قال رضي الله عنه: "مِن مذهبِ النصارى أنّ الربَّ تعالى عَن قولهم جوهر"(1).
ولـم يُريدوا بهذا الإطلاقِ اتصافَه سبحانه بخصائص الجواهر مِن الحجْميّة والحيّز وجواز التأليف وقَبول الأعراض والحدّ والنهاية.
فإذا قيل لهم: ما الذي تعنون بإطلاقِ هذا الاسم على القديم سبحانه؟
فإنْ قالوا: نعني بإطلاقه أنّه قائمٌ بالنفس. قلنا: ولِـمَ إذا كان قائمًا بالنفس وَجَبَ أنْ يكونَ جوهرًا؟ ولو عُرِضَ ذلك على أهل اللسان لأَبَوْهُ، ولـم يَرِد بإطلاقه توقيفُ الشرع.
فإنْ قيل: القديم سبحانه مُستغنٍ عن(2) الـمحل كالجوهر فسمّيْنَاهُ جوهرًا لذلك.
يقال لهم: أقيموا الدليلَ على أنّ الجوهرَ إنما يُسمّى بهذا الاسم لقيامِه بالنفس.
قالوا: لـم نجِدْ جوهرًا إلّا قائمًا بالنفس. قلنا: وكذلك لـم نجِدْ جِسمًا إلّا قائمًا بالنفس فَسَمُّوه جسمًا، ولـم تجدوا جوهرًا إلّا حجمًا وجُثّةً ومتناهيًا.
فإنْ قالوا: لـم يكن جِسمًا لقيامه بالنفس. قلنا: وكذلك لـم يكن الجوهرُ جوهرًا لقيامِه بالنفس، وكذلك لـم نَجِدْ جوهرًا إلّا محدودًا متناهيًا مُحْدَثًا ولـم يكن جوهرًا لذلك، وكذلك لـم نَجِدْ عَرَضًا إلّا وهو في محلّ ثمّ لـم يكن عَرضًا لذلك، ثم(3) نحن لـم نُسَمِّ القديمَ سبحانه قائمًا بالنفس لاستغنائه عن الـمَحلّ فقط، بل نُسمّيه به لاستِغْنائه على الإطلاق، وللإجماعِ الـمنعقِدِ على إطلاقِه وهو كالتوقيف مِن الشارع(4)، ولوْلاهُ لـما جَوّزنا تسميتَه به كما لـم نُجَوِّز تسميتَه بالسَخِيّ وإنْ كان في معنى الجَواد لِعَدَم الإذن(5)، وكذلك لا نُسَمّيه عاقلًا لعدم الإذْنِ وإنْ كان العاقِل بمعنى العالِـم.
فإنْ قالوا: إنّ أهلَ اللسان يُعَبّرون عن أَصْلِ الشىء بالجوهر، والقديمُ سبحانه أَصْلُ الأَقانيم(6) فلذلك سمّيناه جوهرًا. قلنا: فَهَلّا سَـمّيْتُموه أصلًا؟ ثم نقول: لـم يُسَمَّ الجوهرُ جوهرًا لِكوْنِه أصلَ الـمُركّبات، بل سُمّي به لِنَفَاستِه، وسُمّي بعضُ الأحجار جوهرًا لِنَفَاستِه. ثم نقول: لَسْتُم تريدون بالأقانيم الصفات الـموجودة وإنّما تَعْنُون بها الخواصّ، وللعَرَض أيضًا خواصٌّ؛ فإنّه موجودٌ ذو خَواصٍّ كالعَرَضِيّة واللَّوْنيّة والسواديّة فَسَمّوا العَرَضَ جوهرًا.
فإنْ قالوا: الـموجودات مُنْقسمةٌ إلى النفيس والخَسيس، فالخسيس هو العَرَض، والنفيس هو الجوهر، والربّ تعالى نفيسٌ فكان جوهرًا. قلنا: فَسَمُّوه نفيسًا. ثم لو سُلّـم لكم ما ذَكَرْتُموه فلا نَفاسة في الجُثَثِ والأَجْرام، وإنّما النفاسةُ في الـمعاني، فإطلاقُ(7) هذا الاسم على العَرَض أوْلى.
ثم نقول: لِـمَ قُلتم إنّ الجوهرَ إنّما كان جوهرًا لِنَفَاستِه دون الحَجْمِيّة.
ثم أسماءُ الله تعالى يُراعى فيها التوقيفُ مِن الشارِع ولا مجال للقياس فيها(8)، ولـم يَرِد الإذْنُ بأنّه جوهرٌ تعالى الله عن ذلك.
فصل
ومِن مَذْهبهم أيضًا أنّ القديمَ سبحانه واحدٌ بالجَوْهريّة ثلاثةٌ بالأُقنومِيّة، ويعنون بالأقانيم الوجودَ والحياةَ والعِلْـمَ، ثمّ(9) الحياةُ والعِلْـمُ عندهم ليسا بوَصْفَيْن زائدَيْن على الـموصوف موجودَيْن، بل هُما صِفَتان نَفْسِيّتان للجوهر.
ولو مُثِّلَ مذهبُهم بمثالٍ لقيل: إنّ الأقانيم عندهم تتنزّلُ مَنْزِلةَ الأحوال والصفات النَفْسِيّة عند مُثْبِتِيها مِن الإسلاميين(10)، فإنّ سَوادِيّة اللون ولَوْنِيّتِه صِفَتان نَفْسيّتان للعرض. وممّا يَدُلُّ على أنّ الأقانيم لَيْسَت في تقديرِ الـمعاني الـموجودة عَدّهُم الوجودَ منها، ولو كان الوجودُ صِفةً زائدةً على الـموجود؛ لَلَزِمَ أنْ يكونَ للوجودِ وُجود أيضًا إلى ما لا يتناهى.
ثمّ النصارى رُبّما يُعبّرون عن الأقانيم بالأبِّ والابنِ وروحِ القُدْس، فيَعْنون بالأبِ الوجودَ، وبالابن الـمسيحَ والكلـمةَ، ورُبّما يُسَمّون الكلـمةَ عِلْـمًا والعِلْـمَ كلـمةً، ويُعَبّرون عن الحياة بالرّوح. ولا يُريدون بالكلـمةِ الكلامَ فإنّ الكلامَ (ق68أ) عندهم مِن صِفات الفعل، ولا يُسَمّون العِلْـم قَبْل تَدَرُّعِه بالـمسيح واتحادِه به ابنًا(11)، بل الـمسيحُ عندهم مع ما تَدَرّع به ابن.
ووجوه الردّ عليهم تَنْقَسِمُ:
فَمِنها أنْ نُثْبِت عليهم الصفاتِ بالطُرُق التي نُثْبِتُها على الـمعتزلة.
ومنها أنْ نقولَ: لِـمَ خَصّصْتُم الأقانيمَ بالثلاثة؟ وهلّا جَعَلْتموها أربعةً وتجعلون القدرةَ منها، فليس إخراجُ القدرةِ مِن الأقانيم بأوْلى مِن إخراجِ العِلْـم منها؟ ولئن أَجْزَأتِ الحياةُ عن القدرةِ فَهَلّا أَجْزَأت عن العِلـم؟
فإنْ قالوا: الحيّ قد يخلو عن العِلْـم ولا يخلو عن القدرة. قلنا: الـمريض الـمُدْنَف(12) والـمغشى عليه يُتصوّر خلوّهما عن القدرة مع بقاء الحياة.
ثم إنّهم وافقونا على أنّ القدرةّ تزيد على الحياة شاهدًا، فإن تعسّف مُتعسّف وزعم أنّ القدرة لا تزيد على الحياة شاهدًا كان ذلك تسبُّبًا إلى نفي الأعراض، فإنّا نرى الحيَّ مِنّا يقدِرُ مرّة ويَعْجِزُ أخرى، كما يعلـم مرّة ويجهل مرّة أخرى، وليس نفي القدرة أولى من نفي الحياة. ثم العجب ممن يجعل القدرةَ عين(13) الحياة، ولـم يجعل وجودَ الجوهر عين الجوهر وعين الـموجود(14).
فإن قالوا: مِن حُكم الخاصيّة للشىء أن تلزمَه ولا تتعدّاه، وهذا متحقِّق في الوجود والحياة والعِلـم، وأمّا القدرة فإنها تتعلّق بغير الجوهر. وهذا مُناقضٌ لقولهم: "إنّ الحياةَ عين القدرة"، على أنّ ما قالوه يَبْطل بالعِلـم؛ فإنه يتعدّى القديمَ ويتعلّقُ بغيره كالقدرة، وقد اتّحد بناسوت الـمسيح على زعمهم.
ثم نقول: حاجة الخالق إلى القدرةِ، أَمَسُّ من حاجته إلى العِلـم، ثم إنْ جاز أن يُجعلَ وجودُ الجوهر من الأقانيم، جاز أن يُجعل بقاءُ الجوهرِ مِن الأقانيم. ه.
فصل
من مذهب النصارى أنّ الكلـمة اتّحدت بالـمسيح وتدرّعت بالناسوت(15).
ثم اختلفوا في معنى الاتحاد:
فمنهم مَن فسّره بالاختلاط والامتزاج، وهذا مذهب طوائف من اليعقوبيّة(16) والنسطوريّة(17) والـملكيّة(18).
قالوا: إن الكلـمةَ خالطت جسدَ الـمسيح ومازجتْه كما يمازج الخمرُ باللبن أو بالـماء، وهذا مذهب الروم ومعظمهم الـملكيّة، قالوا: مازجت الكلـمةُ جسدَ الـمسيح فصارا شيئًا واحدًا وصارت الكثرة قِلّةً(19).
وذهبت طائفة من اليعاقبة(20) إلى أنّ الكلـمة انقلبت لحمًا ودمًا.
وصارت شرذمةٌ مِن كلّ صِنفٍ إلى أنّ الـمراد بالاتحاد ظهور اللاهوت على الناسوت(21) كظهور الصورة في الـمرآة والنقش في الخاتم(22).
[ومنهم](23) من قال: معنى ظهور اللاهوت على الناسوت كاستواء الإلـٰه على العرش عند الـمسلـمين(24).
وذهب كثيرٌ من هذه الطوائف إلى أنّ الـمرادَ بالاتحاد الحلولُ(25).
فهذه مذاهبهم في الاتحاد فهم فيها مُتباينون يتبرّأ بعضُهم من مذهب بعض.
ثم إنّهم يُعبّرون عن الاتحاد بالتدرّع، وهما عبارتان ترجعان إلى معنى واحدٍ، وكأنهم يعتقدون تجوّزًا أو تحقيقًا اتخاذَ اللاهوت جسدَ الـمسيح درعًا.
فيقال للقائلين بالحلول وهم الأكثرون: أتعتقدون انفصالَ الكلـمة عن الجوهر واتصالها بناسوت الـمسيح حالة الحلول أم لا؟ فإن منعوا الانفصال والانتقال، فيقال لهم:كيف حلّت الكلـمةُ غير الجوهر القديم مع الاختصاص بالجوهر؟ والنصارى وافقونا على استحالة قيام العرض الواحد بمحليْن، فإذا أحالوا ذلك في الأعراض فلئن يُحيلوه في الخواصّ والأقانيم أولى.
ونزيده تقريرًا فنقول: جسدُ الـمسيح إذا قُدِّرَ عاريًا عن الكلـمة ثم حَلّته الكلـمةُ، فلا يتصوّر ذلك إلّا بحلول معنىً وحدوثه فيه لـم يكن قبل أو بانتقالٍ إليه، ويستحيل ثبوت معنىً من غير حدوث، والانتقال على الـمعاني مستحيل، والحدوث على الكلـمة يستحيل أيضًا عندهم. وإن هم سلّـموا الانفصال فيلزم أنْ لا يكون الجوهرُ بعد مَوْلِد عيسى (ق68ب) عالِـمًا، ويلزم مزايلةُ صفةِ النفسِ النفسَ.
ولنا على النصارى مُطالبات في هذا الباب، وإلزامات لا جواب لهم عنها.
فمنها: أن نقول: هلّا جوّزتم اتحادَ الحياةِ بجسد الـمسيح؟ فإنّ الحياةَ عندكم هي القدرةُ، وحاجةُ الـمسيح فيما كان يفعلُه مِنْ إبراءِ الأكمَهِ(26)، والأبرص(27)، وإحياء الـموتى، وخلق الطير من الطين، إلى الحياة والقدرة أمسُّ من حاجتِه إلى العِلـم والكلـمة، فلا يُبْدون في امتناع الاتحاد في الحياة أو في خاصيّة الوجود معنىً صحيحًا، إلّا تحقّقَ مثلُه في الذي فيه النّزاع، فيلزمُ طَرْدُ الـمَنْعِ في الأقانيم أو طَرْدُ التجويز فيها.
ومنها: أن نقول لهم: هل تُجَوِّزُون أنْ تتّحِدَ صفةُ نفسِ جوهرٍ بعَرَضٍ، أو صفةُ نفسِ عَرَضٍ بجوهر؛ حتى يصيرَ الجوهرُ في حُكْمِ السواد، أو يَصيرَ السوادُ في حكم الجوهر؟ فإذا امتنع ذلك في الحوادث فامتناعُه في القديم أولى.
ومنها: أنْ نُلْزِمَهُم اتحادَ صفةِ الحادثِ بالجوهر القديم، وهذا مما لا يجدون عنه فَصْلًا.
فإن قالوا: في اتحاد القديم بالحادث تشريفٌ للحادث، وفي اتحاد الحادث بالقديم نقصٌ للقديم.
قلنا: إنْ وجبَ انتقاصُ الجوهرِ باتحادِ الحادثِ به، وجب انتقاصُ الأقنوم باتحادِه بحادثٍ، فإنْ لـم يجب ذلك في أحدِ الطرفيْن لـم يجب في الثاني.
ومما نُسائلهم عنه أن نقول: قد ثبت من أصلِكم امتناعُ اتحادِ الكلـمة بغير الـمسيح، وكلُّ ما يدلّ على امتناعه في غير الـمسيح يدلّ على امتناعه في الـمسيح. ولهم في ذلك اضطرابٌ عظيمٌ أشرنا إليه في كتاب "التلخيص"، وسنرمز إلى ذلك في "كتاب الإنسان" إن شاء الله عزّ وجل.
فأما الذين قالوا بالاختلاط فالكلام عليهم كالكلام على أصحاب الحلول. ومما نزيده ههنا أنّ الاختلاط إنما يتصوّر بين الأجرام، ويستحيل تصويرُ ذلك في الأقانيم، وصفاتِ الأنفس والخواصِّ التي لا توصف بالوجود على حِيالها.
وكذلك الكلامُ على من قال: "انقلبَ اللاهوت لحمًا ودمًا". على أنّا نقول: إذا انقلبَ الأقنومُ لحمًا؛ فينبغي أن ينقلبَ لحمًا حادثًا؛ لأنّ لحم الـمسيح كان حادثًا، أو يجب أن يصير الناسوت قديمًا، وإذا لـم يَبْعُد أنْ يصيرَ الناسوتُ إلـٰهًا لـم يبعد أنْ يصيرَ قديمًا.
وقولهم: "إنّ الاثنين صارا واحدًا" قولٌ غيرُ معقول، فإنّه يستحيلُ أنْ يصيرَ الاثنان واحدًا إلّا بتقدير عدم أحدهما.
وأما تفسير الاتحاد [بالظهور](28) والفيض، فسنبطل ذلك في الردّ على الفلاسفة في موضعه إن شاء الله تعالى.
ثم نقول: قد اختلف الناس فيما يُرى في الـمِرآةِ وفي الأجسام الصقيلة عند مقابلتها:
والذي يرتضيه الـمحقّقون أنّ الناظر في الجسم(29) إنما يرى نفسَه على مجرى العادة، ولا يحدث في الجسم الصقيل أمرٌ لـم يكن، بل هو على ما كان عليه قبل أن يحاذيه هذا الجسم(30).
وصار بعض الطبائعيّين إلى أنّ ما يقابل(31) الصقيل ينطبع فيه.
فإن أنتم سلكتم هذا الـمسلكَ، فقد حكمتم بحلول الكلـمةِ جسدَ الـمسيح وتركتم القولَ بالفيض.
ثم لو كان ما قالوه ظهورًا محضًا مِن غير اتصال ولا حلول، فينبغي أنْ لا يثبت للـمسيح منه الإلـٰهية على مقتضى أصلهم(32)، وهم مجمعون على (ق69أ) أنّ الـمسيحَ إلـٰه، وقد علـمنا أنّ الـمِرآةَ لا تصيرُ إنسانًا بأن تظهرَ عليها صورةُ الإنسان.
وأما [تفسير](33) الظهور بالاستواء فإبعادُ نُـجْعةٍ(34) من غير تحصيل، فإنّ الـمَعنِـيَّ الاستواء القهر والاقتدار، فإنْ هم فسّروه بذلك فلا اختصاص إذًا لعيسى عليه السلام إلّا مِن حيثُ الذكرُ تشريفًا له. ه.
فصل
وقد اختلفوا أيضًا في الجوهر والأقانيم:
فذهبت اليعقوبيّةُ والنسطوريّة إلى أنّ الجوهر ليس بغيرٍ(35) للأقانيم، ولا يقال إنه هي.
وصرّحت الـملكيّة بأنّه غيرُ الأقانيم(36).
فأما الذين قالوا: "إنّه هو الأقانيم"، فقد خرجوا عن الـمعقول؛ لـمصيرهم إلى اختلاف الأقانيم، ولقولهم: "إنّ الجوهرَ موافقٌ للأقانيم بالأُقنوميّة، ومخالف لها بالجوهريّة"، فالواحدّ الذي لا يتصوّر فيه الاختلاف، كيف يكون غيرًا لـمختلفات؟ وكيف يكون الواحد عددًا؟ ثم لو كانَ الجوهرُ عينَ الكلـمة لكان مُتّحدًا بالـمسيح من حيث اتحدت الكلـمةُ به، إذ كانت الكلـمةُ غيرَ متّحدةٍ بالـمسيح من حيث لـم يتّحد به الجوهرُ.
وأما قولهم: "لا يُقال إنّه هو الأقانيم ولا غيرها".
قلنا: لا شكّ [أنكم تحكمون بأن](37) الجوهرَ موجودٌ قديمٌ،
فما قولكم في الأقانيم؟ أهي موجوداتٌ زائدةٌ على وجود الجوهر، أمْ لا توصف بالوجود ولا بالعدم؟
فإن قالوا بوجودها، وإنها مع الجوهر موجوداتٌ أربعة، غيرَ أنّهم امتنعوا مِن إطلاق الـمُغايرة فهذا قريبٌ، غيرَ أنهم أبطلوا التثليث والتزموا التربيع؛ ويلزم أنْ يكونَ الجوهرُ إلـٰهًا ذا صفاتٍ، وهذا لا جوابَ عنه.
وإن زعموا: أنها ليست بموجوداتٍ على حيالها؛ مصيرًا إلى أنها بمثابة الأحوال؛ فيلزم أن يكون القِدَمُ حالًا والبقاءُ حالًا.
على أنّا نقول: ما لا يتّصف بالوجود على حِياله، كيف يُوصَفُ بأنّه عِلْـمٌ وكَلِـمةٌ وروح؟ وكيف يُوصف بأنه إلـٰه؟ وكيف يُطلق على جميعها بأنّها ثلاثة؟ وإذا لـم يمتنع عَدّ الأقانيم وجعلها ثلاثةً، فمَا الـمانعُ مِن عدّ الجوهر رابعًا لها؟ وسنوضح الأدلّة على نفي الأحوال.
فأما الذين قالوا: "إنّ الجوهر غيرُ الأقانيم"؛ ففيه إبطال التثليث وإثبات التربيع.
فإن قالوا: هو وإن غاير الأقانيم الثلاثة فهو مع الأقانيم ثلاثة.
قلنا: هذا جحد الضرورة؛ فيلزم أن يقالَ: الأبُ وإن غاير الابنَ فهو هو، والكلـمةُ وإنْ غايرت الروحَ فهي الروح.
وإن تعسّف مُتعسّف وزعم أنّ الجوهرَ مع الأقانيم أربعةٌ، ولكن الإلـٰهية ثلاثةٌ، فهذا تحكّم محض وإبطال للتثليث.
ثم نقول: إن لـم يبعد كونُ الأقانيم آلـٰهة مع أنها لا تتّصف بالوجود، فالجوهر أولى بالإلـٰهيّة؛ فإنّه موجودٌ موصوفٌ بالحياةِ والعِلـم وإنّه حيّ عالِـمٌ، والـموجود الحيّ العالِـم أوْلى بالإلـٰهيّة مِن صفةٍ لا توصف بالوجود.
ثم نقول: كلُّ غيريْن من ضرورتهما أن يكونا مِثليْن أو خِلافيْن، فما قولُكم في ذلك؟ فإن امتنعوا مِن إطلاقه، يقال لهم: هل يَسُدُّ الجوهرُ مَسدّ الأقانيم أم لا؟
وقد قالت الروم: الجوهر يوافقها بالجوهريّة، على معنى أنّ الجوهريّة تجمع الجوهرَ والأقانيمَ. ثم قالوا: الأقانيم تخالف الجوهر بالأقنوميّة؛ إذ الجوهر ليس أقنومًا، وهذا خَبْط عظيم، ولهم في ذلك مُراوغات.
ولا معنى لقول القائل: "إنّ الجوهرَ موافق للأقانيم(38) بالجوهريّة" مع القطع بأنّ الأقانيم ليست بجوهر.
فصل
افترقت مذاهب النصارى مِن وجه آخر:
فذهبت الروم إلى التصريح بإثبات ثلاثة آلـٰهة.
وامتنعت اليعقوبيّة والنسطوريّة من ذلك من وجه والتزموه (ق96ب) من وجه؛ وذلك أنّهم قالوا: الكلـمة إلـٰه، والروح إلـٰه، والأب إلـٰه، والثلاثةُ الأقانيم - التي كلّ أقنوم إلـٰه - إلـٰه واحد. وهذا فاسد، فإنّ من كمالِ العقل: القطعَ بأنّ الثلاثةَ لا يكون واحدًا، ولو جاز أن يقال ذلك، جاز أن يقال: الكلـمةُ أُقنوم، والأب أُقنوم، والروح أُقنوم، والكلّ أقنوم واحد، وهذا ما لا فصل فيه أبدًا.
ونقول للرّوم(39): قد(40) زعمتم أنّ الكلـمةَ إلـٰه مع أنّها لا تتّصف بالوجود ولا بصفات الإلـٰهيّة، ومع أنّها لا تنفرد بفعلٍ، وهذا في نهاية الاستحالة.
ولو أنّ هؤلاء هُدُوا لـمراشدهم لقالوا: الـموجود الذي له الاتصاف بالعِلـم والحياة والوجود هو الإلـٰه، وله صفات الإلـٰهيّة،.ولكنّهم ضلّوا وأضلّوا فأثبتوا كلَّ أُقنوم إلـٰهًا، ومنعوا أن يكون الـموصوفُ إلـٰهًا، وهذا قلب الحقائق.
ومما نسائلهم عنه أن نقول: هل تقدّم الأبُ الابنَ؟ وهل تأخر الابنُ عن الأب؟ ولِـمَ كان العِلـمُ بأن يُسمّى ابنًا عند الاتحاد منه بأولى مِن أن يُسمّى أبًا؟
ونقول لهم: أتدّعون أنّ عيسى قُتِلَ وصُلِبَ؟ فما قولكم فيه وهو على الصليب أكان ناسوتًا أم لاهوتًا أم كِلاهما؟ فإن كان ناسوتًا محضًا؛ فلـم يُقتل الـمسيح إذًا؛ فإنه كان لاهوتًا وناسوتًا. وإن قالوا: "كان لاهوتًا وناسوتًا"؛ فيلزم من ذلك وقوعُ القتل على اللاهوت وهذا خروج من الدّين، وقد أخبرنا الصّادِق بأنّه لـم يُقتل ولـم يُصلب وقد شُبّه لهم(41).
فإن قالوا: بالطريق الذي علِـمتم هجرةَ محمد ﷺ من مكّة إلى الـمدينة، وخروجه إلى غزواته، وأن وفاته كان بالـمدينة، بمثله نعلـم أنّ عيسى قُتل وصُلب.
قلنا: إنما عَلِـمْنا ذلك بأخبار أقوامٍ بلغوا حدّ التواتر(42) بحيث لا يُتصوّر منهم التواطؤ على الكذب مع استجماعهم شرائطَ التواتر، وقد نقله الخلف عن السلف، واستوى الطرفان والواسطة(43).
وأمّا أنتم فلا يستقيمُ لكم فيما نقلتموه ما استقام لنا، فإنّ الذين شاهدوا تلك الواقِعة كانوا نفرًا يسيرًا على زعمكم، فلا يثبت العِلـمُ بأخبارهم، وقد قيل: كانوا أربعة لُوقًا ومتّى ويُوحنا ومرقس، وقيل: كانوا أكثر من أربعةٍ، وبالجملة لـم يبلغوا التواتر.
ثم لو سلّـمْنا لكم أنّ الذين شاهدوا ذلك كانوا كثيرين، ناقضَ ما ادّعيتموه أنّهم رأوا شخصًا مصلوبًا على صورة عيسى فتوهّموا أنّه هو، فما يُدريكم صدقَهم؟ وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ﴾ ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ﴾(44).
وإنما يفيدُ الخبرُ الـمتواترُ عِلـمًا بما يُدْرَكُ بالحِسّ حقيقةً دون ما يُتوهّم ويُتخيّل، فالذي يُتَلَقّى مِن الخبرِ لا منازعةَ فيه لو بلغوا مَبْلَغَ حَدِّ الاستفاضة مع اجتماع الشرائط، وأمّا الحُكم بأنّ الذين شاهدوه من الشخصِ والصورةِ هو عيسى دون غيره ممن يُشْبِهُهُ ففيه النزاع، ودونه خَرْطُ القَتَاد(45). ولقد علِـمتم أنّ جبريلَ عليه السلام كان يأتي الرُسُلَ عليهم السلام مرّةً على صورته ومرّة على صورة بشر، وكان يأتي نبيّنَا ﷺ على صورة أعرابي(46)، وأصحابه يشاهدونه ولا يعلـمون أنّه جبريل(47)؛ فلا اعتماد إذًا على ما يتمسّكون به.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾(48)، وقال عيسى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾(49).
قلنا: التوفّـي لفظٌ مجملٌ(50) متردّدٌ بين معاني، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ﴾(51) يعني يُنيّمكم(52)، وقد قيل في التفسير: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أي مُنَيّمُك، فأنامه ثم رفعه جبريل هذا قول بعض الـمفسرين (53).
قال الربيع بن أنس(54): "وأصل التوفّـي هو القبض والأخذ بالتمام، يقال: توفّيت من فلانٍ حقّي أي قبضتُه وافيًا"، فالـمعنى أني قابضك من الأرض، ومن الدنيا، ومن بين قومك، ورافعك إليّ من غير موتٍ(55)، هذا قول ابن عباس في رواية أبي صالح(56) قال: "قبضتني إلى السماء وأنا حيٌّ"(57).
وقال في رواية عليّ بن أبي طلحة(58): "متوفّيك أي مُميتُكَ"(59). وقال وهب بن مُنبّه(60): "توفّـي عيسى ثلاث ساعات مِن النهار، ثم رُفِعَ إلى السماء حيًّا"(61)، وهذا أبعد الأقوال.
ونحن نقول: إن صحّ قولُ وهبٍ فإنّه أماته ثم أحياه ورفعه، وفي قوله: "ثلاث ساعات" دليل عليه.
قلت: في الصحيح عن البخاريّ في قصّة الـمعراج عن النبيّ ﷺ أنّه قال: «فانتبهْتُ فإذا أنا في بيت أمّ هانئ»(62). والله تعالى يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾(63)، وفي الحديث: «أنّه حين عُرج به شُقَّ صدره، وغُسِلَ قلبُه»(64). ويَحْتمِلُ أنّه أُنيم في حال عروجه ونزوله كي لا يخاف ويسهل عليه.
فقد صحّ في الأخبار أنّه عليه السلام قال: «سينزِل عيسى بن مريم، ويقتل الدجّالَ، ويلبث أربعًا وعشرين سنة»(65).
وفي رواية «أربعين سنة»(66).
قال الله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ۖ﴾(67) أي حين نزوله إلى الأرض(68).
وعند النصارى أنّ روح عيسى في السماء دون جسدِه، وأنّ جسده مدفون في الأرض.
وسائر الأنبياء كذلك، فأبطلوا اختصاصَ عيسى بالحياة في هذا الوقت. ه.
(1) ) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/100).
(2) ) سقطت من (ج).
(3) ) سقطت من (ب).
(4) ) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/42). والبغدادي، الأسماء والصفات، (1/368).
(5) ) انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/355).
(6) ) الأَقانيم: الأصول، وَاحِدُها أُقْنومٌ، قال الجوهريّ: "وأحسبها روميّة". انظر الجوهريّ، تاج اللغة، مادة (ق ن م) (5/2016). والرازيّ، مختار الصحاح، مادة (ق ن م) (ص/؟؟).
(7) ) في (ب): "بإطلاق".
(8) ) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/42). والبغداديّ، أصول الدين، (ص/354).
(9) ) سقطت في (ب).
(10) ) قال الإمام الجويني: "ثم قالت النصارى في وجود الجوهر أقنوم له، وهذا يخالف مذاهب مثبتي الأحوال من أهل الحق، فإنّا إذا قلنا بالحال لم نجعل الوجودَ حالًا بل وجود الشىء نفسه". الجويني، الشامل، (ص/576). وسيأتي الكلام على مسألة الأحوال.
(11) ) في (ج): "اثنان".
(12) ) الدَّنَف: هو المرض الملازم، انظر الرازي، مختار الصحاح، مادة (د ن ف) (ص/؟؟). والزبيدي، تاج العروس، مادة (د ن ف) (23/309).
(13) ) في (ج): "غير".
(14) ) في (ب): "الوجود".
(15) )
(16) ) اليعقوبيّة: هم أصحاب يعقوب البردعاني راهبٌ بالقسطنطينية. قالوا: انقلبت الكلمة لحمًا ودمًا فصار الإله هو المسيح. انظر ابن الوردي، تاريخ ابن الوردي، (1/77). والقرطبي، الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن الإسلام، (ص/127).
(17) ) النسطوريّة: هم أصحاب نَسْطورس بَطْرَق القسطنطينية، وهم عند النصارى كالمعتزلة عندنا. خالفوا الملكانيّة في اتحاد الكلمة فلم يقولوا بالامتزاج، وقالوا: "إنّ الكلمة أشرقت على جسد المسيح كإشراق الشمس في كوة"، وقالوا أيضًا: "إن القتلَ وقع على المسيح مِن جهةِ ناسوته، لا مِن جهة لاهوته"، خلافًا للملكانيّة. انظر أبا الفداء، المختصر في أخبار البشر، (1/90). وابن الوردي، تاريخ ابن الوردي، (1/77).
(18) ) ويقال لهم الـمَلْكانيّة: وهم أصحاب مَلكا الذي ظهر ببلاد الروم واستولى عليها، فصار غالب الروم ملكانية، وهم يصرحون بالتثليث. انظر البلخي، البدء والتاريخ، (ص/264). وأبا الفداء، المختصر في أخبار البشر، (1/89).
(19) ) انظر الباقلاني، تمهيد الأوائل، (ص/109). والشهرستاني، الملل والنحل، (2/27).
(20) ) وهم اليعقوبية.
(21) ) قال الكفوي: "اللاهوت: الخالق، والناسوت: المخلوق. وربما يطلق الأول على الروح، والثاني على البدن. وربما يطلق الأول أيضا على العالم العلوي، والثاني على العالم السفلي". الكفوي، الكليات، (ص/798). وقال الزبيديّ عن هاتين الكلمتين: "وهي لغة عبرانية، تكلمت بها العرب قديمًا". الزبيدي، تاج العروس، (36/496).
(22) ) انظر الباقلاني، تمهيد الأوائل، (ص/109). والشهرستاني، الملل والنحل، (2/25).
(23) ) في (أ) و(ج): "ومعنى" ولعله خطأ من الناسخ.
(24) )
(25) ) انظر البلخي، البدء والتاريخ، (ص/265). والقرطبي، الإعلام بما في دين النصارى من الفساد، (ص/130).
(26) ) الأكمه: الذي يولد أعمى. الجوهري، تاج اللغة، مادة (ك م ه) (6/2247). الرازي، مختار الصحاح، (ص/273).
(27) ) الأبرص: الذي أُصيب بالبرص، وهو بياض يظهر في ظاهر البدن، داء معروف. نسأل الله منه العافية. انظر الأزهري، تهذيب اللغة، مادة (ب ر ص) (12/127). والزبيديّ، تاج العروس، مادة (ب ر ص) (17/486).
(28) ) هكذا في الغنية. انظر الأنصاري، الغنية، (1/449). ووقع في المخطوطات: "والظهور"، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(29) ) أراد المصنف الناظر في الجسم الصقيل.
(30) ) انظر الباقلاني، تمهيد الأوائل، (ص/109). وابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/88).
(31) ) في (ج) زيادة: "الجسم".
(32) ) في (ج): "أصلكم".
(33) ) هكذا في الغنية، وبزيادتها يستقيم المعنى. انظر الأنصاري، الغنية، (1/449).
(34) ) استاذ احمد.
(35) ) في (ب): "لغير".
(36) ) انظر الباقلاني، تمهيد الأوائل، (ص/101-102)، والجويني، الشامل، (ص/595).
(37) ) هكذا في الشامل. الجويني، الشامل، (ص/596). ووقع في المخطوطات وفي الغنية: "لا شك أنّ الجوهرَ موجودٌ قديمٌ"، وهي توهم أنّ هذا قول أهل السنة، وليس الأمر كذلك فاعتقاد أهل السنة أنّ الجوهرَ ليس قديمًا، وأنّ الله تعالى هو وحده القديم الذي لا بداية لوجوده. انظر الأنصاري، الغنية، (1/450).
(38) ) في (ب): "الأقانيم".
(39) ) سقطت من (ب).
(40) ) سقطت من (ج).
(41) ) ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)﴾ [النساء: ١٥٧].
(42) ) الخبر المتواتر: هو كلّ خبرٍ عُلِمَ مُـخْبَرِه ضرورةً، وذلك ضربان: تواتر من جهةِ اللفظ كالأخبار المتفقةِ عن القرون الماضية والبلاد النائية ،وتواتر من طريق المعنى كالأخبار المختلِفةِ عن سخاءِ حاتم وشجاعة علي رضي الله عنه وما أشبه ذلك، ويقع العلمُ بكلا الضربين. انظر الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، (1/95). والشيرازي، اللمع، (ص/؟).
(43) ) ومن شروط التواتر أن يكون ناقلوه في العصر الأول قد نقلوه عن مشاهدةٍ أو علمٍ بما نقلوه ضرورةً. انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/139-142). والجويني، التلخيص، (2/287-288).
(44) ) قال الله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ [سورة النساء: ١٥٧ - ١٥٨]. قال الواحدي في تفسير قوله تعالى: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ﴾ "أي إلى الموضع الذي لا يجري لأحدٍ سوى الله فيه حكمٌ، وكان رفعُه إلى ذلك الموضع رفعًا إليه؛ لأنّه رُفع عن أن يجري عليه حكم أحد من العباد". الواحدي، الوجيز، (ص/301). وقال ابن عطية في تفسير الآية: " يعني إلى سمائه وكرامته". ابن عطية، المحرر الوجيز، (2/134).
(45) ) الخرطُ: قَشْرُكَ الورق عن الشجرة اجتذابًا بكَفِّكَ، والقَتَاد: شجرٌ له شوكٌ أمثالُ الإبر. يُضرب للأمر الشاق الشديد. انظر الثعالبي، التمثيل والمحاضرة، (ص/272). والميداني، مجمع الأمثال، (1/265).
(46) ) وهو دحية الكلبي.
(47) ) روى البخاري في صحيحه حديث (4980): كتاب فضائل الأعمال: باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل: من حديث أبي عثمان قال: "أُنْبِئْتُ أنّ جبريلَ أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة فجعل يتحدث، فقال النبي ﷺ لأم سلمة: «من هذا؟» أو كما قال، قالت: "هذا دحية"، فلما قام، قالت: والله ما حسبْتُه إلا إيّاه، حتى سمعتُ خطبةَ النبي ﷺ يخبر خبرَ جبريل، أو كما قال، قال أبي: "قلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد". وروى الحاكمُ في مستدركه بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها زوج النبي ﷺ، أنّ رسول الله ﷺ كان عندها فسلّم علينا رجلٌ من أهل البيت، ونحن في البيت، فقام رسول الله ﷺ فَزِعًا فقمت في أثره، فإذا دحية الكلبيّ، فقال: «هذا جبريل يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة» الحديث. قال الحاكم: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين؛ فإنهما قد احتجا بعبد الله بن عمر العمري في الشواهد، ولم يخرجاه". انظر الحاكم، المستدرك، (3/37).
(48) ) قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾ [سورة آل عمران: ٥٥].
(49) ) قال الله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ [سورة المائدة: ١١٧].
(50) ) قال الشيرازي في اللفظ المجمل: "هو ما لا يُعقل معناه مِن لفظِه ويفتقرُ في معرفة المراد إلى غيره". الشيرازي، اللمع، (ص/55). وقال الإمام الجويني في اللفظ المجمل: "ما افتقر إلى البيان". الجويني، الورقات، (ص/13).
(51) ) [سورة الأنعام: ٦٠].
(52) ) انظر الزجاج، معاني القرءان، (2/257). والماوردي، النكت والعيون، (2/122).
(53) ) انظر الطبري، جامع البيان، (6/455). والثعلبي، الكشف والبيان، (3/81).
(54) ) هو الربيع بن أنس بن زياد البكريّ ويقال الحنفي البصري ثم الخراساني. سكن مَرو. يروي عن أنس بن مالك وأبي العالية. وروى عنه ابنُ المبارك وأبو جعفر الرازي. والناس يتقون حديثَه ما كان من رواية أبي جعفر عنه؛ لأنّ فيها اضطرابًا كثيرًا. توفي في خلافة أبي جعفر المنصور سنة (139ه أو 140ه). انظر ابن حبان، الثقات، (4/228). والعسقلاني، تهذيب التهذيب، (3/238-239).
(55) ) انظر الرازي، التفسير الكبير، (8/237-238). والخازن، لباب التأويل، (1/251). و
(56) ) هو
(57) ) انظر الثعلبي، الكشف والبيان، (3/81). والقرطبي، الجامع لأحكام القرءان، (4/100).
(58) ) هو أبو الحسن، علي بن أبي طلحة بن المخارق الهاشمي، أصله من الجزيرة وانتقل إلى حمص. روى عن ابن عباس ولم يسمع منه، بينهما مجاهد والقاسم بن محمد بن أبي بكر وغيرهما. روى عنه معاوية بن صالح الحضرمي وسفيان الثوري وغيرهما. مات سنة (143ه). انظر الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، (13/380). والعسقلاني، تهذيب التهذيب، (7/339).
(59) ) انظر ابن المنذر، تفسير القرءان، (1/221). والبغوي، معالم التنزيل، (1/447).
(60) ) هو أبو عبد الله، وهب بن مُنبّه بن كامِل الصّنْعاني، ولد سنة (34ه)، وهو من أبناء فارس. روى عن ابن عباس وجابر والنعمان وغيرهم، وروى عنه عمرو بن دينار والمغيرة بن حكيم وسمّاك وغيرهم. قرأ ثلاثين كتابًا نزل على ثلاثين نبيًا، وعَلِم أخبار الأولين، لبث عشرين سنة لم يجعل بين العشاء والصبح وضوءًا. توفي بصنعاء سنة (110ه). انظر ابن سعد، الطبقات الكبرى، (5/543). وابن عساكر، تاريخ دمشق، (63/366–369).
(61) ) انظر الطبري، جامع البيان، (6/457). والقرطبي، الهداية إلى بلوغ النهاية، (2/1033).
(62) ) لم أقف عليه في صحيح البخاري. رواه ابنُ أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" بإسناده إلى عبد الأعلى ابن أبي المساور قال: سمعت عكرمة يقول: "أخبرتني أمُ هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها، قالت: بات رسولُ الله ﷺ عندي ليلة أُسري به، فذكر أمرَه وكيف أُسري به قال: «وإني أُريد أن أخرجَ إلى قريش فأخبرهم» فأخبرَهم فكذّبوه، وصدّقه أبو بكر رضي الله عنه، فسمي من يومئذ الصديق". ابن أبي عاصم، الآحاد والمثاني، (1/83). وروى الطبراني في "المعجم الكبير" بإسناده إلى عبد الأعلى بن أبي المساور، عن عكرمة، عن أم هانئ بنت أبي طالب، قالت: "بات رسولُ الله ﷺ ليلةَ أُسري به في بيتي ففقَدتُّه من الليل، فامتنع مني النوم مخافةَ أنْ يكونَ عرضٌ له بعض قريش" الحديث. انظر الطبراني، المعجم الكبير، (24/432). قال الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" بعد ذكره لهذا الحديث: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبد الأعلى بن أبي المساور، متروك كذاب". الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، (1/76).
(63) ) [سورة الإسراء: ١]
(64) ) روى البخاري في صحيحه حديث (349): كتاب الصلاة: باب كيف فُرضت الصلاة في الإسراء؟ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو ذر يحدث أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «فُرِجَ عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل صلى الله عليه وسلم، ففَرَج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بِطِسْتٍ من ذهب مُمتلئ حكمةً وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي، فَعَرجَ بي إلى السماء الدنيا» الحديث. وروى مثله مسلم في صحيحه 263-(163): كتاب الإيمان: باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات، وفرض الصلوات: من حديث أنس بن مالك.
(65) ) روى البخاري في صحيحه حديث (2222): كتاب البيوع: باب قتل الخنزير: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، ليُوشِكَنّ أن ينزلَ فيكم ابنُ مريم حكمًا مُقسِطًا، فيَكْسِرَ الصليبَ، ويقتُلَ الخنزيرَ، ويَضَعَ الجزيةَ، ويَفيضَ المالُ حتى لا يقبلَه أحدٌ». وأما رواية قتل سيدنا عيسى للدجال فما رواه مسلم في صحيحه حديث 34 - (2897): في كتاب الفتن وأشراط الساعة: باب في فتح قسطنطينية، وخروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال: «فبينما هم يُعِدّون للقتال، يُسَوّون الصفوف، إذ أُقِيمت الصلاةُ، فينزلُ عيسى ابنُ مريم ﷺ، فأَمّهُم، فإذا رآه عدو الله، ذاب كما يذوبُ الـملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يَهْلكَ، ولكن يقتلُه اللهُ بيده، فيُريهم دمَهُ في حَرْبَتِه» الحديث. وروى نعيم بن حماد في كتاب "الفتن" بإسناده إلى كعب قال: "لـما رأى عيسى ابن مريم قلةَ مَنْ معه شكا إلى الله تعالى، فقال الله: "إني رافعك إلي ومتوفيك، وليس مَنْ رفعت عندي يموت"، وإني باعثك على الأعور الدجال فتقتله، ثم تعيش بعد ذلك أربعًا وعشرين سنة، ثم أتوفاك ميتة الحق". قال كعب: "ومصداق ذلك قول رسول الله ﷺ: «كيف تهلك أمةٌ أنا أولها والمسيح آخرها». ابن حماد المروزي، الفتن، (2/578).
(66) ) روى أبو داود في سننه حديث 4324: كتاب الملاحم: باب خروج الدجال: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «ليس بيني وبينه نبي - يعني عيسى- وإنّه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجلٌ مربوعٌ إلى الحُمرة والبياض، بين ممصرتين، كأن رأسه يَقْطرُ وإنْ لم يُصِبْه بللٌ، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويُهلكُ اللهُ في زمانِه الـمللَ كلَّها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون». وروى أحمد في مسنده بالإسناد المتصل إلى عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «فينزل عيسى عليه السلام فيقتله، ثم يمكث عيسى عليه السلام في الأرض أربعين سنة إمامًا عدلًا، وحَكمًا مُقْسطًا» الحديث. انظر ابن حنبل، مسند الإمام أحمد بن حنبل، (41/16). قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": وروى أحمد وأبو داود بإسنادٍ صحيحٍ من طريق عبد الرحمٰن بن آدم عن أبي هريرة مثلَه..." وذكر الحديث. انظر العسقلاني، فتح الباري، (6/493).
(67) ) [سورة النساء: ١٥٩].
(68) ) انظر الطبري، جامع البيان، (9/380). والماتريدي، تأويلات أهل السنة، (3/411).