فإن قالوا: لـم يكن القديم سبحانه رائيًا للـمحدثات والكائنات قبلَ حدوثِها ثم صار مُدْرِكًا ورائيًا وجودها؛ فاقتضى ذلك حدوث تَبَصُّراتٍ وتَسَمّعاتٍ له.

قلنا: هذا أولًا غير مستقيم على أصلكم؛ إذ قلتم: (ق64ب) لا يتجدّد لله تعالى وصفٌ ولا اسم. وكذلك لا يستقيم على أصولنا؛ فإنّ هذه الصفات أزليّة عندنا فلا يسوغ الإخبار عنها بصيغة النفي، لا يقال: "لـم يكن عالِـمًا بوجود الشىء قبل وجوده ولا مُدْرِكًا"، بل الأولى أن يقال: "لـم تكن الـمُحدثاتُ مُدْرَكةً ومرئيّةً له، ولـم يكن وجودها معلومًا له قبل وقوعه". فقولكم: "لـم يكن مُبصرًا ولا سامِعًا فصار سامِعًا مُبصرًا" غيرُ صحيح على الـمذهبين.

ثم نعارضكم بالعِلـم بحدوث الكائنات بتفاصيلها؛ فإنّه لـم يكن موصوفًا بالعِلـم بذلك، ثم يجب وصفه به بعد حدوثها ووقوعها، ثم لـم يَقْتَض ذلك تجدّد علوم كذلك الإدراك، على أنّا نقول: إنما الـممتنع ثبوتُ إدراكٍ لا مُدرَك له، فأمّا تعيين الـمُدْرَك فإنه إضافة، والإضافات لا تُعَلّل.

فإن قالوا: العِلـمُ بأن سيكون الشىء عِلـمٌ بكونه في وقتٍ، وليس كذلك الإدراك؛ فإنّه غير متعلّقٍ بالعدم تحقيقًا ولا تقديرًا.

قلنا: قد(553) علـمنا أنّ العِلـم بأن سيكون الشىء لا يكون عِلـمًا بالكوْن، والعِلـمُ بعدم الشىء وانتفائه لا يقوم مقام العِلـم بوجوده.

فلئن ساغ أن يقال: إنما الـمعلوم يتجدّد دون العِلـم، والعِلـم لا يكتسبُ صفةً من(554) الـمعلوم، والذي يقتضيه العِلـم هو كونه معلومًا، وذلك لا يختلف بالوجود والعدم ساغ مثله في الإدراك، فإنّه إذا وُجِدَ الشىءُ وتحقّق ثبوته صار مُدْركًا، وصار الإدراك إدراكًا له من غير أن ينقلب الإدراكُ عن حقيقته أو يوجب تجدّد صفةٍ وحال للقديم.

ومن الكرّاميّة من يُفسّر التسمّع والتبصّر بإضافة الـمبصَر والـمسموع إلى سمعه وبصره.

ثم نقول لهم: قد قلتم إنّه سبحانه لـم يكن قبل خلق العرش مستويًا عليه، ولا مُقابلًا له، ولا مُباينًا عنه، ولا فوقًا، ثم يوصف بهذه الأوصاف في لا يزال(555) من غير أن تتجدّد له صفة أو كوْن، بل معنى كونِه مُقابلًا للعالَـم أو فوقًا له أنّ العالَـم حصل في مقابلته ووقع في جهة تحت، وقد كان ساكنًا بسكون قديمٍ، كذلك لـم تكن الكائنات مُدركةً له قبل وجودها، ثم صارت مُدرَكة له من غير تجدّد إدراكٍ ولا صفةٍ.

فإن قالوا: من حكم الـمقدور أن يكون في محلّ القدرة فيجب من مقتضى ذلك قيام الأفعال بذات الإله سبحانه إذ هي مقدورة له.

قلنا: لـم قلتم إنّ من حكم الـمقدور أن يكون في محلّ القدرة وما دليلكم عليه؟ قالوا: وجدناه كذلك شاهدًا، فبحثنا عمّا لأجله وجب أن يكون لأجله في محلّ القدرة؛ فلـم نجد معنًى غيرَ كونه مقدورًا؛ فقضينا بأن حقّ الـمقدور وحكمه أن يكون في محلّ القدرة.

قلنا: بم تنكرون على من سلك مسلك الـمعتزلة وقال: "الـمقدور بالقدرة الحادثة ينقسم إلى ما يتعدّى محلّ القدرة بوسائط الأسباب وإلى ما لا يتعدّى محلَّه"، فإن التزمْنا ذلك لـم يبق لكم معتصم.

ثم نقول: إذا لـم تعثروا على العلّة التي لأجلها يجب أن لا يتعدّى محلَّها فيجب أن تتوقّفوا ولـم تستفيدوا من عدم العِلـم عِلـمًا.

ثم نقول: إنّما العلّة في ذلك أن القدرة الحادثة ناقصة في نفسها؛ لأنها لا تؤثّر على الاستقلال، ولا تصلح لاختراع الأجسام ومعظم الأعراض عند عامّة الناس، ولا يتعلّق عندكم بالـمخلوق بواسطة الخلق كالقدرة القديمة، وإن أفعالنا لا مفعول لها ولا تتقدّم على الـمقدور على أصلنا، فإذا كانت هذه حالها فلا يبعد أن يكون لهذه الـمعاني لا تتعلّق إلّا بقائمٍ بمحلّها، ولا يتعدّى مقدورُها محلّها، ولو تعلّقت بما باين محلَّها لتعلّقت بالجواهر وسائر الأعراض ولَـمَا اقتصرت على مقدور دون مقدور.

فثبت بهذه الجملة: أنّ دعواهم أنّ من حكم الـمقدور أن يكون في محلّ القدرة دعوى باطلة وتحكّم محضٌ عند ذوي التحصيل، بل إن قام على الـمطلوب دليلٌ في الغائب حكمنا به، وذِكْرُ الشاهد والجامع فيه لغو.

ولقد علـمنا أنّ قدرة الخلق معنى لا تثبت إلّا في بُنية وأعصاب في حكم العادة عندنا وفي التحقيق عند الأكثرين، وقدرة القديم سبحانه مقدّسة (ق65أ) عن ذلك.

وعلـمنا أنّ الذي يتأتّى منه الفِعل ولا يتعذّر عليه يجب أن يكون موصوفًا بصفة لأجلها يصحّ الفعل، هذا ما علـِمناه عقلًا(556)، وقد ثبت أن الربّ تعالى خالق الأشياء فيجب وَصْفُهُ بهذه الصفة(557)، وقد ورد الشرع بتسمية تلك الصفة قدرةً(558)، فقضينا بذلك مع مخالفتها للقدرة الحادثة بوجوه كثيرة.

ثم نعارضهم بأمورٍ لا جوابَ لهم عنها، فنقول: أفعال الـمحدَثات ليس لها مفعولات، ولا أثر للقول والإرادة شاهدًا، ولا تتضمّن مفعولًا، ولا تؤثّر في الغير لعدم الارتباط بينهما؛ فحكمنا بأنّ القولَ لا أثرَ له في الغير، ولا يكون له مفعولٌ شاهدًا وغائبًا، والجامع بينهما استواءُ الأحوالِ في حقيقتها، وعدم اختلافها في الشاهد والغائب.

وكذلك الإرادة فلو كان لقوله للشىء: "كن" مفعول، وقولنا مماثل لقوله؛ لوجب أنْ يكونَ لقولنا مفعول، فلـما لـم يكن لقولنا مفعول؛ حكمنا بمثله في كلّ قولٍ وإرادةٍ وأبطلنا عذرَ الخصم حيث قال: "إنما يوثّر قولُه في الـمفعول؛ لأنّه خلقٌ له وقائم به"، فإنّه قد يخلق قولًا في غيره ثم لا يكون له مفعول ولا أثر لـمحلّ القول، فإنّه لا ينقلب عن حقيقتِه بقِدَمِ الـمحلّ أو بحدوثه فإنّه صوتٌ مثلُ أصواتنا، وهو كافٌ ونونٌ لا سيّما والـمحلّ غيرُ موصوفٍ به ولا هو صفة له.

ثم نقول: إضافة التأثير في الإيجاد والإبداع إلى القدرة التي ينفرد القديمُ بها أولى مِن إضافته إلى الصوت، فإنّ الصوت لا أثرَ له في تصيير العدم وجودًا، وإنما القدرةُ مقتضى الفعل ومدلول(559) الأفعال دون القول والصوت الذي هو الكاف والنون.

ثم نقول: لو وَجب اختصاصُ الـمقدورِ بمحلّ القدرة، وجب اختصاص الـمُحْدَثِ بمحلّ الإحداث، ووجبَ وجودُ الـمرادِ بمحلّ الإرادة ولا فصل بينهما، وسنقيم الدليلُ على أنّ الخلق والـمخلوق واحدٌ؛ فلئن وجبَ قيامُ الخلقِ واختصاصه بمحلّ القدرة، وجب اختصاصُ الـمخلوق أيضًا بمحلّ الخلق ومحلّ القدرة.

ومما نعارضهم به أن نقول: مِن حكم الإرادة أن تكونَ صفةً لـمحلّها، ويكون محلُّها موصوفًا بها، وكذلك القول في التسمّع والتبصّر، والدليل عليه العِلـمُ والقدرةُ والحياةُ، والشاهد والغائب لا يختلف في ذلك. ه.

مسألة

ل/11 (ج)

مذهب أهل الحقّ أنّ الخلقَ والـمخلوقَ بمثابة الحدَث والـمُحْدَث والوجود والـموجود في أنّه لا فرق بينهما، وإضافةُ الخلقِ إلى الشىء الـمخلوق لا يُشعر بمغايرةٍ بينهما، وهو بمثابة إضافة الوجودِ إلى الجوهرِ وإضافةِ الحدوث إلى العرض(560).

فيُقال: ذاتُ الجوهر ونفسُه ووجودُه، ووجودُ العَرضِ وذاتُهُ وحقيقتُه، ووجودُ السواد ونحو ذلك؛ كذلك خلق الشىء هو نفسُه مخلوقًا.

وصارت الكرّاميّة وبعض الـمعتزلة إلى أنّ الخلقَ غيرُ الـمخلوق.

وقال أبو الهذيل: "خَلقُ الشىء قولُ الله تعالى للشىء: "كن"، وهو قولٌ يخلقه لا في محلّ"(561).

وقال أبو هاشم: "الخلقُ إرادةُ الـمُقدِّرِ أن يكون مقدَّرُهُ(562) على مقدارٍ دون مقدار"(563).

وقالت الكرّاميّة: "الخلقُ ما يحدث في ذات الإلـٰه سبحانه بالقدرةِ وهو الإيجادُ والإعدامُ، والـمخلوق ما باين ذاته سبحانه بواسطة الخلق، قالوا: وكذلك الإعدام غير الـمعدوم"(564).

وعندنا: الخلق هو الـمخلوق، والإعدام هو(565) الـمعدوم، وإذا قلنا: إنّ البقاءَ معنًى يزيد على وجود الباقي فإبقاء الشىء عبارة عن خلق البقاء له(566)، وبقاؤه إبقاءٌ له مِن مُبْقِيه، والإيجاد هو الـموجَد وليس الإبقاء هو الـمُبْقَى، فإنّ عينَ الـمُبْقَى قد يكون غيرَ مُبقى، وهو حالة الحدوث.

وقالت الكرّاميّة: الخلقُ والـمخلوقُ [بمثابة](567) الضربِ والـمضروبِ، والقتل والـمقتول، فيقال: ضَرَبهُ وقَتَلهُ وحَرَّكهُ، وكذلك خَلقَهُ وأوجدَهُ.

وهذا الذي قالوه تحكّم محض؛ فإنّ هذه أفعالٌ تتضمَّنُ تغييرَ أشياءَ عن أوصافها، وليس خَلْقُ الشىء تغييرَهُ عن صفته، وإنما هو تَصْييرُهُ شيئًا بعد أن لـم يكن شيئًا، وذلك إثباته وإيجاده. فإذا قيل: خَلَقَ اللهُ الجوهرَ، فمعناه: أثبتَهُ وأوجدَهُ، لا أنّه فَعلَ في ذاتِه فِعلًا فغيّره عن حقيقته وصفته.

وقولهم: "قتلَهُ وضربه"(568) فإنّه يُشعر بإثبات فِعلٍ فيه، إمّا بالتولّد على مذهب القائلين به(569)، وإمّا على مجرى العادة بترتيب فِعل من الله تعالى على فِعلٍ يكتسبه العبدُ في نفسه(570).

ووجه التحقيق فيه: أنّ نفس الـمضروب والـمقتول لـم يكن نفسًا بالضرب والقتل، فقد يجوز أن يُوجَد نفسُه غيرَ مضروبٍ ولا مقتولٍ، ونفس الـمخلوق لا يُوجَدُ غيرَ مخلوقٍ.

فإن قالوا: يقال: "خلقَ اللهُ الشىءَ يخلقُه فهو مخلوق"، كما يقال: "ضَربَهُ يضربُهُ فهو مضروب". قلنا: وقد يقال على أصلكم: "خلقَ اللهُ الخلقَ في ذاته فهو خالق" فيلزمُ أن يكون ما خلقه مخلوقًا؛ لأنه يخلقه وهو خالقُه؛ لأن الخلقَ كما يقتضي مخلوقًا يقتضي خالقًا.

فإن قالوا: قد عرفتم مِن أصلنا أنّا لا نُسمّيه من أجل الخلق خالقًا. قلنا: ليس كلامنا في التسميات، وإنما نتكلّـم على الـمعاني والحقائق، وقد خَلقَ في ذاتِه الحوادث(571)؛ فصارت لا محالة مخلوقة له في ذاته.

ثم نقول: إنّ نفسَ الـمضروب والـمقتول كان نفسًا فأُدْخلَ عليه الضربُ والقتلُ، وليس نفس الـمخلوق شيئًا وذاتًا قبل الخلق؛ فثبت أنّ قول القائل: "خلقَ اللهُ الشىءَ فهو مخلوق" فيه ضربٌ من التوسّعِ، فهو كقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا﴾ (572)، فأوقع عليه اسمَ الشىء قبل فِعلِه توسّعًا على حسب إطلاق العرب(573)، وحقيقتُه: أثبتَ اللهُ الشىءَ(574) فهو مُثبَتٌ، وإثباتُه إيّاه نفسُه مثبتًا لا غير.

ومن الدليل على ما قلناه: ما ذكره شيخنا أبو الحسن رحمه الله فقال: "لو كان خلق الشىء غيره لكانت القدرة على خلق الجسم قدرةً على غيره، ولو كان كذلك لـم يكن الجسم مقدورًا لخالقه؛ فلـم يجز أن يكون مخلوقًا له، ولـم يكن إذ ذاك خالقًا له، كما لـم يكن قادرًا عليه؛ لأنّ ما يستحيل أن يقدر عليه القادرُ يستحيل كونُه خالقًا له".

ومما ذكره أيضًا أن قال: "الخلق والـمخلوق عند من يقول بتغايرهما حادثان، وإذا اشتركا في الحدوث وفارقا القديم سبحانه بحدوثهما، فلو ساغ بعد ذلك أن يقال: أحدُ الحادثين لـم يحدث عن العدم إلّا بحادث قبله، وليس أحدُهما بهذا الحكم أولى من الآخر فيجب أحدُ الأمرين، إمّا أن يتسلسل إلى ما لا نهاية له، وإمّا أن يستغني في(575) حدوثه عن حادث قبله".

وعبّر الأستاذ عن هذه الطريقة بأن قال: "إذا افتقر الـمخلوق وهو موجود عن عدم إلى الخلق؛ افتقر الخلقُ أيضًا إلى خلق آخر فيتسلسل".

قالت الكرّاميّة: هما وإن اشتركا في الحدوث فأحدُهما حادثٌ والآخر مُحدَثٌ، والـمُحدَثُ مُحدثٌ بالإحداث، والإحداث حادث بالقدرة.

قلنا: هذا تحكّمٌ مَحْضٌ؛ إذ لا ينفصل قائلُه ممن يقلب عليه فيقول: بل الحادثُ ما حدث مُباينًا بعد وجود الـمُحدَث، والـمُحدَث ما أحدثَه في ذاته.

وقال الأستاذ أيضًا: "ما استحال أن يقع تحت قدرةٍ، استحالَ أن يقعَ تحت خلقٍ كالقديم".

ومن مذهب الكرّاميّة أنّ الجواهرَ والأجسامَ والأعراضَ ليست مقدورةً لله تعالى ولا حادثة بقدرته(576).

ولئن استغنى حادثٌ عن القدرة استغنى كلُّ حادث عن القدرة لأن الوجه الذي يفتقر الحادث لأجله إلى القدرة حدوثه.

ومِنْ أصلِهم: أنّ لأحدنا فعلًا وليس له(577) مفعول، وأن فِعلَهُ مفعولٌ لله تعالى. فنقول: لئن صحّ أن يكون لأحدنا فِعلٌ صحّ أن يكون له مفعول كالقديم، ولئن استحال أن يكون له مفعول استحال أن يكون للقديم مفعول، لأنّ الوجهَ الذي يقتضي (ق66أ) الفِعل مفعولًا لا اختلاف فيه كما قدّمناه، لأنّ القولَ كالقولِ، والإرادةَ كالإرادةِ والإضافة لا أثر لها عندهم، فإنّه سبحانه لا يتّصف بقوله ولا بإرادته، ولا يَصحّ على أصلهم فِعلٌ هو مفعول.

ويُقال لهم أيضًا: عِلـمُ الإنسان عِلـم ومعلوم له أيضًا، وكذلك عِلـم الله تعالى معلوم. وفيهم من يثبت لله تعالى عِلـمين، أحدُهما معلوم للثاني؛ حتى(578) لا(579) يلزمهم عِلـم هو معلوم.

فإن قالوا: لو كان لأحدنا مفعولٌ، لـما امتنع منه تركُه ودفعُه بعد فِعل السّبب، ولَـمَّا استحال مِن أحدنا ذلك، بل إذا فعلَ السببَ وقع الـمُسبَّبُ، لا محالة علِـمنا أنه لا مفعول له.

قلنا: هذا ينعكس عليكم في الخلق والـمخلوق، فإنّه إذا وقعَ الخلقُ لا يُوصف الخالقُ بالقدرة على دفع الـمخلوق، فقولوا: إنّ العبدَ له فِعلٌ ومفعولٌ كالقديم، فإنّ ذهابَ السهم مفعولٌ للرّامي، واندفاعَ الحجرِ مفعولٌ للدّافع على أصول الـمعتزلة.

ومن أصول الكرّاميّة أنّ الحوادث القائمة بذات الإله سبحانه يستحيل عدمُها كالقديم.

ومن أصول العقلاء: أنّ القديمَ واجبُ الوجود، والـمُحدَثَ جائزُ الوجود والعدم، وكيف تسمحُ نفسُ العاقل بأن تَحْكُمَ ببقاءِ الأصوات مع أنّها غيرُ مسموعة.

واستدلّ أصحابنا بقوله سبحانه: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ (580)، فأشار إلى جملة الـمخلوقات وقال: ﴿هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(581)، وقوله سبحانه: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ﴾ (582) والآيات في الـمخلوقات لا في خلقها.

وقال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ (583).

وفي الحديث: «لا تشوّه خلقي بالنار(584)»(585). ويقول القائل: "رأيت اليوم خلقًا كثيرًا".

وأجمع الـمسلـمون على إطلاق القول بأن الربَّ تعالى خالقُ الخلقِ، حَسَب إطلاقِهم القول بأنّه خالقُ الـمخلوق.

والكرّاميّة وإنْ منعوا بأنّه خالقُ ما في ذاته مِن الحوادث، فلا يمكنهم الامتناع عن إطلاقِ القولِ بأنّه خلقَ ما في ذاته؛ فليكن الذي خلقَهُ مخلوقًا له؛ إذ يستحيلُ أنْ يخلُقَ ما لا يصير مخلوقًا له، كما يستحيل أنْ يعلـم ما لا يصيرُ معلومًا له.

فإن استدلوا بقوله تعالى: ﴿مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾(586). قالوا: وقد علِـمنا أنّه أشهدهم أعيان(587) السمـٰوات والأرض.

قلنا: هذا قولُ مَنْ لا يفهم معاني الكلام، فإنّ الخلقَ الذي يُشيرون إليه من الإرادة والقول القائميْن بذات الربّ سبحانه مما لا يُشاهَدُ، فلَمْ يَلحقْهم بعدم(588) مشاهدة ذلك ذمٌّ ولا نقصٌ. وإنّما معنى الكلام ما أحضرتُهم إذ خلقْتُ السمـٰواتِ والأرضَ، وما شاورتهم في خلقِها، وما استعنْتُ(589) بهم في ذلك(590). والكنايةُ(591) راجعةٌ إلى إبليس وذريّته وإلى من عُبِدَ من دون الله تعالى؛ فإنّه سبحانه قال: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ﴾ ثم قال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ﴾ معاشر مشركي قريش: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ أي آلهةً تتولّونهم ويتولّونكم، ﴿مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (592)، وهم إنما تركوا عبادة الله تعالى وتولّوا الشياطين(593).

والربّ سبحانه تمدّح بخالقيّته وقدرتِه على خلق السمـٰوات والأرض، وعابَ الـمشركين حيث اتخذوا من دونه آلهةً لا يخلقون شيئًا وهم يُخلقون في آي كثيرة من التنزيل، مثل قوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ (594)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ۖ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا﴾ ، أي أنّ لله تعالى شرُكاء في خَلْقِ السمـٰواتِ والأرض ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾(595) أنهم آلهة(596)، ونظائر هذه الآيةِ كثيرة .

كذلك في هذه الآية(597) لـمّا وبـّخهم باتخاذهم إياهم(598) آلهةً(599) أولياءَ من دونه(600) سبحانه عقّب ذلك بقوله: ﴿مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (601).

واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾(602).

قلنا: ليس في الآية أنّ قوله للشىء "كن" خلقٌ لله سبحانه، بل فيه أنّه إذا أراد خلقَ شىءٍ بقدرتِه تعلّق به أمرُ التكوين، كما تعلّق علـمُه وإرادتُه(603).

وقد قال عامّة الـمعتزلة وبعض أصحابنا: إنّما ورد هذا على ضرب الـمثل، والـمرادُ منه الإنباءُ عن نفوذ إرادتِه وقدرتِه في الـمُراد والـمقدور، وأنه لا يعتاص(604) عليه مقدور، ولا يتعذّر عليه مفطور(605)، قالوا: والدليل عليه أنّ الـمعدوم لا يُخاطب ولا يُؤمر بأن يتكوّن.

ومن قال: "الأمرُ يتعلّق بالـمعدوم" فإنّما يعني تعلّقَه (ق66ب) به على تقدير الوجود واستجماعه شرائط التكليف(606).

بل هذا على طريق ضرب الـمثل كقوله تعالى: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ (607)، ﴿قِرَدَةً﴾ (608)، والـمعنى حوّلناهم قِرَدةً(609)، وقال للسماء: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾(610)، والـمعنى كَوّنَاهما وأوجدناهما على الوجه الذي أردْنا(611)؛ كذلك قوله: ﴿أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾(612) معناه نكَوِّنُه فيكون(613).

وقال أبو الحسن: "بالشرع نعلـم أنّه إذا أراد خلق شىء يقول له: "كُن" على معنى أنه يتعلّق به أمرُ التكوين، كما يتعلّق به قدرتُه وعلـمه وإرادتُه غيرَ أنّ تسمية هذا القول خَلْقًا لا يدلّ عليه عقلٌ ولا شرع".

فإن قيل: قوله: ﴿أَن نَّقُولَ﴾ يدلّ على استقبال القول وحدوثِه، وكذلك قوله: ﴿إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ (614) يدلّ على حدوث الإرادة، لأن "إذا" للاستقبال.

قلنا: الاستقبال يرجع إلى حدوث الـمقول له والـمراد، أو إلى حدوث صفةٍ وعبارة لهذا الـمعنى، وهو كالاستئناف في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ﴾(615)، وقوله: ﴿وَلَئِن شِئْنَا﴾ (616)، وقوله: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ (617)، وقوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ (618) مع الاتفاق على قِدَم العِلـم والـمشيئة(619).

ثم نقول للكرّاميّة: يقول الله تعالى للشىء "كن" بقوله أو بقائليّته؟ فإن قالوا: بقوله. قلنا: كيف يقول بما ليس بقائلٍ به. وإن قالوا: بالقائليّة. قلنا: فأيّ حاجةٍ إلى القول؟ وقد أغنت عنه القائليّة.

واعلـم أنّ حقيقة الإيجاد: هو إحداثُ شىء لا عن شىء(620)، وذلك لا يتأتّى مِن الحيّ الـمريد العالِـم إلّا بزيادةِ صفةٍ يتمكّن بها من الفِعل وبها يفارق العاجز، وتلك الصفة التي نشير إليها هي القدرةُ الكاملةُ(621)، ومعنى كمالـها: استقلالُها بالتأثير من غير حاجةٍ إلى أداةٍ وآلةٍ وواسطةٍ، فإنها إذا صلحت لخلق الأداة والآلة والواسطة لا بأداةٍ وآلةٍ صَلَحَت لخلقِ(622) الشىء لا بآلةٍ وسببٍ وأداةٍ.

وليس الـمَعْنِـيُّ بالإيجادِ تركيبَ بسيطٍ وتألُّفَه(623) بعد الانحلال كما صار إليه قوم من الدهريّة. ولا تصوير مادّة وتشكيلها بعد أن كانت هيولى على مذهب قومٍ منهم. ولا أن يكسى له صفة الوجود بعد أن كان شيئًا ثابتًا في العدم كما صار إليه بعض الـمعتزلة، بل الإيجاد إبداع شىء لا عن شىء.

ثم الصفة التي يقع بها الإبداع لا بُدّ أن يكون بينها وبين ما يوجد ارتباط عقليّ يُدرك ذلك مِن خاصيّة تلك الصفة، وذلك معنى قولنا: "كلُّ ممكنٍ مقدورٌ ومتعلَّقٌ للقدرة"، فلولا القدرة الـمصحِّحَةُ للفِعل لـما عُرِفَ الإمكان، ولولا الإمكان لـما عُرِفَ القدرة، بل إنما يتوصّل إلى معرفة القدرة بجواز الجائزات وافتقارها إليها، فهذا معنى الارتباط العقليّ.

ومَن رجعَ إلى نفسه وأنصف عَلِـم أن لا ارتباط(624) بين الكاف والنون وبين الـممكنات في العدم؛ لتصير كائنًا بهما، أعني بالكاف والنون.

هذا جملةُ الكلام في هذه الـمسألة، وهي مُقنعةٌ ولله الفضل والـمِنّة.

فإن قيل: فما معنى قول أبي الحسن: "إنّا بالشرع نعلـم أنّ الربَّ تعالى إذا أراد خلقَ شىءٍ بقدرته يتعلّق به أمرُ التكوين".

قلنا: الأمر صفةٌ قائمةٌ بذات الآمر، ولها تعلّق به كما يتعلّق العِلـمُ والقدرةُ به، والعبارة عن أمرِ التكوين بلغة العرب "كن"، فوردت هذه [اللفظة](625) لإفهام الـمعنى، والله أعلـم.

مسألة

قد ذكرنا من أصول الكرّاميّة أنّه لا يتجدّد لله تعالى اسمٌ ولا وصفٌ من الأفعال؛ فحملَهُم هذا الأصلُ على القولِ بأنّ الله سبحانه خالقٌ في الأزلِ ورازقٌ في الأزل، وهكذا قولهم في الأسماء الـمشتقّة من الأفعال.

قالوا: ثم يخلق الخلقَ فيما لا يزال ولا يصير به خالقًا، كما يحدث في ذاته القولَ والإرادةَ ولا يصير بذلك قائلًا ولا مريدًا، بل قالوا: إنّه في الأزل خالق بالخالقيّة وهي قدرته على الخلق.

وقد صار بعض متقدّمي (ق67أ) أصحاب الحديث إلى قريبٍ مِن هذا الـمذهب(626) فقالوا: إنّه خالقٌ في الأزل ورازق في الأزل على معنى أنّه سيخلق وسيرزق، وعلى معنى أنّه قادرٌ على الخلق وعلى الرَزْق؛ ولقد سمّى اللهُ تعالى نفسَه خالقًا على الإطلاق(627)؛ فيجب تسميتُه بهذا الاسم أزلًا وأبدًا على معنى الاقتدار عليه، وعلى أنّه سيخلق، ولا يقولون إنه خالـقُ العالَـمِ أزلًا. ثم إنّ هؤلاء قضوا بأنّه إذا خلقَ الخلقَ في لا يزال يُسمّى به خالقًا حقيقةً(628).

والكرّاميّة لا تقول: إنّه خالقٌ في وقتٍ أو تقدير وقتٍ يستحيل الخلق فيه، وإذا تحقّق الخلقُ فيستحيلُ وصفُه به لا حقيقة ولا مجازًا.

وأما نحن فنقول: "خالقنا لـم يزل"، ولا نقول: "خالقٌ لـم يزل"، كما لا نقول: "إنّه حكيمٌ لـم يزل".

والدليل عليه: أنّ الخالقَ اسمٌ مشتقّ مِن معنى هو الخَلْق، فما لـم يتحقّق هذا الـمعنى لا يُطلق هذا الاسم، كما قلنا في العالِـم والقادِر، وكما نقول في الـمتحرِّك والساكِن، وإذا استحال تقدير الخَلق والفِعل في الأزل استحال إطلاق الاسم حقيقةً.

وأجمعنا على أنّه لا يُقال: "خَلَق ورَزَق في الأزل أو يخلق"، والخلق جارٍ على الحال والاستقبال فوجبَ الـمنعُ مِن إطلاقه(629).

ومنهم من يُـجيزُ إطلاقَ ذلك على معنى القدرة عليه(630).

ولا شكّ أنّ الخالقَ اسمٌ مشتقٌّ من الخلق ومُعَلّل به؛ كالـمتحرِّك فإنّه مُعلّل بالحركة، وكذلك الساكن والعالِـم والقادر. ثم لا يصحّ أن يُسمّى الحيّ قادِرًا عالِـمًا دون العِلـم والقدرة كذلك الخالق، ولو كان القادِر على الخلق خالقًا لكان القادر على الفسق فاسقًا.

وعند خصومنا مِن الكرّاميّة القدرةُ متقدّمة على الفِعل ومتعلّقة بالضدّين؛ فيلزم على هذا الأصل: أنْ يكون الـمؤمنُ كافرًا بكافريّته، وأنْ يكون الـمؤمن مؤمنًا بمؤمنيّته، وهي القدرة على الإيمان والكفر.

ثم يلزم الكرّاميّةُ إطلاقَ القول بأنّه سبحانه في الأزل خالـقٌ للعالـم على الـتفصيل، وخالقُ الحيوانات ورازقهم، وهم يمنعون ذلك ويأبون هذا الإطلاق.

فإن قالوا: لو لـم يُسمَّ خالقًا ثم سُـمّي به أوجب تغيّرَه.

ونحن قد أجبنا عن هذا، وقسمنا عليهم الكلامَ في الاسم ومعناه، وبيّنّا أنّ التغيّر خروجُ الشيء إلى غير ما كان عليه، وقد كان خاليًا عن الحوادث، ثم حَدثَ بعدد الكائنات ثلاث مرات أو خمس مرات، أعني فيه: الكافَ والنونَ والإرادةَ والتسمّعَ والتبصّرَ،كذلك الأخبارُ والقصصُ والأوامرُ والنواهي، وكلّ ذلك يحدث في ذات الإلـٰه سبحانه، ولـم يوجب تغيّره ولـم يُخرجه عن وصفه الذي كان عليه في الأزل. ثم قالوا: لو تجدّد له اسم أوجب تغيّره مع القول بأنّ الاسم لـم يُوجِب له حالًا. وهذا من عجيب الأمر.

وقد علِـمنا أنّ الرجل لا يُسمّى عمًّا ولا خالًا، ثم إذا وُلِد لأخيه أو لأخته ولدٌ سُمّي بذلك، وكذلك لو وُلِدَ له مولود يسمّى والدًا ولـم يوجب تجدّد هذه الأسماء له تغيّرًا، وكذلك السقفُ يسمّى فوقًا لـمن هو تحته فإذا علاه الشخص سُمّي السقف تحتًا له والسقف لـم يتغيّر.

وقد ذكرنا أنهم لـم يُطلقوا القولَ بأنّه تعالى كان في الأزل مستويًا على العرش أو مُباينًا أو مُحاذيًا، وإنما يُسمّونه بهذه الأسماء في لا يزال، ثم لـم يُوجِبْ على زعمهم تغيّرُه،.

فإنّ [قالوا](631): أهل اللسان يُسمّون الشىءَ باسم ما يتأتّى منه، وإن لـم يكن ذلك الفِعلُ صادرًا منه بعد فيقولون للسيف الـمُرْهَف(632): "قاطع"، ويسمّون القادِرَ على النطق "ناطقًا" والقادرَ على الكتابة "كاتبًا".

وهذا الذي ذكروه تشبّثٌ وتجويزٌ وتوسّع لا يُنكر أصلًا، وإنما كلامنا في الحقائق، والسيفُ الـمُرهفُ يسمّى قاطعًا تجوّزًا، فإذا تحقّق منه القطعُ يُسمّى قاطعًا حقيقة، والعقلاء يفرّقون بين الإطلاقين وبين الإسميْن والحاليْن، وكذلك الكلام في الساكِت والناطِق.

ثم نقول: أهلُ اللسان يسمّون السيف قاطعًا؛ لوجودِ القطع مرّةً أو مِن مِثله في صفاتِه، ولو فرضنا الكلامَ في سيف لـم يُعهد منه ولا مِن مِثلِه القطعُ؛ فلا يطلقون عليه الاسمَ، وهذا مقطوع به. وكلامنا في تسمية الله تعالى خالِقًا في الأزل، وليس ما استشهدوا به وزان مسئلتنا (ق67ب).


(553) ) سقطت في (ج).

(554) ) في (ب): "في".

(555) ) في (ج): "الانزال".

(556) ) سقطت في (ج).

(557) ) وقد ورد وَصْف الله بأنّه الخالق في سبعة مواضع في القرءان الكريم، ﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [سورة الأنعام: ١٠٢]، و ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [سورة الرعد: ١٦]، و ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (٢٨)﴾ [سورة الحجر: ٢٨]، و ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [سورة الزمر: ٦٢]، و ﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (٦٢)﴾ [سورة غافر: ٦٢].

(558) ) ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۚ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾ [سورة الأنعام: ٣٧]. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩)﴾ [سورة الإسراء: 799].

(559) ) في (ب): "مفعول".

(560) ) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/28). والبغدادي، الأسماء والصفات، (2/147).

(561) ) انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/327).

(562) ) شكلت في (أ) و(ب): "مقدّرَه".

(563) ) انظر القاضي عبد الجبار المعتزلي، المغني، (8/154).

(564) ) انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/245). والشهرستاني، الملل والنحل، (1/109-110).

(565) ) سقطت في (ج).

(566) ) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/238). البغدادي، وأصول الدين، (ص/190).

(567) ) سقطت من نسخ المخطوط، وهي هكذا في "الغنية"، وسياق الكلام يقتضي إثباتها. انظر الأنصاري، الغنية، (1/439).

(568) ) في (ب): "بضربه".

(569) ) وهو مذهب المعتزلة. انظر ابن متويه المعتزلي، التذكرة، (ص/564-565).

(570) ) وهو مذهب أهل السنة والجماعة الأشاعرة والماتريديّة. انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/91-92). وأبا حنيفة، الفقه الأكبر، (ص/64).

(571) ) على ما ادّعت الكراميّة.

(572) ) [سورة الكهف: ٢٣].

(573) ) ونظيره قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [سورة الحج: ١]. قال القشيري في تفسيره: "وتسمية المعدوم "شيئًا" توسعٌ بدليل أنّه ليس فى العدم زلزلة بالاتفاق، وإن كان مطلق اللفظ يقتضيه، وكذلك القول فى تسميته "شيئًا" هو توسع". انظر القشيري، لطائف الإشارات، (2/528). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [سورة النحل: ٤٠]، قال السمعاني في تفسير الآية: "إن هذا على طريق المجاز، ومعناه: إنما يكون شيئا إذا أردنا تكوينه". انظر السمعاني، تفسير القرءان، (3/173).

(574) ) في (ج): "الجسم".

(575) ) في (ب): "من".

(576) ) انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/247). والشهرستاني، الملل والنحل، (1/109).

(577) ) سقطت من (ج).

(578) ) في (ج): "حين".

(579) ) سقطت في (ب).

(580) ) ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ ۚ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (١١)﴾ [سورة لقمان:10-١١].

(581) ) ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [سورة البقرة: ١٦٤].

(582) ) ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)﴾ [سورة الجاثية: ٤].

(583) ) ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [سورة غافر: ٥٧]

(584) ) في (ب): "السبات".

(585) ) لم أقف على هذا اللفظ، ووجدتُ نحوَه رواه الحاكمُ بإسنادِه المتصل من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: «أسألُكَ يا الله أنْ لا تَشْوي خَلْقي بالنار» الحديث، قال الحافظ الحاكم: «هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد، فإنّ رواته كلهم مدنيّون ثقات، وقد ذكرتُ فيما تقدمَ الخلافَ بين أئمة الحديث في سماع شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو من جده». انظر الحاكم، المستدرك، (1/729). ورواه أيضًا البيهقي في "الأسماء والصفات" بإسناده المتصل إلى ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «أسألُكَ بك أنْ لا تشوي خلقي بالنار» الحديث، قال الحافظ البيهقي: "وقد رويناه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ، وهو دعاء حسن، وفي صحته عن النبي ﷺ نظر". انظر البيهقي، الأسماء والصفات، (ص/54).

(586) ) [سورة الكهف: ٥١].

(587) ) في (ج): "عيان"

(588) ) في (ج): "بعد من".

(589) ) في (ب): "قال ستعنت"

(590) ) انظر الطبري، جامع البيان، (18/44-45). والماتريدي، تأويلات أهل السنة، (7/183).

(591) ) أراد الضمير في قوله تعالى: ﴿مَّا أَشْهَدتُّهُمْ﴾ [سورة الكهف: 51].

(592) ) ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ [سورة الكهف:50-51].

(593) ) انظر الزجاج، معاني القرءان، (3/393-394). والواحدي، الوسيط في تفسير القرءان، (3/152-153).

(594) ) ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [سورة الرعد: ١٦].

(595) ) ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ۖ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾ [سورة الأحقاف: ٤].

(596) ) انظر الماتريدي، تأويلات أهل السنة، (9/237-238). والسمرقندي، بحر العلوم، (3/284-285).

(597) ) أراد قوله تعالى: [﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ﴾ [سورة الكهف: 50].

(598) ) سقطت من (ج).

(599) ) سقطت من (ب).

(600) ) في (ج) زيادة: "الله".

(601) ) [سورة الكهف: ٥١].

(602) ) [سورة النحل: ٤٠].

(603) ) انظر البيهقي، الاعتقاد والهداية، (ص/109-110). وأبا حيان، البحر المحيط في التفسير، (6/530).

(604) ) عَوِصَ: العوص ضدّ الإمكان واليسر، شىءٌ أعوص وعويص وكلام عويص. وعَوِصَ الكلامُ كفَرِحَ، وعاصَ يَعاصُ عياصًا وعَوَصًا: صَعُبَ. انظر ابن منظور، لسان العرب، مادة (ع و ص) (7/58). والفيروزآبادي، القاموس المحيط، مادة (ع و ص) (ص/624).

(605) ) انظر الطبري، جامع البيان، (17/204-205). والماتريدي، تأويلات أهل السنة، (6/506).

(606) ) توسّع الأصوليّون في كلامهم على خطاب المعدوم، والمشهور من مذهب الإمام الأشعري جوازه. والذي عليه عبد الله بن سعيد الكلابي وأبو العباس القلانسي المنع من خطاب المعدوم. انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/332-333). والجويني، البرهان، (1/270). والزركشي، تشنيف المسامع، (1/117-118).

(607) ) ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠)﴾ [سورة الإسراء:٥0].

(608) ) ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [سورة البقرة: ٦٥].

(609) ) انظر الطبري، جامع البيان، (2/171). والأصفهاني، تفسير الراغب، (1/219).

(610) ) [سورة فصلت: ١١].

(611) ) انظر الماوردي، النكت والعيون، (5/172). والقشيري، لطائف الإشارات، (3/322).

(612) ) [سورة النحل: ٤٠].

(613) ) انظر الزجاج، معاني القرءان، (3/198). والسمعاني، تفسير السمعاني، (3/173).

(614) ) [سورة النحل: ٤٠].

(615) ) ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [سورة الإنسان: ٣٠]. قال الزجاج في تفسيره: "أي لستم تشاءون إلا بمشيئة الله". الزجاج، معاني القرءان، (5/264).

(616) ) ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦)﴾ [سورة الإسراء: ٨٦ ]. قال الإمام الماتريدي في تفسيره: "ثم يحتمل قوله: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أن يكون صلة قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [سورة الإسراء: ٨٥ ] ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ حتى لا يظفر به، وإلا كان رسول الله ﷺ يعلم أنّه لو شاء لذهبَ بالذي أوحى إليه وقادرٌ عليه وله رفعه، وكذلك يعرف هذا كلّ مؤمن. وإن كانت الآية على الابتداء فهو يخرج على ذكر الـمِنّة والرحمة، أي: له أن يرفعَ هذا الذي أوحى إليه؛ ليعلموا أنّ إبقاءَ النبوة والوحي فضلٌ منه ورحمة، وكذلك الوحي إليه في الابتداء، وبعثه رسولًا إليهم فضلًا واختصاصًا لا استحقاقا منه واستيجابا". الماتريدي، تأويلات أهل السنة، (7/107).

(617) ) ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٧٠)﴾ [سورة الأنفال: ٧٠]. قال الرازي في تفسيره: "احتج هشام ابن الحكم على قوله: إنّه تعالى لا يعلم الشىء إلا عند حدوثه بهذه الآية، لأنّ قوله: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ فَعل كذا وكذا شرط وجزاء، والشرطُ هو حصول هذا العلم، والشرط والجزاء لا يصح وجودُهما إلا في المستقبل، وذلك يوجب حدوث علم الله تعالى. والجواب: أنّ ظاهرَ اللفظِ وإن كان يقتضي ما ذكرَهُ هشام، إلا أنّه لـمّا دلَّ الدليلُ على أنّ عِلْمَ الله يمتنع أنْ يكونَ مُحْدَثًا وجب أن يُقال: ذَكَرَ العلمَ وأراد به المعلومَ من حيث إنّه يَدُلّ حصولُ العلم على حصول المعلوم". الرازي، التفسير الكبير، (15/514).

(618) ) ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [سورة العنكبوت: ٣]. قال أبو حيان في تفسيره: "ويستحيل حدوث العلم لله تعالى، فالمعنى: وليَتَعلّقَنَّ علمُه به= =موجودًا كما كان متعلقًا به حين كان معدومًا، والمعنى: وليميزن الصادق منهم من الكاذب". أبو حيان، البحر المحيط، (8/339).

(619) ( انظر البغداديّ، أصول الدين، (ص/336). وأبا المعين النسفيّ، تبصرة الأدلة، (1/382).

(620) ) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/؟؟).

(621) ) انظر الأشعري، اللمع، (ص/23-24، 34). والباقلاني، الإنصاف، (ص/؟؟).

(622) ) في (ج): "بخلق".

(623) ) في (ب): "تأليفه".

(624) ) في (ج): "الارتباط".

(625) ) هكذا في (ب)، ووقع في (أ): "اللفظ".

(626) ) وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ ما صار إليه فريقٌ من أهل السنة من قولهم: "إنّه تعالى خالق في الأزل" ليس هو عين قول الكراميّة؛ فإنهم أجازوا القول بحلول الحوادث بذات الله، وأما فريقا أهل السنة والجماعة من أشاعرة وماتريدية أجمعوا على تنزيه الله عن قيام الحوادث بذاته تعالى. وسأذكر الخلاصة من هذه المسألة لاحقًا.

(627) ) وقد ورد ذلك في سبعة مواضع في القرءان الكريم. ﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [سورة الأنعام: ١٠٢]. ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [سورة الرعد: ١٦]، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (٢٨)﴾ [سورة الحجر: ٢٨]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (٣)﴾ [سورة فاطر: ٣]، ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ (٧١)﴾ [سورة ص: ٧١]. ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [سورة الزمر: ٦٢]. ﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (٦٢)﴾ [سورة غافر: ٦٢]،

(628) ) أراد المصنفُ الإشارة إلى ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة والإمام أبو منصور الماتريدي ومَن تبعهما. انظر أبا حنيفة، الفقه الأكبر، (ص/63). والطحاوي، العقيدة الطحاوية، (ص/20-21). والماتريدي، تأويلات أهل السنة، (1/548). وأبا المعين النسفي، تبصرة الأدلة، (1/308).

(629) ) الخلاصة من هذه المسألة: اختلف المتكلمون في أسماءِ الله تعالى المشتقةِ من أفعاله سبحانه، هل هي ثابتةٌ له سبحانه قبلَ وجود الخلق أم أنّها تثبت له بعد وجودهم. فقال السادة الأشاعرة: الخالقُ حقيقة هو مَن صدر منه الخلقُ، فلو ثبت له هذا الوصف أزلًا لَلَزِمَ قِدَمُ العالـم ووجود المخلوقات في الأزل وهو باطل، فامتنعَ أنْ يكونَ خالقًا في الأزل. وذكروا مثلَ ذلك في الرازق والمصوِّر ونحوهما. قالوا: وإذا سُمّي خالقًا بعد وجود الخلق لم يُوجِب ذلك تغيرًا في ذاته، كما أنّ الرجلَ إذا سُمّي أَبًا بعد أنْ وُلِدَ له ولدٌ لا يوجب ذلك تغيرًا ولا حدوث معنى في ذاته. فلا يلزم مما قلناه قيامُ الحوادث بذاته سبحانه. وأما السادة الماتريدية فقالوا: يُوصف الله تعالى بالأسماء المشتقة من أفعالِه قبلَ خلقِ المخلوقات، فهو خالقٌ رازقٌ مُصوِّرٌ أزلًا. وليس معنى ذلك أنّه خلقَ ورزقَ وصوّرَ في الأزل، فلا يلزم من ذلك قِدَمُ العالَـم؛ لأنّ معنى الخالق عندهم هو المتصفُ بالتخليق، والتخليقُ عندهم صفةٌ أزليةٌ قائمةٌ بذاتِه سبحانه، فلا يمتنعُ وصفُه بأنّه خالقٌ قبلَ أن يخلق. وهذان المذهبان مشهوران عند أهل السنة، ولا يخفى على المتأمِّلِ أنّ الخلافَ الواقعَ بين الأشاعرة والماتريدية في هذه المسألة مبنيٌّ على الخلاف في صفة التكوين، وأنّه هل لله صفةٌ زائدةٌ على القدرةِ يكون التأثيرُ في الإيجاد والإعدام بها، أمْ أنّ ذلك يكون بنفس القدرة. فذهب الأشاعرة المتأخرون إلى أنّ الإيجاد والإعدام والإسعاد والإشقاء ونحوها إنما هي آثار القدرة الأزلية، ولم يثبتوا صفة زائدة على القدرة يكون التأثير بها؛ ولذلك قالوا: صفات الأفعال حادثة لأنها لا تقوم بالذات إنما هي آثار القدرة الأزلية. وذهب الماتريدية إلى أن القدرة متعلقة بصحة وجود المقدور، والتكوين متعلق بوجود المقدور، وبه يؤثر الله تعالى فيه. فجعلوا التأثير بصفةٍ أزليةٍ زائدةٍ على القدرة، سموها التكوين؛ ولهذا منعوا من القول بأنّ التكوين هو المكوَّن والخلق هو المخلوق. ويتضح بما ذُكر أنّ الخلافَ بين الأشاعرة والماتريدية في هذه المسألة ليس خلافًا في أصول العقيدة، وإنما هو خلاف سهلٌ في فروعها. ولذلك لم يقتض تضليل أيّ من الفريقين الآخر، ولا تبديعه ولا تفسيقه ولا تكفيره. وأما خلاف الكرامية المذكور فهو خلافٌ في أصول العقيدة، فإنّهم قالوا: "الله خالق قبل أن يخلق الخلق لقيام الخالقية به"، ثم فسروا الخالقية بقدرته على الخلق، وفسروا الخلق بأنّه عرضٌ حادثٌ يُحدِثُه الله تعالى في ذاتِه بقدرتِه، فجوزوا قيامَ الحوادث بذات الله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وهذا ما يمنعه فريقا أهلِ السنة الأشاعرة والماتريدية قطعًا. فيَظهر مما تقدم الفرقُ بين مذهب الماتريدية والكراميّة، وأنّ أصولَهم في ذلك متباينة، وإن اتفقت عبارتهما على وصف الله بكونه خالقًا في الأزل. انظر الماتريدي، التوحيد، (ص/46-47). والكلاباذي، التعرف، (ص/50-51). والباقلاني، تمهيد الأوائل، (ص/298-299). وابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/28). والبغدادي، أصول الدين، (ص/368). والبيهقي، الاعتقاد، (ص/78-79). والبزدوي، أصول الدين، (ص/113-114)، والصابوني، البداية من الكفاية في الهداية، (ص/261-265)، والغزنوي، شرح عقيدة الإمام الطحاوي، (ص/58-60).

(630) ) قال أبو القاسم الأنصاري في "الغنية": "ومن أجاز إطلاقُه من الأصحاب فيقول: "خالقٌ" بالتنوين، معناه: سيخلق كما قال سبحانه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ﴾ [سورة البقرة: ٣٠]. الأنصاري، الغنية، (1/444).

(631) ) هكذا في الغنية، وسياق الكلام يقتضيها. انظر الأنصاري، الغنية، (1/445).

(632) ) الرهف مصدر الشىء الرهيف، وهو اللطيف الدقيق، وأرهَفْتُ السيفَ: إذا رققتُه. انظر الأزهريّ، تهذيب اللغة، مادة (ر ه ف) (6/149). والجوهريّ، تاج اللغة، مادة (ر ه ف) (4/1367).