قال أصحابنا: لو قدّرنا جوهرًا فردًا ففيه كون يخصّصه بحيّزه وهذا لا شكّ فيه، وإذا خلق الله تعالى جوهرًا منضمًّا إليه فمذهب شيخنا أبي الحسن أنّ مماسّة الجوهر للجوهر عرض زائد على الكون الـمقتضي اختصاصًا بالحيّز، ثم قال على طرد أصله: "لو ماسّ الجوهر ستّة من الجواهر فقد حلّه ستّة من الـمماسّات، ثم الـمماسّات من الجهات الستّ مختلفة عنده غير متضادّة"(458).

قلت: وفي هذا تقوية شبهة من يرى إمكان تجزؤ الجوهر؛ إذ لا تُعْقَل الـمماسّات مِن الجهات الستّة للفرد الذي لا ينقسم، وكيف يُعقل (في الشامل والغنية: يتوقع) تضادّها مع تصوّر اجتماعها؟ وإنما تتضادّ الـمماستان من جهة واحدة؛ إذ لا يتصوّر مماسّة الجوهر جوهرًا من جهة واحدة، ثم الـمماسّتان الـمقدّرتان من جهة واحدة على التعاقب متماثلتان، فيخرج من جملة ذلك: أنّ الـمماسّتين الـمتماثلتين تتضادّان أبدًا، والـمختلفتان لا تتضادّان أبدًا.

وحكى القاضي من مذهب شيخنا أبي الحسن: "أن الـمجاورة تغاير الـمماسّة، وإنما الـمجاورة وقوع جوهريْن في حيّزيْن ليس بينهما حيّز ثالث، ثم إذا تحقّق قام بكلّ واحدٍ مماسّة تغاير مجاورته"، وقال على طرد ذلك: "إذا جاور جوهرٌ ستّةَ جواهر فلا تحلّه إلّا مجاورة واحدة، ويحلّه ستّ مماسّات".

وقال القاضي: إذا أثبتنا الـمماسّة كما صار إليه أبو الحسن فلو قيل: هل للـمماسّات أضداد (ق58أ) تعاقبها أم لا أضداد لها؟

فسبيل الجواب عن ذلك على ثلاثة أوجه:

أحدها: أن الـمماسّات لا أضداد لها، والـمباينة تُضادّ الـمجاورة ولا تُضادّ الـمماسّة. فإذا قيل: فعلى أصلكم كلّ عرض لا ضدّ له لا يخلو الجوهر عنه، فإذا كانت الـمماسّات لا أضداد لها فينبغي أن لا يُجَوّزوا خلوّ الجواهر عنها.

يقال لهذا السائل: لو قلنا: لا يخلو الجوهر الفرد عن ستّ من الـمماسّات، غير أنّ تلك الأعراض لا تسمّى مماسّات إلّا عند تقدير مجاورة ستّة من الجواهر لـم يكن ذلك بعيدًا، فيرجع إطلاق الـمماسّة إلى التسمية، وهذا كما أنّ الجوهر إذا استقرّ في حيّزه فالكون الذي قام به لا يسمّى محاذاة وإن كان لولا الجوهر الثاني لَـمَا سمّى ذلك العرب محاذاة، ولذلك سمّي مثل ذلك الكون قُربًا، إذا قَرُب منه جوهر، ويُسمّى بُعدًا إذا بَعُد منه جوهر. فلا يبعد على قياس هذه الـمسائل أنْ نُقَدّر في الجوهر الفرد ستّة من الأعراض ولا نسمّيها مماسّات إلّا عند انضمام ستّة من الجواهر إليه فهذا وجه من الجواب.

والوجه الثاني أن نقول: الـمماسّات وإن لـم يكن لها أضداد فيجوز أن نشترط في ثبوتها انضمام الجواهر إليها، وتعرّي الجواهر عنها كما تعرّى عن البقاء في حالة الحدوث لـمعنى يحيل(459) ذلك ويختصّ به في الحالة الثانية، فيقال: إذا جاز قبول الجوهر لعرض لا ضدَّ له لـم يعر عنه، وقد ثبتت حالةٌ يستحيل فيها قبول ذلك العَرض كما استشهدنا به في البقاء.

والوجه الثالث: وهو أسدّ الأجوبة أنّ الـمماسّة تنتفي بالـمباينة ثمّ يتّجه في ذلك وجهان:

أحدُهما: أنّ الـمباينةَ تُضادّ الـمجاورة والـمماسّة جميعًا،كما يضادّ الـموت الحياة والعلـم.

والثاني: أنّ الـمباينة لا تضادّ الـمماسّة بل تضادّ شرطها وشرطها الـمجاورة. وقد صار إلى مثل ذلك بعضُ أصحابنا في الـموت والعلـم، فقال: الـموت لا يضادّ العلـم بل يضادّ شرطه وهو الحياة وهذا الوجه الثالث هو التحقيق وما عداه تكلّفٌ.

ثم قال القاضي: لو أثبتنا الـمماسّة معنى زائدًا على الـمجاورة كما قال أبو الحسن ثم قلنا الـمماسّة الواحدة يقع الاكتفاء بها بأن يُقدّر انضمام جوهر واحد إليه كانت مماسّة له، وأن يقدّر انضمامُ ستّة من الجواهر إليه كانت مماسّة لها كما أن الكون الواحد يسمّى مجاورة لجوهر واحد ويسمّى مجاورة لجواهر، والكون متّحدٌ في الحالتين فلا يبعد مثل ذلك في الـمماسّة.

وقال أيضًا على قياس مذهب أبي الحسن لو قال قائل: الجوهر إذا أحاطت به ستّة من الجواهر فقد قامت به سبعة من الأكون، كون يخصّصه بحيّزه وهو الكون الذي يثبت للجوهر في حال انفراده وفي حال انضمام غيره إليه، وستّة من الأعراض وهي الـمماسّات لـم يكن ذلك بعيدًا.

قال: والذي يدلّ عليه كلام شيخنا أبي الحسن الاكتفاء بالـمماسّات الستّ فهذه جملة كلام شيخنا أبي الحسن فيما ذكرَه القاضي نقلًا وتخريجًا.

وأما الأستاذ أبو إسحاق: فإنه سلك مسلكًا آخر فقال: الـمجاورة هي الـمماسّة بعينها، فلـم يثبت الـمماسّةَ عرضًا زائدًا على الـمجاورة. وقال: إذا جاور الجوهرُ ستّة من الجواهر حلّته ستّ من الـمجاورات، وطرد في الـمجاورات ما حكيناه في الـمماسّة، ثم قال على ذلك الـمباينة تضادّ الـمماسّة على التحقيق مضادّة الجهل للعلـم، إذ الـمماسّة عين الـمجاورة على أصله.

ثم قال: لو رُفِعَ الجوهر الفرد نُبْذَة عن الجواهر ففيه ستّ من الـمباينات مضادّة لسِتّ من الـمجاورات، فإذا انضمّ إليه جوهر من جهة زالت مباينة وعاقبتها مجاورة مضادّة للـمباينة، ويتابع على الجواهر خمس من الـمباينات (ق58ب) ثم في قضية أصله أنّ الجوهر مباين لستّ مباينات لستّة جواهر لا بأعيانها ولا يتصوّر ثبوت مماسّات إلّا مع جواهر متعيّنة. ثم اختلف جوابُه في الجوهر الذي ماسّ ستّة من الجواهر ثم ماسّه الجواهر وعاقبت(460) الـمماسّات الستّ الـمباينات، فهل يقال:

إنّ كلَّ مباينة تتعلّق في هذه الصورة بالجوهر الذي كان مماسًّا له حتى تثبت الـمماسّة مع تلك الجواهر الـمعيّنة؟ فقال مرّة: هي مباينات للجواهر التي تعيّنت للـمماسّة، وقال في جواب آخر: هي مباينات لستّةٍ من الجواهر من غير تعيين وهذا هو الأصحّ، فإن الـمباينة بعد سبق الـمماسّة كالـمباينة قبل الـمماسّة.

ومما ذكره الأستاذ في حكم الـمباينة أن قال: "إذا قدّرنا جوهريْن متباينيْن وبينهما مقدار حيّزيْن لجوهريْن أو أحياز ثم وقع جوهر ثالث في أحد الحيّزيْن الـمتوسّطيْن فإن وقع في الحيّز الذي يلي أحد الجوهريْن فقد قَرُب منه وبَعُد من الآخر، وقُربُه من أحدهما عينُ بعده من الآخر".

و(461)قد أطلق الـمحقِّقون خِلاف ذلك فقالوا: القرب من أحد الجوهريْن عينُ البُعد من الثاني كما أنّ الحركة عن الـمكان الأول عينُ السكون في الـمكان الثاني، وكما أنّ الأمر بالشىء عين النهي عن أضداده(462).

قال الإمام: والذي قاله الأستاذ سديدٌ على أصله، فإنّ من مذهبه أنّ الجوهر إذا جاور جوهرًا ثبتت فيه خمسٌ من الـمباينات. ثم حقّق الأستاذ مذهبَه بأن قال: لو جعلتُ الجوهرَ قريبًا بعيدًا لـمعنى واحد، لَزِمني أن أقول: إذا قَرُبَ الجوهرين (في ط: من)(463) جوهر بقربٍ، وبَعُد من الآخر ببعدٍ وهو عين القُرب، فإذا(464) زال البعد بأن يدنو الجوهرُ البعيدُ فيجاور الجوهرَ الـمتوسطَ، فيلزم من ذلك زوال البُعد بمضادّة القُرب إياه، ثم إذا زال البُعد لزم منه زوال القُرب؛ إذ الـمعنى الواحد يستحيل أن ينتفي بالـمضادّة من وجه ويبقى(465) من وجهٍ، فلـما ثبت في الذي نحن فيه أن القُرب لا يزول بزوال البُعد؛ دلّ ذلك على أن البُعد عين القُرب، والبُعد عند الأستاذ هو الـمباينة، والقُرب هو الـمجاورة؛ فهذا وجهُ كشف قوله.

قلت: وقد ذكر في كتاب "الوصف والصفة": "أنّ قُرب الجسم الأوسط من أحد طرفيه هو بُعد من الآخر".

ومما يتعلّق بالذي نحن فيه أن قائلًا لو قال: لو ماسّ الجوهرُ جوهرًا من جهة فهل يجوز أن يُقال إنّه مباين له من سائر الجهات مماسّ له مِن جهة؟ فالذي صار إليه بعض الـمتكلـمين إطلاق ذلك. والذي ارتضاه الإمام أبو القاسم الإسفراييني أنّ ذلك ممتنع؛ فإنّ الشىء إنما يباين ما يباينه على الوجه الذي يجوز أن يماسَّه عليه، فإذا استحال أن يُماسّ الجوهرُ جوهرًا من جهتين فصاعدًا استحال تقديرُ الـمباينة من جهتين، وكذلك يستحيل تقدير مماسّة في جهة مع ثبوتها في أخرى، فامتنع بمماسّة الجوهر جوهرًا وجوه(466) الـمباينة بينهما من كلّ وجه. وهذا هو السديد الذي لا يجوز غيرُه.

ومما ذكره الـمحقّقون أن قالوا: يجوز تقدير الافتراق في جواهر العالَـم حتى تكون مفترقة لا اجتماع فيها، ولا يجوز تقديرُها مجتمعة حتى لا يكون فيها افتراق.

وإنما قالوا ذلك لأنّ جواهر العالَـم لو تركبت فالأجزاء الباطنة لا مفارقة فيها، والأجزاء الظاهرة التي هي الصفيحة العُليا فيها الافتراق، فإنّ الجواهرَ لا تحيط بها من جميع الجهات، فكلّ جوهر من الصفيحة العليا يماسّ جوهرًا تحته، وآخر عن يمينه، وآخر عن يساره، وآخر قدّامه، وآخر خلفه، وتبقى جهة واحدة لا يماسّ منها جوهرًا، ففي كلّ جوهر منها مباينة واحدة، وهذا واضح لا خفاء به.

ومما يتعلّق بهذا أنّ الجوهر إنّما يُباين ما يصحّ مماسّته له، ولا يتصوّر أن يماسّ الجوهرُ أكثرَ من ستّة فلا يباين أكثر من ستّة؛ إذ كلّ مباينة ثابتة فلها ضدٍّ من الـمماسّة تعاقبها، فإذا انحصرت الـمماسّات في الستّ وجب انحصار الـمبايناتِ. ثم قد قَدّمْنا من أصل الأستاذ أنّ الجوهر الفرد يباين ستّة من الجواهر من غير تعيين.

قال الإمام: "وقد ذكر شيخي أبو القاسم الإسفراييني طريقة في ذلك مرضيّة فقال: الجوهر(467) يفارق ستّة من الجواهر على التعيين، ويختلف ذلك بموقع الجوهر من الجواهر، فإن وقع بين الجواهر ولـم يجاوزها بل يكون مفارقًا لها، فإنما يفارق الأجزاء التي يحاذيها وهي متعيّنة في معلوم الله تعالى، فأمّا إذا كان الجوهر مستعليًا على الجواهر أو متسفِّلًا عنها فهو مفارق لجزءٍ واحد يحاذيه من جهة تحت أو من جهة فوق، ويفارق خمسةً من الجواهر لا بأعيانها"(468).

قال الإمام: "والقاضي لـم يرتضِ معظمَ هذه الـمذاهب وسلك منهجًا في الاجتماع والإفتراق لا يصحّ عندي سواه وذلك أنّه قال: لا حكم للجوهر من الكون إلّا اختصاصه بحيّزه، وإذا اختصّ بحيّزه وتتابعت عليه الأكوان في ذلك الحيّز الواحد فالأكوان متماثلة، ولو انضمّ إليه جوهرٌ فهو على ما كان عليه من اختصاصه ما تبدّلت صفته، وانضمام الجواهر إليه لـم يُغَيّر حكمَه في قضيّة العقل، والتسميات تَعتَور الكون مِن غير تقديرٍ زائدٍ في العقل. فإذا كان الجوهرُ فردًا يسمّى الذي خصّصَه كوْنًا أو سكونًا على اختلاف الـمذاهب، فإذا انضمّ إليه جوهر كان الكونُ الـمتجدّد عليه بعد الانضمام مماثلًا للكون الذي كان قبله، ولكن يُسمّى مع انضمام جوهر إليه اجتماعًا ومماسّة ومجاورة، وإذا فارقه ذلك الجوهرُ يُسمّى الكونُ الـمتجدّدُ على الجوهر الـمستقرِّ في حيّزِه مباينة، فتتبدّل عليه التسميات، والأكوان لا تختلف.

ومن قضيّة هذا الـمذهب: أن لا يختلف إلّا كوْنان، يوجب أحدُهما التخصيص بحيّزه، ويوجب الآخرُ التخصيصَ بغيره.

ويخرج من مضمون هذه الطريقة: أنّ الجوهر إذا أحاطت به ستّةٌ من الجواهر فلا يقوم به إلّا كونٌ واحدٌ، [إذ](469) لا حكم للجوهر الـمتوسّط من [(بين) هكذا في الشامل] الجواهر الـمطيفة [(المطبقة) هكذا في الشامل] به، ولا معنى لتماسّ الجوهرين إلّا أنهما ثبتا في حَيّزين ليس بينهما موقعٌ لجوهر ثالث، وحكمُ كلّ جوهرٍ من الجواهر اختصاصه بحيّزه.

وهذه الطريقة هي التي ننصرها، ونوضح بالأدلّة صحّتها، ونذكر بعد ذلك عُمَدَ شيخنا ونتفصَّى عنها.

فأمّا الدليل على صحّة ما ارتضيناه فأوجه:

منها: أن نقول: إذا استقرّ الجوهرُ في حيّزه ثم انضمّ إليه جوهرٌ آخر فلا يخلو مَن يخالفنا في الـمسألة: إمّا أن يقول: حالةُ الجوهر الذي كان مستقرًّا في حيّزه لـم تتبدّل، وإمّا أن يقول: تبدّلت حالته.

فإن قال: لـم تتبدّل حاله، فقد سلّـم الـمسألةَ، ويلزمه على قود هذا التسليم أن يقول: الكونُ القائمُ بالجوهر الـمستقرُّ بعد(470) الانضمام مثلُ الكون الذي كان قبله. وهذا تصريح بنفي الـمماسّة، ويلزم منه أيضًا الحكمُ باتحاد الكون فيه كما كان قبل الانضمام.

وإنْ زعم الخصمُ: أنّ حالة الجوهر قد تبدّلت وقام به عرض يخالف الكون القائم به في حال انفراده، وهذا مذهب الخصم وهو ظاهر البطلان؛ فإنّا نعلـم على القطع أنّه لـم يتجدّد إلّا وقوع جوهر في حيّز بحيث ليس بين الحيّزين تقدير حيّز آخر، ويستحيل أن يؤثر نفس الجوهر الثاني في الجوهر الأول؛ إذ الجواهر لا يؤثر بعضها في بعض بإجماع الـمحققين. ولا فرق في ذلك بين جواهر منضمّة وجواهر متفرّقة، وكما يستحيل أن يوجب جوهرٌ حكمًا لجوهر مع تباينهما، فكذلك يستحيل أن يؤثّر كون جوهر في جوهر آخر؛ إذ كون كلّ جوهر مختصٌّ به، والـمختصّ بمحلّه لا يُؤثّر في غير محلّه.

وأولى الناس بهذه الطريقة شيخنا أبو الحسن مع مصيره إلى أنّ حُكْم العلـم يختصّ بمحلّه ولا يتعدّى إلى الجُملة التي محلّ العلـم منها(471).

فإذا ثبت أن إسناد تبدّل حكم الجوهر الـمستقرّ في حيّزه إلى الجوهر الآخر محال، واستبان أنّ إحالة هذا التبدّل على كون الجوهر الثاني محال، فلا يبقى بعد ذلك إلّا القطعُ بأنّ الجوهر الأول باقٍ على مثل ما كان عليه.

والذي يوضح ذلك: أنّه لو جاز تقدير تغيّر الجوهر عما كان عليه لانضمام غيره إليه أو لـمباينته له، جاز طرد ذلك في جملة الأعراض القائمة بمحالّـها، وأقلّ ما يلزمنا عليه (ق59ب) أن لا يبعد من الـمعتزلة قولهم في اشتراط البنية عند ثبوت الحياة، وهذا مما لا فصل فيه

ومما نستدلّ به على من قال: "الـمجاورة غير الـمماسّة" أن نقول: لا يجوز تقدير مجاورة من غير مماسّة، ولا يجوز تقدير مماسّة من غير مجاورة، والـمعنى الواحد لا بدّ من إثباته، ولـم يَقم دليل على غيره؛ فيجب القطع بالواحد ونفي ما عداه.

وبهذه الطريقة نتوصّل إلى الحكم باتحاد العلل، ولأجلها قطعنا بأن الحركة عن الـمكان الأول عين السكون في الـمكان الثاني، وليس من أثبت الـمماسّة معنى زائدًا على الـمجاورة بأسعدَ حالًا ممن أثبت الحركة والسكون زائديْن على الكون الـمخصّص بالحيّز.

وبهذه الطريقة توصّلنا إلى أنّ الأمر بالشىء نهي عن أضداد الـمأمور؛ من حيث تلازم الحكمان، فلـم تقم دلالة على تعدد الـمعنيين.

فإن استدلّ مَن نصر مذهبَ شيخنا أبي الحسن في إثبات الـمماسّات بأن قال: "كلّ ما يدلّ على أنّ الحركة معنى فذلك بعينه دالّ على أن الـمماسّة معنى. فإنا إنما نُدرك ما نرومه في الحركة باختلاف الـمنظر في الجوهر واختلاف الهيئة، بأن يصير متحرّكًا بعد ما كان ساكنًا، وأدركنا التفرقة بين الحالين وأسندناها بعد السبر والتقسيم إلى إثبات معنى وهذا بعينه متقرّر في مفترقين اجتمعا وفي مجتمعين افترقا، فيجب القطع بإثبات الاجتماع مخالفًا لـما كان قبله".

وسبيل الجواب عن هذا أن نقول: إن كان التعويل على اختلاف الـمناظر، وجب أن يقال لذلك: إذا تباعد جوهران ثم افترقا ولـم يبق بينهما إلّا تقدير حيّز واحد؛ وجب أن يكون افتراقهما عرضًا زائدًا كالـمماسّة الـمخالفة لأضدادها من الأكوان. ووجه إلزام ذلك: أنّ الـمنظرة قد اختلفت بقرب الجوهرين كما اختلفت باجتماعهما.

ثم نقول: معوّلنا في إثبات الحركة على أن الجوهر كان مختصًّا بحيّز ثم صار مختصًّا بغيره مع جواز أن يبقى على استقراره، فهذا هو الـمعتمد في إثبات الحركة. وهو غير متحقّق في الجوهر الـمستقرّ إذا انضم إليه غيرُه إذا لـم يتبدّل عليه حيّزه.

ومما تمسّكوا به أن قالوا: إذا ماسّ جسمٌ حسّاس جسمًا، أحسّ الـمماسّةَ وأدركها، كما نحسّ كلَّ محسوس، ونعلـم أنّه طرأ عليه بانضمام جسم آخر إليه ما لـم يكن قبل. قالوا: وجاحد ذلك جاحد للضرورة.

وهذا تلتبس؛ فإنّ الذي يُحِسُّهُ الجسمُ ويُدركه حرارة ما انضمّ إليه أو برودته أو لينه أو خشونته، فأما أن يُحِسّ كونًا قائمًا به فلـم تجرِ بذلك عادة، والـمعنى الزائد الذي صادفه الحسّاس في نفسه هو إدراكُهُ الحرارةَ أو البرودةَ أو اللينَ أو الخشونةَ. والذي يوضح ذلك: أن الجسم قد يمرن على ملاقاة جسم على طوال الدهر(472) حتى يخيّل إليه أنّه غير مماسّ، وهكذا سبيل كلِّ واحدٍ في ملاقاة الهواء على ركوده، فاندفع السؤال.ه(473)

فصل

واعلـم أنّا إذا أثبتنا الـمماسّة معنى فلسنا نفرّق بينها وبين التأليف والـمجاورة والاجتماع، فالـمماسّة والتأليف عبارتان عن معنى واحد. وقد بيّنّا أن اختيار القاضي أن الـمماسّة ترجع إلى نفس الكون الـمقتضي تخصيص الجوهر بحيّزه.

وقد سلك الـمتأخّرون مِن الـمعتزلة مسلكًا يخالف مسلك شيخنا أبي الحسن في الـمماسّة فقالوا: إذا تجاور جوهران واختص أحدُهما برطوبة وآخر بيبوسة ولّدت الـمجاورةُ في هذه الحالة بين الجوهرين تأليفًا واحدًا قائمًا بهما جميعًا، وإنما يصعب تفكيكهما للتأليف القائم بهما فهو في حكم الرابط أحدهما بالثاني. وصار إلى هذا الـمذهب جملةُ الـمتحذقين من معتزلة البصرة(474).

وإذا وقع الجوهر بين ستٍّ من الجواهر وتألفت الجواهر فاختلفوا في ذلك، فصار بعضهم إلى أنّه يقوم بالجواهر السبعة تأليف واحد، ومن حقّق منهم أبى ذلك وأنكره وصار إلى أنّ الجوهر إذا تألف مع ستّة من الجواهر قام به ستّة من التأليفات(475). ولـم يصر منهم صائرٌ إلى إثبات (ق60أ) سبعة من التأليفات؛ إذ لو قالوا ذلك لانفرد كلُّ جزء بتأليف ولا يتحقّق مع ذلك قيام تأليف بحزأين.

والذي يدلّ على بطلان ما قالوه: أن التأليف الواحد لو قُدّرَ قيامُه بجوهرين فلا يخلو: إمّا أن يقوم بأحدهما عين ما قام بالثاني، أو يقوم غيرُ ما قام بالثاني. فإن زعموا أن القائم بأحدهما عينُ ما قام بالثاني فذلك محال، ولو جاز ذلك جاز تقدير جوهر في حيّزين مع استقراره في كل واحد منهما واتحاده، وذلك جحد للضرورة، ويطّرد ذلك في كلّ عرض يُقدّر في محلّين(476).

وإن قالوا: "التأليف ينقسم على الجوهرين ويكون في كل واحد منهما بعضه" كان ذلك محالًا، فإنّ الواحد لا بعض له، ولو جاز ذلك جاز أن يقال: قام عرض ببعض جوهر، فامتناع قيام عرض ببعض جوهر كامتناع قيام بعض عرضٍ بجوهر. على أن هذا التقدير تصريح بأن الذي قام بأحدهما يُغاير الذي قام بالثاني، وهذا يوضح كونهما شيئين؛ إذ الغيران من ضرورتهما أن يكونا شيئين.

ومـمّا يدلّ على بطلان قولهم: أنّ التأليف على أصلهم باقٍ، والـمباينة لا تضادّه بل تضادّ الـمجاورة، ونحن نعلـم أن الـمباينة تنافي التأليف إذا قامت بمحل التأليف، كما نعلـم منافاة الجهل العلـم.

ويقال لهم: إذا لـم يمتنع قيام تأليف واحد بمحلّين فما الـمانع من قيام عِلـم واحد أو سواد واحد بمحلّين؟ وبالجملة إذا جاز رجوع حكم العلّة إليها[؟]، فلِـمَ لا يجوز أن يقوم التأليف بجزء واحد مِن الجملة ويفيد حكمُه للجملة كما قالوا مثل ذلك في العِلـم، فإن الجملة عندهم كالـمحل الواحد، وإن الضدّين يتضادّان على الجملة تضادّهما على الـمحلّ.

فإن قالوا: ندرك تفرقةً بين متجاورين يصعب تفكيكهما وبين متجاورين يسهل تفكيكهما، فينبغي أن تكون التفرقة راجعةً إلى معنى زائد، وبهذا الطريق تثبت الـمعاني كالكون واللون والعلـم ونحو ذلك.

قالوا: وقد ذكر أبو الحسن في كتاب "النوادر" أن التأليف جنس مخالف للاجتماع.

قلنا: إن صحّ هذا النقل عنه فإنما يصعب تفكيك بعض الـمؤتلفات لاختلاف التأليفات في أنفسها، والصحيح أن ذلك بجري العادة، فإنّ الجواهر إذا كثرت واكتنزت(477) وقلّ تخلخلها تعذّر تفكيكها، وما لا يكون مكتنزًا لا يتعذر تفكيكه، وكان يجوز قلب هذه العادة.

وما نقل عن أبي الحسن في التأليف بأنه جنس يخالف الاجتماع فيجوز أن يكون على ما فسّرناه، ويجوز أن يكون الاجتماع الذي هو تأليفٌ يخالف اجتماعًا ليس بتأليف، لكن كِلاهما اجتماع وتأليف. ويجوز أن يكون الذي قاله حكاية لـمذهب الـمعتزلة؛ لاشتهار مذهبه في التأليف والاجتماع أنهما واحد(478). ولا شكّ على مذهبه بأن الـمؤتلفيْن تأليفان بتأليفين، كما قلنا في الـمجتمعيْن. ثم الذي ألزمونا إنما هو بناء على القول بالتولّد(479) وذلك باطل عندنا؛ فالتفكيك والضمّ كِلاهما غير مقدور لنا.

فإن قالوا: نفرض عليكم الكلام فيمن التصقت أنملتُه بشىء فَرَفْعُ الأنملة مقدور له عندكم؛ إذ هو محل القدرة، ومع ذلك يتعذّر في وقت وهو ما فرضناه، ولا يتعذّر في وقت.

قلنا: القدرة على رفع الإصبع لا تثبت قبل رفعها، فإذا ارتفع فلا يتبيّن مع الرفع معاناة؛ إذ الـمعاناة في الشىء قبل حصوله، والحاصل لا معاناة فيه؛ فلا يستقيم لهم تصوير الكلام معنا في صورة الاتفاق، إلّا بأن نُسلـّم لهم القول بالتولّد جدلًا، فلو سلّـمناه لـم يكن فيما قالوه حجّة؛ وذلك لأنّ للقائل أن يقول: إنما يصعب تفكيك بعض الجواهر بأن يخلق الله تعالى أكوانًا فيها تخصّصها (ق60ب) بجهاتها أكثر مما يحاوله العبد، ولا يوجد فعل العبد بذلك، وهذا كالحبل يتجاذبه شخصان، وكان أحدهما أيدًا(480) قويًّا فلا ينجرّ الحبل إلّا في جهته، وكذلك يروم العبد إثبات مباينة وتفريق، والربّ تعالى يخلق في الجوهرين مجاورَات فيبقيان متجاورين،

فتؤولُ صعوبة التفكيك إلى هذا. والانسان يجمع كفّيه أو كفّه فيسهل بسطه على الغير تارة إذا قلّ اعتماد القابض، ويتعذّر إذا كثر اعتمادُه، وليس الاعتماد من التأليف ولا مولَّدٌ له عندنا. ثم نقول القصبة لو مُدّت طولًا(481) لـم تنقطع ولو عظمت الاعتمادات، ولو لُويت لتكسّرت، والتأليف الـمقتضي صعوبة التفكيك ليس يختلف بتقدير الاعتمادات في بعض الجهات دون بعض، ولو كان الأمرُ من صعوبة التفكيك يتعلّق بالتأليف لـما تحقّق فيه اختلاف.

والذي يوضح ذلك أنّ الصخرة الصمّاء يوقد عليها النار فتنصدع، والياقوتة الحمراء لا تتأثّر بالنار ولو أوقدت عليها مدة كثيرة، وأعجب من ذلك أنّ بعض الجواهر ما يزداد على النار تصلّبًا كالخزف، ومنها ما يتشقّق كالحجر فثبت أنّ الأمر في ذلك لا يتعلّق بالتأليف وإنما هي عادات أجراها الله تعالى كما يشاء، فهذا مذهب أهل الحق.

فإن قالوا: ما ذكرتم من الياقوت فَلِقِلَّةِ التخلخل فيه فلا تَجِدُ النار فيه مدخلًا. قلنا: الحجر أقلّ تخلخلًا من الخزف، ثم الحجر يتصدّع على النار دون الخزف، ثم لو كان ما قالوه في الياقوت سديدًا لوجب أن لا ينكسر إلّا بجهد جهيد وليس كذلك. ثم للـمعتزلة تردّداتٌ كثيرة واختلافٌ في أحكام التأليف لا فائدة في ذكرها، ولكنّ القدر الذي يليق بهذا الـمختصر ذكرناه.

ثم من الأجسام ما يكون تفكيكه أشدّ وأصعب من غيره، واختلفوا في ذلك فقال الجبّائيّ: العلّة في ذلك اختلاف التأليفات فالتأليف تختلف أجناسه. وصار بعضهم إلى أن ذلك يرجع إلى قلّة التأليفات في البعض وكثرتها في البعض. ثم لـم يجوّز الجبّائيّ أن يقوم بجزئين أكثر من تأليف واحد، وجوّزه الأكثرون؛ بناء على ما ذكرناه من اختلاف مذاهبهم. وقال بعضهم: إذا اشتملت الجملة على عشرة أجزاءٍ كلُّها مؤتلفة، واشتملت جملة أخرى على عشرة أجزاء ولكن بعض أجزائها متألفة وبعضها منفرج، فتفريق الجملة الأخيرة أسهل لا محالة، فحملوا السهولة والصعوبة على هذا الـمحمل.


(458) ) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/259).

(459) ) استاذ احمد

(460) ) استاذ احمد

(461) ) سقطت من (ب).

(462) ) انظر الباقلاني، التقريب والإرشاد، (ص/؟؟). النظر في عيار النظر

(463) ) استاذ احمد قرب الجوهر من جوهر. هكذا مطلوب أن تكون

(464) ) في (ب): "وإذا".

(465) ) سقطت من (ب).

(466) ) في (ب) بدل قوله: "جوهرًا وجوه": "وجوده".

(467) ) في (ب): "الجواهر".

(468) ) انظر الجويني، الشامل، (ص/461).

(469) ) هكذا في الشامل وبها يستقيم المعنى. الجويني، الشامل، (ص/462).

(470) ) في (ب): "وجد".

(471) ) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعريّ، (ص/؟؟).

(472) ) سقطت من (ب).

(473) ) انظر الجويني، الشامل، (ص/462-464).

(474) ) انظر النيسابوري المعتزلي، المسائل في الخلاف، (ص/222). وابن متويه المعتزلي، التذكرة، (ص/503).

(475) ) انظر ابن متويه المعتزلي، التذكرة، (ص/521).

(476) ) ولم يذكر المصنف ما يلزمهم من الشق االثاني: "أو يقوم به غير ما قام بالثاني"، قال الإمام الجويني في "الشامل": "وإن زعموا أن القائم بأحدهما غير القائم بالثاني، فيلزمهم التصريح بتعدد التأليف؛ إذ الغيران من ضرورتهما أن يكونا شيئين يُقَدّر أحدهما منفردًا عن الثاني، وهذا ترك للمذهب". الجويني، الشامل، (ص/468).

(477) ) اكتنز الشىء: اجتمع وامتلأ. انظر الجوهري، تاج اللغة، مادة (ك ن ز) (3/893). والرازي، مختار الصحاح، مادة (ك ن ز) (ص/273).

(478) ) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/30).

(479) ) التولد عند المعتزلة: هو أن يحصل الفعل عن فاعله بتوسط فعل آخر كحركة المفتاح بحركة اليد. فادّعوا أن الإنسان قد يفعل في نفسه شيئًا يتولد منه فعل في غيره، وقد اختلفت عبارتهم وآراؤهم فيه. انظر القاضي عبد الجبار المعتزلي، شرح الأصول الخمسة، (ص/260-261). والجرجاني، التعريفات، (ص/81).

(480) ) تأيّد الشىء: تقوى، ورجل أيّدٌ أي قوي. انظر الجوهري، تاج اللغة، مادة (آ د) (2/443). والزبيدي، تاج العروس، مادة (أ ي د) (7/396).

(481) ) في (ب): "طويلًا".