قال أهل الحقّ: العقلُ كائنٌ موجودٌ، ولو كان معدومًا لـما اختصّ به بعضُ الذوات دون بعض، وإذا ثبت وجودُه فيستحيل الحكمُ بقِدَمِهِ؛ إذ الدليل قد قام على أنّه لا قديمَ إلّا الله تعالى وصفاته، وأنّ ما سواه حادثٌ، وأنّ الإلـٰه سبحانه قائمٌ بنفسه بلا نهايةٍ ولا حدٍّ، ويتقدّس عن الحلول في غيرِه، ويستحيل عليه الاتصالُ والانفصالُ، وكذلك قام الدليلُ على أنّ صفاتِ الإلـٰه سبحانه تختصّ بذاتِه سبحانه، ولا اختصاصَ لها بالأجرام والأجسام حلولًا وقيامًا؛ فبطل كونُ العقل قديمًا(453).

وقد صار بعضُ أهل الظاهر إلى أنّ العقلَ قديمٌ (454)، وهكذا يقولون في الروح والإيمان.

وصارت الفلاسفة إلى أنّ العقلَ قديمٌ وهو جوهرٌ بسيط، ومِن هؤلاء مَن صار إلى أنّه جوهرٌ لطيفٌ في البدن ينبثّ شعاعُه فيه بمنزلة السراج في البيت(455). وليس يستقرّ لهم قَدمٌ في إيضاح مذهبهم وتقريره على وجه يُفهم أو يُعقل.

وإذا أقمنا الدلالة على حدوث الجواهر والأعراض فيستبين إذ ذاك(456) بطلانُ هذا المذهب، ووجب القطع بحدوث العقل .

ثم الحادثُ إمّا أن يكون جوهرًا وإمّا أن يكون عَرضًا. وباطلٌ أن يكون العقلُ من قبيل الجواهر لِـمَا قامُ مِن الدليل على تجانسها، فلو كان جوهرٌ مَا عَقْلًا لكونِه جوهرًا، لكان كلُّ جوهرٍ عقلًا.

والذي يُحقّق ذلك أن كونَ العاقلُ عاقلًا حُكمٌ له بمثابة كونِه عالـِمًا قادرًا، وكلُّ حكمٍ ثبت لذاتٍ يستحيلُ أن يكونَ الموجِبُ لذلك جوهرًا، فإنّ الجواهرَ لها الأحكامُ من الأعراضِ القائمةِ بها وهي لا تُوجِبُ الأحكام، والجوهرُ لا يقوم بالجوهر أصلًا، ولو جازَ أن يكونَ العقلُ جوهرًا لطيفًا في البدن؛ لجاز أن يكون العِلمُ جوهرًا، وكذلك سائرُ صفات الحيّ، وإذا بطلَ كونُ العقل جوهرًا تعيّن كونُه مِن قبيل الأعراض. وباطلٌ أن يكون غيرُ العلوم؛ إذ لو كان غيرَها لصحّ أنْ يتّصفَ بالعقل على الحقيقةِ مَن لا يعلم شيئًا، فدلّ أنّه من قبيل العلوم(457).

فإن قيل: أليس الغافلُ والنائمُ والساهي يُسمى كلُّ واحدٍ منهم عاقلًا وليس له عِلمٌ؟ قلنا: تسميتنا إيّاه عاقلًا بمثابةِ تسميتنا النائمَ والغافلَ عالِـمًا أو مؤمنًا، وبمثابةِ تسميتنا الساكتَ ناطِقًا، ومن ذهل عن الشىء لا نُسمّيه عالِـمًا بما هو ذاهل عنه، كذلك في مسئلتنا لا نُسمّيه عاقِلًا بالشىءِ الذي هو غافِلٌ عنه، وأمّا الغافِلُ عن الأشياءِ كلّها المبهوتُ قد يُسمّى عالِـمًا على معنى أنّه على وصفٍ يتأتّى منه تحفّظُ العلوم وتذكّرُها، كذلك نُسمّيه عاقِلًا على هذا التأويل.

يُحقّق ما قلناه أنّه ما مِن جنسٍ مِن أجناسِ العرض إلّا ويجوز تقديرُ العقل مع عدمِه إلّا العلوم وما يُصحّحها مِن الحياة.

فإن قال قائلٌ: ما أنكرتم أنّ العقلَ معنى غيرُ العلم، إلّا أنّه يُلازمه(458) ملازمةَ الشرط المشروط، أو ملازمة الإرادةِ للعِلم، وملازمة الألم للعِلم؟

قلنا: إنْ كان العقلُ مِن صفات الحيّ فمن ضرورته أن يُدركَه الحيُّ مِن نفسِه إذا لم يكن غافِلًا ذاهِلًا، وإذا رجعنا إلى أنفسنا لم نُحِسَّ مِن أنفسنا معنى يُغايرُ العِلم (ق17أ) هو العقل، إذ لا نُحِسُّ معنى يُدرك به العِلمُ غيرَ نفس العِلم.

على أنّ هذا إثبات معنى مجهولٍ لا يدلّ عليه دليلٌ، وإثبات معنى لا يُحسّه الإنسانُ في نفسه مع كونه من صفاتِ الحيّ، ولا يدلّ عليه دليلٌ تحكّمٌ محضٌ، ولو جاز هذا لجاز أن يُقال: "الموجِبُ لكون العالِـم عالِـمًا معنى غيرُ العِلم، إلّا أنَّ العِلمَ شرطٌ في ثبوت ذلك المعنى"، فثبتَ بهذه الجملةِ أنّ ما تخيّلتموه عقلًا فهو العِلمُ لا غير.

وأيضًا فإنّ التغايرَ بين الشيئيْن قد يُدرك بمفارقةِ أحدهما الآخر بوجهٍ، وقد يُدْرك باختلافهما في التعلّق والحكم والفائدة، وبمثل هذه الطُّرُق حَكَمْنَا بتعدّد صفاتِ الإلـٰه، وبذلك نعلم مغايرةَ الحياةِ القدرةَ، ومغايرةَ الأمرِ الذي في نفس الحيّ مِنا الخبرَ.

وأيضًا فلو كان العِلم شرطًا في العقل لجاز تقدّمُه عليه كالحياة مع العلم، ولـمّا استحال ثبوتُ العِلم الذي جعلناه مِن العقل دون العقل ومتقدّمًا على العقل، بطل كونُهُ شرطًا.

وإنما أطْنبتُ في تقرير هذا الفصل؛ لأنّ الشيخ الإمام رضي الله عنه ذكرَ في أصول الفقه: "أنّ العقلَ معنى يُدرك به العلم وجملة صفاتِ الحيّ"(459)، وكان يقول في "التعليق": "إنّه تثبيت [الرجوع لطريقة كتابتها في المخطوط] سمة إدراك النفس"(460).

وهذا فيه نظرٌ فاعلموه؛ ولو كان العقلُ معنى يُدْرَكُ به العلمُ، فَبِمَ تميّز العلم عنه؟ والكلام في إدراك النفس سيأتي.

وقال المحقّقون مِن أئمّتنا: "العقل هو العلم" بدليل أنّه لا يقال: "عقلتُ وما عَلِمْتُ" أو "عَلِمْتُ وما عقلتُ"، وإن كان فرقٌ بين اللفظيْن ففي إطلاق أهل العُرف وتقييدهم. وهذا كما أنّ العالِـم في الحقيقة ذو العلم، سواءٌ كان العِلمُ علمَ الشريعة والدين أو غيرِه من العلوم، وإذا أطلق مُطْلِق فقال: "رأيت العلماء أو جاءني عالـمٌ" فلا يُفهم مِن إطلاقه أصحاب الحِرَف والصناعات بل لا يُفهم منه إلّا علماء الشريعة"(461).

فكذلك العقل إذا أُطلق فإنما يُراد به عقلُ التكليف، وهو ما به يمكن التمييزُ والاستدلال على ما وراء المحسوس، ويخرج به عن حدّ المعتوهين، وتسمّيه العقلاءُ عاقلًا.

وهذا(462) قول أبي الحسن(463)؛ وإنما قاله لأنّ النحل نراه ينسج أشكالًا مُسدّسة يعجز عنها كثيرٌ مِن العقلاء، وكذلك غيرُ النحل مِن البهائم والجُعَل، فلهذا قال: "العاقل مَن يسمّيه العقلاء عاقلًا" والعقلُ المقيدُ يتناول جنسَ العلم؛ ولهذا قال الشافعيّ: "الحمامُ أعقل الطير"(464) عنى به أكْيس الطير.

قال الأستاذ أبو إسحاق: "واختلفوا في مقرّه، فقيل: هو القلب، وقيل: هو الدماغ، وقيل: لكلّ حاسّة منه نصيب، وهو أحدُ قولي أبي الحسن"(465).

وقال الجبّائيّ: "العقل عشرة أنواع مِن العلم"، وعدّ منها العلومَ البديهيّةَ والعلوم الصادرة عن الحواسّ، والعلمَ بحُسنِ الشىء وقُبحهِ، ووجوبِ شكرِ المنعم، وقُبح الكفر والظلم والكذب.

وقال القاضي: "العقل من العلوم وليس كلّها إذ لا يجوز الاتصافُ بالعقل مع الخلوّ عن جميع العلوم أو معظمها فثبت أنّه مِن العلوم، وليس هو مِن العلوم النظريّة إذ شرط ابتداءُ النظر تقدّمُ العقل، فانحصر العقلُ إذًا في العلوم الضروريّة. ويستحيل أن يُقال: هو جميع العلوم الضروريّة؛ فإن الضريرَ ومَن لا يُدرِك يتّصف بالعقل مع انتفاء علوم ضروريّة عنه، فاستبان بذلك أنّ العقلَ من العلوم الضروريّة وليس كلّها"(466).

وسبيل تعيينه والتنصيص عليه أن يُقال: "كلُّ علمٍ لا يخلو العاقلُ منه عند الذكر، ولا يُشاركه فيه مَن ليس بعاقلٍ فهو العقل"(467).

وقوله: "عند الذكر" احترازٌ عن الساهي. وقوله: "لا يشاركه فيه مَن ليس بعاقل" إشارةٌ إلى العلوم الصادرةِ عن الحواسّ والعلومِ بالآلام واللذّات فإنّه يستوي في دركِها العقلاءُ وغيرُهم من الأطفال والبهائم، وهذا إذا قلنا للبهائم علومٌ بالمحسوسات.

فيخرج مِن مقتضى السَبر أنّه(468) العلومُ الضروريةُ بجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات، والعلم بأنّ المعلوم لا يخلو عن نفي وإثبات (ق17ب)، والموجود لا يخلو من(469) القِدَم والحدوث، والخبر لا يخلو عن الصدق والكذب(470).

وعدّ القاضي مِن ذلك العلمَ بمجاري العادات(471).

وحكى الأستاذ أبو بكر عن الأئمّة في العقل أقوالًا ثم زيّفها وحملها على محامل، فنقل عن الشافعي وأبي عبد الله بن مجاهد أنّهما قالا: "العقلُ آلة التمييز"(472)، وحكى عن أبي العباس القلانسيّ(473) أنّه قال: "العقل قوةُ التمييز"(474)، وعن الحارث المحاسبيّ(475) أنّه قال: "العقل أنوار وبصائر"(476).

قال الأستاذ: الوجه أنْ لا يُصحّح النقلُ عن هؤلاء الأئمّة؛ فإنّ الآلة تستعمل في الأجسام المبنيّة واستعمالها في الأعراض مجازٌ. على أنّا نقول: كلُّ حاسّة مِن الحواسّ آلة التمييز وليست عقلًا ولا الموصوف بها عاقلًا، والكفار معهم عقولٌ ومعهم آلةُ التمييز ثم لا يميّزون بين الحقّ والباطل(477).

فإنْ قالا: أردنا بذلك أنّه يَصِحّ بها التمييزُ والاستدلالُ، والكفار يصحّ منهم ذلك. قلنا: هذا يبطل بالدليل والنظر وقولِ الرسول ﷺ والمفتي، فإنّ كلَّ واحد مما ذكرناه يُميَّز به بين الأحكام وليس ذلك مِن العقل في شىء.

فإن صحّت هذه الحكاية فإنّ المعنيّ بها: ما يقع به التمييزُ، ويُمكن معه الاستدلال على ما وراء المحسوس، والخلاف يرجع إلى عبارة، والشافعي رضي الله عنه لم يسلك مسالك المتكلّمين ولم يراعِ ما راعوه. وكذلك لا يعقل من القوّة إلّا القدرة والقلانسيّ أطلق ما أطلقه توسّعًا في العبارة، وكذا المحاسبيّ. والعقل ليس بصيرةً ولا نور ولكن يُستفاد به أنوار والبصائر بتيسير(478) الله تعالى وتأييده.

ولا اختلاف بين أصحابنا في المعنى، فقد سمّى اللهُ تعالى الإيمانَ نورًا(479)، فقال تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ﴾(480).

وشيخُنا الإمامُ أيضًا أطلق ما أطلقه توسّعًا، ولو كان العقل معنى يُدرك به العلمُ، فما العلم الذي يُدرك بالعقل؟ وكيف يتميّز أحدُهما عن الآخر، لا سيّما والعلمُ عنده خارجٌ عن قبيل الاعتقاد؟ ه.


(453) انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرءان، (1/370).

(454) أراد بأهل الظاهر الحشوية الذين يتمسكون بظواهر الآيات ويمنعنون التأويل. انظر الشهرستاني، الملل والنحل،

(455)

(456) في هامش (أ): "استبان للناظر" نسخة.

(457) انظر الباقلاني، التقريب والإرشاد، (ص/99-100).

(458) ) في (ب): "يلزمه".

(459) (( انظر الجويني، البرهان، (1/112-113).

(460)

(461) انظر الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، (2/37). والسمعاني، قواطع الأدلة، (1/27-28).

(462) في (ب): "وهو".

(463) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/31).

(464) انظر الشافعي، الأم، (2/215).

(465) انظر الشيرازي، شرح اللمع، (1/151-152). والزركشي، البحر المحيط، (1/1220123).

(466) نقل الشارح كلام القاضي بتصرف. انظر الباقلاني، التقريب والإرشاد، (ص/100-101).

(467) الجويني، الإرشاد، (ص/70).

(468) أراد العقل. انظر الجويني، الإرشاد، (ص/71).

(469) في (ب): "عن".

(470) انظر البغدادي، عيار النظر، (ص/250-251). والجويني، الإرشاد، (70-71).

(471) انظر الباقلاني، التقريب والإرشاد، (ص/101).

(472) انظر السمعاني، قواطع الأدلة، (1/27). وابن الملقن، عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج، (1/75).

(473) هو الإمام المتكلم أبو العباس، أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسيّ الرازيّ. من جملة العلماء الكبار الأثْبات واعتقاده موافق لاعتقاد الإمام أبي الحسن الأشعريّ وكان من معاصريه. زادت تصانيفه على مائة وخمسين كتابًا. انظر ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، (ص/368). وابن السبكي، طبقات الشافعية، (1/130).

(474) انظر القرطبي، تفسير القرطبي، (1/371).

(475) هو الصوفيّ الزاهد أبو عبد الله، الحارث بن أسد الـمُحَاسِبيّ، أحدُ من اجتمع له الزُهد والمعرِفة بعِلْمِ الظاهِر والباطِن وهو شيخُ الجُنيدِ سيّدُ الطائفة الصوفيّة. حدّث عن يزيد بنِ هارون وطبقتِه، وروى عنه أبو العباس بن مسروق الطوسيّ وغيرُه. له كتب كثيرة في الزُهد والردّ على المخالفين مِن المعتزلة والرافضة. امتنع عن أخذ ميراث أبيه لأنَّ أباه كان معتزليًّا، فمات الحارث وهو محتاج إلى درهم. توفي في بغداد سنة 243ه. انظر الخطيب البغداديّ، تاريخ بغداد، (8/207-211). وابن الصلاح، طبقات الفقهاء الشافعيّة، (1/438-441).

(476) نقل الحارث المحاسبي عن قوم من المتكلمين قولهم: "إن العقل هو نور وضعه الله طبعًا وغريزة، يُبصَرُ به ويُعبَّر به"، والذي اختاره وصححه أن العقل: هو غريزة، والمعرفة عنه تكون. انظر المحاسبي، مائية العقل ومعناه واختلاف الناس فيه، (ص/204-205).

(477) يؤيد قول المصنف ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [سورة الملك: ١٠]. قال الزجاج: "أي لو كنّا سمعنا سمع مَن يعي ويفكر ما كنّا في أصحاب السعير، أو يعقل عقل من يميز وينظر ما كنا في أهل النار". الزجاج، معاني القرءان، (5/199). = =وقال الإمام الماتريدي: "فقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ ليس هو على نفي السمع والعقل؛ إذ قد أقروا أنهم سمعوا وعقلوا، وإنَّمَا هو على نفي الانتفاع بما سمعوا وعقلوا؛ لأن الانتفاع بالمسموع هو الإجابة لما سمع، والانتفاع بالعقل أن يقوم بوفاء ما عقل، وهم لم يجيبوا لما سمعوا، ولم يقوموا بوفاء ما عقلوا". الماتريدي، تأويلات أهل السنة، (10/111).

(478) في (ب): "بتسبيب".

(479) انظر الماتريدي، تأويلات أهل السنة، (9/113). والواحدي، الوجيز، (ص/932).

(480) [سورة الزمر: ٢٢].