قال: اعلم أنّ الموجوداتِ تنقسم قسمين:
موجودٌ لا افتتاح لوجوده وهو القديم سبحانه وصفاتُه.
وموجودٌ لوجوده افتتاحٌ وهو الحادث(55).
وهذه قسمةٌ بديهيةٌ مستندة إلى إثبات ونفي؛ لأنّ الموجود إمّا أن يكون له أولٌ، وإمّا أن يكون بلا أول.
ثم الترتيب يقتضي البدايةَ بالكلام على الحوادث، إذ القديم سبحانه ليس يُعلم اضطرارًا وإنما يتوصّل إلى معرفته نظرًا واستدلالًا(56).
فنقول: الحوادث تنقسم أيضًا إلى مُستقلٍّ وإلى مفتقِرٍ.
فالمستقلّ: هو المستغني عن المحلّ.
والمفتقِر: هو الذي يحتاج إلى المحلّ.
وهذه القسمةُ أيضًا تستند إلى نفي وإثباتٍ.
ولو قيل: هذه أيضًا قسمة الموجودات لم يكن بعيدًا غيرَ أن الوجودَ الأزليّ لا بَدءَ له ولا نهاية لوجوده، وكذلك لا نهايةَ لذاته، ولا نهاية أيضًا لصفاته وجودًا وحُكمًا على ما سيأتي بيانُه في موضعه، فلذلك لا تتطرّق إلى ذات القديم سبحانه ولا إلى صفاتِه الأوهامُ ولا تجول فيه الأفكار.
ثم الحادث الذي يستغني عن المحلّ هو الجوهر(57) في اصطلاح المتكلّمين لا سيّما مِن أصحابنا، ولا عبرةَ بمن أثبت أعراضًا لا في محالٍّ(58)، فإنّ ذلك خروج عن المعقول، وأمّا الحادث المفتقر إلى المحلّ فهو العَرض(59)، ويشمل القسمين اسمُ "العالـم".
فإن قيل: هل في المقدور حدوث ما يخرج عن القسمين؟ قلنا: إنما يُوصف الربّ تعالى بالاقتدارِ على الممكنات(60)، وليس ذلك مِن الممكنات فإنّ الذي يحصره الوهمُ(61) ويضبطه الفِكرُ(62) حِسًّا أو حُكمًا على هذين القسمين:
أحدهما: موجودٌ هو جِرمٌ متحيّزٌ لو ضُمّ إلى مثلِه اتصل به على طريق المجاورةِ (ق20أ) لا بالمداخلة والحيثيّة، بل ينحاز أحدُهما عن الآخر ويختصّ عنه بجهةٍ [في المطبوع: بجهته] ويصير أحدَ جهاته، ولو نظر الناظرُ إليهما أدركهما شيئيْن متجاوريْن، لكلِّ واحدٍ منهما حظٌ من المساحة. وما هذا وصفُه قد يُسمّى قائمًا بنفسه؛ لاستغنائه عن محلٍّ يقوم به فيكون صفةً له، ومعنى تحيّزِه: شَغْلُه للحيّز، وأنّه إذا وُجد في فراغٍ أخرجه عن كونه فراغًا، وما هذا وصفُه يُسمى جوهرًا(63)؛ لكونِه أصلًا لمركّبات العالَـم، ولو انضم إليه جوهرٌ آخرُ فصاعدًا لحصل الائتلاف فيصير جسمًا.
وأما القسم الثاني: وهو الذي لو قُدّر شيئان منه لا يمتنع حصولُهما في محلٍّ واحد وحيّز واحدٍ، ولا يتصوّر ازدحامهما فيه بحيثيّهما وعرضيّتهما، وإنْ قُدّر تنافيهما فللتضادّ لا للعَرضيّة. وإنّما يمتنع ثبوتُ أجناسٍ مِن العرض في محلٍّ لعدم الحجميّة والجِرميّة، ومن رأى جملةً مِن هذا القبيل في محلٍّ فربما يتوهّم أنّها شىءٌ واحدٌ إلى أن يتبيّن له ذلك بالدليل، وكذلك إذا قامَ عرضٌ بجوهرٍ فربما يعتقد اتحادَهما وإنّما يتبيّن له العددُ بالدليل، وما هذا سبيلُه فلا يستغني عن محلٍّ يختصّ به ويصير صفةً له.
ومَن تأمل ما ذكرنا مِن القسمين وأنصف عَلِمَ استحالةَ تقديرِ قسمٍ ثالثٍ خارجٍ عن القسمين مما يُجْريه وهمُهُ ويحيطُ به فِكرُه.
وهذا القسم الذي وصفناه يُسمّى عرضًا؛ إمّا لأنّه يعرض ويطرأ على الجوهر فيتغيُّر به الجوهرُ (مِن حالٍ إلى حال، وإمّا لقلّةِ بقائه كالسحاب العارض.
ثم اختلفت عبارات أصحابنا في حدّ الجوهر)(64) وحقيقته بعد الكشف عن ماهيّته بما حصل به الثَّلَجُ.
فقال شيخنا أبو الحسن: "هو ما يقبلُ العرض فيتغيُّر به مِن حالٍ إلى حالٍ، وإنما يقبل العرضَ لصفةٍ هو في نفسه عليها لا يتعدّاها"(65).
وقال القاضي في بعض كتبِه: "هو الذي يقبلُ مِن كلِّ جنسٍ مِن الأجناس عَرَضًا واحدًا"(66).
وقال أبو الحسن أيضًا: "الجوهرُ الواحدُ هو الذي يقبلُ لونًا واحدًا أو كوْنًا واحدًا"(67).
وقال الأكثرون: "الجوهرُ هو المتحيّزُ"، وهذا أيضا مما ذكره أبو الحسن(68)، قال القاضي: "وهذا أحصر [في المطبوع: أخصر] مِن الأول"، وهو أولى مما اختاره الأستاذُ. قال: "والمتحيّزُ ما هو في تقدير المكان"(69).
وقال كثيرٌ مِن محقّقي أصحابنا: "الجوهرُ هو الحجم أو الِجرم"(70)، وهذا ممّا اختاره القاضي والأستاذ أبو القاسم الإمام، ويؤول معناه إلى المتحيّزِ ولكنه أبْين منه. وربما كان يقول القاضي: "الجوهرُ ما له حظٌّ مِن المساحة"(71).
وكلّ هذه عباراتٌ متقاربةٌ وجملتُها تنحصر في معنيين:
أحدُهما: الحجميّة، والثاني: قَبول العرض، وهما وصفان للجوهر.
وكأن أحد القائلين يدّعي: أنّ أخصّ وصفِه قبولُه للعرض، وبه يتميّز عمّا عداه مِن القديم والعَرض.
والقائل الثاني يقول: إنما يقبلُ العرضَ لحجمِه وتحيّزه وبذلك يُفارق ما سواه.
فإن قيل: الجسم يُدخِل على العبارتين نقضًا. قيل: ليس كذلك، فإنّ أقلَّ الجسم جوهران مؤتلفان وهما متحيّزان قابلان للعرض، ثم عِلّةُ كونه جسمًا تأليفُه، والشىء لا يقبل العرضَ ولا يتحيّزُ لتأليفه؛ لأنّ الجوهرَ الفردَ لا تأليفَ فيه مع تحيّزه وقبوله للعرض.
وقال قائلون من المعتزلة مِن القائلين بأنّ المعدومَ شىء وجوهر وعرض: "الجوهر هو المتحيّز في الوجود"(72)، وهذا فاسدٌ فإنّه إذا كان الحدّ مشروطًا وجب كونُ المحدود مشروطًا حتى يتوقّفَ كونُه جوهرًا على وجودِه كما توقّف تحيّزه عليه، وتحيّزه عند الوجود لا يُوجب كونه جوهرًا قبله.
فإن قال ابن الجبائيّ: "الجوهرُ له حقيقةٌ لأجلها يتحيّزُ في الوجود"(73)، وإذا سُئل عن تلك الحقيقةِ لا يُحِيرُ(74) عنها جوابًا غيرَ أنّه يقول: "لا بدّ أنْ يكون في العدم على صفةٍ توجب له التحيّز في الوجود"، وهذا تحكّمٌ محضٌ وتعويلٌ على معنى مجهولٍ مِن غير دليل عليه.
فإن قيل: هلّا حدّدتم الجوهرَ بأنّه القائمُ بالنفس؟ قلنا: قد نقول: لا قائمَ بالنفس إلّا الله سبحانه وتعالى؛ فإنّه المستغني على الإطلاق مِن غير تقدير حاجةٍ إلى شىء(75).
على أنّا نقول: لـم يكن (ق20ب) الجوهرُ جوهرًا للقيام بالنفس، ولـم يكنْ قائمًا بالنفسِ لكونِه جوهرًا، ولا معنى للقائمِ بالنفس إلّا الاستغناءُ عن المحلّ، وذلك صفة نفي، وإنّما يستغني عن المحلّ بحجميّته وتحيّزه(76).
فإن قال قائل: ما معنى "العالَـم"؟
قلنا: هو اسمٌ لجميع ما سوى الله تعالى مِن أفعاله(77).
وهو اسم لغويٌّ أو اصطلاحيٌّ اختُلف فيه:
فقيل: إنّه مشتقٌ من العِلم أو من العَلم(78).
وقيل: هو اسمٌ لجماعات الناس أو لجماعة منهم(79).
وقيل: هو اسمٌ اصطلاحيٌّ؛ لأنّا لم نجد في كتب اللغة أنّ "العالَـم" اسمٌ لِـمَا سوى الله تعالى، ولعلّ هذا هو الأولى(80).
وقال الأزهريُّ(81): "إنّه اسمٌ لأصنافٍ مختلفة"(82).
وقال ابنُ عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (83) "معناه ربّ الخلائق أجمعين"(84).
فقد ثبت انقسامُ العالَـم إلى: الجواهر والأعراض والأجسام.
والجواهرُ: هي الأجزاء التي تألّف منها الأجسام، واحدُها جوهرٌ: وهو الجزء الذي لا يتجزّأ(85).
والجسم: هو المؤتلفُ مِن الجواهر أو المؤتلفان(86).
وأقلُّ التأليف بين جوهريْن فصاعدًا، وإذا ائتلف جوهران، قال بعضُ الأصحاب: "هما جسمٌ واحد"، إذ الغالب عليه التلقيب(87) كما نقول في الطويل والعريض والإنسان فإنّه اسمٌ لجملةٍ مِن الأجزاء، وكذلك الطويل والعريض.
وقال أبو الحسن: "هما جسمان؛ لأنّ كلَّ واحدٍ منهما مؤتلف بصاحبِه، والجوهرُ الواحدُ: ما له حيّزٌ واحدٌ أو ما قَبِلَ لونًا واحدًا أو عرضًا واحدًا مِن كلّ جنسٍ، وبه يُفارق الجسمَ، والعَرضَ، والقديمَ سبحانه"(88). ه.
وأمّا الأعراض فهي: المعاني الطارئة على الجواهر فتتغيّرُ بها مِن حالٍ إلى حال. وقيل: هي التي يستحيل بقاؤها(89).
ونحن الآن نذكرُ مسائل في أحكام الجواهر.
(55) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/28). والباقلاني، الإنصاف، (ص/123).
(56) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/؟؟). والسالمي، التمهيد، (ص/95).
(57) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/132). والباقلاني، تمهيد الأوائل، (ص/94).
(58) وهو قول الجبائي وابنه. انظر النيسابوري المعتزلي، المسائل في الخلاف، (ص/83).
(59) انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/364). والمتولي، الغنية، (ص/85).
(60) لأن قدرة الله تتعلق بالممكنات. انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/368). وابن القطان، الإقناع، (1/32).
(61) الوهم: هو قوة تعتري النفس تَحْمِلُها على إدراك ما لا وجود له.
(62) الفكر: هو حركة النفس-تصرف القلب- نحو المبادئ والرجوع عنها إلى المطالب. انظر المناوي، التوقيف على مهمات التعاريف، (ص/104). والكفوي، الكليات، (ص/67).
(63) انظر الباقلاني، الإنصاف، (ص/123). والجويني، الشامل، (ص/156).
(64) من قوله: "مِن حال إلى حال..." إلى هنا سقط من (ب).
(65) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/29).
(66) الباقلاني، تمهيد الأوائل، (ص/37).
(67) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/210).
(68) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/254،210). والجويني، لمع الأدلة، (ص/90).
(69) انظر الباقلاني، الإنصاف، (ص/123).
(70) انظر الجويني، لمع الأدلة، (ص/87). والمتولي، الغنية، (ص/50).
(71) الجويني، الشامل، (ص/142).
(72) انظر ابن متويه المعتزلي، التذكرة، (ص/47).
(73) انظر ابن متويه المعتزلي، التذكرة، (ص/77).
(74) لا يَرُدّ، يقال: كلَّمتُه فما أحارَ إليَّ جواباً، أي ما ردَّ جواباً. انظر الجوهري، تاج اللغة، مادة (ح و ر) (2/640). وابن منظور، لسان العرب، مادة (ح و ر) (4/218).
(75) عند أهل السنة والجماعة إذا أطلقوا لفظ "القائم بالنفس" في حق الله تعالى فإنه بمعنى أنه مستغن عن المحل والحيز جميعًا. وعبّر الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني عنه فقال: "القائم بالنفس المستغني من جميع الوجوه". انظر الشهرستاني، نهاية الإقدام في علم الكلام، (ص/67). والمتولي، الغنية، (ص/73).
(76) انظر الباقلاني، تمهيد الأوائل، (ص/97). والشهرستاني، الملل والنحل، (3/18).
(77) انظر الباقلاني، الإنصاف، (ص/138). والبغدادي، أصول الدين، (ص/171).
(78) انظر أبا حيان، البحر المحيط، (ص/33). والزبيدي، تاج العروس، مادة (ع ل م) (33/133-134).
(79) انظر الرازي، مختار الصحاح، مادة (ع ل م) (ص/452). والفيومي، المصباح المنير، مادة (ع ل م) (ص/162).
(80) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/37). والمتولي، الغنية، (ص/49).
(81) هو اللغوي الأديب أبو منصور، محمد بن أحمد الأزهر بن طلحة الأزهري الهروي. ولد سنة (282ه=895م). كان إمامًا فى اللغة، بصيرًا بالفقه، عارفًا بالمذهب، عالي الإسناد، ثخين الورع، كثير العبادة والمراقبة، شديد الانتصار لألفاظ الشافعى متحريًّا فى دينه. رحل إلى بغداد فسمع أبا القاسم البغوي وأبا بكر بن داود وإبراهيم بن عرفة نفطويه وغيرهم. وروى عنه أبو يعقوب القراب وأبو عثمان سعيد القرشي وعلى بن أحمد بن خمرويه وغيرهم. وقد حمل اللغة عن الأزهري جماعةٌ منهم أبو عبيد الهروي صاحب "الغريبين". له كتاب "تهذيب اللغة" يدل على جلالة قدرِه، وهو خير عمدة في هذا الفن، وله كتاب "التقريب" في التفسير، وكتاب "شرح مشكل ألفاظ مختصر المزني" وغيرهم. توفي سنة (370ه=980م). انظر ياقوت الحموي، معجم الأدباء، (5/2321-2323). وانظر ابن السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، (3/63-65)
(82) ) انظر الأزهري، تهذيب اللغة، مادة (ع ل م) (2/253).
(83) ) [سورة الشعراء: ٢٣].
(84) ) لم أقف على هذا التفسير لابن عباس، بل المنقول عنه رضي الله عنه في تفسير الآية: ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الواردة في عدة مواضع في القرءان: "الجن والإنس". انظر الطبري، جامع البيان، (1/144). وابن أبي حاتم، تفسير القرءان العظيم، (1/28).
(85) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/205). والبغدادي، أصول الدين، (ص/174).
(86) انظر الباقلاني، الإنصاف، (ص/123). والمتولي، الغنية، (ص/50).
(87) انظر الآمدي، أبكار الأفكار، (3/92).
(88) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/29).
(89) انظر الباقلاني، الإنصاف، (ص/124). والجويني، الشامل، (ص/167).