قد أوضحنا فيما سبق وجوب مخالفة القديم الجوهر في خصائصه وأحكامه، ومن خصائص الجوهر قبوله الأعراض.

واتفق أهلُ الحقّ على استحالة قيام الحوادث بذات القديم سبحانه(502).

وقد صرّحت الكرّاميّةُ بقيام كثير من الحوادث بذات الله تعالى(503).

ومن أصلهم: أنّ ما يحدث في ذاته من الحوادث فإنما يحدث بقدرته، وما يحدث مُباينًا عن ذاته سبحانه فإنما يحدث بواسطة الأحداث، ويعنون بالأحداث ما يحدث في(504) ذاته تعالى بالقدرة من الأقوال والإرادات، ويعنون بالـمُحدَث ما بَايَنَ ذاته تعالى من الجواهر والأعراض؛ فيُفرّقون بين الحوادث والـمُحدَث، والإبداع والـمُبدَع، والإيجاد والـموجَد، والخلق والـمخلوق(505)، كما ذكرنا.

فالـمخلوق والـمحدَث والـموجَد والـمبدَع يثبت بواسطة الخلق والإحداث، وكذلك الـمعدوم يثبت معدومًا بواسطة الإعدام وهو القول والإرادة الواقعان في ذاته سبحانه بالقدرة، والـمخلوق يقع مُباينًا عن ذاته تعالى بالخلق، والتخليق والإبداع والإنشاء والإحداث والصُنع كلّها عبارات عن معنى واحد.

ثم قد يحدث في ذاته تعالى عندهم مِن [الحوادث](506) ما لا يكون إيجادًا وإعدامًا وخلقًا وهو الأقوال والأخبار كالكتب الـمنزلة على الأنبياء والقصص وفي ذلك الأوامر والنواهي والوعد والوعيد والتسمّعات والتبصّرات.

فأمّا الإيجادُ والإعدام فالذي عليه الأكثرون أنهما القول والإرادة، وذلك قوله للشىء "كن" والإرادة لكونه، ثم قوله: "كن" صوتان من جنس أصواتنا(507).

وحُكِي عن ابن هيصم(508) أنه فسّر الإيجاد والإعدام بالإرادة والإثبات، وذلك مشروط بالقول شرعًا، وقد ورد الشرع بأنّه سبحانه إذا أراد إحداث شىء يقول له "كن"؛ من هنا نعود للـمخطوط (6ج). فعلى قول الأكثرين: الخلق عبارة عن قوله للشىء "كن" مع الإرادة.

ثم اختلفوا في التفصيل:

فقال كثير منهم: لكلّ موجَد إيجاد ولكلّ معدوم إعدام.

وقال بعضهم: الإيجاد الواحد صالح لـموجَدَيْن إذا كانا من جنس واحد، فأمّا إذا اختلف الجنس فيتعدّد الإيجاد(509).

فيقال لهم: إذا افتقر كلُّ موجَد أو كلُّ جنس إلى إيجاد فليفْتقر كلّ إيجاد إلى قدرة، فالتزمت طائفة من هذا السؤال القولَ بتعدّد القدرة.

ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم: تتعدّد القدرة بتعدّد أجناس الـمحدثات.

وصار آخرون إلى أنها تتعدّد بتعدّد أجناس الحوادث التي تحدث في ذاته تعالى من الكاف والنون والإرادة والتسمّع والتبصّر وهي خمسة.

فالأكثرون منهم صاروا إلى إثبات تسمّعات وتبصّرات للأصوات والأكوان الـمحدثة.

ومنهم من يقول: حدّ ما يُبْصر أن يكون موجودًا.

ومنهم من قال: الـمراد بالسمع والبصر قدرته على التسمّع والتبصّر وهذا قول شاذ.

ومنهم من أثبت لله تعالى سمعًا وبصرًا في الأزل وأثبت التسمّعات والتبصّرات في لا يزال وهي إضافة الـمدركات إليها(510).

وقد أثبتوا لله سبحانه مشيئةً(511) قديمةً وإرادات حادثة وهي متعلقات مشيئته.

ومنهم من يقول: الـمشيئة القديمة تتعلّق بأصل (ق62ب) الحدوث وأصول الـمحدثات والإرادات تتعلّق بتفاصيلها.

و(512) أجمعوا على أنّ الحوادث لا توجب لله سبحانه وصفًا ولا هي صفات له سبحانه بل يحدث في ذاته القول والإرادة ولا يكون قائلًا ومريدًا بالقول والإرادة، وكذلك التسمّع والتبصّر.

وقالوا: إنما هو قائل بقائليّته ومريد بمريديّته، وذلك(513) قدرته على القول والإرادة، ثم لـم يطردوا(514)هذا في جميع الصفات لكنهم قالوا: إنّه حيّ قادرٌ عالـم شاءٍ بحياةٍ وقدرةٍ وعلـم ومشيئةٍ(515).

ومن أصلهم أنّ الحوادث التي يُحدثها في ذاته يستحيل عليها العدم؛ إذ لو قُدّر عدمُها لتعاقبت عليه الحوادث؛ ولو تعاقبت عليه الحوادث لشارك القديم الجواهر(516) في هذه الصفة.

وأيضًا فلو قُدّر عدمُها فلا يخلو: إمّا أن يُقدّر عدمها بالقدرة، أو بإعدام يخلقُه في(517) ذاته. ولا يجوز أن يكون عدمُها بالقدرة لأنّه يؤدّي إلى ثبوت الـمعدوم في ذاته تعالى وشرط(518) الـمعدوم والـموجود أن يكون مباينًا لذاته. فلو جاز وقوعُ معدوم بالقدرة من غير واسطة إعدام؛ لجاز حصولُ سائر الـمعدومات بالقدرة، ثم يجب طرد ذلك في الـموجَد حتى يجوزَ وقوعُ موجَد ومفعول في ذاته تعالى وذلك محال عندهم.

ولو فرض إعدامُها بإعدام لجاز أيضًا تقديرُ عدم ذلك الإعدام فيتسلسل؛ فارتكبوا بهذا التحكم استحالة عدم ما يحدث في ذاته(519).

ومِن أصلِهم أنّ الـمحدَث إنما يحدث في ثاني حال ثبوت الإحداث بلا فصلٍ، ولا أثر للإحداث في سائر أحواله وإن كان باقيًا.

ثم قالوا: الذي يحدث في ذاته سبحانه ينقسم إلى ما يكون أمرًا لتكوين وإلى غير ذلك، فما يكون أمرَ تكوينٍ فهو فعلٌ يقع بجهة الـمفعول كما ذكرنا، وما يكون خبرًا أو أمرَ تكليف أو نهيَ تكليف فإنّها أفعالٌ من حيث دلّت على القدرة ولا تقع تحتها مفعولات لأنّها ليست تكوينًا.

وربما قالوا: ما يُفعل به الشىء نوعان: قدرةٌ وسببٌ، فما يحصل بالقدرة يحصل في محلّها، وما يحصل بالسبب يحصل بعده مباينًا عن محلّ القدرة(520).

قال الإمام: ونحن نرسم عليهم ضربيْن من الكلام:

أحدهما: الإلزامات.

والثاني: البراهين.

أما الإلزامات فمن أقواها أن نقول: هلا أثبتّم لله تعالى علومًا حادثةً مع العلـم القديم كما أثبتّم الإرادات مع الـمشيئة القديمة والتسمّعات والتبصّرات مع السمع والبصر؟

فلئن مسّت الحاجة إلى إثبات إرادة حادثة مع الـمشيئة، فالحاجة إلى العِلـم الحادث مع العِلـم القديم أمسُّ، فإنّ العلـم بأن سيكون لا يكون عِلـمًا بالكون، وكذلك السمع والبصر لا يتعلّقان إلّا بموجودٍ كائنٍ، وهم إنما أثبتوا الإرادةَ مع الـمشيئة من حيث يبعدُ على أصلهم أن تتعلّق الـمشيئة بما تتعلّق به الإرادة(521).

فإن قالوا: نحن لا نثبت لله تعالى الـمشيئةَ.

قلنا: كيف يحدث في ذات القديم سبحانه حوادث في أوقات مخصوصة بالقدرة القديمة دون الـمشيئة والإرادة، ولئن استغنت الحوادثُ عن الإرادة، فلتستغن جميعُ الحوادث عن الإرادة، ولا جواب عن هذا.

ولو كانت القدرة تُوقِعُ الـمقدور لعينها من غير إرادة؛ لأوقعت ممكنات بلا نهاية.

ومن جملة الإلزامات أنهم قالوا: "قول الله تعالى من جنس قولنا"، ثم لا يقع بقولنا شىء ولا مفعول فما الفرق بين القولين؟

فإن قالوا: قول الله تعالى خلْق له، والخلق يقتضي مخلوقًا، وقولنا ليس خلقًا فهذا هو الفرق.

قلنا: هذا اقتصار منكم(522) على ذكر الـمذهب، فلِـمَ كان كذلك مع تماثل القولين والصوتين؟ ولو خلق قولًا في جسم من جنس ما يخلقه في نفسه وجب أن يقتضي مفعولًا.

قالوا: إذا خلق قولًا في غيره فلا يكون ذلك قولًا له وإنما هو قول للغير.

قلنا: لا حاصل لإضافة قوله سبحانه إليه إذا لـم يكن قائلًا له ولا موصوفًا (ق63أ) بحقيقته، وقيامه به كقيامه بغيره.

ودعواهم: "أنّ قولَ الله تعالى يقتضي مفعولًا؛ لأنه فِعلٌ له قُصِدَ به التكوين" دعوى باطلة، فهلّا جوّزوا من الله تعالى إحداثَ قولٍ في غيره يتضمّنُ ثبوتَ مفعولٍ؟ وهذا لا جواب عنه.

ثم نقول: قوله: "كن" صوتان: كاف ونون، يقعان على التعاقب، وحقيقة التعاقب حدوث شىء وبطلان غيره، ولا يصحّ العدمُ على الحوادث التي تحدث في ذاته عندهم.

فإن قالوا: يقعان على الترتيب من غير عدم الأول.

قلنا: إن لـم [يجتمعا](523) في الحدوث فيجتمعان في البقاء، وفي الاجتماع بطلان الترتيب والتعاقب.

ونَفْسُ نقلِ هذا الـمذهب يُغني اللبيبَ عن تكلّف ردٍّ عليه، وهم يُشنِّعون علينا حيث أثبتنا لله تعالى أمرًا ونهيًا في الأزل، ويقولون: كيف يتوجّه الخطاب على الـمعدوم(524) والأمر إذا لـم يكن خطابًا لا يكون معقولًا، ثم جوّزوا مخاطبة الـمعدوم في أمر التكوين لا سيّما بالتكون فكيف(525) يخاطب الـمعدوم بأن يتكوّن؟ وهل هذا إلّا تناقض؟ فإن تعلّلوا بقول الله تعالى للشىء: "كن"؛ فسنجيب عنه إن شاء الله.

ومما يلزمهم على أصولهم أن نقول: إن مسّت الحاجة إلى(526) إرادات مع الـمشيئة لاختلاف متعلّقاتها(527)، فالحاجة إلى إثبات أكوانٍ مع الكون القديم أوجب وأمسّ؛ فإنّ الكونَ القديمَ أوجب اختصاصَه بجهةٍ أو بتقدير جهةٍ، ولا يوجب انفرادَه ومباينته عن العالـم، ولا اختصاصَه بالفوقيّة، ولا استواؤه على العرش، ولا الـمحاذاة لـما يحاذيه؛ فلا بدّ من حدوث أكوانٍ توجب هذه الأسماء والأوصاف عند وقوعها كما قلتم: "لا بُدّ من إراداتٍ حادثةٍ تتعلّق بتفاصيل الـمحدثات عند وقوعها مع الـمشيئة القديمة"، وهو كما قلتم في التسمّع والتبصّر مع السمع والبصر.

فإن لـم يبعد أن يقال: كان الإله سبحانه في الأزل مُباينًا منفردًا محاذيًا مع عدم ما ينفرد عنه ويُبانه ويحاذيه، فلا يبعد أيضًا أن يقال كان في الأزل شائيًا(528) لتفاصيل الـمحدثات، ولئن لـم يبعد أن يكون(529) في الأزل بتقدير جهة لو قُدِّرَ ثبوت العالَـم لكان تحته وكان هو سبحانه فوقه، ولو قُدّر العرشُ كان مستويًا عليه، كذلك لا يمتنع أن يكون على صفةٍ في أزلِهِ، بحيث لو قُدِّرَ موجود لكان إدراكًا له، وهذا ظاهر.

وقد أُلزموا(530) إثباتَ لونٍ قديمٍ؛ من حيث إنّه جسم مختصّ بجهةٍ، وما كان كذلك فلا يخلو من لون وهيئة.

فإن قالوا: لا دليلَ على ثبوت اللون. قلنا: وأيّ دليل أوضح على ثبوته مما ذكرتموه؟؟

ثم نقول: إن سُلِّـمَ لكم أنّه لا دليل على اللون؛ فلا دليل أيضًا على نفيه، فتوقّفوا في ثبوته.

فإن قالوا: نسلُكُ مسلكَكم في نفي الألوان عنه. قلنا: من لا جهة له ولا نهاية لذاته ولا تتصوّره الأوهام؛ فلا يُعقل اللونُ والهيئةُ في حقّه. وأنتم قد التزمتم ما يُفضي بكم إلى إثبات اللون والهيئة.

ونقول أيضًا: اللون لا يدلّ عليه الفِعل، ولا هو شرطٌ في صحّة الفِعل، ولا هو من صفات الـمدح بحيث لو لـم يثبتْ لاقتضى نقصًا، ولا هو من الصفات الخبريّة. وأيضًا فإنّ الألوانَ في أنفسها مختلفة متضادّة لا تحتمل جميعها ذاتٌ واحدةٌ، ولا يتخصّص بعضُها بالثبوت دون البعض، ولا يُقَدِّر الـمُقَدِّرُ جنسًا إلّا ولغيره تقديرُ خلافِ ما قدّره، وكلّ ما استوى في حكم العقل تقديرُه وتقديرُ ضِدّه استحال اتصافه بالوجوب فالتحق بالجائزات.

فهذه العُمدة في نفي الألوان، وهي مُطردَةٌ في جميع أجناس الأعراض إذا طُولِبْتَ بإثباتها قديمة؛ إذ ما من جنس منها إلّا وهو مشتمل على مختلفات ومتضادّات. ل/8 (ج)

وأمّا الضرب الثاني من الكلام وهو إقامة الدليل على استحالة قيام حادث بذات القديم تعالى.

فنقول: لو قَبِلَ ذاتُ القديم سبحانه حادثًا له ضِدٌّ(531)، لاستحال خُلوّه عنهما جميعًا، وما لا يخلو مِن الحوادث لا يَسْبقها. وقد ثبت أنّ الإرادات تُضادّها الكراهات، وكذلك الأقوال متضادّة. فلو صحّ تعاقب هذه الـمتضادّات على الذات لاستحال خلوّه عنها، وللزم أحدُ أمرين: إمّا الحكمُ بِقِدَمِ الجواهر، أو القضاءُ بحدوث الصانع ويتعالى الله عنه (ق63ب).

فإنْ قالوا: إنما حكمنا بحدوث الجواهر؛ لاستحالة خلوّها عن الحوادث لا لقبولها لها، وقد كان القديمُ سبحانه خاليًا عنها، فقبوله لها لا يدلّ على حدوثه.

قلنا: قد أوضحنا في باب حَدَثِ العالَـم: أنّ الدليل على استحالة خلوّ الجواهر عن الحوادث قبولها لها(532) مع التضادّ ووجوبِ التعاقب، وكما يستحيل خروج الذات عن الصفة إلّا بصفة تتعقّبُها وتضادّها؛ كذلك يستحيلُ تجدّدُ وصفٍ لها إلا بالخروج عن وصفٍ يُضَادّه؛ الدليل عليه الاجتماعُ والافتراقُ؛ فإنّ الـمجتمعين لا يجتمعان إلّا عن افتراق، ولا يفترقان إلّا عن اجتماع كذلك سائر الـمتضادّات.

فإن قيل: إنما يستقيم لكم هذا الكلامُ لو سُلِّـمَ لكم أنّ الحوادثَ التي تقومُ بذات القديم سبحانه مُتضادّة، ولسنا نُسلّـم لكم ذلك.

قلنا: الأقوال في أنفسها متضادَّةٌ، ويُضادّ جملتَها السكوت، وبما عَلـِمْنا مضادّةَ السكونِ الحركةَ، بمثلِهِ نَعْلَـمُ مضادّةَ السكوتِ الكلامَ والقولَ، وكذلك لا نُنْكِرُ مضادّة الإرادة الكراهية، وكذلك السهوُ والغَفْلةُ تُضادّ الإرادةَ، وكلّ ما يُضادّ العلـمَ فإنّه يضادّ الإرادة والكراهية وقول النفس، ولو جاز قبول ذات القديم هذه الحوادث مع سبْقِه لها وخلوّه عنها لـم نَأْمَن مثلَه في الجواهر؛ فيَنْحَسِمُ سبيلُ إثباتِ حدوثها.

فإن قالوا: الدليلُ على حدوث الجواهر استحالة خلوّها عن الأكوان، والقديمُ تعالى متعالٍ عن تعاقب الأكوان عليه.

قلنا: إذا كان هو مختصًّا بجهةٍ دون جهةٍ؛ فلا بُدّ له من كونٍ يُخصّصه بها، ولا يُنْجِيكم من ذلك دعواكم: "أنّه كان في جهته بكونٍ قديمٍ"؛ وذلك أنّ الدهريّ يدّعي مثل ذلك في جملة العالَـم فيقول: "إنها كانت في أحيازها بأكوانٍ قديمة".

فإن قالوا: لا يستقيم للدّهريّ هذه الدعوى؛ فإنّه يُجَوّز الانتقالَ على بعض أجزاء العالَـم، فلا سبيل له إلى إنكارها؛ فكذلك الكلام في جملتها.

قلنا: كلُّ مختصٍّ بجهةٍ يجوزُ انتقالُه عنها على العموم، فإنّ إضافةَ وجودِه إلى هذه الجهة كإضافة وجودِه إلى جهةٍ أخرى؛ إذ لا يتعيّنُ لوجود القديم جهةٌ قَبْلَ وجودِ العالَـم.

فإن قالوا: بالضرورة نعلـمُ أنّ وجودَ الجواهر لا يُعْقَلُ إلّا وهي مجتمعة أو مفترقة، ثم نعلـمُ بطريق النظر والاستدلال ثبوت الاجتماع والافتراق؛ فنتوصّل بهذا إلى أنّ الجواهر لا تخلو من الحوادث وهذا غير مُطردٍ في القديم تعالى.

قلنا: كلُّ كائنٍ في جهةٍ يَجوزُ استقرارُه فيها ويجوز انتقالُه عنها إلى جهةٍ أخرى. وبهذه(533) الطريق أوضحنا حدثَ الجواهرِ وبُطلانَ قول الدهريّة.

ثم نقول: إنْ ساغَ دعوى الضرورةِ في الجواهر بأنّها لا تُعقل إلّا مجتمعةً أو مفترقةً، ساغ مثلُ هذا [هذه: في ط] الدعوى في أنّ الحيَّ لا يُعقلُ وجودُه إلّا قائلًا أو ساكتًا، وكذلك لا يُتصوّر ثبوتُه عالِـمًا بالشىء إلا مُريدًا له أو كارهًا أو مُضرِبًا عنه، ثم نتوصّل بالنظر إلى إثبات القول والسكوت والإرادة والكراهية، ثم نبني عليه استحالةَ خلوّه عنهما إذا كان قابلًا لهما، فيَنْحَسِم إثباتُ طريقِ حدث الجواهر على مَن يُجَوِّزُ قبولَه لها.

فإن قالوا: نحن لـم نقل إنّ القديم سبحانه قائلٌ بالقول أو مريدٌ بالإرادة، لكنّا نقول: "إنّه قائلٌ بالقائليّة و(534)مريدٌ بالـمريديّة".

قلنا: فقولوا: مجتمع بمجتمعيّة، ومفتَرِقٌ بمفترقيّة، وعالِـمٌ بعالـميّة، وقادرٌ بقادريّة، وفي ذلك إبطال الـمعاني والعِلَل رأسًا.

وقد تمسّك الأستاذ أبو إسحاق بطريقةٍ لا بأس بها فقال: "قد أعطيتمونا معاشرَ الكرّاميّة استحالةَ قيامِ عرضٍ بجوهرين، وإذا فرضْنا الكلام في العرش مثلًا، وقلنا: يستحيل قيامُ عرضٍ بجوهرين من أجزاء العرش فكيف يصحّ قيامُ حادثٍ واحدٍ بما يقابل جميع أجزاء العرش ولا نهاية له في جهة فوق؟".

ومما تمسك به الأئمّة أن قالوا: "لو قام حادثٌ بذاتِ القديم تعالى لاتّصف به وصار الحادثُ صفةً له". وهذا مقطوع به؛ إذ لا معنى لقيام الـمعاني واختصاصها بالذات إلّا كونُها صفاتٍ لها، فلو قامت الحوادثُ من الأقوالِ والإراداتِ ونحوِها بذات القديم تعالى لاتّصف القديم سبحانه بها، كما اتّصف بالحياةِ والقدرةِ والعِلـمِ والـمشيئةِ، ولا فَرْقَ بين الأمرين، وإذا لـم يتّصف بالقولِ والأمرِ والنّهي من الأقوال؛ فيلزمُ الحكمُ بأنّه سبحانه ليس بآمرٍ ولا ناهٍ، ولو اتّصف بالأقوال والإرادات الحادثة لتغيّر بها، ولو تغيّر بها لدلّ تغيّرُه مِن حالٍ إلى حالٍ على حدوثه، ولو تطرّق الفناءُ إلى صفاتِ القديم تعالى لتطرّقَ أيضًا إلى ذاتِه ووجودِه تعالى الله عنه، والأزلي لا يزول.

وأيضًا لو تغيّر القديم سبحانه لالتحق بالجائزات التي لا تتخصّص بوصفٍ ثبوتًا كان أو نفيًا إلّا بتخصيصٍ مُخَصِّص مُدبّر؛ إذ الشىء لا يتغيّرُ بنفسِه ولا يُغَيّرُ نفسَهُ، وإنما يتغيّرُ بغيرِهِ، فالتغيّر إذًا يدّل على النقص، والقديم سبحانه مقدّس(535) عنه.

فإن قيل: التغيّر بطلان معنًى وحدوث غيره، ونحن لا نُجَوِّزُ ذلك على القديم تعالى.

قلنا: حقيقةُ التغيّرِ خروجُ الشىء إلى غير ما كان عليه مِن الوصف(536)، ونحن لا نُنْكِرُ ما قلتموه مِن أنّ التغيّرَ بُطلانُ معنًى وحدوثُ غيره، ولكن مِن التغيّر حدوثُ الشىء في ذاته بعد أن لـم يكن، وقد قلتم: كان القديمُ سبحانه خاليًا عن الحوادث ثم طرأ عليه الحوادث بعدد الكائنات من الأرض وما فيها والسموات وما بينهما ثلاثة أضعافٍ، فذلك تغيّرٌ أيضًا عندَ كلّ عاقل، ومن هذا حُكمُه وَوَصْفُهُ كيف لا يتغيّر؟ وكيف يستقيم القولُ بأنّه على الوصف الذي كان عليه قبل حدوث الحوادث(537) فيه؟

ومن كان خاليًا عن القدرة والحياة والعِلـم ثم ثبتت له هذه الـمعاني أيجوز لعاقلٍ أن يقول: إنّه لـم يتّصِف بهذه الـمعاني ولـم يتغيّر بها!! فأيُّ فَرْقٍ بين العِلـم القديم وبين الإرادة التي تتجدد؟ وقد بيّنّا أنّه لا معنى لقيام معنًى بمحلٍّ إلّا اختصاصه واتصاف الـمحلّ به، فلا فَرْقَ إذًا بين قيام هذه الحوادث بذاته وبين قيام الصّفات القديمة به.

ولو ساغ أن يقال: ليست الإرادةُ صفةً له مع اختصاصِها به، ساغ أن يقال مثلُه في الحياة والعِلـم والقدرة؛ يحقّق ما قلناه: أنّ الـمريد في الشاهد هو الذي قامت بذاته الإرادة، فإنّ الإرادةَ لنفسها توجب كونِ محلِّها مريدًا بها كالعِلـم والقدرة.

فإن قالوا: إنّ الحكمَ والوصفَ هو الاسم الـمستفاد من العلّة، والقولُ لا يُفيد لذات القديم تعالى حُكمًا ولا اسمًا وكذلك الإرادة.

قلنا: هذا تَحَكّمٌ محضٌ وقد أبطلناه.

ثم نقول: إنْ عنيتم بالاسم: التسمية، فذلك لا يُغيّرُ الـمسمّى فيه. وإنْ عنيتم به: الـمُسمّى، فهو الـمعنى القائم بالذات على زعمكم، وإن عنيتم به: الحالَ الـمُستفاد من العلّة، لـم تثبت الحالُ، فإنّه يُحْكم بتجدّدِ موجَبِها، وفي ذلك تجدّد الحُكم الذي تُحاذِرُونَه.

وإن ساغ للـمعتزلة قولهم: "إن الفِعلَ لا يُوجب حالًا للفاعل" فإنما ذلك لأنّ الفعل لا يقوم عندهم بالفاعِل، ومن صار إلى أن الفِعلَ شرطُه قيامُه بالفاعِل؛ فيلزم التجدّد والتغيّر، وهذا لا مَحِيصٌ عنه.

ثم دعوى الكرّاميّة: "أنّ القديمَ غيرُ موصوفٍ بالقول والإرادة" دعوى باطلة، ونصوص القرءان دالّة على خلافه، فإنّه سبحانه وصف نفسه بالقول في مواضع من التنزيل بصيغة الـماضي والحال(538) والاستقبال والـمشيئة(539) فقال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ﴾ (540)، وقال سبحانه: ﴿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ﴾(541) ، وقال سبحانه: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ﴾(542)، وقوله تعالى: ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ﴾ (543) وقوله تعالى:

﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا﴾ (544)، وقال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾(545)، وقال تعالى: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ (546)، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ﴾(547)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً﴾ (548).

وقال أهل اللغة: "قال يقول قولًا فهو قائل" و"أراد يريد إرادةً فهو مريد"، ولـم يقل أحدٌ: "قال يقول قولًا فهو ليس بقائل"، و"أراد يريد إرادةً فهو ليس بمريدٍ" إلّا الكرّاميّة.

وكما وصف نفسه بالعِلـم(549) والقدرة(550) والـمشيئة(551) كذلك وصف نفسه بالقول والإرادة(552).


(502) ) انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/؟؟). والمتولي، المغني، (ص/81-82).

(503) ) وقد وافق أحمدُ بنُ تيمية الحرانيّ المجسم الكراميةَ في مقالتهم بقيام الحوادث بذات الله وصرح بذلك في عدد من كتبه منها: "درء تعارض العقل والنقل" و"المنهاج" و"مجموع الفتاوى" و"مجموعة الرسائل والمسائل". ومعنى قوله: "قيام الحوادث بذات الله" فهو أنه يعتقد أن الله تعالى تقوم به الحركةُ والسكونُ أي أنّه متصفٌ بالحركة والسكون الحادثين وشبه ذلك مما يقوم بذوات المخلوقين، فيتضح من عبارات ابن تيمية أنه جعل الحادث قديمًا والقديم حادثًا، ولم يوافق في قوله هذا أحدًا من أئمة الحديث إلا الكراميّة المجسمة فقد تبعهم شبرًا بشبر، ومن المصيبة أن يأخذ مثل ابن تيمية بمثل هذه الفضيحة، فمذهبه خليط من مذهب ابن كرّام واليهود والمجسمة، نعوذ بالله من ذلك. فما توسع به ابن تيمية في كتبه من تجويز قيام الحوادث به تعالى وحلولها فيه خارجًا عن معتقد أهل السنة والجماعة، أهل الحق. نسأل الله الثبات على الحق. انظر ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، (1/118). ومجموع الفتاوى، (6/299، 16/386،382)، ومجموعة الرسائل والمسائل، (3/119). والمنهاج، (2/380،263).

(504) ) في (ب): "من".

(505) ) انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/؟؟). والشهرستاني، الملل والنحل، (1/109-110).

(506) ) هكذا في (ب) ، ووقع في (أ): "الحواث"

(507) ) انظر الشهرستاني، الملل والنحل، (1/110).

(508) ) هو رأس الكراميّة أبو عبد الله، محمد بن الهيصم. من متكلمي الكرامية بعد الأربعمائة. وهو الذي ناظره ابن فورك بحضرة السلطان محمود بن سبكتكين. انظر ابن ناصر الدين، توضيح المشتبه في ضبط أسماء الرواة وأنسابهم وألقابهم وكناهم، (7/303). والعسقلاني، لسان الميزان، (5/345).

(509) ) انظر البغدادي، الملل والنحل، (ص/150). والشهرستاني، الملل والنحل، (1/110).

(510) ) انظر الشهرستاني، الملل والنحل، (1/110-111).

(511) ) في (ب): "نسبة".

(512) ) سقطت في (ب).

(513) ) في (ب): "كذلك".

(514) ) في "ج" نظروا".

(515) ) انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/327). والشهرستاني، الملل والنحل، (1/111-112).

(516) ) في (ب): "الجوهر".

(517) ) في (ب): "من".

(518) ) في (ب): "وسط".

(519) ) انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/245). والشهرستاني، الملل والنحل، (1/111).

(520) ) انظر الشهرستاني، الملل والنحل، (1/111).

(521) ) انظر نهاية الإقدام، (ص/؟؟؟).

(522) ) في (ج): "منا"

(523) ) هذا الصواب نحْويًّا، وفي (أ): "يجتمعان".

(524) ) الرجوع إلى الدليل القويم والأسماء والصفات

(525) ) في (ب): "وكيف".

(526) ) سقطت في (ب).

(527) ) في (ج): "متعلقها".

(528) ) في (ب): "شائيًا في الأزل".

(529) ) سقطت في (ج)

(530) ) في (ب): "التزموا".

(531) ) سقطت في (ج).

(532) ) سقطت في (ج).

(533) ) في (ب): "وبهذا".

(534) ) سقطت في (ج).

(535) ) في (ج): "منزّه".

(536) ) انظر الجرجاني، التعريفات، (ص/63).

(537) ) في (ب): "الحادث".

(538) ) سقطت في "ج".

(539) ) تنبيه مهم: بالنسبة لله تعالى الفعل يتجرد عن الزمان الماضي والمضارع والحال؛ لأنّ فعلَه أزلي لا محالة. فإخبارُه تعالى لا يتعلق بالزمان؛ لأنّه أزلي والـمُخبَر عنه متعلقٌ بالزمان، فالتغيّر على الـمُخْبَرِ عنه مما هو حادثٌ لا على الإِخبار، كما أنّ الله تعالى كان عالِـمًا في الأزل أنّه سيخلُقُ العالـم ثم لـما خلقه فيما يزال كان عالـمًا بأنّه قد خلقه، والتغيُّرُ على المعلوم الحادث ليس على العلم. وكذلك القول في الإرادة والأمر اللذين هما صفتان من صفات الله تعالى القديمة، هما قديمان أزليان، وإنّ ما في ألفاظ ما ورد في بعض الآيات من معنى الاستقبال والاستئناف إنما هو راجع إلى المراد، لا إلى الإرادة، وذلك أنّ الأشياءَ المرادة المكونة في وجودها استئناف واستقبال لا في إرادة ذلك ولا في الأمر به، وقد أجمع أهل السنة والجماعة أنّ اللهَ تعالى لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، والله الموفق للصواب. انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/367). وابن عطية، المحرر الوجيز، (3/393).

(540) ) [سورة الـمائدة: ١٢].

(541) ) [سورة الـمائدة: ١١٩].

(542) ) [سورة الـمائدة: ١١٥].

(543) ) [سورة المائدة: 109]

(544) ) [سورة الأنبياء: ٦٩].

(545) ) [سورة يس: ٥٨]

(546) ) [سورة الكهف: ٨٢]

(547) ) [سورة النساء: ٢٨]

(548) ) [سورة الإسراء: ١٦]

(549) ) ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [سورة البقرة: ٢٩].

(550) ) ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [سورة البقرة: ١٠٦].

(551) ) ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [سورة التكوير: ٢٩].

(552) ) في (ج) "إرادة".