قال أصحابنا: الكون ما يخصّص الجوهرَ بمكان أو تقديرِ مكان(431).
وقال الإمام: "هو ما يخصّص الجوهر بحيّز، ويندرج تحت لفظ الكون: الحركة والسكون والاجتماع والافتراق، وفي الـمماسّة كلام سيأتي إن شاء الله تعالى"(432).
وقد أقمنا الدلالة على إثبات الأكوان بما فيه مَقنع، وهذا الضرب من الأعراض يُسمّى أكوانًا لغة واشتقاقًا، فإن العرب تقول: "كان زيد في الدار، وهو كائن في الدار" يعنون به اختصاصَه بالدار، وكذلك إذا نفوا كونَه في الدار فالنفي يرجع إلى عدم كونه فيها لا إلى ذاته، إذ يستحيل انتفاء ذاته مع وجودها، فوضح بما ذكرناه جريان الكون بمعنى الاختصاص بالأماكن والجهات في لغة العرب.
والأستاذ أبو إسحاق ربما يُطلق لفظ الكون على سائر الـمعاني والأعراض فيقول: "الأعراض أكوان لأنفسها، أعراض وصفات لـمحالّـها"(433) وكأنه ردّ هذا الاسم إلى معنى الكينونة والوجود.
وصار بعض الـمعتزلة إلى أنّ الكون يُغاير الحركة والسكون والاجتماع والافتراق والـمماسّة، وحقيقة هذا الـمذهب أنّ الجوهر يختصّ بالـمكان لكون تخصّصه به، ثم يطرأ عليه الحركةُ والسكون وغيرُهما من الأكوان(434). وهذا الذي قاله ليس بشىء ومضمونه يفضي إلى خلط العِلل بما يتوقّع من الـمعاني الـمقترنة بها حتى يقال: ليس العِلـم اعتقادًا للشىء على ما هو به مع سكون النفس إلى الـمعتقد، وإنما هو معنى زائد عليه.
ومما يوضح الردّ على هؤلاء أن يقال: إذا زال الجوهر من مكان إلى مكان فما معنى زواله؟ وما الـمعنى بانتقاله؟
فإن قالوا: الـمعنى به خروجه عن الـمكان الأول ورجوعه في ذلك حتى يفصحوا بأنه دخول في الـمكان الثاني إذ كل دخول خروج بالإجماع، ثمّ لا معنى للدخول في الـمكان الثاني إلّا الكون فيه بعد الكون في غيره، فوضح بذلك انصراف الحركة إلى نفس الكون في الـمكان الثاني، فإذًا ثبت أنها كون فيه. فإن أثبت الخصم مع ما قرّرناه كونًا آخر فقد اعترف بكون الحركة كونًا وادعى بعد ذلك كونًا آخر، وليس ادعاء كون ثان (ق55ب) أولى ممن يدّعي كونًا ثالثًا ورابعًا.
فإن قيل: الجوهر في حال حدوثه كائن وليس بمتحرّك ولا ساكن، وكذلك الجوهر الفرد ليس فيه اجتماع ولا افتراق.
قلنا: اختلف العلـماء في أن اللُبث هل هو شرط في السكون أم لا؟ والصحيح من الـمذهب أنّه ليس بشرط فيه، والجوهر في حال حدوثه ساكن(435)، وقال بعضهم: "اللُبث شرط فيه" وهو مذهب الـمعتزلة.
والدليل على الأصحّ: أن الجوهر إذا بقي في حيّزه الأول والأكوان تتجدّد عليه من حيث استحال بقاؤها فالكون الثاني من جنس الكون الأول، فإن خاصيّة الكون إيجابه تخصّيص(436) الجوهر بمكان أو تقدير مكان، وإذا أوجب الكون الثاني ثم تخصّيص(437) الجوهر ما أوجبه الأول فقد ثبت أنهما متماثلان، ثم الكون الثاني سكون فكذلك الأوّل.
فإن قالوا: السكون يتضمّن لُبثًا ولا يتحقّق اللُبث في الحالة الواحدة. قلنا: لهذا القائل لو شرطنا في تثبيت السكون لُبثًا لـما تصوّر سكون أصلًا؛ إذ السكون عَرَض والعرض يستحيل بقاؤه، فما مِن كون إلّا ويوجد دائمًا بل(438) يوجد ويعدم كما وجد، فينبغي أن لا نصف كونًا بأنّه(439) سكون، أو نزعم بأن السكون اسم ينطلق على كونيْن متعاقبين يلاقي وقتين فلا يرجع السكون إلى وقت واحد، وهذا لـم يصر إليه صائر.
والذي يحقّق ما قلناه: أن الجوهر إذا زال عن مكانه الأول إلى الثاني فقد قال أهل التحقيق إن نفس حركته إلى الـمكان الثاني سكون، ومعلوم أنه لـم يَدُم كونه في الـمكان الثاني في أوّل حال حصوله وسمّي مع ذلك سكونًا. ثم قالوا بانين على هذا: كلّ حركة سكون وليس كلّ سكون حركة، فالكون الأول في الـمكان الثاني حركة عن الأول سكون في الثاني، والكون الثاني في الـمكان الثاني سكون وليس بحركة.
فإن قال قائل: الحركة تضادّ السكون فكيف حكمتم باتحادهما؟ قلنا: لا يقال إن الحركة تضادّ السكون على الإطلاق، لكن يقال الحركة عن الـمكان تضادّ السكون فيه، والحركة إلى الـمكان لا تضادّ السكون فيه.
وقال بعض الأصحاب: الكون الأول في الـمكان الثاني ليس بسكون وإنما هو حركة، والكون الثاني في الـمكان الثاني إن لبث الجوهر فيه هو السكون، واستدلّ بأن قال: الجوهر إذا مرّ متحرّكًا في جهة على أوحى ما يُقدّر فلـم يوجد منه الأكوان في كلّ مكان فيلزم أن يقال: كلها سكنات والجوهر ساكن في مروره، وهذا خلاف الـمعقول إذ التفرقة مُدركة بين الحركة والسكون كما أنها معلومة بين كلّ مختلفين.
قال الشيخ الإمام: وهؤلاء افترقوا فصار بعضهم إلى منع إطلاق اسم السكون على الكون الأول في الـمكان الثاني مع الاعتراف بأن الكون الأول مثلُ الكون الثاني. وصار آخرون إلى أن الكون الأول الـمسمّى بأنّه حركة يخالف الكون الثاني الـمسمّى بأنّه سكون.
فمن اعترف بتماثل الكونين فلا يظهر معه اختلاف في الـمعنى، ومن زعم أنهما مختلفان فلا محصول لهذا الكلام؛ فإن الكون الأول أوجب اختصاص الجوهر بالـمكان الثاني كما أوجب الكون الثاني، ووجه اختصاصه في الحالة الثانية كوجه اختصاصه في الحالة الأولى، ولو جاز تقدير الفرق بين الحالة الأولى والثانية جاز الفرق بين الثانية والثالثة فإن الأكوان متجددة غير باقية.
فإن قالوا: الكون الأول في الـمكان الثاني أوجب الخروج عن الـمكان الأول، والكون الثاني لا يوجب ذلك فثبت اختلاف الكونيْن. قلنا: قد بيّنّا أنّه لا معنى للخروج من الأول إلّا الدخول (ق56أ) في الثاني، فيُفضي مساق هذا الكلام إلى أن الكون يوجب نفسه، وهذا محال.
فإن قالوا: الكون الأول في الـمكان الثاني يضادّ الكون في الـمكان الأول. قلنا: هذا الـمعنى متحقّق في الـمكان الثاني إذ هو مضادّ للـمكان الأول، فقد ثبت تماثلُ الكونيْن الأول والثاني من حيث الـمعنى، ووضح أنّ الحركة عن الـمكان سكون في الثاني(440). ه.
فصل في حقيقة الحركة
ل/57 (أ)
اختلفت عبارات أصحابنا في حقيقة الحركة، فقال بعضهم: هي تفريغ مكان وشغل مكان. وقال بعضهم: هي الكون في الـمكان الثاني عقيب الكون في الـمكان الأول بلا فصل(441).
ومن ضرورة الحركة أن تكون مسبوقة بكونٍ، ثم تكون الحركة انتقالًا عنه، ولا يتصوّر حركة أسرع من حركة ولا أبطأ من حركة؛ إذ البطء والسرعة في الكون الواحد غير معقول. والجوهر لا يقطع مكانين إلّا في حالين فما لـم يقطع الـمكان الأول لا ينتهي إلى الثاني، وقد يستبِق الـمُستبِقان فيسبق أحدُهما الآخر؛ لتوالي حركاته من غير تخلل سكون، ويتخلّف عنه الآخر؛ لأنّه تخلل حركاته سكنات.
والرحى إذا تحرّك في جهة يمنةٍ مثلًا، والنملة تدبّ وتأخذ في جهة يسرة، فإنما يتصوّر ذلك لتخلل وَثَبات وسكنات النملة في سيرها، ولولا ذلك لـما تُصوّر تقدير حركتيْن مُتناقضيْن في جهتيْن، وعلى هذا يُخَرّج اختلاف حركات الأنجُم [حركة](442)من الـمشرق إلى الـمغرب، وحركة من الـمغرب إلى الـمشرق.
واعلـم أنّ النظّام لـمّا نفى تناهي الجواهر؛ فأُلْزِم على قضيّة مذهبِه أن لا تُقْطع مسافةٌ أبدًا فقال: "إنما تقطع الـمسافات؛ لتخلّل الطفرات(443)"(444) فلـمّا سُفِّهَ عقلُه في ذلك تشبّث بضروب من التمويهات ذكرنا بعضها في باب أحكام الجواهر.
ونزيده تقريرًا فنقول: إذا نظرنا إلى جملة ذات أضلاع، وأحاطت أوهامنا بحدودها وجوانبها ومنقطعاتها، فعلى قطع نعلـم أنها في القسمة تنتهي إلى حدّ لا يقبل القسمة والتشطير، فكلّ ما يدلّنا على انقطاع القِسمة الفعليّة وانتهائها إمّا لعجزنا عن ذلك، أو لعدم قبولها لها، فذلك دالّ على تناهي القسمة الوهميّة.
وذلك أنّ الجملة التي فرضنا الكلام فيها متناهية الحدود والـمنقطعات، وعلى اضطرار نعلـم أن الـمتناهي لا يحتوي على ما لا يتناهى، وأن الرغيف لا ينكسر لُقمًا غير متناهية، وكلّ ما انقطع من جانب وانتهى إلى الجانب الآخر يستحيل اشتماله على أجزاء تفوت الحصر وتخرج عن الضبط، وَوِجْدَانُنَا الفرقَ بين الصغير والكبير شاهد لـما ذكرناه(445).
ودعوى الخصم: "أنّ كلّ شاخص مرصوصٌ (كتب في المطبوع: محسوس ه)"(446) مسلّـم، غير أنّ الجوهر الذي قدّرناه ليس بشاخص ولا متشّكل ولا محسوس في مجرى العادة، وإنما أثبتناه بأدلّة العقول. ثم لا يتصوّر في النفس إلّا صورة، ولا يتمثّل إلّا جملة محسوسة لها أطراف وجوانب، ومخالفونا توهّموا أنّ مَعنَانَا بالجوهر الفرد هو ما صوّروه في نفوسهم، فبنوا على ما تخيّلوه شبهات لهم.
واعلـموا أنّ الجوهر الفرد لا يتصوّر بالشكل بالتثليث والتربيع والتدوير(هكذا كتبت في المطبوع، وفي المخطوط: التدبير؟)(447)، ولا يتصوّر أن يقال: "له جانب هو اليمين يتّصل به منه جوهر، وجانب هو الشمال يتّصل به غيره". نعم قد يُطلق القولُ بأن له ستّ جهات، ومعناه أنّه يصحّ أن يحيط به ستّة أمثاله، فلا يبقى مكشوفًا من وجهٍ، ولا يتّصل به أكثرُ من ستّة، وأنه إذا اجتمع اثنان استحال أن (ق56ب) يوضع ثالث عليهما، فإن القول به يوجب أن يكون الفوقاني متجّزئًا عليهما.
ولا معنى لقولنا: "إن الجوهر في مكان إلّا أنّه موجود و(448)إلى أحد جوانبه مثله مماسًّا له". وإنما يقع التمييز بين الجواهر وما لا يدخل في معناها بكون الجوهر متحيّزًا في وجودِه، وهو حجم وجِرم ومحلٌّ للعرض، ويقبل الـمماسّة والـمحاذاة.
ص/58 (أ)، ص/70 (ب). [من هنا تبدأ نسخة أمريكا]
وقد قال بعض أصحاب الهيولى: "إنّ القسمة إذا سلّطت على الجملة فتنتهي لا محالة إلى حالة لا تقبل القسمةَ بالفعل ولا بالوهم، ثم تنمحق وتعود هيولى".
ونحن لا نقول بالهيولى، ولكنا نقول: تنتهي إلى حالة لا تقبل القسمةَ، وذلك قبيل الانمحاء، وهو الجوهر الذي وصفناه.
جئنا إلى مسألتنا وهي: أنّ الجسم لا يقطع مكانيْن في حالة واحدة.
فإن قال قائل: هل يُتصوّر وقوع الجسم في جهة بعيدة من غير توالي الأوقات وتعاقبها؟ قلنا: لا يتصوّر ذلك مع استمرار الوجود، ولكن لو خلق الله تعالى جوهرًا في أحد قُطري الأرض، وأعدمه في الحالة الثانية، فيتصوّر أن يُعيده في الحالة الثالثة في القطر الآخر من الأرض أو في أعلى علّيّين، ولا يتصوّر ذلك إلّا مع تقدير تخلُّل عدم.
وما يروى في نزول جبريل عليه السلام وعروجه في يومٍ كان مقدارُه ألف سنة، معناه كان مقدارُه لو قُدّر ذلك العروجُ والنزولُ من غيره ألف سنة.
وكذلك إتيانه بعرش بِلقيس في ساعة فإنّه لا ينافي ما ذكرناه، فإنّ الساعة تشتمل على أوقات وأزمنة وحالات، والحال الواحدة لا تدركها الأوهام في مطرد العادة. ويمكن أن يقال في عرش بلقيس: إن الله تعالى أعدمه في مكانه ثم أعاده في مجلس سليمان، ويجوز أن يكون جبريل عليه السلام قد أخرجه من موضعه وحمله قبل أن قال سليمان لقومه: "أيكم يأتيني به"(449) بساعة، ثم أراه ذلك في مجلِسه حين أراده. ه
ومن أحكام الحركة: أن يُعلـم أنّ الجوهر لا يدور(450) على جوهر، بل يستحيل أن يتحرّك جوهر على جوهر حركة رحويّة من غير أن يزول عن مكانه، إذ الحركة هي الزوال، وأخذ مكانٍ محددٍ بعد مكان.
ومما ذكره الأستاذ في أحكام الحركة: أنّ الجوهر إذا تبدّلت عليه الـمحاذاة فهو متحرّك على معنى أنّه يُعطى له حكم الحركة بتبّدل محاذاته.
فقيل له: الجسم الواقف إذا حاذاه محاذيان مِن وجهين، أحدهما: في جهة العُلوّ يـمنة، والآخر: في جهة السُفْل يسرة، فيلزم أن يتحرّك يـمنة ويسرة معًا.
فقال رحمه الله: الحركة حركتان حركة يزول بها الـمتحرّك، وحركة لا يزول بها بل يزول عنه غيره، فأمّا الحركة التي هي زوال الـمتحرّك فيستحيل اجتماع حركتيْن منها في محلّ واحد، وأمّا الحركة التي ترجع إلى زوال الشىء عن الـمتحرّك لا إلى زواله في نفسه فلا يُستبعد فيه ما ألزمتم(451) فعاد محصول القول إلى تسميةٍ.
فقيل للأستاذ: قسمة الحركة إلى زوال وإلى ما ليس بزوال بعيد.
فقال الأستاذ: كل حركة زوالٌ، ولكن من ضرورة زوال الجوهر الأعلى عن الأسفل أن يزول الأسفلُ عن الأعلى.
وممّا يتعلّق بهذا الفصل: أن الجوهر إذا أحاطت به ستّة جواهر ثم زال الجسم عن مكانه وتحرّك فهل يُعطى للجزء الباطن الـمُحْتَوَش (هكذا التشكيل؟؟) بالجواهر مِن جهاته حكم الحركة؟ وهل يقال: إن الأجزاء الباطنة من الجملة تحرّكت بحركة الجملة الظاهرة؟ اختلفوا فيه:
فقال قائلون: لا تتحقّق الحركة في الأجزاء الباطنة إذ الحركة تبدّل الـمكان، أو تبدّل الحيّز، أو تبدّل الـمُحاذاة على قول بعضهم، والجزء الباطن في (ق 57أ) الصورة التي ذكرناها لـم يزل عن مكانه ولا عن حيّزه، وكما لا يبعد إطلاقُ القول بأن الجزء الـمتوسّط ليس بمنافٍ لشىء من جواهر العالَـم، لـم يبعد إطلاق القول بأنه ليس بمتحرّك.
وقال آخرون: يعطى للأجزاء الباطنة حكم الحركة، فإنا إذا كشفنا عنها حتى لا يبقى إلّا أفرادٌ من الجواهر، فيُعلـم أنّ أحيازها وهي ببغداد غير أحيازها وهي بخُراسان.
ومما يتعلّق بهذا أن الجوهر إذا استقرّ على جوهر، ثم تزحزح الـمتسفّل، والجوهر الأعلى مستقرّ عليه زائل بزواله.
فقال بعضهم: إن الـمتحرّك هو الـمتسفّل دون الـمستقرّ عليه، وكذلك إذا تحرّكت السفينة برُكبانها ولـم تزعجهم فالسفينة هي الـمتحرّكة دون الرُكبان. وهذا ظاهر البطلان؛ فإنّ الأعلى قد تحقّقت فيه مُزايلة الأحياز، وتحقّق منه خرق أجزاء الهواء كما تحقّق ذلك من الـمُستفِّل، فلا معنى لنفي الحركة عنه، والذي يحقّق ذلك: أن اتصال الأعلى بالأسفل كاتصال الأسفل بالأعلى، فإن لزم إخراج الأعلى عن حكم الحركة لزم ذلك في الأسفل.
فصل
مِن مذهب أهل الحقّ الـمصير إلى تضادّ كلّ كونيْن يُقدّران على البدل في الجوهر الواحد إلّا الـمماسّة(452) ففيها تفصيل فنقول: كلّ كوْنين أوجبا الاختصاص بمكان واحد فهما متماثلان، وكلّ كوْنين تباينا في ذلك فأوجب أحدُهما الاختصاص بمكان وأوجب الآخر الاختصاص بغيره فهما مختلفان.
وإيضاح ذلك بالأمثلة: أن الجوهر إذا استقرّ في حيّز زمانًا وتتابعت عليه أكوانه فهي متماثلة من حيث أوجب كلُّ كون ما أوجب سائرُ الأكوان، ومتماثِلُ الأعراض متضادّةٌ عندنا، فإذا زال الجوهرُ إلى مكان آخر فالكون الذي خصّصه به يخالف الأكوان التي خصّصته بالـمكان الأول فهما مختلفان مُتضادّان.
فمن نفى الـمماسّة(453) أطلقَ القولَ بأنّ الأكوان مختلفة، ومختلفاتها متضادّة ويستحيل اجتماع كوْنين في محلّ واحد سواء كانا مماثليْن أو مختلفيْن.
ومن أثبت الـمماسّة لـم يُطلق ذلك إذ يجوز عنده اجتماع مماسّاتٍ في الجوهر الواحد. ولكن مُطْلِقَ الأول يمنع اجتماع حركتيْن أو سكونيْن سواء كانا مِثليْن أو خِلافيْن.
وصار صائرون إلى أنّ الأكوان جنس واحد، وأنها لا تختلف باختلاف الأماكن والأحياز.
قالوا: إذا نظرنا إلى الجواهر فهي متماثلة متجانسة، وإذا نظرنا إلى الأحياز فهي في حُكْم الـمتماثلات فكيف تختلف الأكوان، واستشهدوا بالسواديْن في الـمحليْن.
والصحيح ما قدّمناه؛ فإن الكون الذي أوجب اختصاصَ الجوهر بمكان لا يوجب اختصاصَه بمكان آخر، وكلّ شيئيْن لا يَسدّ أحدُهما مسدّ الآخر فهما مختلفان.
والذي يوضح الحقّ في ذلك أن الكونَ في الـمكان الثاني لو كان من جنس الكون في الـمكان الأول لطرأ على الجوهر من غير أن يقتضي زوالَه وانتقاله، كما تتابعت الأكوانُ الـمتماثلةُ عليه وهو مستقِرّ في الـمكان الأول.
وأما استشهادهم بالسواديْن فلا محصولَ له، وذلك يَنْبَني عندنا على أنّ الأعراض تختصّ الـمحالّ لأعيانها أو بجعل جاعل إيّاها كذلك، ولنا فيه كلام، فأمّا الكوْنان اللذَانِ فرضنا الكلام فيهما، فهما بمثابة الكونيْن الـمختلفيْن وليسا بمثابة السواديْن.
فإن قالوا: سوادَي (هكذا في المطبوع: سوادا) جوهريْن ككوني جوهرين، فالجوهر أسودُ بالسواد كما هو كائنٌ بالكون.
قلنا: كلامنا فيما وراء ذلك، فإنّ السواد لا يقتضي كونَ الأسوَد في مكانٍ أو حيّزٍ مخصوص، والكونَ يقتضي كونَ الجوهر في حيّزٍ مخصوصٍ أو مكانٍ مُعيّن يُدرَكُ الاختلافُ في مثيله (في المطبوع: قبيله). والسرّ فيه: أنّ اللون لا ارتباط له بالـمكان، ولا عُرف التماثل والاختلاف في مثيله (في المطبوع: قبيله). بمحلّه ولا بجهة محلّه، ولا كذلك الكونُ، فإنّ حقيقتَه اختصاصٌ بمكان، وحقيقةُ اختلافِ الـمكانيْن معلوم على الضرورة (ق57ب)، ولولا ذلك لـما اختلفت أحكامها، وقد علـمنا أن ذهابَ الجوهر في جهة عُلوّ يُخالف ذهابَه في جهة سُفل، واختصاصُ الجوهر بمكانٍ أمرٌ زائد على وجودِه. ه
مسألة
إن قال قائل: ما الـمانع من اجتماع الجوهريْن في الـمكان الواحد أو في الحيّز الواحد؟
قلنا: الذي ارتضاه الأستاذ أبو إسحاق أنّ ذلك يمتنع لتضادّ الكونيْن؛ لأنّ وجودهما(454) في مكان يقتضي كونيْن من جنسٍ واحدٍ في الـمكان، وذلك محال لتضادّ الـمثليْن.
وقال شيخنا الإمام(455) أبو القاسم الإسفراييني: "لا فَصْلَ عند شيخنا أبي الحسن بين وجود عرض واحدٍ في محليْن وبين وجود مثليْن في محلّ واحد، كما لا فرق بين وجود جوهر في مكانيْن وبين وجود جوهريْن في مكان واحد؛ لأنّ وجودَهما في مكان يقتضي كونيْن من جنس واحد في الـمكان بهما يماسّ الـمكان وذلك محال، كما أن وجوده في مكانيْن يقتضي قيام كونيْن يكون بهما في الـمكانيْن"(456). وهذه الاستحالة في الجوهريْن في مكان، وفي جوهر في مكانيْن يستند إلى العلـم الضروريّ، فاتّضح بذلك ما اختاره شيخنُا في منع جمع الجنس في الـمحلّ الواحد.
وأما القاضي رحمه الله فإنه سلك في ذلك مسلكيْن:
أحدهما: أن قال: يستحيل اجتماع جوهريْن في حيّز واحد لنفسهما لا لـمعنى سواهما، كما يستحيل اجتماعُ السواد والبياض لذاتيْهما لا لعرضيْن آخرين، فالجِرمان يتزاحمان على الحيّز لنفسهما، ثم لـم يسمّ ذلك تضادًا بين الجوهريْن. والأستاذ لـم يتحاشَ من إطلاق هذا الاسم.
وقال القاضي في الطريقة الأخرى: "إنما لـم يوجد أحدُهما بحيث الثاني؛ لأنّ شرط وجودِه في حيّزٍ عدم كون غيره".
قلت:(457) ولا اختلاف بين أصحابنا في الـمعنى، فإنّ الكون ليس زائدًا على وجود الجوهر مختصًّا بحيّزٍ، فاختصاصُه به هو الكون، وهو نفسُه مختصًّا إذ لا يوجد إلّا كائنًا في حيّز.
فإن قال قائل: ما الـمانع مِن كون جوهريْن في حيّزيْن.
قلنا: إنما امتنع ذلك لتضادّ كونيْه. وصار بعض الأصحاب إلى أن استحالة ذلك من اتحاد الجوهر والواحد لا ينقسم، كما أنّ العرض لا يحلّ محلّيْن لاستحالة انقسامه.
فإن قيل: أليس الجوهر يلاقي ستّة من الجواهر فلا يمتنع أيضًا أن يشغل مكانيْن. قلنا: إذا أشغل مكانيْن بطل اتحادُه، ولا يمتنع أن يحيط به ستّة أمثاله ويكونَ كلُّ واحد في حيّزِ نفسه إذ لا يدلّ ذلك على انقسامه، ولو ماسّ جوهريْن من جهةٍ واحدةٍ أدّى إلى الانقسام كما لو شَغَل مكانيْن. ه
(431) ) انظر ابن فورك، مقالات الأشعري، (ص/243). والآمدي، أبكار الأفكار، (3/179).
(432) ) انظر الجويني، الشامل، (ص/428).
(433) ) انظر الجويني، الشامل، (ص/428).
(434) ) انظر ابن متويه المعتزلي، التذكرة، (ص/448،432).
(435) ) ذهب القاضي إلى هذا القول. انظر الجويني، الشامل، (ص/432).
(436) ) في (ب): "تخصيصه".
(437) ) في (ب): "من تخصيصه".
(438) ) من قوله: "ويوجد دائمُا..." إلى هنا ساقط في (ب).
(439) ) في (ب): "فإنه".
(440) ) انظر الجويني، الشامل، (ص/445-446).
(441) ) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/243-244). والبغدادي، أصول الدين، (ص/186).
(442) ) هكذا في الغنية. انظر الأنصاري، الغنية، (1/417).
(443) ) الطفرة: الوثوب في الارتفاع، تقول طفرتُ الشىء أطفره طفرًا إذا وثَبت فوقه. انظر الخوارزمي، مفاتيح العلوم، (ص/44). والزبيدي، تاج العروس، (12/431).
(444) ) انظر ابن فورك مجرد مقالات الأشعري، (ص/207). والبغدادي، أصول الدين، (ص/880).
(445) ) في (ب): "ذكرنا".
(446) ) استاذ احمد ليس لها وجه مرصوص
(447) ) استاذ احمد
(448) ) سقطت من (ب).
(449) ) قال الله تعالى إخبارًا عن سيدنا سليمان عليه السلام: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾ [سورة النمل: ٣٨].
(450) ) في (ج): "يدوم".
(451) ) في (ب): "التزمتم".
(452) ) في (ج): "بينهما".
(453) ) وتقدير الكلام: "فمن نفى المماسة زائدة على الكون المخصص للجوهر في المكان". انظر الأنصاري، الغنية، (1/419).
(454) (في (ج): "اجتماعهما".
(455) ) سقطت من (ب).
(456) ) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/؟؟).
(457) ) من هنا إلى قوله: "فعلى قول الأكثرين الخلق عبارة" سقطت من (ج).