا الامتحان. فنقول: هذا سبيلنا في إثبات النظر، فنثبتُه إمّا بفزع العقلاء إليه، أو بالامتحان، وقد فرغنا مِن الأمرين، وفي هذا إثباتٌ للحسّ بضربٍ منه يُثبتُ نفسَه وجنسَه.
أمّا المتكلّمون فإنّهم أثبتوا النظرَ بطريقيْن قاطعيْن:
أحدهما: أنّهم قالوا: النظرُ إمّا أنْ يكونَ صحيحًا وإمّا أنْ يكون فاسدًا ولا واسطةَ بينهما، فإنْ كان صحيحًا فهو ما قلناه، وإن كان فاسدًا فالعِلم بفساده إمّا أنْ يكون ضروريًّا أو نظريًّا، وقد أنهينا هذه الطريقةَ نهايتها. ه.
والطريق الآخر: قالوا: وجدنا العقلاءَ إذا التبس عليهم حُكمُ شىءٍ مِن الغائب الذي لم تجرِ العادةُ بالوصول إليه ضرورةً فزعوا إلى النظر،كما إذا التبس عليهم شىءٌ مِن أحكام المحسوسات فزعوا إلى الحسِّ، فكما أنّ الحسّ طريقٌ لتَعَرُّفِ أحكامِ المحسوسات كذلك النظرُ طريقٌ تُعرف به أحكامُ الغائبات(84).
فإنْ قال الخصم: أنا مستريبٌ متوقّفٌ في أمرِ النظر ولا عِلْمَ لي بصحّته ولا بفساده. قلنا: بعدما ثبت أنّه لا واسطةَ بين الصحّة والفساد برُتْبَتَيْه فلسْت من المعاندين بل سبيلك(85) سبيل الاسترشاد، فسبيلك أنْ تنظر نظرًا قويمًا كما رسمناه فتستفيد عِلـمًا على الفور. فإنْ ادّعى أنّه نظرَ وبالغَ فيه ولم يُفضِ نظرُه(86) إلى العلم تحقّق عِنادُه وبطلَ استرشادُه.
فإن قالوا: نرى الناظرَ يسرد دليلًا ويزعم أنّه أفضى به إلى العِلم، ونعلمُ بالضرورة أنّه سَلك فيه مسلكَ النُظّار، ثم نراهُ يترك هذا المذهبَ الـمُصَحّحَ بالنظر على زعمِه ويَركن إلى اعتقادِ ضِدّه بنظرٍ آخر، ويدّعي أنّ نظرَه الأول كان فاسدًا وأنّ الدليل الذي دلّ عليه كان باطلًا، ورأيناه يُناظرُ على المذهب الثاني ويحتجّ عليه على نحو احتجاجه على المذهب الأول؛ وإذا كان كذلك فما يؤمنّا أنّه لو عاش زمانًا مِن الدهر لترك هذا المذهبَ المختارَ بنظرٍ آخرَ وأضربَ عن الأول، وهذا يُبطل التعويلَ على الدليل.
قلنا: كلامُكم هذا يُفيدكم عِلـمًا أم لا؟ فإنْ قالوا: أفادنا وقفةً وحيْرةً واسترابةً. قلنا: لسنا نقول إنّ كلَّ نظرٍ مُفضٍ إلى العِلم، بل للنظر المفضي إلى العلم شرائط، فمَن أخلّ بشرطٍ مِن شرائطه فلا يُوصلُه إلى العلم. على أنّا نقولُ: مجرّد الانتقال عن مذهب إلى مذهبٍ يخالفُه لا ينتهض شبهةً في أنّ المنتقَل عنه كان باطلًا، وأنّ المنتَقَل إليه يكون صحيحًا، فقد يترك الإنسانُ مذهبَه الصحيحَ لشُبْهةٍ تعتريه.
ثم نقول: الغالبُ أنّ الانتقالَ مِن مذهبٍ إلى مذهبٍ آخر إنّما يتصوّر في المسائل التي يُبتغى منها غلباتُ الظنون لا غير؛ لـما أوضحناه مِن أنّ التقسيم إذا كان دائرًا بين النفي والإثبات فإنّه يُفضي إلى العلم لا محالة.
ثم إنْ كان هذا المعترضُ مِن أصحاب الحصر، ويزعم أنّ مَدَاركَ العلوم تنحصر في الحواسّ فتنعكس عليه هذه الشبهةُ في المحسوس لاختلاط الخيالات بالإدراكات، ثم مثلُ (ق4أ) هذا الأمرِ غيرُ قادحٍ في أصل(87) الحسّ، كذلك فيما نحن فيه.
وسُنبيّن في آخر هذا الفصل أنّ هذه الشبهةَ التي تمسّكوا بها واستزلوا بها العوامَّ يمكن التمسّك بها في إثبات النظر.
فإنْ قالوا: إنْ سُلِّم لكم لما قدّمتموه إفضاء النظر إلى اعتقادٍ فبمَ تعرفون أنّ ذلك الاعتقادَ عِلمٌ وأنّ النظرَ المفضي إليه صحيحٌ؟ قلنا: إنْ كان التقسيمُ مُنحصرًا في النفي والإثبات فيُفضي لا محالةَ إلى العلم.
قال أصحابنا: وكذلك إذا كانت الأقسامُ محصورةً في السبر، والنظرُ يُفضي إلى تعيين واحدٍ منها. فأمّا إذا لم تكن محصورةً أو كانت محصورةً غيرَ أنّ الدليلَ الذي دلّ على إبطالِ الآحاد غيرُ مقطوعٍ به، أو كان مُرتّبًا على اعتقادٍ مظنونٍ غيرِ مقطوعٍ به، فقد يُفيد مثلُ هذا النظر اعتقادًا ويثير غلبة الظنّ.
وقولهم: بِمَ يعلمُ الناظرُ صحّةَ نظرِه؟ وبِمَ يعلمُ أنّ اعتقادَه عِلمٌ؟ قلنا: يَعلم صحّةَ نظرِه بنظرٍ آخر حتى يُفضي به إلى الضرورةِ، وقد عُلِمَ ذلك ضرورةً في الابتداء، وهو ما أشرَنا إليه مِن انحصارِ الأقسام وقيامِ الدليل عليه، فيقودُه ذلك إلى العلمِ بصحّةِ النظر وإفضائه إلى العلم. ثم مِثلُ هذا السؤال ينعكس على مُورِدِه إن كان مِن أصحاب الحصر القائلين بأنّ مَدارِك العِلم تنحصرُ في الحواسّ، فإنّ مَن أحسّ شيئًا وأبصرَه فبِمَ يعلمُ أنّه أدركه حقيقة دون أن تخيّله؟!
واعلم أنّ أمثالَ هذه الشبهة تتطرّقُ إلى كلّ مذهب، ويتأتّى إيرادُ هذه الشكوك على كلّ مَن ينتحلُ دينًا ومَذهبًا؛ لكثرة المذاهب والاختلاف فيها.
فإنْ قيل: نحن لا نُعَوِّل على الأقْيسة فيُتصوّر الاختلافَ فيها، وإنما نُسْنِدُ عقائدَنا إلى الأخبار الصادقة والنصوص الصحيحة الصريحة. قلنا: فما بالكم اختلفتم في معظم المسائل؟ على أنّا نقول: إنّما يُعْرف صِدْقُ الرسل بالآيات الواضحة، ثم لا سبيل إلى معرفة الآيات وارتباطها بقول مُدّعي النبوّة إلّا بالنظر. وبِمَ تنكرون على مَن يقول: إنّ الرُسُلَ أتوا بتلك الآياتِ مِن عند أنفسهم كما يأتي بأمثالها السحرة؟ وبم تُنكرون أنْ يُظهرَ تلك الآياتِ بعضُ الشياطين أو بعضُ الملائكة دون الله تعالى الذي هو مُبْدِعُ الكائنات؟ وهل إلى معرفة هذه الأمور طريقٌ سوى النظر العقليّ؟؟ وهذا ظاهر.
فإن قالوا: لو كان النظرُ مِن مَدارِك العلوم لـما ساغ الخِلافُ فيه كالحسّ والخبر. قلنا: وقد اختُلف أيضًا فيما طريقُه الحسّ، واختلفوا في الخبر أيضًا(88).
فقال قائلون: الهواء غير مرئيّة(89). وقال قائلون: إنّها مرئيّة، وهو قولُ أصحابنا(90). وفيهم مَن قال: إنها تُرى ليلًا ولا تُرى نهارًا. واختلفوا في ماهيّة الضوء وحقيقةِ الشعاع، وفي أجناس الألوان والطعوم وأنّها متناهيةٌ أو لا تتناهى.
كع.ر ....ر ويزعم: هذا سبيلنا في إثبات النظر فنثبته، إما بفرع العقل إليه أو بالامتحان.وقد اشتبه على بعض الناس العَرضُ(91) بالجوهر(92)،
فقال: الجواهر هي الأعراضُ المجتمعة(93).
ولا يخفى اختلافُهم في الأخبار أيضًا.
فإنْ قالوا: لا يُعتّد بخلاف مَن أنكر المحسوس. قلنا: وكذلك لا يُعتّدُ بخلاف مَن أنكر النظر. ثم نُعارضهم فنقول: ولو كان فسادُ النظر معلومًا قطعًا لـما ساغ للعقلاء الاختلافُ فيه.
فإنْ قالوا: لو كان النظرُ مِن مَدارِك العلوم لـما ساغ الاختلافُ في النظريّات مِن مُثبتيه، كما لا يسوغ الاختلافُ في العلوم التي تتضمّنها الحواسّ مِن مثبتيها.
قلنا: كلامكم هذا يُفيدكم عِلـمًا أم لا؟ ولا جواب لهم عنه، على أنّهم قد اختلفوا في ذلك فَمِن صائرٍ إلى أنّ الإدراكاتِ علومٌ مخصوصةٌ فلا يُتصوّر ثبوتُها دون العلم، ومِنْ صائرٍ إلى أنّها زائدةٌ على العلوم وقد يُتصوّر ثبوتها دون العلم.
ثم نقول: إنّما يختلف العُقلاءُ في (ق4ب) النظريّات؛ لأنّ النظرَ يستدعي شرائط، فمَنْ لم يأتِ بجميع الشرائط لا يتوصّل إلى العلم، ولـمّا اختلف العُقلاءُ واختلفت أغراضُهم وهِممُهم: فمِنْ مُقلّدٍ يركن إلى مذهبِ أسلافه، ومِنْ مُسارعٍ إلى النظر غير مُتَمّمٍ له، ومِن مسارع فيه وهو حائدٌ غير مُسْتدٍّ(94)،
ومِنْ بليد الفهم يتكاسلُ فيه لبلادتِه وقلّة رغبته فيه؛ فلذلك وجبَ اختلافُهم في النظريّات.
وأمّا الحسّ فلا يستدعي أمورًا يُتصوّر الاختلافُ فيها في مجاري العادات، فيَقِلُّ الاختلافُ فيه لذلك.
ثم نقول: وجدنا العقلاءَ مِن أصحاب الحِرَف والصناعات يفزعون في دَرْك أصوب الأمريْن إلى النظر، وتطرُّقُ الفسادِ والشُبَه إلى نظرهم لم يُؤْيسْهم عن النظر، ولم يحملْهم على الإضراب عنه أصلًا، بل ترى الواحدَ ربما يُعيد النظرَ ويَفْسَخُه أكثرَ مِن خمسين مرة، ثم تَطَرّقُ الخطأ إليه لم يحملْه على الإضراب عنه أصلًا ورأسًا؛ لِعِلْمِه بأنّه لا مَدْرَك لـما يَطلبُه ويبتغيه غير النظر، فإنْ كان ثَمَّ قُصورٌ وفسادٌ وتقاعدٌ فذلك مِن جهته ومِن(95) تقصيره. وهذا هو الدليل القاطع على أنّ النظرَ مِن مَدَارك العلوم، وهو الجواب عمّا تمسكوا به مِنْ ترك نظرٍ بنظرٍ.
فصل
قال الإمام رضي الله عنه: "النظرُ ينقسم إلى الصحيح والفاسد..." (96) (الفصل إلى آخره)(97).
اعلم أنّ النظرَ الصحيح هو الذي يُطْلِعُ الناظرَ على وَجْهِ الدليل، ولا معنى لكون الشىء دليلًا على مدلول إلّا أنّه يجب مِن العلمِ به العلمُ بمدلولِه. فالفعل يدلّ على الفاعل، فمن سَبَر أوصافَ الفعل روْمًا للعثور على الوجه الذي منه يدلّ الدليلُ على الفاعل لم يَجد وجهًا يدلّه عليه سوى جوازِ الوجود، فإنّ الفعلَ لم يدلّ على الفاعل لوجوده فقط، فإنّ وجودَ القديم سبحانه مُستغنٍ عن الفاعل، وكذلك الكلام في سائر صفات الفعل سوى الجواز، فَعلمنا أنّ الـمُحْدَث إنّما يدلّ على المحدِث لجواز الوجود، وأنّ الجوازَ صفةٌ لازمةٌ له، وذلك هو الوجهُ الدالّ على الفاعل. فمهما صادفَ النظرُ هذا الوجهَ أفضى بصاحبِه إلى العلم بالفاعل.
وكذلك الدالّ على عِلْمِ الفاعل وإرادته إحكامُ الفعل واختصاصُه ببعضِ الأوصاف الجائزة(98)، فإذا صادَفَ النظرُ هذه الوجوه أفضى إلى العلم واتصف بالصحّة.
وأما النظرُ الفاسدُ فهو الحائد عن سَنن الدليل أو القاصر، فقد يَقْصر مع استبانه(99) للسداد أولًا؛ لطروء قاطع.
والنظر الصحيح هو الـمُسْتَدّ التامّ.
وقد شُبّه الناظرُ في استداده وحَيْدِه ونُفُوذِهِ وقصوره بالرامي، فإنّ مَنْ رمى سهمًا إلى مَرْمى له فقد يُصيب وقد يُخطئ، فإن كان حاذقًا، واجدًا لآلات الرمي، واقفًا على سَمْتٍ مستقيمٍ مِن الهدف، ولم يعرضْ عارضٌ يقطعُه فإنّه يُصيبُ لا محالةَ، ومتى كان الأمرُ بخلافه كان الحالُ بضِدّه فيُخطئ.
وكان الإمام يقول: "إذا أخلّ بشرطٍ مِن الشرائط وقدّم ما حقّه أنْ يُؤخَرَ، أو أخّر ما حقّه أن يُقدَّم فَسَدَ نظرُه"(100).
ومعنى فسادِه هو الجهلُ بمراتبِه، وقد حكيْنا عنه(101) أنّ النظرَ إنما هو التردد في جهات العلوم الضروريّة ومراتبها.
ثم قال الأصحاب: النظرُ يستدعي شرائطَ منها ما يختصّ بصحيح النظر، ومنها ما يختصّ بمطلق النظر.
فكَمَالُ العقلِ شرطٌ في كلّ نظرٍ.
وإسنادُ النظر إلى علمٍ إمّا مهجوم عليه أو مبحوث عنه شرطٌ في النظر.
وفي إسناده إلى التردّد والشكّ اختلاف رَمَزْنَا إليه(102)، ولكن العادةَ جاريةٌ بإسناده إليه.
وعدم العلم بالمنظور فيه مِن شرائطه أيضًا.
ومِن شرائطه أنْ لا يكونَ الناظرُ مُصِرًّا على اعتقادٍ مع التصميم بل يكون (ق5أ) طالبًا للعلم أو لغلبة الظنّ.
والنظرُ الصحيح شرطُه الاستداد: وهو أن يُصادِف الدليلَ ووجه الدليل(103)، والدليلُ ووجهُه واحدٌ، فهما عبارتان عن مُعَبَّرٍ واحد، فالفعلُ دليلٌ على الفاعل، ووجهُهُ جوازُ وجوده، وهي صفةٌ لازمة له.
ومِن شَرْطه أيضًا ألّا يقطعُه قاطعٌ مِن نفسِه ولا مِن غيره(104).
فصل
قال الإمام: "النظر يُضادّ العلمَ بالمنظور فيه"(105).
قال المتكلّمون مِن أصحابنا ومِن المعتزلة: "إنّ النظرَ لا يُجامع العلمَ بالمنظور فيه". ثم قال أصحابُنا: "إنّما لا يُجامعه؛ لمضادّته إيّاه؛ إذ لا معنى للتضادّ إلّا التنافي"(106).
وقال المعتزلةُ: "بل لا يُضادّه ولا يجامِعُه" فإنّهم شرطوا في التضادّ وإطلاقِه أمرًا آخر سنذكره في موضعه إن شاء الله؛ ولذلك لم يُطلقوا القولَ بأنّ الموتَ يُضادُّ العلمَ لكنّه يُضادّ شرطَه(107).
قال أصحابنا: والنظرُ كما يُضادّ العلمَ بالمنظور فيه، فإنّه يُضادّ الجهلَ(108) والظنَّ والشكَّ(109).
قالوا: ووجه مُضادّتِه العِلمَ: أنّ النظر طلبٌ للعِلم وابتغاءُ تَوَصُّلٍ إليه، وذلك يُناقض تحقّقَه؛ إذ الموجودُ لا يُطلب، والعالِـم بالشىء يستحيل أن يَطلُبَ العِلمَ بما هو عالِـمٌ به.
فإنْ قيل: أليس الناظرُ في حَدَثِ العالَـم إذا استدلّ على حَدثِه، وحصل له العِلمُ بحدوثِه، فلا يمتنعُ والحالة هذه أن يسلكَ مسلكًا آخر مِن النظر،ِ لا طالبًا للعِلم بما هو عالِـمٌ به مِن حدوثه بزيادة اليقين.
الجواب عن هذا مِن وجوه:
أحدها: أنّ مِن أصحابنا مَن قال: لا يَصحّ النظرُ في الدليل الثاني إلّا بعد الذهولِ عن الدليل الأول وعن وجهِه. وهذا على قول مَن يمنعُ اجتماعَ نظريْن مختلفيْن، وأمّا مَن جوّز مِن المحقّقين اجتماعَ فِكريْن مختلفيْن وهو الأصحّ فلا يبعد ثبوتُ العلم الأول ثم الشروع في النظر الثاني.
ثم وجه الانفصال على هذه الطريقة عن السؤال مِن وجهين:
أحدهما: أنّ النظرَ الثاني ليس نظرًا في حدوث العالَـم طلبًا للعِلم بحدوثه، ولكنه نظرٌ في الدليل؛ ليمتحنه فيعلمَ أنّه هل يُوصِلُه إلى العِلم بحدَثِ العالَـم؟ وهل هذا الدليل عليه بمثابة الأول أمْ لا؟ فمطلوبه في هذه الصورة معرفةُ كونِه دليلًا، وهو غيرُ عالِـمٍ به.
والوجه الآخر: أنّ الأدلّة مختلفةُ الوجوه، وإنْ كانت بأجمعها تؤدّي إلى العِلم، فغرض الناظرِ بنظرِهِ الثاني أنّه يُدرِك وجهًا آخر مِن الدليل لم يُدركْه أولًا، فعلى هذا المنظور فيه في نظره الثاني هو العِلْم بحدَثِ العالَـم، والشىء الواحد قد يُتَعرّف بالدليل، ثم تُطلبُ معرفتُه أيضًا بطريق الرؤية لمن يعتبرها مِن الإدراكات(110).
ووجه مضادّة النظر الجهل: أنّ الجهل اعتقادُ المعتقِدِ الشىء على خلاف ما هو به مع التصميم، والجاهل مُصِرّ على اعتقاده، والناظر طالبٌ، والطلب ينافي الإصرار على الاعتقاد. ثم الجاهل يعتقد أنّه عالِـمٌ، فلا يُتصوّر منه طلبُ العِلم، وكذلك حال المقلِّد إنْ كان اعتقادُه شديدًا فهو مُصَمِّمٌ على اعتقاده(111)، فاعتقادُه يُضادّ النظرَ أيضًا. وإن قلنا: إنّه ليس بعِلمٍ؛ لأنّه يعتقد أنّه عالِـمٌ.
ووجه مضادّة النظرِ الشكَّ: أنّ الشكَّ تردّدٌ، والناظر مُصمِّمٌ على منهاج الطلب، والتصميمُ على الطلب يناقض التشكّك والتحيّر.
وقال أبو هاشم وغيرُه مِن المعتزلة: "الشكُ يقارنُ النظر"(112)، والناظر إنما ينظر لـما يُخامرُ قلبَه مِن الشكّ فيجتهدُ في إزالته بالعِلم بالمنظور فيه.
وقال أصحابنا: الشاكّ بمثابة الواقف، وإذا أقبل على الطلب فكأنّه كَرِه وقفتَه وحَيْرتَه، فيصْرِفُ عنه ويُقْبِلُ على الطلب، فهما حالتان متباينتان(113).
قال الإمام: "وهذه المسألة عندي مِن المظنونات".
وقال القاضي في "الهداية": "لا يمتنع اجتماع النظر مع الشكّ".
وأمّا الأستاذ أبو إسحاق(114) فإنّه لم يُجَوّز انطواءَ القلب على عقديْن في حالة واحدة، لا نظريْن ولا نظر وشكّ.
وقال القاضي في "الهداية" (ق5ب): "كلُّ نظريْن في أمريْن مختلفيْن مختلفان ومُتضادّان؛ لأنّ نظرَه في حَدَث الجسم مخالِفٌ لنظره في إثبات مُحدِثه".
ثم (إنّما يُعلم)(115) تضادُّ الـمِثليْن مِن النظريْن والخِلافين باستحالة اجتماعهما، ويستحيلُ أن ننظر في أمريْن مختلفيْن أو (متغايريْن)(116) في حالة واحدة، ولعلنا نعودُ إلى هذا الفصل. وكلّ ما ذكرناه في الشكّ فهو مُطّرد في الظنّ فإنّه شكٌ مع ترجيح.
قال القاضي: "ليس للنظر ضِدٌ يخصّه مِن غير جنسِ جميعه، وإن كان بعضه يُضادّ البعض".
قال: "ولا يمتنع ثبوتُ عرضٍ لا ضِدَّ له".
ثم قال: "ولو قيل إنّ السهو عن الشىء ضِدٌ للنظر جاز؛ إذ ليس له ضِدٌّ خاص".
قال: "ولا يمتنع أن يقال: الإضرابُ عن النظر في الشىء مع ذكره له والعِلم مضادّة له". ه.
فصل
قال الإمام: "النظر الصحيح إذا تمّ على سداده...."(117) الفصل إلى آخره.
وقال بعض متقدّمي أصحابنا: "النظرُ يتضمّن العِلمَ اعتيادًا"(118).
وهذا غير مَرضيّ؛ فإنّه يُبطل الارتباط بين النظر والمنظور فيه، وقد ذكرنا أنّ الأقسامَ إذا كانت محصورةً ففي بطلان آحادها تعين ما بقي، وما ذكرَهُ هذا القائلُ يُوجب عليه التباسُ النظر الصحيحِ بالفاسد على ما سنذكره.
وقال بعض أصحابنا: "النظر يُوجب العلم".
فإن أراد هذا القائلُ بالإيجاب التضمّن والاستعقاب فهو(119)صحيح(120). وإنْ أراد به إيجابَ العِلّةِ(121) المعلول(122) فذلك لا يصحّ؛ لوجوب تلازم العِلّة والمعلول، ووجوبِ تقدّم النظر على العِلم.
وقالت المعتزلة: "النظر يولّد(123) العِلمَ بالمنظور فيه"(124) ثم ناقضوا فقالوا: "تَذَكّر النظر لا يُولّده"(125)، وإنما حملهم على ذلك أصلان:
أحدهما: أنّ المعارفَ عندهم لا تقع ضروريّةً(126)؛ إذ لو وقعت ضروريّة لانقطع التكليف فيها.
قالوا: وذِكْرُ النظر قد يطرأُ على الإنسان ضرورةً مِن غير اكتسابِه، وكلّ وصفٍ طرأ على المرءِ اضطرارًا فهو مِن فِعل الله تعالى، فلو كان ذِكْرُ النظر مولِّدًا للعِلم لكان العِلمُ من فِعل مَن الذِّكرُ مِن فِعْله، إذ المتولِّد فِعلٌ لفاعل السبب.
وأَبَوْا ذلك لأصلٍ آخر: وهو منعهم أن تقعَ أفعالُ الله تعالى متولِّدةً(127)، على ما سيأتي تفصيلُ مذهبهم فيه في موضعِه إن شاء الله.
فيقال لهم: إذا لم تحكموا بأنّ العِلمَ الحاصلَ عَقِيب ذكرِ النظر يقعُ مُتولِّدًا، ولا ضروريًّا، إنّما يقع مُباشرًا بالقدرة فهلّا جوّزتم وقوعَ العِلم مِن غير تذكّر النظر؟ فإنّ تذكّرَ النظر غيرُ موجبٍ للعِلم ولا مولّدٍ له، فشرِّعوا(128) وقوعَه مع الذهول عن النظر.
فإنْ عارضونا وقالوا: هذا كما أنّكم حكمتم بأنّ العِلمَ الحاصلَ عَقِيب النظر يقع مقدورًا للعبد إلّا أنّه مشروطٌ بتقدّم النظر، كذلك قولنا في تذكّر النظر.
قُلنا: فقولوا كذلك في ابتداء النظر. على أنّا قد لا نقول: إنّ العِلمَ عقيب النظر(129) مقدورٌ للعبد، وإنْ قُلنا بذلك، فلسنا نقول: إنّه واقعٌ بقدرة الناظر.
ثم نقول: إذا تذكّر النظرَ حصل له العِلمُ قطعًا، مِن غير أنْ يتوقّف حصولُه على خِيرةِ القادر؛ فذلك يهدم أصلَكم، فإنّ مِن حُكم القادِر على الشىء أنْ يكون مُخيّرًا بين الفعل والترك، وأنتم تستبعدون منّا مقارنةَ القدرةِ المقدورَ بذلك.
فإن قالوا: إذا لم يكن النظرُ على أصلكم مُوَلِّدًا للعِلم، ولا مُوجِبًا له إيجابَ العِلّة معلولها، ولا مُوجدًا له، فما الـمَعْنِيُّ بتضمّنه إيّاه؟
قلنا: أردنا بذلك استعقابَ النظر العِلمَ ووقوعه عند تصرّم النظر إذا كان ذاكرًا له، ثم وقوعُه كذلك حتمٌ مِن غير أنْ يُولِّد أحدُهما الآخر ويُوجِدَه، ولا نُنكرُ تضمّن الشىء الشىءَ، كتضمّن الإرادة العِلم، وتضمّن الإدراك العِلم، والألـم العِلم، وتضمّن الجوهر العرضَ، فهذه المعاني متضمّنةٌ للعِلم مِن غير توليدٍ ولا إيجاد.
فإن قيل: ما الفرق بين مذهب القائلين بالتولّد وبين مذهبكم؟
قلنا: مَنْ قال بالتولّد فيعتقد أنّ المتولّد فِعلٌ لفاعل السبب كالعِلم المتولّد (ق6أ) عنده يقع فِعلًا للناظر خَلْقًا له، وعندنا إنما يقع العِلمُ خَلْقًا لله تعالى لكنه كسْبٌ(130) للعبد.
ولأصحابنا في ذلك اختلاف قولٍ، والمشهور مِن المذهب: أنّه مقدورٌ للعبد ومكتسبٌ له بقدرةٍ يخلقها الله تعالى عند تصرّم النظر(131).
وقال بعضهم: إنّه يقع ضروريًّا كما تقع العلومُ عَقِيبَ الإدراكات ضروريّةً(132). ه.
فصل
فإن قيل: متى يحصل العلمُ بالمنظور فيه؟
قلنا: قد بيّنّا أنّ العِلم بالمنظور فيه لا يقارن النظرَ، ولكن إذا عثر الناظرُ على وجهِ الدليل فقد اختلف فيه:
فقال بعضهم: "العلمُ بالمدلول يحصل عقيبَ العلم بوجه الدليل من غيرِ استئخار"(133)؛ لأنّ النظرَ هو البحث عن وجه الدليل، فإذا صادفَ النظرُ وجهَ الدليل فقد انقضى البحثُ، وخرج العلمُ بوجه الدليل عن أنْ يكونَ مِن أركان النظر.
والذي ارتضاه القاضي: "أنّ العلم بالمدلول يحصل مع العلم بوجه الدليل، واستبان أنّ العلمَ بالدليل والمدلول واقعان بعد انقضاء النظر"(134).
وعلى قول القاضي: لا يمتنعُ اجتماعُ العِلْميْن المختلفيْن في حالةٍ واحدةٍ، عِلمٌ بوجهِ الدليل، والثاني عِلمٌ بالمدلول.
وقد يقول أيضًا: "العِلم بوجهِ الدليل هو العلم بالمدلول، إذ لا يمتنعُ تعلّقُ العِلم الواحد بمعلوميْن في مواضع منها ما نحن فيه؛ لارتباط أحد المعلوميْن بالثاني".
وقال بعض الأصحاب: "العِلم يحصل مع آخر جزءٍ مِن أجزاء النظر"(135)،كأنّه عدّ العِلمَ بوجه الدليل مِن أجزاء النظر.
والذي عليه الأكثرون: أنّ العِلمَ يحصل بعد تصرّم النظر.
وقال الإمام: "النظرُ ليس يشتملُ على أجزاءٍ، وإنما هو تقسيمٌ وبحثٌ، وكلّ بابٍ من ذلك يُفيد عِلمًا"(136).
ففي إطلاق القول بأنّ العِلم يحصل مع آخرِ جزءٍ مِن أجزائه توسّعٌ.
فصل
قال الإمام: "النظر الفاسد لا يتضمّنُ عِلْمًا ولا جهلًا"(137).
ولذلك لا يقتضي شيئًا مِن الاعتقادات، ولا يمتنع لمن فسُد نظرُه بمصادفة الشُبهة أنْ يتحصّل على اعتقادٍ ما، على مجرى العادة، ولكن لم يكن ذلك مِن مقتضيات الشُبهة ولا مِن متضمّنات النظر.
وقد صار بعضُ الفقهاء إلى أنّ النظرَ الفاسدَ يتضمّن جهلًا(138).
وهذا ليس بشىءٍ، فإنّ الشبهة ليس لها وجهٌ يتعلّق باعتقادٍ على الاختصاص، بخلاف الدليل فإنّ له وجهًا يتعلّق باعتقادٍ على الاختصاص.
ولو كانت الشبهةُ مشاركةً للدليل في اقتضاءِ بعض الاعتقادات؛ لارتبطت به حتى لا يتُصوّر ثبوتُ الشبهة دون ذلك الاعتقاد وليس كذلك. فإنّ الناظر في الشبهة قد يتحصّل على اعتقاد الجهل، وتارة يصير شاكًّا ظانًّا.
وأيضًا فلو كان للشبهة وَجْهٌ يتعلّق باعتقاد الجهل لقاد العالِـمُ بحقيقة الشبهة إلى الجهل أبدًا، فيلزم أنْ يصيرَ العلماء المطهّرون جُهالًا إذا عثروا على ذلك الوجه، كما قلنا في العثور على وجه الدليل.
وأيضًا فإنّ هذا يؤدّي إلى انقلاب الشُبهة دليلًا لمشاركتها له في ثبوت الوجه المقتضي للاعتقاد، وإلى انقلاب الجهل عِلمًا وانقلاب الفاسد صحيحًا.
نعم الناظر إذا فسد نظرُه قد يظنّ أنّ نظرَه أفضى إلى اعتقادٍ وهو غالطٌ فيه، فيرجع الأمرُ إلى ظنّه دون الشبهة نفسِها.
إذا ثبت هذا: فاعلم أنّ ما يتضمّن وجوبَ [العمل](139) فلا يقتضي العِلمَ كأخبار الآحاد، والأقْيسة الشرعيّة في منازل الاجتهاد، لكن قد تتعقّبُها غلبات ظنون، وهل هي مقتضية لها؟
الأكثرون على أنّها غير مقتضية.
وصار كثيرٌ مِن الفقهاء إلى أنّها تقتضي الظنون، كما تقتضي الأدلّة عِلمًا.
وهذا موافقٌ لما ذكرناه مِنْ أنّ النظرَ طِلْبةُ عِلمٍ أو غلبةُ ظنّ، ولكن غلبات الظنون مِن مقتضيات هذا النظر وجوبًا، كما أنّ العِلمَ مقتضى الدليل العقليّ.
فيه كلام، والأولى أنْ يُقالَ: غَلَبات الظنون تحصل على مجاري العادات، وهذا ينبني على تصويب المجتهد(140).
وذكر القاضي في كتاب "التقريب": "أنّ النظر ليس يقتضي غلبة الظنّ، غير أنّ غلبة الظنّ تقع عنده عادة"(141).
(1) لقاء الله يُعبر به عن الموت وعن الوقوف بين يدي الله للحساب في الآخرة؛ لأنّ العبدَ إذا مات صار مُهيئًّا لأن يَلْقى جزاءه. انظر الخطابي، أعلام الحديث، (3/2262-2263). والعيني، شرح سنن أبي داود، (3/381).
(2) ذكر عبد الهادي الأبياريُّ لطيفة جليلة لها مناسبة جميلة فقال: "في جملة الحمدلة هدمٌ لأصولِ المعتزلة في وجوبِ الصلاحِ والأصلح؛ لأنّ قولك: "الحمدُ لله" يدل على أنّه تعالى محمودٌ، فنقول: استحقاقُه تعالى الحمدَ إمّا أنْ يكونَ أمرًا ثابتًا لذاته أو ليس ثابتًا له لذاته، فإنْ كان الثاني: لَزِمَ أنْ يكون ناقصًا لذاته مستكمَلًا بغيره، وإن كان الأول: امتنع أن يكونَ شىءٌ من الأفعالِ موجبًا له استحقاقَ المدح؛ لأنّ ما ثبتَ لذاته امتنعَ ثبوتُه لغيره، وإذا كان كذلك لم يتقرر في حقه تعالى وجوبُ شىءٍ عليه؛ فوجب أنْ لا يجب للعباد عليه شىءٌ"اهـ. الأبياريّ، تقرير الفوائد في شرح تقريب العقائد، (ص/63).
(3) النظر ضربان: ضرب هو النظر بالعين فهذا حَدُّه: الإدراك بالبصر، والثاني: النظرُ بالقلب وهذا حَدُّه: الفكرُ في حال المنظور فيه. الخطيب البغداديّ، الفقيه والمتفقه، (1/551). الجوينيّ، الورقات، (ص/5). قال ابن التلمسانيّ في "شرح معالم أصول الدين": "إنّما قدّمَ هذا الباب لأنَّ وجودَ الله تعالى وصفاتِه ليس معلومًا بالحس، ولا بالوجدان، ولا بضرورة العقل، ولا يمكن التوصل إلى معرفتِه بالخبر؛ فإنّه إنّما يفيد إذا ثبتَ كونُ المخبِر صادقًا في إنبائه عن الله، ولا يثبت ذلك بالخبر؛ لـما فيه من إثبات الشىء بنفسه، فيتعين أنّه لا طريق= =إلى معرفةِ الله تعالى وصفاته التي يتوقف خَلْقُ المعجزة عليها، وصدق الرسول في مجرى العادة إلا بالنظر والاستدلال. ثم قدّم العلماءُ في أوائل كتب هذا العلم البحثَ في النظر وأقسامه، وشرائط الصحيح منه، وبيان أحكامه، وفي موضوع النظر، وعن ثمرته وهو العلم أو الظن، وتمييزهما عن أضدادهما. ولما كان التكليفُ بالمعرفة مشروطًا بالعقل، بحثوا عن ما هية العقل المشروط في التكليف؛ فقدّموا البحثَ في هذه الخمسة لأنها مبادئ النظر. ثم منهم من قَدّم البحثَ في النظر لأنه الآلة كالإمام، ومنهم من قدّم البحثَ في العلم لأنه المقصود، وهو اختيارُ القاضي في كتبه، وتبعه الفخرُ على ذلك، والأمر في ذلك قريب". انظر ابن التلمساني، شرح معالم أصول الدين، (ص/49).
(4) ( (الجويني، الإرشاد، (ص/57).
(5) مراد المصنف بأصحابنا الأشاعرة الشافعيّة؛ فإنه شافعيٌّ أشعريٌّ كما بينتُه في ترجمته في قسم الدراسة.
(6) التكليف لغة: من الكُلْفة وهي المشقة، يقال: "كلّفه تكليفًا أي أمره بما يشق عليه". انظر الجوهري، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، مادة (ك ل ف) (4/1424). وابن منظور، لسان العرب، مادة (ك ل ف) (9/307). وأُطْلِق التكليفُ في الشرع على الأَمْر والنهْي؛ لأنّ الـمأمور بالفِعل يفعل ما أُمِرَ به على كُلْفةٍ مِن غير أنْ يدعوه إليه طَبْعُه. البغدادي، أصول الدين، (ص/566). وقال الإمام الجويني: "إلزام الله عزّ وجل العبدَ ما على العبد فيه كُلْفة". الجويني، التلخيص في أصول الفقه، (1/134).
(7) روى الترمذيّ في سننه حديث (1423): كتاب الحدود: باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحدّ: مِن حديث عليّ رضي الله عنه، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «رُفِعَ القلمُ عن ثَلاثةٍ: عن النائمِ حتى يَستيقظَ، وعن الصبيِّ حتى يَشِبَ، وعن المعتوهِ حتى يَعْقلَ». قال الحافظ الترمذيّ: "حديث حسنٌ غريبٌ مِن هذا الوجه". الترمذي، الجامع الكبير=سنن الترمذي، (3/84). وروى الحاكمُ في مُستدركه عن عائشة رضي الله عنها، عن النبيّ ﷺ قال: «رُفِعَ القلمُ عن ثَلاثةٍ: الصبيِّ حتى يَحتلِمَ، وعن المعتوهِ حتى يَفيقَ، وعن النائمِ حتى يَستيقظَ». قال الحافظ الحاكمُ: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلم ولم يُخرجاه". الحاكم، الـمستدرك على الصحيحين، (2/67).
(8) الاستدلال: هو طلبُ الدليل، ويُطلق في العُرف على إقامة الدليل مُطلقًا من نصٍّ أو إجماع أو غيرهما، وعلى نوعٍ خاصٍ من الدليل. انظر الشيرازيّ، اللمع، (ص/11). والكفويّ، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، (ص/114).
(9) ما ذكره المصنّفُ هو حصول البلوغ في الغلمان، ولم يذكر أمرًا ثالثًا يحصل به البلوغ عند الإناث وهو رؤية دم الحيض. قال الإمام الشافعي: "فمن احتلم أو حاض أو استكمل خمس عشرة سنة لَزِمَهُ الفرض". المزني، مختصر المزني، (8/115). الـماورديّ، الحاوي الكبير في فقه الإمام الشافعيّ، (2/314).
(10) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/57).
(11) وحجتهم في هذا قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [سورة الإسراء: ١٥]. قال الزجاج في تفسير الآية: "أي حتى نُبَيّن ما به نُعذب، ومَا مِن أجلهِ نُدخِل الجنة". الزجاج، معاني القرءان وإعرابه، (2/293، 3/231). وقال الإمام الرازي في تفسير الآية: "وهذه الآية تدلّ على أنّ الواجبَ لا يتحقق إلا بعدَ مجيء الشرع". الرازيّ، التفسير الكبير، (27/75).
(12) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعريّ، (ص/285). والبغداديّ، أصول الدين، (ص/150-151).
(13) الحَسَنُ: ما للمكلف فعله. الباقلاني، التقريب والإرشاد، (ص/147). وعُرِّف الحُسن: بكلّ فعلٍ لنا الثَّنَاءُ شرعًا على فَاعلِه به. الجوينيّ، التلخيص في أصول الفقه، (1/154).
(14) القبيح: كلّ فعلٍ لنا الذَّمُ شرعًا لفَاعِله بِهِ. الجوينيّ، التلخيص، (1/154). وعُرّف القبيح بما نهى عنه الشرع. الغزاليّ، المستصفى، (ص/214).
(15) الوجوب: ما تعلّق العقابُ بتركه، كالصلوات الخمس وردّ الودائع وغير ذلك. انظر الباقلانيّ، التقريب والإرشاد، (ص/157). والشيرازيّ، اللُّمع، (ص/11).
(16) الندب: ما يتعلق الثوابُ بفعلِه ولا يتعلّق العقابُ بتركه، كصلوات النفل وصدقات التطوع وغير ذلك من القُرَب المستحبة. الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، (1/191). الشيرازيّ، اللُّمع، (ص/11).
(17) الإباحة: ما لا ثوابَ بفعله ولا عقاب في تركِه كأكل الطيب ولبس الناعم. ويقال: هو الحلال المطلق، وهو الجائز فعله وتركه من غير ثواب في أحدهما. انظر الباقلاني، التقريب والإرشاد، (ص/153-154). والباجي، الحدود في الأصول، (ص/113).
(18) الحظر: هو ما زجر الشارع عنه ولام على الإقدام عليه، وهو ما يعاقب على فعله. الجوينيّ، البرهان، (1/313). السمعانيّ، قواطع الأدلة، (1/24).
(19) الكراهية: ما كان ترْكُه أفضل من فِعله كالصلاة مع مدافعة الأخبثين. الخطيب البغداديّ، الفقيه والمتفقه، (ص/54). الشيرازيّ، اللمع، (ص/12).
(20) الصحة: ما تعلّق به النفوذ وحصل به المقصود كالصلوات الجائزة والبيوع الماضية. الشيرازيّ، اللمع، (ص/12). السمعانيّ، قواطع الأدلة، (1/24).
(21) الفساد (الباطل): ما لا يتعلق به النفوذ ولا يحصل به المقصود كالصلاة بغير طهارة وبيع ما لا يملك وغير ذلك مما لا يُعتدُّ به من الأمور الفاسدة. الخطيب البغداديّ، الفقيه والمتفقه، (ص/54). انظر الجوينيّ، الورقات، (ص/4).
(22) الآية الدالة على صدق الرسول هي المعجزة، فإنّ المعجزة نازِلٌة مَنزِلَة قول الله: صدقَ عبدي في كُلّ ما يُبلّغ عنّي، أي لولا أنَّه صادِقٌ في دعواهُ لما أظهرَ الله لَهُ هذه المعجِزةَ، ولا بُدّ لكلّ مَن ادّعى النبوة أن يظهر على يده معجزة. انظر البغداديّ، أصول الدين، (ص/485). والجويني، العقيدة النِّظاميّة في الأركان الإسلامية، (ص/52).
(23) في (ب): "لصدق".
(24) في (ب): "لصدق".
(25) وهذا القول عزاه الأستاذ أبو بكر بن فورك للإمام أبي الحسن الأشعريّ. انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعريّ، (ص/32).
(26) وهو اختيار أكثر أهل الحديث والفقهاء. انظر السمعاني، قواطع الأدلة، (2/68). والإيجي، المواقف، (1/165).
(27) هو العلّامة الـمتكلـم الأصوليّ القاضي أبو بكر، محمد بن الطيب بن محمد الـمعروف بابن الباقلانيّ.كان يُلقب بشيخ السُّنّة ولسان الأمّة الـمتكلّـم على مذهب الأشعريّ، وكان مالكيّ المذهب. سَمِعَ الحديث من أبي بكر القطيعي وأبي محمد بن ماسي وغيرهما، حدّث عنه محمد بن أحمد السّمناني، وكان ثقة. خرّج العديد من الأئمة منهم محمد بن عبد الوهاب بن نصر الـمالكيّ وعلي بن محمد الحربيّ وغيرهما. له التصانيف الكثيرة الـمنتشرة في الرد على الـمخالفين منها كتاب "تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل" و"إعجاز القرءان الكريم" وغيرهما. توفيّ في بغداد سنة (403ه=1012ر) ودفن بقرب قبر الإمام أحمد بن حنبل، وقبره يُزار ويستسقى ويُتبرك به. انظر الخطيب البغداديّ، تاريخ بغداد، (2/455-458). والقاضي عياض، ترتيب الـمدارك وتقريب المسالك، (7/44-70).
(28) قال القاضي الباقلاني في "الإنصاف": "وأن يعلم أنّ أول ما فرض الله عز وجل على جميع العباد النظر في آياته، والاعتبار بمقدوراته، والاستدلال عليه بآثار قدرته، وشواهد ربوبيته؛ لأنه سبحانه غير معلوم باضطرار، ولا مشاهد بالحواس، وإنما يُعلم وجودُه وكونه على ما تقتضيه أفعاله بالأدلة القاهرة، والبراهين الباهرة". الباقلاني، الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، (ص/129). ونقل الإمام الجويني عن الأستاذ أبي بكر بن فورك أنه قال: "أول واجب على المكلف إرادة النظر إذ الإرادة تتقدم على المراد". الجويني، الشامل في أصول الدين، (ص/121).
(29) أراد المصنّفُ متكلمي المعتزلة؛ فإنّه عزاه للمعتزلي أبي هاشم، ولم يُرِدْ متكلمي أهل السنّة؛ وبين هذا بقوله: "وهذا غير مرضي عند المحققين".
(30) الشكُ: هو تجويز أمرين لا مَزيّة لأحدهما على الآخر. الجويني، الورقات، (ص/6). السمعاني، قواطع الأدلة، (1/23).
(31) هو المعتزلي أبو هاشم، عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجُبَّائيّ، وُلِد سنة (247ه=861ر). أحدُ رؤساء الـمعتزلة وإليه تُنسب الطائفة البَهْشَميّة، مِن معتزلة البصرة. أخذ عن أبيه وخالفَهُ في عِدّة مسائل. كان أبو هاشم مع إفراطِه في الوعيدِ أفسقَ أهل زمانِه وكان مُصِرًّا على شُرب الخمر وقيل إنّه مات في سُكْره، مات سنة (321ه=933ر). انظر الخطيب البغداديّ، تاريخ بغداد، (11/56). وابن المرتضى المعتزلي، طبقات المعتزلة، (ص/94-96).
(32) انظر عبد الجبار المعتزلي، المغني، (12/34).
(33) في (ب): "مضمر".
(34) في (ب): "الأمر".
(35) انظر عبد الجبار المعتزلي، المغني، (12/352).
(36) هو الأستاذ الإمام حجة الدين أبو منصور، محمد بن الحسن بن أبي أيوب النيسابوريّ. يُعدُّ في الطبقة الثالثة من طبقات الأشعرية. صاحب البيان والبرهان واللسان الفصيح والنظر الصحيح والورع. أنظرَ مَن كان في عصره ومَن تقدمه ومَن بعده على مذهب الأشعريّ. تتلمذ على الأستاذ أبي بكر بن فورك في صِباه وتخرّج به ولزم طريقته وجَدّ واجتهد. صنّف أعدادًا من التصانيف المشهورة المقبولة عند أئمة الأصول مثل "تلخيص الدلائل". توفي في ذي الحجة سنة (421ه=1030ر)، ودفن بمقبرة شاهنتر. انظر ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، (ص/249). وابن السبكيّ، طبقات الشافعيّة الكبرى، (3/370).
(37) في (ب): "يجوز".
(38) نقل الأستاذ أبو بكر بن فورك في "المجرد" أنّ الإمامَ الأشعريّ كان لا يقول بمهلة النظر. انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/33).
(39) المعتزلة: هم فرقة من فرق أهل الأهواء، سموا بذلك لاعتزالهم الحق ومجالس المسلمين بعد طرد الحسن البصري لواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد لقولهما بالمنزلة بين المنزلتين، فحكموا على الفاسق الملي بأنّه لا مؤمن ولا كافر. وتُعرف هذه الفرقة أيضًا باسم القدرية لادعائهم أنّ العبادَ يُقدِّرون أفعالهم ويدبرونها بقدرتهم من دون الله، ولا يرون الكفر والمعاصي بتقدير الله، فخاضوا في القدر والاستطاعة. وقد ظهر خلافُهم في أواخر أيام الصحابة، وكان يُنكر عليهم من بقي من الصحابة كعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وأبي هريرة رضوان الله عليهم. وقد بلغ عددُهم عشرين فرقة، اتفقوا في أصولٍ واختلفوا في بعض المسائل، وكلُّ فريق منهم يُكَفِّرُ سائرهم. وقد سبّبت هذه الفرقةُ لأهل السُنّة والجماعة مِن الأذى والضرر ما أدّى إلى سجن بعض العلماء وتعذيبهم بل وإلى قتل بعضهم، عصمنا الله من البِدع والأهواء. انظر الإسفرايينيّ، التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، (ص/63-67). والشهرستاني، الـمِلَل والنِّحَل، (1/43-44).
(40) انظر النيسابوري المعتزلي، المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين، (ص/347).
(41) في (ب): "فتبعه".
(42) ويؤيد هذين الجوابين ما نقله الأستاذ أبو بكر بن فورك عن الإمام الأشعري في "المجرد": "وكان يقول إنّ أول الواجبات على البالغ العاقل النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الله تعالى. وربما قال: إنّ أول الواجبات المعرفة بالله تعالى على شرط تقدم النظر والاستدلال؛ لأنّه لا يصح وقوع تلك المعرفة إلا عن النظر والاستدلاٰل". ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/250).
(43) الخلاصة من هذه المسألة: اقتصر الإمام أبو القاسم الأنصاري على ذِكْر بعض الأقوال في الواجب الأول، وذكر غيرُه من شُرّاح الإرشاد أقوالًا أخرى، وقد جمع الزركشي بضعة عشر قولًا للواجب الأول وقال بعد ذِكرِها: "وهذه الأقوال ربما تتداخل وتختلف في العبارة". ثم نقل عن الإمام الرازي بأنّ هذا الخلاف لفظيٌّ، واختار الزركشي كونَه معنويًّا، فمن أراد مزيد إطلاع فليراجع المسألة ثَمَّ، والله أعلم بالصواب. انظر ابن ميمون، شرح الإرشاد، (ص/15-16). والمقترح، شرح الإرشاد في أصول الاعتقاد، (ص/102-105). وابن بزيزة، الإسعاد في شرح الإرشاد، (ص/61-64). والزركشي، البحر المحيط، (1/70-72).
(44) الفرض العيني: هو كلُّ مهمٍ مُتَحَتّم مقصودٌ حصولُه منظورٌ بالذات إلى فاعلِه، كالصلاة والصيام والزكاة وغيرها من فروض العين. انظر القرافيّ، الفروق، (1/127). والسبكي وابن السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، (1/100).
(45) الفرض الكفائي: هو كلُّ مهمٍ دينيّ يقصد الشرع حصوله مِن غير نظرٍ إلى فاعله، ومعناه أنّ فروضَ الكفايات أمور كليّة تتعلقُ بها مصالح دينية ودنيوية لا ينتظم الأمرُ إلا بحصولها، يقصد الشارع تحصيلها ولا يقصد تكليف الواحد وامتحانه بها فإذا قام به البعض سقط عن الآخرين. انظر السبكي وابن السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، (1/100). والزركشيّ، تشنيف المسامع شرح جمع الجوامع، (1/210-211).
(46) انظر السمعاني، قواطع الأدلة، (2/68).
(47) قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [سورة آل عمران: ١٩٠].
(48) روى ابن حبان في صحيحه (620) من حديث عائشة رضي الله عنها وفيه: "فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله لم تبكِ وقد غفر اللهُ لك ما تقدّم وما تأخر؟ قال: «أفلا أكونُ عبدًا شكورًا، لقد نزلت عليّ الليلة آيةٌ: ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة آل عمران: 190] الآية كلها». ابن حبان، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، (2/387).
(49) لم أقف عليه في الجامع الصحيح. والذي في صحيح البخاري حديث (4569): كتاب تفسير القرءان: باب قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [سورة آل عمران: 190]: من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «بِتُّ عند خالتي ميمونة، فتحدث رسولُ الله ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر، قعد فنظر إلى السماء، فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [سورة آل عمران: 190] ثم قام فتوضأ واستن فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم أَذّن بلال، فصلى ركعتين ثم خرج فصلى الصبح».
(50) [سورة آل عمران: ١٩١].
(51) انظر الزجاج، معاني القرءان، (1/498-499). والقشيريّ، لطائف الإشارات، (1/304).
(52) [سورة آل عمران: ١٩١].
(53) [سورة آل عمران: ١٩١].
(54) انظر الماتريديّ، تأويلات أهل السنة، (2/561). والقرطبيّ، الجامع لأحكام القرءان، (4/315).
(55) [سورة الجاثية: ٢٢].
(56) يعنى المصنّف بالموحدين أهلَ التوحيد؛ لأن المقام هو بيان ما اصطلح عليه متكلمو أهل السنة في استعمالهم لكلمة النظر. واستعمل إمام الحرمين التعبير بالموحدين في بعض كتبه. انظر الجويني، لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة، (ص/86).
(57) الجويني، الإرشاد، (ص/57).
(58) انظر الأزهريّ، تهذيب اللغة، (مادة ن ظ ر) (14/265). والجوهريّ، تاج اللغة، (مادة ن ظ ر) (2/830).
(59) [سورة يس: ٤٩].
(60) انظر ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، (4/456). والقرطبي، الجامع لأحكام القرءان، (15/38).
(61) انظر الجوهري، تاج اللغة، (مادة ن ظ ر) (2/830). وابن منظور، لسان العرب، (مادة ن ظ ر) (5/217). واستدل أهل السنة والجماعة على رؤية الإله عزّ وجلّ في الآخرة بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [سورة القيامة: ٢٢-٢٣] .
(62) نظر لهم: أي رثى لهم وأعانهم، نقله الصاغاني، وهو مجاز. انظر الفيروزآبادي، القاموس المحيط، مادة (ن ظ ر) (ص/484). والزبيدي، تاج العروس، (مادة ن ظ ر) (14/245).
(63) انظر الأزهري، تهذيب اللغة، (مادة ج ن) (11/88). وابن منظور، لسان العرب، (مادة ن ج م) (12/571).
(64) [سورة الصافات: ٨٨].
(65) انظر ابن أبي حاتم، تفسير القرآن العظيم، (10/3219). والماورديّ، النكت والعيون، (5/55).
(66) والقائل بهذا من المعتزلة الجبائيُّ. انظر القاضي عبد الجبار المعتزلي، المغني، (12/30).
(67) في (ب): "الظن". الظن: هو الطرف الراجح من التردد بين أمرين. الأنصاري، الحدود الأنيقة، (ص/9). انظر الحطاب الرعيني، قرة العين بشرح ورقات إمام الحرمين، (ص/30).
(68) انظر الباقلاني، التقريب والإرشاد، (ص/110-111).
(69) العِلـم الضروريّ: هو كلُّ عِلْـم لَزِمَ الـمخلوقَ على وَجْه لا يُمكِنُه دفْعُهُ عن نفسِه بِشَكٍّ ولا شُبْهَةٍ، كالعِلـم الحاصِل عن الحواسّ الخمس. انظر الخطيب البغداديّ، الفقيه والـمُتَفقّه، (2/37). والشيرازيّ، اللُّمَع، (ص/9).
(70) في هامش (أ) في نسخة: "على هذا الأصل".
(71) انظر الجويني، البرهان، (1/ 138).
(72) الجويني، الإرشاد، (ص/57).
(73) في (ب): "اهـ".
(74) الفلسفة: كلمة يونانيّة مركبة مشتقة من فيلاسوفا، ومعنى فيلا: المحب، وسوفا: الحكمة، فلما أُعربت قيل: فيلسوف ثم اشتقت الفلسفة منه. انظر الخوارزمي، مفاتيح العلوم، (ص/153). والشهرستاني، الملل والنحل، (2/116).
(75) الهندسة: الـمُهَنْدِسُ: الذي يُقدِّر مجاري القُنِيِّ حيث تُحْفَرُ، وهو مشتق من الهنداز وهي فارسية، فصُيّرت الزاي سينًا، لأنّه ليس في شىء من كلام العرب زاي بعد الدال، والاسم الهندسة. الجوهري، تاج اللغة، مادة (ه ن د س) (3/992). الرازي، مختار الصحاح، مادة (ه ن د س) (ص/329).
(76) أصحاب النجوم: هم المشتغلون بعلم النجوم، وهو علم يُسمى بالعربية التنجيم، وباليونانية: إصطرنوميا. واصطر هو النجم، ونوميا هو العلم. انظر الخوارزمي، مفاتيح العلوم، (ص/235).
(77) (ٰ) في (ب) :" الهيئة". أصحاب الهيئات: هم المشتغلون بعلم الهيئة، وهو معرفةُ تركيب الأفلاك وهيئتها وهيئة الأرض. انظر الخوارزمي، مفاتيح العلوم، (ص/240). والسيوطي، معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، (ص/139).
(78) العناصر الأربعة: وهي النار والهواء والماء والأرض. انظر الخوارزمي، مفاتيح العلوم، (ص/159). والجرجاني، التعريفات، (ص/24).
(79) السُّمَنيّة: نسبَةٌ إلى سُومْنات بلدةٌ مِن الهند، وهي نسبةٌ على غير قياس. هم فرقة كانوا قبل دولة الإسلام، تَعبُد الأصنام وتقول بالتناسخ وقِدَم العالَـم. ومِن أعجب الأشياء دعواهم بالتناسُخ الذي لا يُعلـم بالحواس مع قولـهم إنَّه لا معلومَ إلّا مِن جهة الحواسّ. انظر الخوارزميّ، مفاتيح العلوم، (ص/55). والبغداديّ، الفَرْق بين الفِرَق، (ص/300-386). والفيوميّ، الـمصباح الـمنير، مادة (س م ن) (ص/110).
(80) تكافؤ الأدلّة: أي تساويها وعدم ترجّح دليلٍ على دليل آخر، وهو قول فاسد ومذهب باطل؛ ولو كانت الأدِلّة متكافئةً لكانت المذاهب كلّها حقًّا. انظر الشيرزايّ، شرح اللُّمع، (2/1071). والزركشيّ، البحر المحيط، (7/179).
(81) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/17-19). والباقلاني، الإنصاف، (ص/121-122).
(82) الدليل: هو المرشد إلى المطلوب والموصل إلى المقصود، ويُستعمل ذلك في ما يوجب العلم والظن. انظر الجويني، الورقات، (ص/5). والشيرازي، شرح اللمع، (1/155).
(83) انظر الجويني، البرهان، (1/136، 138).
(84) انظر البغدادي، عيار النظر، (ص/159-160). الشيرازي، شرح اللمع، (1/135).
(85) في هامش (أ): "تسلك" نسخة.
(86) في (ب): "ولم يفضه نظر".
(87) سقطت من (ب).
(88) انظر الجويني، الشامل، (ص/8)، طبعة إيران.
(89) لعلها على تقدير "أجزاء" هكذا في المطبوع تحتاج إلى تعليق
(90) لأنّ مصحح الرؤية الوجود، وهي موجودة فصح رؤيتها. انظر الباقلاني، الإنصاف، (ص/155). والمتولي، الغنية في أصول الدين، (ص/144).
(91) والعَرَضُ في اللغة: اسمٌ لما لا دوام له؛ ولهذا يسمَّى السحاب عارضًا، وتسمى العلة الطارئة على الذوات السريعةُ الزوال عارضة، وعند المتكلمين: اسم للصفات القائمة بالجواهر والأجسام الزائدة على ذواتها كالألوان والأكوان والطعوم والروائح والأصوات والقُدَر والإِرادات وهي قريبة من نيف وثلاثين نوعًا. الكفوي، الكليات، (ص/626). انظر الزبيدي، تاج العروس، (1/346).
(92) الجوهر: ويقال له العين وهو ما يقوم بنفسه أي يستغني عن وجوده عن العرض، ويعنون بما يقوم بنفسه أنّه يصح وجوده لا في محلّ يقوم به سواء كان مركبًا أم غير مركب، ويُعبر عنه بما يقبل التحيز. انظر المناوي، التوقيف، (ص/56). والكفوي، الكليات، (ص/346). والأنصاري، الحدود الأنيقة، (ص/16).
(93) وهو قول بعض أهل الأهواء كضرار والنّظام والنجار. انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/198). وابن متويْه المعتزليّ، التذكرة، (ص/49، 531).
(94) التسْديدُ: التوفيقُ للسداد، وهو الصوابُ والقصدُ من القول والعمل. وقد استد الشىء أي استقام. انظر الجوهري، تاج اللغة، مادة (س د د) (2/885). والرازي، مختار الصحاح، مادة (س د د) (ص/304).
(95) سقطت من (ب).
(96) الجويني، الإرشاد، (ص/57).
(97) في (ب): "اهـ".
(98) في هامش (أ): " دون البعض" في نسخة.
(99) في (ب): "استناده".
(100) الجويني، الشامل، (ص/99).
(101) سبق تخريجه في (ص/18).
(102) سبق تخريجه في (ص/10).
(103) في هامش (أ): "الدليل على وجه" (خ).
(104) انظر الباقلاني، التقريب والإرشاد، (1/113-114). والجويني، التلخيص، (1/128-129).
(105) الجويني، الإرشاد، (ص/60).
(106) الآمدي، أبكار الأفكار، (1/119).
(107) انظر النيسابوري المعتزلي، المسائل في الخلاف، (ص/337-347).
(108) الجهل: تصور المعلوم على خلاف ما هو به. الشيرازي، اللمع، (ص/9). اعتقاد الشىء على خلاف ما هو به. السيوطي، معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، (ص/65).
(109) انظر الجويني، الشامل، (ص/15-16)، طبعة إيران.
(110) الجويني، الشامل، (ص/98-99).
(111) في (ب): "اعتقاد".
(112) سبق تخريجه في (ص/10).
(113) أبو القاسم الأنصاري، الغنية، (1/239).
(114) هو الإمام العلّامة المتكلّم الأصوليّ المجتهد ركن الدين أبو اسحاق، إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم الإسفرايينيّ. كان فقيهًا شافعيًّا أشعريًّا، اشتهر بزهده والمبالغة في الورع، وكان ثقة ثبتًا في الحديث. أقرَّ له أهلُ العلم بالعراق وخُراسان بالتقدُّمِ والفضل. سمع بالعراق أبا بكر الشافعيّ ودَعْلَج بن أحمد وأقرانهما، وخرج إلى نيسابور وبُنيت له فيها مدرسة جلس للتدريس فيها سنين. وسمعَ بها أبا بكر الإسماعيليّ وأقرانه. درس عليه القاضي أبو الطيّب الطبريّ، وعنه أخذ الكلام والأصول عامّة شيوخ نيسابور، ومن أشهر تلامذته الأستاذ أبي منصور البغدادي. وروى عنه البيهقيّ والقشيريّ والحاكم وجماعة. له التصانيف الفائقة منها "الجامع في أصول الدين" و"الردّ على الملحدين". توفي بنيسابور وحُمِل إلى إسفرايين ودفن بها سنة 418ه. انظر ابن الصلاح، طبقات الفقهاء الشافعيّة، (1/312–314). وابن السبكيّ، طبقات الشافعيّة، (4/256-262).
(115) في (ب): "إنّا نعلم".
(116) في (ب): "مغايرين".
(117) الجويني، الإرشاد، (ص/61).
(118) وهو المنقول عن الإمام أبي الحسن الأشعري. انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/33).
(119) في هامش (أ) زيادة: " كما قال".
(120) وهذا الذي صرح به القاضي الباقلاني. الباقلاني، التقريب الإرشاد، (ص/111).
(121) العلة في الشرع: هي المعنى الذي يقتضي الحكم، فيوجد الحكم بوجوده ويزول بزواله. انظر الشيرازي، اللمع، (ص/110). الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، (1/512).
(122) المعلول: هو المحكوم فيه، وبعبارة أخرى: هو الشىء الذى وقعت فيه العلة بمنزلة المضروب الذى وقع فيه الضرب. انظر البغدادي، عيار النظر، (ص/334). السمعاني، قواطع الأدلة، (2/274).
(123) التولد عند المعتزلة: هو حصول الفعل عن فاعله بتوسطِ فِعْلٍ آخر كحركة المفتاح بحركة اليد، فادعوا أنّ الإنسان قد يفعل في نفسه شيئًا يتولد منه فعلٌ في غيره. انظر عبد الجبار المعتزلي، المغني، (9/143).
(124) انظر عبد الجبار، المغني، (12/90).
(125) انظر عبد الجبار، المغني، (12/94-95).
(126) اختلفت المعتزلة في المعارف فمنهم من قال: تقع ضرورية، ومنهم من قال: لا تقع ضرورية. انظر عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، (ص/24-26).
(127) اختلفت أيضًا أقوال المعتزلة في هذه المسألة. انظر عبد الجبار المعتزلي، المغني، (9/104-106).
(128) في هامش (أ): "فمنعوا" (خ).
(129) سقطت من (ب).
(130) كتبت في المخطوط: "كسبًا". تعليق
(131) ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/19).
(132) انظر الجويني، البرهان، (1/156). الجويني، الشامل، (ص/111).
(133)
(134) انظر الآمدي، أبكار الأفكار، (1/148). تعليق لما حصل في المخطوط
(135) انظر البغدادي، عيار النظر، (ص/188).
(136) انظر الجويني، البرهان، (1/138-140).
(137) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/62).
(138) انظر الباقلاني، التقريب والإرشاد، (ص/109-110). والجويني، الشامل، (ص/99-100).
(139) في (أ) و(ب): "العلم"، وما أثبتّه هو الموافق للسياق وهو هكذا في عبارة الإمام الجويني في "الشامل": "فاعلم أنّ ما يتضمن وجوب العمل ولا يقتضي العلم كأخبار الآحاد والمقاييس ...إلخ". الجويني، الشامل، (ص/100).
(140) الجويني، الشامل، (ص/100).
(141) لم أجد نصَ هذه العبارة في التقريب ولكن وجدت معناها. انظر الباقلاني، التقريب والإرشاد، (ص/115).