قال الإمام رضي الله عنه: "الذي صار إليه أهلُ الحقّ أنّ الجوهرَ لا يخلو عن كلّ جنسٍ مِن العَرَض، وعن جميعِ أضدادِه إنْ كان له أضداد، وإن كان له ضِدٌّ واحدٌ لـم يخلُ الجوهر عن أحدِ الضدين، وإن قُدِّر(168) عَرَضٌ لا ضِدّ له لـم يخلُ الجوهرُ عن قبول واحدٍ مِن جنسه، إذا لـم يمنع مانعٌ مِن قبوله"(169).

وجوزت الملحدة خلوَ الجوهر عن جميع الأضداد، والجوهر في اصطلاحهم يُسمى الهيولى والمادة، والأعراض تسمى الصُور(170).

وجَوّز الصالحيّ مِن المعتزلةِ عُرُوَّ الجوهرِ عن جميع الأعراض ابتدأً(171)، ومنع البصريون منهم العروَّ عن الأكوان، وجوزوا الخلوَ(172) عمّا عداها.

وجوّز الكعبيّ ومتّبعوه مِن البغداديين خلوَ الجوهر عن الأكوان، ومَنَع العروَّ عن الألوان(173).

وكلّ مخالف لنا في هذه المسألة يُوافقنا على امتناع العروّ مِن [في المطبوع: عن] الأعراض بعد القبول مِن الجواهر لها.

فنعرض الكلام مع الملحدة في الأكوان فإنّ القول فيها يستند إلى الضرورة. الفصل إلى آخره"(174)/(175).

اعلـم أنّ الغرضَ الأظهر من هذا الباب تبيين استحالة تعرّي الأجسام عن الأكوان، والدهريّةُ وكلُّ مخالف لنا مِن المعتزلة في بعض فصول هذا الباب يوافقوننا على أنّ الجواهر بعدما تركبت وتألفت يستحيل خلوها مِن [في المطبوع: عن] الأكوان ونحوِها مِن الأعراض المتعاقبةِ عليها. ودلالةُ حدث الأجسام تتضحُ وتَتجهُ بهذا القدر.

وأصحاب الهيولى قد قالوا بخلو المادة والهيولى عن الصورة والأعراض، غيرَ أن الذي أشاروا إليه وسمّوه المادةَ فليس بجواهر عندنا، فإنّ الجوهر هو الذي له حظٌ مِن المساحة القابل للمتضادات، وما ليس بجرمٍ ولا قابلٍ للأعراض فليس بجوهرٍ أصلًا، وتسميةُ ما هذا وَصْفُه جوهرًا بمثابة تسميةِ المعدوم جوهرًا، وقد أبطلنَا ذلك بما فيه مَقْنع.

ثم قال الإمام بانيًا على هذا الأصل: "إنّا ببديهة مِن عقولنا نعلـمُ أنّ الجواهر القابلةَ للاجتماع والافتراق لا تُعْقَلُ غير مجتمعةٍ ولا مفترقةٍ ولا متماسّة ولا متباينةٍ، وكذلك الجوهرُ الواحدُ لا يُعقل إلّا قارًّا في حيّزه أو زائلًا عنه قارًّا [هل الأفضل أن تكون: فارًّا]"(176).

ومما يُوَضّحُ ذلك أنّها إذا اجتمعت فيما لا يزال فلا يتقرّر في العقل اجتماعُها إلّا عن افتراقٍ سابق، لو قدّر لها الوجود قبل الاجتماع. وكذلك إذا طرأ الافتراقُ عليها اضطررنا إلى العلـم بأنّ الافتراقَ مسبوقٌ بالاجتماعِ وغرضُنا في روم إثبات(177) حدوثِ العالـم يتّضح بالأكوان.

فإن قيل: ألستم اعتقدتم صانعًا للعالـم موجودًا قائمًا بالنفس ثم زعمتم أنّه سبحانه غيرُ متّصلٍ بجواهر العالـم، ولا منفصل عنها وهذا نقضٌ صريحٌ.

وهذا الذي ذكروه غيرُ متقبَّل في حُكْمِ النظر أولًا، فإنّا تشبثنا فيما ادّعيناه بالضرورة، وإنما تُوَجَّه الاعتراضاتُ على المستدلّين، على أنّا إنّما فرضنا الكلامَ في جوهريْن (ق28ب) جِرميْن مُتحيّزيْن ورتّبنا على ذلك غرضَنا، والقديمُ ليس بمتحيّزٍ ولا مختصّ بقطرٍ، ومعنى قولنا: "إنّه قائم بالنفس" استغناؤه عن الأحياز والـمَحالّ والـمُخصِّص.

واعلـم أنّ الدهريّة وافقونا على استحالةِ تعريّ الجواهر عن الأعراض بعد قبولها، فلا يخلو إمّا أنْ يقولوا: وجب ذلك فيما لا يزال لأنفسِها فيلزم مِنه طَرْدُ ذلك في الأزل لوجود أنفسها. وإمّا أن يقولوا: ثبتَ ذلك لمعنى، فيلزم إثباتُ معنى آخر يوجب قبول المعنى الأول ثم يتسلسل القول. وإن زعموا أنّ هذا الحكمَ وهو قبول الأعراض فيما لا يزال ثبتَ لا للنفس ولا للمعنى(178) كان باطلًا، وفيه تصريحٌ بنفي الأعراض، والقول بالعروّ عن الأعراض فرعٌ للقول بثبوتها، فلـم يبقَ بعد ذلك إلّا القطعُ بأنّ الجواهرَ إنّما تقبلَ الأعراضَ لأنفسها.

فإن قالوا: أليس الفعلُ(179) يختصّ بما لا يزال ويمتنع في الأزل؟ قلنا: إنّ الذي أحلْناه في الأزل إثباتُ فعلٍ لا أوّل له وهو مستحيل أبدًا، إذ الأزليّ ما لا أولَ له، والفعلُ ما افتتح إيجادُه، والجمعُ بينهما تناقضٌ فحيث يُتَصَوّر الفعل(180) المفتَتَحُ وجودُه نجوّزُه، ثم إذا تُصوِّرَ كان مُفتقرًا إلى مقتضٍ قاصدٍ إلى إبداعه، وخصمُنا يحيل على الهيولى قبولَ العرض في وقتٍ لا وَجَه لاستحالته وامتناعه منه، ثم يحكم بوقوع ذلك لو وقع مِن غير مقتضٍ فيما لا يزال. على أنّا لو قلنا: ثبت الخلق إذ ثبت لنفسه بالقدرة، والحادِث حادِثٌ لنفسه بالقدرة كان صوابًا.

ثم نقول: ما قولكم في الهيولى أكانت متهيّئةً لقَبول الصور(181) في الأزل أم لا؟ فإن كانت متهيّئةً لقبولها فما بالها لـم تقبلْها إلى الآن، والمؤثّرُ مقارنٌ لها ولا مانع؟ وإنْ لـم تكن مُتهيّأة لقبولها في الأزل فلـم صارت بهذه الصفةِ فيما لا يزال، والأزليُّ لا يزول فهلا بقيَتْ على هيولاها؟

فإنْ عارضونا بالقدرة القديمة فالجواب: أنّ القدرةَ لـم تزل مصحّحةً للفعل حيث يتصوّرُ الفعل، ومِن حُكمِ المصحِّح أنْ يتقدّم على ما يُصحّحه، والقدرةُ لا تتغيّر عن حقيقتها ولا يتجدّدُ لها صفةٌ عند حدوث المقدور، والهيولى تتشكّلُ وتتغيّر بعد أن لـم تكن كذلك.

وإنْ حاولنا الردّ على المعتزلة تمسّكنا بنُكتتين(182):

أحدهما [في المطبوع: إحداهما]: الاستشهادُ بالاتفاق على امتناع العروّ عن الأعراض بعد الاتصاف بها. فنقول: كلُّ عَرض باقٍ فإنّما ينتفي عن محلّه بطريان ضِدّه، ثم الضدُّ إنّما يطرأ في حال عدم المنتفي به على زعمهم، فإذا انتفى البياضُ عن المحلّ فهلّا جازَ أن لا يحدثَ بعد انتفائه لونٌ إن كان يجوز تقديرُ الخلوّ عن الألوان؟ ونطرد هذه الطريقةَ في أجناس الأعراض. هذا كلام الإمام في هذا الفصل(183).

واعلـم أنّ لأئمّتنا طُرقًا في هذه المسألةِ أقواها التمسُّك بمناقضات الخصوم، وهذا الذي ذكره الإمامُ مِن جملة مناقضاتهم، وإنما أبيّنُها وأشرحُها وأشيرُ في إثباتها إلى نكتة يمكن التمسُّكُ بها في إثبات المذهب.

فنقول لمخالفينا: لـم استحال خلوُّ الجواهرِ عن الأعراض بعد اتصافها بها؟ أتسندون ذلك إلى نفس الجواهر أمْ إلى صفاتها النفسيّة أو إلى معنى سواها؟ فإنْ قالوا: إنما استحال ذلك في الأعراض الباقية كالألوان ونحوِها؛ لأنّ الذي قام بالجوهر أزلًا لا ينتفي عنه إلّا بطريان ضِدٍّ يُنافيه ثم لا ينتفي الضِدُّ الطارئ إلّا بضِدٍّ آخرَ فلا يخلو الجوهرُ إذًا عن لونٍ أو ألوانٍ متعاقبة. وهذا الذي ذكروه باطلٌ مِن أوجهٍ ذكرناها وأوضحنا أنّ الشىء لا يُعدم بضِدّه، فإنّ التضادَّ قضيّةٌ يشترك فيها الضِدَّان، وليس لأحدهما في ذلك مزيّةٌ على الآخر، فليس البياضُ الطارئ بنفي السواد أولى مِن السواد الباقي في المحلّ بمنع البياض مِن الطُّرُوِّ في المحلّ.

فإنْ قالوا: الطارئ أقوى فإنّه مقدورٌ فيتقوّى بالفاعل. قلنا: إنما يتقوّى به ليفعله وهذا الباقي مفعولٌ فهو أقوى.

قال أبو هاشم: إنّما ينتفي السوادُ الباقي عن المحلّ ببياضين(184)، وهذا باطلٌ وسيأتي الكلامُ فيه في أحكام التضادّ. ثم إنْ سُلّـم لهم عدمُ الشىء بضدّه، فيُقال لهم: متى يطرأ البياضُ على المحلّ الذي فيه السواد؟

فإنْ قالوا: يطرأ قبل (ق29أ) انتفاءِ السواد فقد اجتمعا إذًا، والضِدَّان لا يجتمعان، وإن قالوا: إنما يطرأ بعد انتفاء السواد. قلنا: فلـم يكن انتفاؤه به فبطل(185) دعواهم بالكُليّة. على أنّا نقول: إنّ انتفاءَ السواد عن المحلّ أولًا فهلّا جازَ أنْ لا يحدث بعد انتفائهِ لونٌ إن كان يجوز خُلوّ الجوهر عن الكون[في المطبوع: اللون]؟

فإن قالوا: قولنا في انتفاء الشىء بضِدّه كقولكم في تعاقبهما وتنافيهما، وقد صرَّحتم القولَ بأنّ الضدَّين هما المتنافيان على المحلّ. قلنا: المعنى بتنافيهما وجودُ أحدهما في حال عدم الآخر وِلاءً مِن غير تخلُّلٍ، والمقتضي لذلك استحالة خلوّ المحلّ عن أحد الضِدَّيين، فيقتضي ذلك تعاقبهما على المحلّ وتواردهما عليه، ولسنا نقول: يُعدِم أحدُهما الآخر؛ لأنّ ذلك يقتضي ارتباطَ أحدهما بالآخر بوجهٍ ما، وسبيلُ تواردهما كسبيل توارد أجزاء الماء أعني ماء الأنهار على الناعورة، فإنّ كلَّ واحدٍ منهما يخلف(186) الثاني على الوِلاء مِن غير فترة، وكذلك لهيبُ الشمع والسراج وانصباب الماء من الـمُزّمَل(187) فإنه يترائ(188) للناظر أنّه سبيكةٌ بيضاء.

وإذا بطل ما مَهّدوه مِن العذر في استحالة خُلوّ الجواهرِ عن المتضادّاتِ بعد قبولها إيّاها، تعيّن ما اخترناه مِن أنّه إنّما استحال خلوُّها عنها لقبولها لها، فكلّ ذاتٍ قَبِلَ معنى له ضِدٌّ استحال خُلوُّه عنه وعن ضِدّه، ولا يختصّ هذا الحكمُ بحالٍ للجوهرِ دون حال، والدليلُ على صحّةِ ما صرنا إليه بطلانُ ما عداه مِن المذاهب والأقسام، ثم نجعل هذا المعنى الذي تشبّثوا به في تمهيد عُذرهم في استحالة خلوِ الجوهر عن الضِدين حجَّة لنا فيما ذهبنا إليه.

فنقول: كما استحال خروجُ الجوهر عن صفتِه إلّا لصفةٍ متجدّدةٍ طارئةٍ عليه،كذلك يستحيلُ أنْ يتجدّدَ له وصفٌ أو صفةٌ إلّا ببطلان صفةٍ عنه وإلّا بخروجِه عن صفته التي كان عليها. وهذا كما قلنا: إنّه لا يفترق الجوهران إلّا عن اجتماع سابق، ولا يجتمعُ الجوهران إلّا عن افتراق، كذلك لا يتجدّدُ للحيّ وصفُ العِلـم بالمعلوم إلّا بانتفاءِ ما يُضادُّ العلـمَ مِن الغفلة ونحوِها مِن الأضداد.

فإن قالوا: نحن نقول: لا يخرجُ عن الوصف إلّا بوصفٍ ولا يتجدّدُ له وصفٌ إلّا بخروجه عن وصفٍ، وليس مِن شرط ذلك الوصف الذي خرج عنه أنْ يكون معنى قائمًا به بل كان خاليًا عن الضدَّين فاتّصف بأحدِهما وكان واحدًا فصار اثنين. قلنا: فجوّزوا أن يخرجَ عن الوصف بمثل ما قلتم، وهو أنْ يصير خاليًا عن الضِدين كما كان.

وقد أبطلنا هذا التوهّم بما استشهدنا به من الأكوانِ وبذهاب الغفلة عن المحلّ بالعلـم القائم به. ولذلك إذا رأينا الجسمَ وتوهّمنا خلوّه عن اللون ثم رأيناه وظننا أنّه صار متلوّنًا فندرك تفرقةً بين حالتي الجسم حسبَ إدراكنا التفرقة بين حالتي تحرّكه وسكونه، فتبيّن أنّ التفرقةَ كانت راجعةً إلى اللونين كما كانت التفرقةُ هـٰهنا راجعةً إلى الكونين، واختلافُ المناظر شاهدٌ لنا، وهذا يُعَوّلُ على قول مَن قال: "لا مرئيٌ في وقتنا إلّا اللون أو المتلوّن".

ومن مناقضات القوم أنّا نقول للبصريّة منهم: إنْ استحالَ خلوُّ الجوهر عن الأكوان، فما مِن وجهٍ تتشبّثُ به وتجعلُ ذلك علّةً في استحالة خُلوّ الجوهر عن الأكوان إلّا ويجوز للبغداديّين أنْ يتمسَّكوا به في استحالة خلوّ الجوهر عن اللون، فيتعارضُ هذا المذهبُ بذاك، وليس قولُ من قال: "الجوهرُ يتضمّنُ وجودُه وجودَ الكون"، بأولى مِن قول من قال: "يتضمّن وجودُه وجودَ اللون".

وأما النُكتة الثانية التي أشار إليها الإمامُ وهي من قبيل الإلزامات أيضًا أنْ قال: "اتفقنا على استحالةِ قيام الحوادث بذات الإلـٰه سبحانه وتعالى(189)، ولا دليلَ عليه إلّا أنّه لو قَبِل وجودُه سبحانه وتعالى الحادثَ لـما خلا عنه كالجوهر، فلو ساغ قيامُ معظمِ الحوادث بذات الجوهر ولـم يدلّ (ق29ب) ذلك على حَدَثِه فمَا المانعُ مِن قيامِ بعضِ الحوادث بذات القديم سبحانه ولا يدلّ ذلك على حَدَثِه؟"(190).

ولا جوابَ لهم عنه إلّا أن يقولوا: قيامُ الحوادث بذات القديم تعالى يُوجب تغيّره.

قلنا: لـِم قلتم ذلك، وما دليلُكم عليه، وقد التزمتم تغيّرَ حكمِ القديم وتجدّدَ أحواله مِن حوادثَ لا في محالّ وهي الإراداتُ وغيرُها(191)؟ وإنّما المحذور مِن قيام الحوادث بذاته تجدّدُ أحواله.

ومما تمسّك به الأئمّةُ في إثبات ما صاروا إليه أنْ قالوا: تعاقبُ المتضادّات على الجواهر أمرٌ لازمٌ؛ فيستحيل المصيرُ إلى إبطاله بتجويز التعريّ عنها، كما يستحيلُ المصيرُ إلى إبطاله بتجويز اجتماع المتضادّات. قالوا: والسواد والحركة لـمّا جاز خُلوّ الجوهر عنهما جازَ اجتماعهما فيه، فلو جاز خُلوّ الأجسام عن الأعراض كلِّها لجاز اجتماعُ المتضادّات فيها.

فإنْ قالوا: الجوهرُ والعرض غَيْران لا يُوجِبُ أحدُهما الآخر ولا يقتضيه، وهذا سبيلُ كلّ فعليْن صادريْن مِن الفاعل، وهو جوازُ ثبوتِ أحدهما مع عدم الآخر، واعتبروا ذلك بالجوهريْن والعَرضيْن، وهذا إنْ تمسّك به البصريّون انتُقِض عليهم بالأكوانِ، وإنْ تمسّك به البغداديّون انتُقِض عليهم بالألوان، وإن تمسّك به الصالحيُّ منهم فالذي يقوله في الجوهر ينعكس عليه في العَرض، ويلزمه تجويزُ أعراضٍ بلا جوهرٍ؛ لصدور الأعراض عن اختيارِ الفاعل، ويبطل كلامُه بالضدّين فإنّ فِعْلَ أحدهما يمنع من فِعْلِ الثاني مع تحقّق الاختيار في الفاعل، فلئن لـمْ يبعد امتناعُ أحدهما بالثاني لـم يبعدْ لزومُ أحدِهما عند ثبوت الثاني.

فإن قالوا: اجتماعُ الضدّين مستحيلٌ، والقادِرُ لا يُوصف بالقدرةِ على غير ممكن. قلنا: كذلك الجواهرُ دون الأعراض فيستحيلُ تقديرُها وتصويرُها، ويُتمسّك أيضًا بكلّ عَرضيْن أحدهما شرطٌ في الآخر.

ومما يتمسّكون به أن قالوا: الماءُ والهواءُ وطاق(192) إبراهيم كلّ هذا مما لا لونَ له، ولا طعمَ أيضًا لقشرِ الجوز واللوز، وهذه هوسات(193) فإنّا أوضحنا أنّ صغارَ الأجسام لـم تجر العادةُ بإدراكها ولا بإدراك ألوانها وطعومها، وإذا تركّبت فعند ذلك تدرك صفاتها، ويستيقن العاقلُ عند ذلك أنّها لـم تخل عنها عند الانفراد غيرَ أن الأبصارَ قاصرةٌ عن إدراكها، وأمّا الماءُ والهواءُ فلا يُنكر لونُهما. ويجوز أن يقال: للماء لون يخالف الألوان، وقد قيل: لونه البياض ويدرك ذلك منه إذا تجمّد. وأمّا الهواء فهو بالنهار يضرب إلى البياض الـمُشْرِق، وبالليل يضرب إلى السواد.

ثم نقول: عدم إدراكنا بعضَ الألوان والطعوم لا يدلّ على عدمِه، فإنّا لا نُدرك الجوهر الفرد ولا يَدلّ ذلك على انتفائه، وقد جرت العادةُ بأنّ الإنسان لا يُدرك بعضَ صفات الجسم ما لـم يكثرْ نوعُه ويغلب، وإذا اعتدلت صفاتُه فربما لا يُدركه فيتوهّم حينئذ أنّه لا لونَ له أو لا طعمَ له. ه.


(168) في (ب): "له".

(169) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/؟؟).

(170) انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/213). والمكلاتي، لباب العقول، (ص/55).

(171) انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/215).

(172) سقطت من (ب).

(173) انظر النيسابوري المعتزلي، المسائل في الخلاف، (ص/62).

(174) ) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/79).

(175) ) في (ب): "اهـ".

(176) )

(177) سقطت من (ب).

(178) في (ب): "لمعنى".

(179) في (ب): "العقل".

(180) في (ب): "العقل".

(181) في (ب): "الصورة".

(182)

(183) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/80).

(184)

(185) في (ب):"يبطل".

(186) في (ب): "يختلف".

(187) الـمُزَّمَلة كمُعَظَّمة: التي يُبَرد فيها الماء من جرّة أو خابية خضراء، وهي لغة عراقية يستعملها أهل بغداد. انظر الفيروزآبادي، القاموس المحيط، (ص/1011). والزبيدي، تاج العروس، (29/141).

(188) ) في (ب): "مرأي".

(189) انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/276). والجويني، لمع الأدلة، (ص/109).

(190) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/80).

(191) انظر عبد الجبار المعتزلي، شرح الأصول الخمسة، (ص/296).

(192)

(193) الهَوَس: طرف من الجنون. انظر الجوهري، تاج اللغة، مادة (ه و س) (3/992). والزبيدي، تاج العروس، (17/46).