الصائرون إلى الطبائع فريقان:
فريقٌ يوافقونا على القول بحدَث العالَـم وإثبات الصانِع والكلام عليهم سيأتي إن شاء الله.
والفريق الثاني: يقولون بقِدَم الطبائع الأربع.
فيقال لهم: أتثبتون الطبائع مُختصّة بالجواهر أم(236) تحكمون بأنّها أفراد؟ فإن كانت مُختصّة بالجواهر والجواهرُ قديمة فقد أبطلنا ذلك وأقمنا الدلالة على حدوث الجواهر والأعراض (ق34أ).
وإن قلتم: إنّها أفراد فلا يخلو إمّا أن تكون قائمةً بأنفسها أو هي في حكم الأعراض أو في حكم الخواصّ، فإنْ قامت بأنفسها كانت مضاهيةً للجواهر وقد ثبت حدوثُها وحدوثُ الأعراض.
ثم مِن ضرورة ما هو في حكم العَرض أو الخاصيّة التي هي دون العرض أن يكون مختصًّا بقائمٍ بنفسه، وكيف تُعْقل خاصيّةٌ لا لمختصّ؟ ولو قامت الخاصيّة بنفسها لَـمَا كانت خاصيّةً وانقلبت عن جنسها، ولأنّ الطبائعَ بعد الامتزاج لا تقومُ بنفسها فكيف يُعقل قيامُها بنفسها قبل الامتزاج؟ ولو تُصُوّر قيامُها بنفسِها في حالٍ لجاز ذلك في كلّ حال، ولو كانت الطبيعةُ في حكم جوهرٍ لَـمَا خلت عن طبيعة، فإنّ كلّ قائمٍ بنفسه ذو خاصيّة عندهم، ولو كانت في حُكمِ العرض لَـمَا قامت بنفسها. وقد قالوا: إنها في حُكم الخواصّ وصفات الأنفس ولو كانت كذلك لاقتضت مختصًّا لا محالة لاستحالةِ قيامها بأنفسها.
يُحقّق ما قلناه أنّهم أحالوا ثبوتَ جواهرَ دون خواصّها فلئن يُحيلوا ثبوت الجواهرِ دون المختصّ بها أولى.
ثم قالوا: إنّها لم تكن ممتزجةً فامتزجت، وهذا قولٌ منهم بطريان التغيّر عليها فيدلّ على حدوثها، فإنْ أنكروا ذلك فنُسائلهم عن دلالة حَدَث العالَـم، فإن تمسّكوا بتعاقب النقيضيْن عليها لزمهم مثلُ ذلك في الطبائع، وإن أنكروا حَدَث الجواهر فقد خرجوا عن قول الطبائعيّين.
وما مِن صاحب عنصرٍ إلّا ويعترف بأنّ عنصرَه خرج فيما لا يزال عمّا كان عليه في الأزل وتغيّر عن الصفة التي كان عليها، ولو كانت تيك الصفة قديمةً لَـمَا بطلت، ولو كانت نفسيّة لبقيت لبقاء نفسها.
ونقول لهم: أتثبتون للطبائع محالّ أم لا؟ فإن لم يثبتوا لها محالّ أو مكانًا كان مُحالًا، فإنّه إنّما يُعقل الامتزاج في مكان أو محلّ. ونقول لهم: إذا امتزجت فلا يخلو إمّا أن يحصل المحلُّ معها أو بعدها، فإنْ ثبتَ بعد الامتزاج فقد حصل الامتزاجُ في غير محلٍّ، ولو جاز ذلك في وقتٍ لجاز في وقتيْن وأكثر. فإن قالوا: ثبت المحلّ مع الامتزاج. فَلِمَ كان المحلُّ باقتضاء الامتزاج أولى مِن الامتزاج باقتضاء المحلّ فإنهما مقترنان؟
فإن قالوا: كان للطبائع مَحالٌّ وهي الفضاء وهو قديم. قلنا: الفضاء إمّا أنْ يكون في حُكم الجوهر أو في حُكم العرض وقد ثبت حدوثهما. ثم نقول: هل للفضاء مكانٌ أم لا؟ فإنْ جازَ ثبوتُه لا في مكانٍ جاز مثلُ ذلك في الطبائع، وإنْ كان في مكان فيلزم أنْ يكون للمكان مكان إلى ما لا نهايةَ له.
ثم نقول: هذا الفضاء إنْ كان مِن جنس الطبائع فهو الطبائع، وإن كان مخالفًا لها بطل قولُكم: إنّه لا شىءَ إلّا وفيه الطبائع.
ثم نقول: هذا الفضاء إمّا أن يكون هو الخلاءُ الذي حكموا بتناهيه أو هو غيرُه.
أمّا الخلاء فهو عبارةٌ عن الأحياز وعن الفراغ الذي إذا وُجِدَ به الجواهرُ أخرجتْه عن كونِه خلاءً وفراغًا(237)، وليست هي موجودة بل هي تقديراتٌ وهميّة يُقَدّرها المرءُ في وهمه ليعرف بها الجواهر وأقدارها، وعند هؤلاء إنّها ثابتة متناهية، وعند المتكلّمين لا نهايةَ لها حُكمًا.(سؤال علم الدين).
ومعنى قول الدهريّة: إنّها متناهيةٌ، اعتقادُهم وجوبَ وجودِ هذه الأجرام والأفلاك في مراكزها، واستحالةِ ثبوتِ غيرها معها، واستحالة انتقال هذه الأجرام عن مراكزها، وهذا مركّبٌ صعبٌ من استوطأه خرج عن المعقول وانسدّ عليه الفرقُ بين الجائز والواجب والمستحيل، وقد اعتقدوا أنّ العالَـم مُفعَمٌ بالأجرام وليس فيه فراغ.
وعندنا يجوز أنْ يكون في خَلل الأجسام وتجاويفها خلاء وفراغٌ كما أنّ أقطارَ العالَـم متاخمةٌ خلاء وفراغًا يصحّ أن تكون مكانًا للجواهر.
ومما نُبطل به كلامَ الطبائعيّين أنْ نقول: ما قولكم في الطبائع أهي امتزجت بأنفسها أم بمعنى زائدٍ عليها؟ (ق34ب) أمّا الأنفس: فكانت ثابتة في الأزل على زعمهم مِن غير امتزاج، وأمّا المعنى: إمّا أن يكون عدمًا أو وجودًا، والعدم نفي محض لا اختصاصَ له. وإنْ كان موجودًا قديمًا لزم قِدَمُ الامتزاج، وإن كان حادثًا افتقر إلى مُقتضٍ آخر أو مؤثّرٍ فاعل، ولا موثّرَ عندهم إلّا امتزاج الطبائع فاقتضى ذلك أن تمتزج الطبائعُ ليثبت مقتضى الامتزاج، ويثبت المقتضي لـتمْتَزِج الطبائع وهذه سفسطة، وإن استغنى مقتضى الامتزاج عن مقتض آخر فيلزم استغناءُ العالَـم في حدوثه عن مقتضٍ.
فإن قيل: كما أحلتم وقوعَ المقدور في الأزل مع وجوبِ الاقتدار أزلًا،كذلك يمتنع قِدَمُ المقتضي للامتزاج واستئخار الامتزاج. قلنا: الطبيعةُ توثّر لنفسها عندكم من غير اختيار، والدليل عليه أنّ الامتزاجَ يقتضي التركيب للعالَـم مِن غير استئخار، فلو ثبتت طبيعةٌ في الأزل مقتضيةٌ للامتزاج لـما استأخر مقتضاها عنها، وأما القادِر فليس يقتضي وقوعُ مقدوره لنفسه إيجابًا، بل يثبت ذلك عن اختيار فبان الفَرْق.
فصل في معنى القديم والحادث
قال الإمام: "المتقدّمون مِن مشايخنا صاروا إلى أنّ القديم هو الذي لا أوّل لوجوده(238)، وهذا مذهبُ جماهير المعتزلة، وصار شيخنا أبو الحسن إلى أنّ القديم هو المتقدّم في الوجود بشرط المبالغة، قال: وينطلق هذا الاسمُ على الذي لا أوّل لوجوده، وعلى المتقدِّم المتقادم مِن الحوادث(239)"(240).
والذي اختاره شيخنا هو الأصحّ، فإن الذي تنازعنا فيه كلمة لغويّةً والمصير في معناها إلى أهل اللغة لا غير، وقد اشتهر منهم تسميةُ ما عَتُقَ وتقادم قديمًا(241) فيقولون: "شيخٌ قديم" و"عزٌّ قديم" و"بناء قديم"، قال الله تعالى: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾(242) وقال: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾(243)، وما ظهر استعمالُه وخرج عن حدّ الشواذ ولم يثبت في اللغة كونُه متجوّزًا به عن أصلٍ سابقٍ في اللغة فيجب حملُه على الحقيقة، ولو جاز ادعاءُ التجوّز مع ظهور الاستعمال وعدم الدليل على التجوّز لجاز سلوكُ هذا الطريق في جملةِ حقائق اللغة.
ومن أقرب الشواهد إلى ما نحن فيه قول القائل: "هذا باقٍ" فهذا ينطلق على الحادث والقديم، ولو قيل: إن الباقي إذا أطلق على ما كان عُرْضَةً للزوال كان مجازًا لم يكن القائلُ به أسعدَ حالًا ممن اعتقد ذلك في القديم.
فإن قيل: لو صحّ ما قلتم لَلزِمَ أنْ يكون الشىءُ حادثًا قديمًا وهذا متناقضٌ.
قلنا: التناقض لا يرجع إلى ذاتي اللفظتيْن وإنّما يرجع إلى معنييهما ولا مناقضةَ بين هذيْن المعنييْن، وإنّما يتحقّقُ التناقض إذا أُثْبِتت الأوليّةُ للشىء ونُفيت عنه الأوليّة، ولا(244) تستقيم لهم دعوى التناقض إلّا بعد أن يُثبتوا أنّ القديم هو الذي لا أوّل لوجودِه.
ثم اعلم أنّ المرجعَ في إثبات ما رُمْناه إلى أهل اللغة، وقد رأيناهم يُطلقون هذا الاسم على العتيق الذي امتدّت مدّةُ بقائه، ولا يُطلقونه على الشىء الذي لا تمتدّ مدّةُ بقائه، على أنّ القديم على بناءِ "فعيل" وهو مِن أبنية الـمُبالغة(245) فاقتضى ذلك مبالغةً في التقدّم، وثبت أن القديم في موضوع اللغة هو المتقدّمُ على ما يوجد بعده بضربٍ مِن المبالغة.
ثم إطلاق "القديم" في العُرف لا يكون إلّا للأزليّ الذي لا أوّلَ لوجوده. فإذا قلت: "العالَـم ليس بقديمٍ على الإطلاق" نفيت عنه الأزليّةَ وثبت أنّه مفتتحُ الوجود، وإذا ثبت له التقدّمُ بشرطِ المبالغة كان الاسمُ حقيقةً فيه، وفي المحدَث أيضًا إذا حصل متقدّمًا بشرط المبالغة على مُحْدَثٍ آخر وُجد بعده، وقد يُحمل مطلق الاسم على غير ما يحمل عليه مقيّده، وإن كان المطلقُ والمقيّدُ لا يختلفان في المعنى في موضوع اللغة فالمفهومُ مِن مُطْلَقِه الأزليُّ عند أهل الدين.
ثم لا يخرج الاسمُ عن حقيقته عند التقييد إذا أُطلق على المحدَث المتقادِم عهدُه بالوجود، واختيار الأستاذ أبي منصور .....(246) في القديم أنّه الذي لا أوّل لوجوده، وأمّا المحدَث فهو المفتتحُ الوجود، أو الموجودُ الذي له أوّلٌ أو الكائنُ بعد أنْ لم يكن، وقد وُجّهَ على هذه العبارات أسئلة لا حاصل لها:
منها أنْ قالوا: قولُكم(247) الكائن بعد أنْ لم يكن ترتيبُ (ق35أ) شىء على شىء. وقولكم ما لوجوده أوّل فيه تناقض، فإنّ أوّلَ الحادِث نفسُه، ويستحيل أن يكونَ الشىءَ أوّلَ نفسِه. قلنا: إن كان السائل يبغي بسؤاله جحد معنى الحدوث فتسقط مكالمتُه، إذ الحدوث والوجود المفتتح معلوم ضرورة، وإن كان قصدُه التعرّضَ للقدح في العبارة كان المرجع في تصحيحها إلى أربابِ اللغات، وهذه العباراتُ لو عرضت على أهل اللسان لابتدروا إلى فهم معناها على حسب ما أوردناها وإذا صحّت المعاني واستقامت العبارات عند أهلها لم يبق للاعتراضات مُتّجَهٌ.
على أنّا نقول: الترتيب قد يتضمّن إثباتَ شيئيْن، وقد يتضمّن إثباتَ معلوميْن، والعدمُ معلوم والحدَثُ معلوم، فقد ترتّب من هذا الوجه معلومٌ على معلوم. وقولنا: "ما لوجوده أوّل" ليس الغرضُ منه أن يكون للحادِث أوّلٌ هو غيرُه، بل الغرضُ منه إثباتُ موجودٍ مسبوقٍ بعدم.
وقال الجبائيّ: "القديم هو الله سبحانه ولا قديمَ غيرُه"(248). ه.
(236) ) في (ب): "أي".
(237)
(238) ) انظر البغدادي، الأسماء والصفات، (؟/؟). والمتولي، الغنية، (ص/72).
(239) ) انظر الباقلاني، تمهيد الأوائل، (ص/36). و
(240) )
(241) ) انظر الجوهري، تاج اللغة، مادة (ع ت ق) (4/1520). والرازي، مختار الصحاح، مادة (ع ت ق) (ص/199).
(242) ) [ سورة يس: ٣٩]. وقد ورد في تفسير القديم: العتيق الذي مر عليه زمن طويل. انظر ابن عطية، تفسير ابن عطية، (4/454). والبيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، (4/268).
(243) ) [يوسف: ٩٥]. ؟؟؟؟
(244) سقطت من (ب).
(245) انظر، الهروي، إسفار الفصيح، (2/921). وابن هشام، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، (3/184).
(246) بياض في النسختين.
(247) في (ب): "قولهم".
(248)