فصلٌ

قال الإمام: "الأدلّة هي التي يُتوصّل (ق6ب) بصحيح النظر فيها إلى عِلمِ ما لا يُعلم في مستقرّ العادة اضطرارًا...."(142) الفصل.

وأشار بهذا إلى أنّ الأدلّة بمعنى الدلالةِ.

وإنّما قال: "في مستقرّ العادةِ" لجواز أنْ يصيرَ النظريُّ ضروريًّا، وما يعلم بالدليل في مُطَّرد العادة يجوز أن يخلقَ اللهُ تعالى للإنسان عِلمًا به على الضرورةِ(143).

ومن أصحابنا مَن صار إلى أنّ الدليل في وضع اللغة بمعنى الدالّ(144)، ومنه قولهم في الدعاء: "يا دليلَ المتحيّرين"(145)، ويقال لمن يُرشد إلى الطريق ويدلّ "دليلٌ".

قال هذا القائل: وقد يُذكر الدليلُ بمعنى الدلالة تَوسّعًا بقرينة تدلّ عليه(146).

والذي اختاره القاضي والأستاذ: أنّ الدليل بمعنى الدلالةِ هذا هو الظاهر، وإن ذُكِرَ بمعنى الدالّ فبقرينةٍ تدلّ عليه(147).

والوجه أنْ يقال: اللفظ يحتمل المعنيين، ويُحمل على أحدهما بقرينةٍ، وإذا قيل للعالِـم: ما الدليل في هذه المسألة؟ فيقول: كيت كيت؛ لأنّ المراد منه الدلالة. وإذا قيل: مَن الدلالة لنا في الطريق؟ فيقول: فلانٌ؛ لأنه يريد به الدالّ(148)، والأمر في ذلك قريبٌ.

قال القاضي: "الدليل هو المرشدُ إلى معرفة الغائب عن الضرورة والحواسّ، ومِن الأمارات والعلامات والأحوال التي يمكن معرفة المستنبطات بها. قال: وهذا الدليل الذي وصفناه هو الدلالة والمستدَلّ به وهو الحجة. قال: ومنه سُمّي دليل القوم "دليلًا"، والأميال المنصوبةُ والعلاماتُ والنجومُ الهادية أدلّةً، لـمّا أمكن أن يتعرّفَ بها ما [يلتمس علمُه](149). قال: وإنما يُسمى ناصبُ الآيات والأمارات التي يمكن التوصّل بها إلى معرفة المعلوم دليلًا مجازًا؛ لِـمَا بينَه وبينَ الدليل الذي هو الأمارات والتأثيرات من التعلّق.

قال: وأما الاستدلال والنظر فهو تقسيمُ المستدِلّ وتفكّرُه في المستدَلّ عليه وتأمّله له، وقد يُسمّى أيضًا "دليلًا" و"دلالةً" مجازًا واتساعًا لِـمَا بينهما مِن التعلّق. وقد تُسمّى العبارةُ المسموعة التي تُنْبئ عن استدلالاتِ القلبِ ونظرِه وتأمّله: "نظرًا" و"استدلالًا" مجازًا وتوسّعًا لدلالتها عليه"(150).

قال الإمام: "والدليل ينقسم إلى عقليّ وسمعيّ. فالعقليّ منه: ما دلّ بصفةٍ لازمةٍ هو في نفسه عليها، لا يتصوّر وجودُه غيرَ دالٍّ، كالمحدَث الدّالّ بجواز وجوده على مقتضٍ مُحْدِثٍ موجِد، وكالإتقان والاختصاص الدالّان على عِلمِ الـمُتْقِن وإرادتِه المخصّصِة"(151). وهذا ظاهر.

قال: "وأما السمعيّ: فهو ما استند إلى خبرِ صدقٍ أو أمرٍ يجب اتباعُه"(152).

أشار بهذا إلى أفعال رسول الله ﷺ ونحو ذلك، أي بالخبرِ الصِّدق يُعْلَمُ كونُه دليلًا.

قال القاضي: "ثم وجوه الاستدلال كثيرةٌ:

فمنها: أن ينقسمَ الشىءُ في العقل إلى قسمين أو أقسامٍ يستحيل أن تجتمع كلُّها على الصحّة والفساد، فيُبطل الدليلُ أحدَ القسمين فيُفضي العقلُ إلى صحّة ضِدّه. وكذلك إنِ انقسم إلى أقسامٍ عشرةٍ، وقد أفسد الدليلُ تسعة أقسامٍ منها، صحّح العقلُ واحدًا منها لا محالةَ.

ومنها: اعتبارُ الغائب بالشاهد بجامعٍ عقلي، وذلك كعلمنا بأنّ الجسمَ إنما كان جسمًا لتأليفه، وأنّ العالِـم إنما كان عالِمًا لوجود عِلمِه؛ فوجب إثباتُ عِلمِ كلِّ مَن وُصِفَ بأنّه عالِـمٌ، وتأليفِ كلّ مَن وُصِف بأنّه جسمٌ أو مجتمعٌ؛ لأنّ الحكم العقليّ المستحقّ لعِلّةٍ لا يجوز أن يُستحقّ مع عدمها، ولا لوجود شىء يُخالفها؛ لأنّ ذلك يُخرجها عن أن تكون عِلّةً للحُكم"(153).

وإنّما عنى بقوله: "ولا لوجود شىء يُخالفها" الردَّ على مَن قال: "إنّ الربَّ سبحانه وتعالى عالـِمٌ بنفسه"(154) فإنّ نفس الإلـٰه سبحانه ووجودَه في حكم المخالف لعِلْمِه، وكذلك القولُ في كلّ جامِعٍ بين الشاهد والغائب.

قال: "ومِن ذلك: أنْ يستدلّ بصحّة الشىء على صحّة مثلِه أو ما في معناه، وباستحالته على استحالة مثله وما في معناه، كاستدلالنا على إثبات قدرة القديم سبحانه على خَلْقِ جوهرٍ ولونٍ مثلَ الذي (ق7أ) خلقَهُ ونحوِ ذلك، وعلى أنّه محالٌ خلقُ شىءٍ مِن الأكوان والألوان لا في مكانٍ، كما استحال ذلك في جنسِها الموجود في وقتنا.

وقد يُستدلّ بتوقيف أهل اللغة لنا على أنّه لا نارَ إلّا حارّة مُلتهبة، ولا إنسان إلّا من كانت له هذه البُنية المخصوصة. على أنّ كلّ مَن أخبرنا مِن الصادقين أنّه رأى نارًا أو إنسانًا وهو مِن أهل لغتنا يقصد إلى إفهامنا بها على أنّه ما شاهد إلّا مثلَ ما بحضرتنا نارًا أو إنسانًا، لا بحمل بعض ذلك على بعض، لكن لموجب الاسم وموضوع اللغة، ووجوب استعمالِ الكلام على ما استعملوه، ووَضْعِه حيث وَضَعُوه.

وقد يُستدلّ بالمعجزة على صِدق مَن ظهرت على يَدِه؛ لأنّها تجري مجرى الشهادة بالقول؛ ولذلك يُستدلّ على صِدق خبر الـمُخبِر بخبر النبيّ ﷺ أنّه لا يكذب.

وقد يستدلّ أيضًا على بعض القضايا العقليّة، والأحكام الشرعيّة بالكتاب والسنةِ، والإجماع(155)، والقياس الشرعيّ(156) الـمُنْتَزع مِن الأصول المنطوق بها، فكلّ هذه الأدلّة السمعيّةِ جاريةٌ في الكشف عن صحّة الأحكام مجرى ما قدّمنا ذكرَه مِن الأحكام العقليّة، وإن كانت فروعًا لأدلّة العقول وقضاياها.

قال القاضي: وفيما أَوْمَأنا إليه مِن وجوه الاستدلال كفايةٌ وتنبيهٌ على ما أضربنا عنه"(157).

قلتُ: وفي بعض ما ذكره القاضي مِن الأدلّة بيانُ ما أبهمَه الإمامُ في قوله: "أو أمرٍ يجب اتباعه"، وسيأتي أحكام الأدلّة في أثناء هذا الكتاب.

فصل

قال الإمام رضي الله عنه: "النظر الموصلُ إلى المعارف واجبٌ، ومَدْرَكُ وجوبِه السمع.."(158). الفصل إلى آخره.

قوله رضي الله عنه: "النظر الموصلُ إلى المعارف" عنى بالمعارف في هذا المقام ما يُشترط ثبوتُه في كمال الإيمان؛ حتى يستحقّ الموصوفُ به إطلاقَ الاسم بأنّه مؤمن. والواجبات سمعيّةٌ عندنا، وكذلك أحكام التكليف مُتلقّاةٌ مِن الأدلّة السمعيّة(159).

وذهبت المعتزلةُ إلى أنّ العقول يُتوصّل بها إلى دركِ واجبات مِن جملتها: النظرُ فيُعلم وجوبُه عندهم عقلًا(160). وستأتي هذه المسئلة ولكنّا نذكر ههنا طرفًا يختصّ بالنظر.

فإن قيل: إذا منعتم درْكَ وجوبِ النظر عقلًا ففي مصيركم إلى ذلك إبطالُ تحدّي الأنبياء وانحسام سبيل الحِجاج عليهم، فإنّهم إذا دعوا الخلقَ إلى ما ظهر مِن أمرهم واستدعَوا منهم النظر فيما أُيّدوا به مِن المعجزات وخُصِّصوا به من الآيات، فيقال لهم: لا يجب النظر إلّا بشرعٍ مستقرّ، ولم يثبت بعدُ عندنا شرعٌ تتلقى منه الواجبات، فيَحملهم هذا الاعتقادُ على الإضراب عن الرشاد والتمادي في الجحد والعناد.

وربما قرروا هذا السؤال بأن قالوا: وجوبُ النظر إمّا أن يكون بالعقل أو بالسمع، فإن كان بالسمع فهو محالٌ؛ لأن العِلمَ به فرعُه أي فرع النظر فلا يجوز أن يصير أصلًا له، وإن كان بالعقل فقد أنكرتموه. قلنا: هذا الذي أَلْزمْتُمونا في الشرع المنقول ينعكس عليكم في قضيّات العقول، فإنّ الموصلَ إلى العِلم بوجوب النظر مِن مجاري العِبر.

[و](161) عندكم أنّ العاقل يخطر له تجويزُ صانع يَطلب منه معرفتَه وشكرَه على نعمته، ولو عرفه لنجا ورجا الثواب الجزيل، ولو كفر واستكبر لتصدّى لاستحقاق العقاب. وإذا تقابل عنده الجائزان، وتعارض لديه الاحتمالان، وهو يتوقّع في التمسّك بأحدهما التعرّضَ للنعيم المقيم، ويترقّب في ملابسته الثاني استيجابَ العذاب الأليم، فالعقل يقضي باختيار النجاة وإيثار تجنّب الـهَلَكات.

فإذا كان السبيلُ المفضي إلى العلم بوجوب النظر اختلاجَ الخواطر في النفس وتعارض (ق7ب) الجائزات في الحدْس(162)، فمن غفل عن هذه الخواطرَ وذهل عن هذه الضمائر لا يكون عالـمًا بوجوب(163) النظر، فيلزم الخصومَ في مدارك العقول ما ألزمونا في مُقْتَضى الشرع المنقول.

وما ألزمناهم من فرض الكلام عند عدم الخاطِريْن يُناظِر ادعاءَ النبوّة مع عدم المعجزة، ولو فُرِض كذلك لم يتوجّه على أحدٍ شىء، فليقولوا: مَن ذهل عن هذه الخواطر لا يجب عليه النظر، وليس هذا قولهم.

فإنْ قالوا: لا يتصوّر الذهولُ عن هذه الخواطر بعد كمالِ العقل والبلوغ ولا سيما عند بَعثة الرسول ودعوته. قلنا: هذا جحدُ الحسّ والبديهة، فكم مِن عاقلٍ يعيش سنين كثيرة ولا يخطر له هذا الخاطر؟ ولا أثر لدعوة الرسول عندكم.

ثم نقول: هذه الخواطر إمّا أن تكون مُكتسبةً أو تقعَ ضروريّةً، فإن كانت مقدورةً للعبد فذلك إلى خيرته، إن شاء أخطر بباله هذه الخواطر، وإن شاء لم يُخْطرها، فدعواكم أنّ العاقل لا يخلو عنها، دعوى باطلة.

ثم نقول: بم يُعلم وجوبُ اكتساب الخواطر بالضرورة أم بالنظر؟ ولا سبيل إلى دعوى الضرورة، وكلامنا في الواجب الأول فلا سبيل إلى إسنادِه إلى واجبٍ سابقٍ عليه، وقد وافقَنَا الخصمُ على أن بمجرّد العقل لا يُدرك الوجوب ولا بدّ من فِكرٍ يُفْضي إليه، وامتناعُ المدعوّ من الفكر الموصل إلى وجوب النظر كامتناعه مِن النظرِ المرشدِ إلى واجب السمع.

فإن قالوا: مَن كَمُل عقلُه تردُ على قلبه هذه الخواطر ضرورة. قلنا: هذا أولًا كذبٌ صُراح وجحدٌ للحسّ. على أنّا نقول: هذان الخاطران يرجعان إلى التشكيك، وذلك مِن أضداد المعرفة بالله تعالى.

والمعتزلة أطبقوا على منع وقوع المعرفة ضروريّة، وكيف استجازوا وقوع الشكّ في الله تعالى ضرورة من فعل الله تعالى؟

فإن قالوا: يبعث الله تعالى مَلكًا إلى كلّ عاقل في أول عقلِه؛ لينذرَه ويُلقيَ في رُوعِه ترديد الخواطر.

قلنا: هذه جهالة،ٌ فإنّ العقلاء لا يجدون ذلك في أنفسهم، وإنْ خطر للعاقل من هذا النوع شىء فإنما يكون ذلك بعد طول التجارب.

ثم مِن أصلِهم أنّه لا يُسمع إلّا صوت(164)، فإنْ زعموا: أنَّ كلّ عاقلٍ يسمع صوتًا، فذلك جحدٌ للحِسّ. وإن قالوا: يحدث في قلبه فِكرٌ، فذلك مُخالف لأصولهم، فإنّهم مجمعون على إحالةِ توليد المعاني في القلوب(165).

ثم إنْ سلمنا لهم ذلك فالمخاطب عساه لا يكترث به ولا بوعظه، كما لا يحتفل بوعظ الوعّاظ.

ثم نقول: لِـمَ قلتم إنّه إذا خطر بباله هذان الخاطران فالعقل يقضي بوجوب النظر؟ وما أنكرتم ممن يقول: إنّه يعارضُه خاطرٌ آخرُ؟ فيقول: ما يُؤَمّنك أنّ الفاطرَ أراد منك ما أنت عليه؟ ولو نظرت وتدبّرت وأتعبت قلبَك شكرًا للنعمة فربما يُعاقبُك ويقول: أنت عبدٌ مملوكٌ وليس لك أن تتصرّف في مُلكي بغير إذني. وإنما النظر يقطع نياط القلب ويؤلمه، إذ يقول له: مَن أنت حتى تقابلَ إنعامي بشكرك الخسيس اليسير، فيحمله هذا الخاطرُ على الكفّ عن النظر الموصل إلى أداء الشكر.

وقد أجاب بعض أصحابنا عن السؤال الأول بأن قال: دلالة المعجزة مستندةٌ إلى قضيّة العادات، ونحن نعلم اطّرادَ العادة في أنّ مَن ادّعى النبوّة، وأتى بآيةٍ بيّنةٍ، وادّعى اختصاصَه (ق8أ) بها، وعجز الخلائقُ عن الإتيان بمثلها، فالعادةُ جارية بتوفّر الدواعي على النظر في حاله، ولا سبيل إلى تقدير خرق هذه العادة، إذ العادةُ تنخرق على وفق [إرادة](166) الرسول لا على مخالفته. فثبت بذلك توفّر الدواعي إلى النظر واندفع ما قدّرُوه لازمًا، ولا يبقى بعد ذلك إلّا تقديرُ آحادٍ من الناس يلهون ويتغافلون بعد ثبوت النظر ووجوده من معظم الناس. وإنما يعظم موقع هذا السؤال لو قُدّر إباءُ الكافّة وإعراضُهم عن النظر(167).

ومن أصحابنا من قال: المخبِرُ الذي يُخبر عن النبوّة ومعه الدليلُ المطابق لدعواه يُعلمُ صدقُه ضرورةً، ويُسْتَغنى [عن](168) هذا النوع مِن الفكر الطويل، ويُنَزّل هذا منزلة القرائن الدالّة على الخجل والوَجَل والغضب والجُبن فصار هذا كالضرورة، وإن وقعت الحاجة إلى أدنى تأمّلٍ، وهذا مما ذكره القاضي(169).

قلت: وهذا إنما يتّجه على مَن يعتقدُ وجودَ الإلـٰه سبحانه، وأنّ له أن يتصرّفَ في أفعال عبيده(170) بالأمرِ والنهي، ويقدر على تعريفه إيّاهم ما كلّفهم به إمّا بالضرورة أو بالدليل، فإذا اعتقد ذلك وأظهر اللهُ تعالى الآيةَ على وَفْقِ دعوى المدّعي فيحصلُ العِلمُ بذلك ضرورة عند هذه القرائن، وإن كان المدعوّ إلى النظر مثلَ فرعون وأمثالِه مِن المعطلة الذين يجحدون كونَ العالَـم محدَثًا ومُفتقرًا إلى مُحْدِثٍ مختارٍ، فكيف يتَوجّه عليه وجوبُ النظر بتردّدِ الخاطريْن؟ وهو بمعزل عن الخاطريْن في معرفة الـمُنْعِم، فضلًا عن تقدير إرادته لشكر العبد.

والوجه في الجواب عن هذا السؤال أن يقال: شرطُ الوجوب ثبوتُ السمع الدالّ، وليس يتوقّف الوجوبُ على عِلْمِ المخاطبِ به بل يكفي تمكّنه مِن تحصيل العِلم، فإذا جاء الشرعُ وكان المخاطبُ مِن أهله أعني أن يكون عاقلًا بالغًا متيقّظًا فقد لزمَه شاءَ أو أبى.

ولو كان مَن لا يعرف الوجوبَ يزول عنه الوجوبُ لسقطَ عن الكفار الجاهلين بالوجوب جملةُ الواجبات، فثبت أنّ الوجوب إنّما يتوجّه على مَن كان عالِـمًا بالوجوب أو في حكم العالِـم به.

ومعنى قولنا: "في حكم العالِـم به" أن يكون مُتمكّنًا مِن [درك](171) الوجوب، وصار هذا كمَن دخل عليه وقتُ الظهر وهو لا يعلم، وكان متمكّنًا مِن معرفته وتحصيلِ العلم به، توجّه عليه الصلاة، ويُعَدّ مُقصّرًا بتركه.

فإن قال قائل: فكأن الوجوبَ يقف العلمُ به على ما بعد الفراغ عمّا يجب عليه.

قلنا: كلُّ مَن توجّه عليه فعلٌ، فما دام هو في ذلك الفعلِ فليس يعرف أنّ ذلك هو الواجب عليه بعينِه إلى أن يفرغ منه، فيعرف حينئذ أنّ ذلك هو الواجب، ولو طرأ على ذلك الفعلِ فسادٌ عَلمَ أنّ ذلك الفعلَ ليس هو عينُ الواجب عليه، وإنّما الواجب ما تحصل به براءة الذمة. وهكذا المعنى، يجب عليه(172) في كلّ حادثة اجتهادٌ جديدٌ، ثم لا يعلم أنّ ما شَرَع فيه مِن الاجتهاد هو الواجب عليه أم غيرُه، فإن أنهاه نهايتَه وعَلِمَ به مطلوبَه حكم إذ ذاك أنّه هو الواجب، وإن قطعه عنه قاطعٌ أو أدّاه على غير حقّه عَلِمَ أنّه لم يكن هو عين(173) الواجب عليه، فكذلك في مسألتنا، قبل استفائه النظر في الدليل لا يعلم الوجوب.

قلت: وحيث أوجبنا النظرَ إمّا في العقليّات أو في السمعيّات فإنّما نُوجبُ نظرًا صحيحًا مُفضيًا إلى العِلم أو إلى غلبة الظنّ، وليس يتبيّن صحّةُ النظر إلّا بعد الفراغ منه وقبل استفائه يتوجّه الوجوب.

وقد ذكرنا فيما تقدّم منتهى النظر، وأنّه إنما ينتهي عند العثورِ على وَجه الدليل، أو بعد العثور على المدلول، وذكرنا فيه اختلافًا للأصحاب.

فإن أعادوا السؤال وقالوا: "مِن أصلكم أنْ لا واجب قبل السمع" وقد حكمتم بوجوب النظر قبل تحقّق السمع.

قلنا: نحن إنما نُسقط الوجوب قبل الرسول بمجرّد العقل الذي لا يكون معه دليلُ (ق8ب) الإيجاب مِن قِبَل النبوّة، ولذلك المعجزةُ دليلُ الإيجاب الذي يزيد على مجرّد العقل، وبأن لا يعرفه رسولًا أولًا أنّ معه دليل الإيجاب.

قلنا: قد ذكرنا أنّ الوجوب لا يتعلّق بمعرفته، لكن يتعلّق بإمكان معرفته، فدعوة ذي العقل إلى النظر كدعوة ذي الحِسّ إلى الإحساس، وإذا اتضح الحقُّ فلا سبيل إلى الجحد والعناد.

وقد بَيّنّا أنّ مثل هذا السؤال لازمٌ لموردِه، فإنّه يزعم أنّه إنّما يتوصّل إلى العلم بالوجوب بالنظر في الدليل، وقبل استيفاء النظر في الدليل لا يُعلم الوجوب، بل يجوز أنْ لا واجب عليه، وليس يدري أنّ الدليلَ يدلّ على الوجوب أو السقوط، ومع ذلك لا يسقط عنه الوجوب، هذا تمام البيان في هذا الباب.

فصل

فإن قيل: ما الدليل على وجوب النظر مِن جهة السمع؟

قلنا: الدليل عليه الكتاب والسُنَّة وإجماع الأمّة.

أمّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ﴾(174)، وقولُه تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ﴾ (175)، وقولُه سبحانه: ﴿انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (176)، وقولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾(177)، وقولُه تعالى:

﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾(178)، وقولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(179)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾(180)، وغير ذلك مِن الآيات التي لا تُحصى كثرة.

وقد دلّ اللهُ سبحانه على وحدانيّته، وعلى نبوّة نبيّه محمّدٍ ﷺ، وعلى جواز الإعادة ووقوعها بعد الموت بآيات لا تُحصى كثرة، ونبّه العقلاءَ عليها ومدح المتفكّرين فيها، وذمّ المعرضين عنها.

فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (181)، أي: تعلمون أنّ هذه الآلـٰهة التي اتخذتموها مِن دوني لا يَقدرون على شىء مما ذكرنا (182).

ثم دلّ على نبوّةِ محمّد ﷺ فقال: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (183) في أنّ هذا القرءان مما افتراه محمّد ﷺ وأتى به مِن عند نفسه(184). وفي هذا المعنى قولُه تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ﴾(185) دعاءً لهم إلى النظر في أمْرِه بحُكْم الإنصاف(186).

وقال سبحانه في إثبات وحدانيّته ونبوّة نبيّه ﷺ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (187) الآيات إلى قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾(188).

وأخبر عن الكفار أنّهم قالوا: ﴿لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ﴾ فأجاب وقال: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ﴾ (189).

وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ۖ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ﴾(190)، وقال تعالى: ﴿قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ﴾ (191).

وقال تعالى لنبيّنا عليه السلام: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ﴾ (192)، أي بالقرءان(193)، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾(194)، ولذلك قال: ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ﴾ أي بالقرءان(195) ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾(196)

وكان ﷺ ما دام بمكة مأمورًا بالدعوة إلى الدين والمحاجّة عليه بالقرءان على الوجه الذي هو ألطف وأرقّ، ولم يؤذن له في القتال عشرَ سنين إلى أنْ هاجرَ إلى المدينة، فلمّا تبيّن أنّه لم تنجع فيهم الموعِظةُ والحُجّةُ أُذِن في القتال(197).

وقال تعالى في إثبات الوحدانيّة(198): ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ﴾(199)، وقال سبحانه: ﴿إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ﴾(200).

وقال في إثبات الإعادة حيث استبعدها قريش: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي﴾ (ق9أ) ﴿أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ﴾(201)، وقال سبحانه: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (202)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ﴾ (203)

وأثنى الربّ سبحانه وتعالى على المتفكّرين فقال: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا﴾ (204) أي(205) بل خلقتَها آياتٍ وحُججًا على وحدانيّتك دالّةً(206).

وذمّ الـمُعرضين عن النظر: ﴿وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ (207)، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (208)، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾(209).

لاوأخبر سبحانه عن محاجّة الأنبياء عليهم السلام قومَهم فقال خبرًا عن نوح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ﴾ إلى قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ الآيات(210)، إلى أنْ قال قومُه له: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾(211)، فقال: ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ﴾ الآية(212).

وقال قوم هودٌ لهود: ﴿يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ الآية(213).

ى:من (ب). .....تال عند ....وقالوا لصالح: ﴿قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا ۖ﴾ الآية(214)، فقال لهم: ﴿إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ۖ﴾ (215) الآيات.

وقال تعالى في محاجّة نمرود إبراهيمَ عليه السلام: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾(216)، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ الآيات(217)، فيحتمل أنّه قصد بقوله: ﴿هَٰذَا رَبِّي ۖ﴾(218) تعليمَ قومه كيفيّة الاستدلال، وتعريفَهم أنّ الذي يتحرّك ويزول ويطلع ويغرب مُحدَثٌ مخلوقٌ، والإلـٰه هو المتعالي عن سِمات الحدوث(219)، ويُتوصّل إلى معرفته بأفعاله حيث قال:

﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾(220). فأثنى الربّ سبحانه وتعالى عليه فقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ﴾ (221) أي بتعليم حجج الإلـٰهية وتعريفه ذلك(222).

وكذلك محاجّةُ فرعون موسى وهارون حيث قال لهما: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ﴾(223) قال موسى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ (224)، وقال أيضًا: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾ (225) أي طالبين اليقين والعلم وزوال الشكّ(226).

وقد ورد في الحديث مناظرةُ أبي بكر وعمر في القَدَر واحتكامهما إلى رسول الله ﷺ، فقال رسولُ الله ﷺ: «أَقْضِي بينَكُما بما قَضَى به إسرافيلُ بينَ جبريلَ وميكائيلَ، فقال: إنَّ الحسناتِ والسيئاتِ كلَّها مِن اللهِ تعالى» على وَفْقِ قولِ أبي بكرٍ وجبريلَ، ثم قال ﷺ: «ولو أرادَ اللهُ أنْ لا يُعْصَى لَـمَا خَلَقَ إبليس»(227)

وكذلك محاجّة آدم وموسى وقول النبيّ صلى الله عليهم أجمعين: «فَحَجّ آدمُ موسى»(228).

ولما أراد إبراهيمُ صلوات الله عليه زيادةً في اليقين وأن يصيّر ما عَلِمَهُ غَيْبًا عَيْنًا(229) قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ﴾ فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ﴾ الآية(230).

وكذلك قصّةُ المارّ على القرية الخَرِبة واستبعاده أن تصيرَ عامرةً كما كانت فأماته اللهُ مائة عام ثم بعثَه)(231)(.

وكلّ هذا يدلّ على أنّ أئمّةَ الدين وقدوةَ الأمم إنّما كانوا يسلكون سبيلَ النظر والاستدلال في الدين ولم يركنوا إلى التقليد(232)، وكانوا طالبين الزيادةَ في اليقين؛ فإن زوائد اليقين لا حصر لها.

ولقد كانت الصحابة ينظرون ويحتجّون بآياتِ الله تعالى وحُجَجِه في الأصول والفروع ولا يخفى ذلك على(233) عاقل، وكانت قريش وأهل الكتاب من اليهود والنصارى يُحاجّونهم ويُحاجّون النبيّ ﷺ ويبالغون في ذلك كما قال سبحانه: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾(234)، وقال تعالى: ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾ (235).

ولـما قيل لقريش: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾(236) فقال عبد الله بن الزِبعْرى(237): "والله لقد خصمْتُ محمّدًا، إنّ الملائكةَ وعيسى عُبِدوا مِن دون الله تعالى أَفَهُم حَصَبُ جهنّم؟ ولقد قيل (ق9ب) لهم: إنّكم وما تعبدون مِن دون الله من الأصنام، ولم يقل: إنّكم ومن تعبدون مِن دون الله،

فلم يفهم هذه الدقيقة فَزِيدَ في البيان فقيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾(238) يعني عيسى والملائكة(239).

وكذلك مناظرة الوليد بن المغيرة(240) و[النضر](241) بن الحارث(242) مع رسول الله ﷺ لا تخفى.

ولـمّا قالت الأنصار حين نزلت آيةُ القذف(243): "كيف يصنع أحدُنا إذا وجدَ مع امرأته رجلًا؟ إن شهد(244) عليه حُدّ وجُلد ظهرُه، وإن سكت أُلْحق الولدُ به، وإن ذهب ليأتي بالشهود يفترقان، فلا يدري كيف يصنع"(245) فنزلت آيةُ اللعان(246)

ومن السُنّة الدالّة على وجوب النظر في آيات الله تعالى قوله ﷺ: «تفكّروا في خلق الله ولا تفكّروا في الله»(247) فعلّمهم ترتيبَ النظر وأنّ بالتفكُّر في خلق الله تعالى يُتوصّل إلى معرفة الخالق.

ومِن أصحابنا مَن سلك طريقة أخرى في العلم بوجوب النظر فقال: أجمعنا على وجوب معرفة الله تعالى(248)، وقد قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾(249)، وقال سبحانه: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ﴾ (250)، و ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ﴾ (251)، وقد أُمِرْنا بالنظر في آياتِه ليحصل لنا العلمُ بوحدانيّته وإلـٰهيّته، وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ﴾(252).

وكذلك أجمعنا على أنّ العبادةَ لا تصّح دون النيّة(253)، والنيّةُ قصد القلب إلى إفراد المعبود بالعبادة، وذلك مُترتِّب على المعرفة، ثم المعرفة إذا لم تكن ضروريّة كانت نظريّةً لا محالة، وما لا يتوصّل إلى الواجب إلّا بفعلِه ففعله واجب،كما قُلنا في الطهارة مع الحدث(254).

وهذه الدلالة تُنبئ على أنّ الاعتقادَ المجرّدَ عن الدليل الـجُمليّ لا يكون عِلمًا، وقد أُمرنا أنْ نكون على بصيرةٍ وبيّنة في الدين، واعتقادُ المقلِّد لا(255) بصيرة فيه(256).

وما اختاره الإمام من أنّ العلمَ الحاصل عقيبَ النظر ضروريٌ غيرُ قادحٍ في هذه الدلالة، فإن الأمرَ بالمعرفة أمرٌ بالتسبب إليها، وهو النظرُ والاستدلال وذلك لا يقعُ إلا مُكتسبًا، وانعقادُ الإجماع على وجوب المعرفة إجماعٌ على وجوب التسبّب إليها.

وكان رضي الله عنه يقول: "الدعوةُ إلى الدين الحقّ تجب بالإجماع، ثم الدعوةُ إنما تتميّز عن الدعوى بالحُجّة، فكن أنت داعي نفسَك ولا سبيل لك إلى ذلك إلّا بالنظر"(257).

وكان(258) يقول: "إنْ قلنا إن النظرَ في أصول الدين ليس مِن فروض الأعيان وإنّه يُكتفى مِن المكلّف باعتقاد الحقّ فنقول: لا يستقرّ الاعتقادُ ولا يتميّز عن اعتقاد الظانّ والمخمّن إلّا بمبادئ النظر".

قلت: والذي أشار رضي الله عنه إليه(259) مِن مبادئ النظر هو ما أوجبَه الأصحابُ على المكلّف مِن النظر، فإنّهم اكتفوا بهذا القدر مِن الأدلّة وهو إسناد الاعتقاد إلى الأدلّة على الجُملة، ولا شكّ في أنّا أُمِرْنا بأنْ نكون على بصيرةٍ من الدين وعلى بيّنة مِن الأمر قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ﴾ (260)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي﴾(261)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ﴾(262)، وقال سبحانه : ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾(263) أي وحَرّم عليكم أن تقولوا(264).

وقد ذمّ الله تعالى أهلَ التقليد في آي كثيرة مِن القرءان منها قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ﴾ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (265) يعني أفتتبعونهم ولو كانوا لا يعلمون شيئًا؟(266)

ولم يَدّعِ مخالِفوا الدين شيئًا مِن البِدعِ إلّا طالبهم اللهُ تعالى على ما ادّعوه بالبرهان، فقال لليهود والنصارى حين ادّعوا أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى(267): ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾(268).

وقال للمشركين المدّعين أنّ الله تعالى أمرَهم بالشرك وأحلّ لهم ما أحلّوه وحرّم عليهم ما حرّموه: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ﴾ (ق10أ) ﴿أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا ۖ﴾(269)، وقال تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (270)، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾(271)، وقال تعالى: ﴿وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾(272)، وقال تعالى:

﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾(273)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ۚ﴾(274)، وغير ذلك مِن الآيات الدالّة على إثبات النظر والقياس وإبطال التقليد وادّعاء ما ليس فيه حجّة.

فإن قيل: أليس يسوغ للعاميّ أن يستفتي مَن شاء مِن العلماء في الفروع فكذلك يجوز مثلُه فى الأصول؟ قلنا: على العوامّ في ذلك ضربٌ من الاجتهاد في طلب الأفضل والأورع، على أنّ المخطئ في الفروع غيرُ مؤثّم ولا مُضلّل، ولذلك ساغ للعوامّ الأخذُ بقول العلماء في ذلك، والمخطئ في الأصول مُضلّلٌ(275).

وقد ذم الله تعالى عوامَّ أهلِ الكتاب حيث أخذوا في الأصول بقول الأحبار من غير حجّة فقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ (276) أي كالأرباب(277)، قال النبيّ ﷺ في تفسيره: «أَحَلّوا لهم ما حَرَّمَ اللهُ فَأخذُوا بِقولِـهم»(278).

والأصل ما عليه دليلٌ مقطوعٌ، والفرع ما ليس عليه دليل مقطوع(279).

فإن قال قائل: هذه الآيات التي تمسّكتم بها في الاستدلال والنظر في التوحيد والنبوّة وما يتعلّق بهما مِن الأصول خاصّةٌ في أصحاب الشكّ والشُبهة لإزالة شبههم، دون مَن سَلِمَت عقيدتُه عن الشكّ والريب. قلنا: فقد سلّمتم لنا وجوبَ النظر على أصحاب الشكوك، ومَن سمع شُبهةَ أصحاب الشكوك والمبطلين في الدين ومكّن قلبَه شُبَهَ أصحابِ الطبائع(280) والإلحاد والشرك وشبهاتِ أهل الكتاب كيف يكون سليمَ الاعتقاد صافي العقيدة والسريرة لولا تدبّرُه وتفَكّرُه في آيات الله تعالى وأدلّتِه؟ وقد أمر اللهُ تعالى المسلمين أن يكونوا على بيّنة وبصيرة مِن الدين.

فإن قالوا: في كتاب الله عزّ وجل وسُنّة رسوله ﷺ وأقوال أئمّة السلف غُنية عن علم الكلام. قلنا: قد تلوْنا عليكم مِن كتاب الله تعالى آياتٍ كثيرةً دالّةً على النظر والاستدلال، وأوضحنا أنّ الله تعالى أثنىٰ على المتفكّرين فيها، وذمَّ المعرضين عنها ونَبّههم عليها، ومَن تأمّل ذلك حقّ التأمّل استفاد عِلْمًا قَطعيًّا بوجوب ذلك على المؤمنين،

وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾(281)، وقال عقيبَ كلِّ آيةٍ وكلِّ حجّة: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾(282)، و﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾(283)، و﴿يَعْقِلُونَ﴾ (284)، و ﴿لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ﴾ (285)، و ﴿لِّأُولِي النُّهَىٰ﴾(286)، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ۚ﴾(287)، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾(288).

وقد بيّنّا أنّ مُدّعي النبوّةِ لا يتميّز عن غيره إلّا بالمعجزة، وأنّه لا يَتأتّى معرفةُ دلالة المعجزة على صِدقه إلّا لمن سبق فيه نظرٌ في أنّ المرْسِلَ الذي أرسله يجب انفرادُه بالاقتدار على ما خصّصه به مِن الآيات وامتناعُ ذلك على غيره، إذ لو ساغ مشاركةُ غيرِه إيّاه في الاقتدار عليه لكُنّا لا نأمنُ أنْ يكون ذلك مِن فِعله دون فعل مَن أسند الـمُتَنبّئ أمرَه إليه، وما لم يعْرف صدق الرسول لا يصيرُ الكتابُ والسُنّة حجّةً عليه.

والذي أُمِرنا بالنظر فيه إنّما هو الآيات الدالّة على معرفة الله تعالى ومعرفة صفاتِه، ومعرفة رسله ووجوب التزام ماجاءوا به مِن الشرائع، ونحن قاطعون على الله تعالى(289) بأنّ أئمّة السلف كانوا عالمين بذلك غيرَ غافلين عنه، وما نُقلَ عنهم مِن الآثار دليل على ما قلناه، فأمّا ما عدا ذلك فهو مِن فروض الكفايات.

ودعواكم أنّ السلف لم يشتغلوا به، إن عنيتم بذلك(290) أنّهم لم يستعملوا ما اصطلح عليه المتكلّمون مِن الألفاظ والمراسم (ق10ب 4 من تحت) المراسيم(291) فلا مشاحة(292) فيه ولا مُنازعة بل اصطلحوا على إطلاقها تقريبًا على المبتدين، ولكلّ طائفةٍ مِن العلماء عباراتٌ تواضعوا(293) عليها لم يسبقْ إلى استعمالها أسلافُهم(294).

وإنّما صَدَرَ عن بعض السلف الذمُ للمتكلّمين فإنّ المتكلّمين في زمانهم الفلاسفة(295)والمعتزلة والجهميّة(296)، والقدريّة (297)، القائلون بخلقِ القرءان ونفي الصفات لله تعالى ونُفاة الرؤية، والقائلين(298) بأنّ عِلْمَ الله تعالى (ق10ب) حادثٌ(299).

فأمّا أصحابنا فإنما خرجوا وانتهضوا في آخر الزمان وقاموا لإحياء دين الله تعالى وإقامة حُجَجِهِ وإعلاء كلمته والذبّ عن شريعته والردّ على أصحاب الأهواء والبِدع، ولقد كان الإمام أحمدُ بنُ حنبل يراجع عبدَ الله بنَ سعيد(300) مِن أئمّتنا في سؤالات القرءان في أيام الـمِحنة، هكذا أورده أبو نُعيم(301) في "حِلية الأولياء"(302).

والله تعالى يقول: ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ﴾(303) وإنّما قال ذلك عقيب آياتٍ في التوحيد ذكرها في سورة الأنعام في أول السورة، ومن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ ۖ﴾(304)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾(305)، وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ الآيات إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ﴾ (306)، عنى بها والله أعلم هذه الآيات التي سردها وأوضحها وتعبّد الخلقَ بالتفكّر فيها(307).

فمن زعم أنّ أئمّةَ السلف لم يتدبّروا هذه الآيات والحجج ولم يتبصّروا بها فقد جحد وتعسّف لا(308) سيّما والنبيّ ﷺ قال عند نزول هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾((309)) «ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتفكّر فيها»(310).

وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ (311)، ولـمّا قيل لرسول الله ﷺ مَن شَهِدَ لك بالنبوّة؟ فقال الله تعالى: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (312) فقرن بين شهادته سبحانه وبين شهادة علماء الدين في الإلـٰهيّة والنبوّة، ومعنى شهادةِ الله تعالى بيانُه وتبيينُه ذلك بالأدلّة التي أقامها على إلـٰهيّته ووحدانيّته، وكذلك بيّن نبوّةَ الرُسُل بالآيات التي أظهرها على أيديهم. والشاهد إنما يُسمّى شاهدًا لتبيينه(313)(12 15 يمين) حقّ المشهود له(314).

وكلّ سورة مِن سور القرءان تشتمل على أدلّةٍ في التوحيد فالنبيّ ﷺ جعل لها فضيلةً على غيرها مِن السور المشتملةِ على الأحكام بكثرةِ ثوابِ قارئها، فقال: «سورة الإخلاص تَعْدِلُ ثلث القرءان»(315)، وكذلك جعل لسورة الأنعام فضيلةً على غيرها(316).

وكلّ سورةٍ ورد الخبر بتفضيلها فإنّما ورد لِـمَا فيها مِن حُجج التوحيد والبراءة مِن الشرك، وقال عليه السلام لأُبيّ بن كعب(317): «ما أعظمُ آية من القرءان؟ فقال أُبي:ّ آية الكرسي، فضرب رسولُ الله ﷺ يدَه في صدره وقال: يهنك العِلم أبا الـمُنذر»(318)، وكانت كنيتُه أبا الـمُنذر.

وقَدِم عمران بن الحصين(319) مع أناس على النبيّ ﷺ قال: فعقلتُ ناقتي بالباب ودخلتُ وقلت: "أتيناك يا رسولَ الله لِنَتفقّه في الدين ونسألك عن أوّل هذا الأمر: فقال ﷺ: «كان الله ولا شىءَ معه، أو قال: ولم يكن معه شىءٌ غيره، ثم خلق الذِكرَ فكتب فيه كلَّ شىء» ثم أتى آتٍ وقال له: أدرك ناقتَك، قال: فخرجتُ فوجدتُها يقطعُ دونها السحاب، وأيم الله لوَدِدْتُ أنّي لو كنت تركتُها"(320). وهذا تلقينٌ منه ﷺ أصول الدين وتنصيصٌ على قِدَمِ الإلـٰه سبحانه، وحدوثِ العالَـم، وإثباتِ الإلـٰه وحدَه بلا فضاءٍ ولا مكانٍ ولا غير.

وكانت الصحابةُ(321) عارفين بالأدلّة وطُرُق الحِجاج غيرَ أنّهم لم يُبتلوا بما ابتُلي به مَن بعدهم، ولو ابتلوا به لأظهروا الأدلّةَ وأبطلوا الشُّبه، وهذا كما أنّهم لم يتكلّموا في الأحكام ومسائل الفقه بكلّ ما يُوردِوه مَن بعدهم مِن الفقهاء مِن الأقْيسة والحُجج مع عِلمهم بأصولها. وقد وردَ من آحادهم ما يدلّ على كمال فضلهم فيه.

هذا عليّ رضي الله عنه مرّ بقصّاب يحلِف ويقول: "والذي احتجب بسبعٍ" فأنكر عليه، فقال الرجل: "أَوَ أُكَفِّرَ به عن يميني؟"، فقال: "لا، إنما حلفت بغير الله تعالى"، وعنه رضي الله عنه أنّه قال: "إنّ الله تعالى لا يحتجب بشىء، ولكن يَحْجُبُ خلقَهُ عنه"(322).

وقال في الردّ على الخوارج((323)): "ما حكَّمْتُ مخلوقًا إنّما حكَّمْتُ القرءان"(324).

وقال رضي الله عنه في بعض خطبه: "الذي أيّن الأيْن لا يُقال له أين، والذي كيّف الكيف لا يقال له كيف"(325).

فإن قيل: رُوي عن الشافعيّ (ق11أ) رضي الله عنه أنّه كان يذمّ المتكلّمين وينهى عن الاشتغال(326).

قلنا: رُوي عن المزني(327) أنّه كان يُناظر بعضَ أصحابه في بعضِ مسائل الكلام وكانوا على باب دار الشافعيّ فخرج إليهم وقال: "فيم تتكلّمون؟ فأخبروه، فقال: ناظروا في عِلمٍ إنْ أخطأتم يقال لكم أخطأتم، ولا تناظروا في علمٍ إن أخطأتم يقال لكم كفرتم"(328)، فنهاهم عن المناظرةِ فيما لا يَعنيهم ممّا عدا أصول الدين وقواعده.

ولو كانت المناظرة في بعض القواعد مع اليهود والنصارى والباطنيّة((329))، وأهل الشرك والبدع لَمَا أنكر عليهم فإنّ ذلك مِن الواجبات قال الله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ﴾ ((330)).

فإنْ قالوا: في الحديث: «عليكم بدين العجائز». قلنا: لم يُصَحّح هذا الخبر(331) أئمّةُ الحديث (332)، ثم هو خبرُ واحدٍ (333)، وأخبار الآحاد لا يُتمسّك بها في الاعتقاد لأنّها لا تفيد القطعَ، على أنّه متروك الظاهر، إذ ليس كلُّ ما لا تَعْرف العجوز يجب الإعراض عنه، فإنها بمعزلٍ عن عِلْمِ الأحكام والحلال والحرام وعن عِلمِ الكتاب والسُنّة. ثم إنّ صحّ فالمراد بالدين العبادة، فإنّ مِن عادتهّن إيثارَ الورع والتبتّلَ والإخلاصَ وتفويضَ الأمور إلى الله تعالى(334).

فإن قالوا: في إيجاب النظر في مسائل الأصول تكليفُ العوامّ ما لا يُطيقون أو الاقتحام في تكفير(335) معظمِ الخلق؟

قلنا: قد قدّمنا خلافَ الأصحاب في أنّ النظرَ مِن فروض الأعيان أو مِن فروض الكفايات(336). فإذا قلنا: إنّه من فروض الكفايات فقد اندفع السؤال. وإن نصرنا القولَ الآخر فمن أصحابنا مَن قال: يجب على المكلّف إسنادُ الاعتقاد إلى الأدلّة، وإن كانت الأدلّة عقليّةً فموجبًا، وإن كان الدليل إجماعًا أو نصًّا مقطوعًا به من الكتاب والسُنّة كان كافيًا.

فأمّا العِلم بصدْق الرسول فلا يُتلّقى(337) إلّا من نَظَرِ العقلاء إذا لم يكن ضروريًّا. فإذا عرف صِدْقه فيلزمُه التزامُ ما جاء به وتصديقُه في جميع أخباره جملةً وتفصيلًا.

وكان شيخنا الإمام يقول: "لم يُكَلّف الناسُ تحصيلَ العِلم، فإن العِلم في هذه المسائل عزيزٌ لا يتلّقى إلّا مِن النظر الصحيح التامّ، فتكليف ذلك عامّة الناس تكليف ما لا يُطاق، وإنّما كُلّفوا الاعتقادَ السديدَ مع التصميم وانتفاء الشكّ والتردُّد، ولو سمّى مُسَمٍّ مثلَ هذا الاعتقاد عِلمًا لا يمنع من إطلاقه".

قال: "وقد كنّا ننصر هذه الطريقةَ زمانًا مِن الدهر وقلنا: مثل هذا الاعتقاد عِلمٌ على الحقيقة؛ فإنّه اعتقاد يتعلّق بالمعتقَد على ما هو به مع التصميم، ثم بدا لنا أنّ العِلمَ ما كان صدره عن الضرورة أو الدليل القاطع".

ثم قال: "وهذا الاعتقاد الذي وصفناه لا يخلو عن مبادئ النظر حتى يستقرّ ويتميّز عن اعتقاد الظانّ والمخمّن".

قلت: ومَن قال بوجوب النظر، فيقول: إن النظر ينقسم إلى ما هو فرضُ عينٍ: وهو ما يوصلك إلى معرفةِ الله تعالى وصفاتِه، ومعرفةِ رسوله، وقبول ما جاء به مِن الدين والشريعة.

وإلى ما هو من فروض الكفايات: التي إذا قامَ بها البعض مِن العلماء سقط عن الباقين، وذلك مثل تكثير الأدلّة، وتحريرِها، والمناظرة فيها، والانفصال عن شُبهِ الخصوم، والكشف والإيضاح.

ومن وُفِّقَ لهذا المقام فقد وُفّقَ لمقام الأصفياء والدعاة إلى الدين، واستنّ بسنّتهم، وصار كعِلم الفقه وحفظ القرءان. فإن ذلك ينقسم إلى ما يجب على الكافّة كمعرفة أعداد الصلوات وأركانها وركعاتها وتعيين القبلة ونحوِها، وإلى ما لا يجبُ على الكافّة كفروع المسائل والأدلّة ونحوِ ذلك. وكذلك يجب على الكافّة أن يتعلّم من القرءان ما يَصِحّ ويؤدّي به صلاتَه وما عداه فإنّه من فروض الكفايات. فكذلك قولنا في علم الأصول فإنه منقسم إلى هذين القسمين، وظننا بعوامّ المسلمين أنّهم يعرفون هذا القدر الذي يتحتّم عليهم ولا يعجزون عنها وإنْ لم يقدروا على تمتينها والمناظرة فيها، فيكفي مِن العاميّ إذا قيل له:

بما عرفت حدثَ العالـم؟ فيقول: تغيُّر الأجسام مِن حال إلى حال يدلّ على حدوثها وافتقارها إلى مُحدثٍ يُخالفها، أو يقول: القرءان ناطق بافتقار (ق11ب) السمـٰوات والأرض إلى فاطرٍ قادرٍ حيّ عالـمٍ مريدٍ يُصرّفها مِن حالٍ إلى حال ويُدبّرُها، وبه قوامُها وبقاؤها، وأنّه واحدٌ لاشريك له، فإنّ كلّ أمرٍ يتعلّق باثنين لا يجري على النظام قال الله عزّ من قال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ﴾(338).

فهذا القدرُ كافٍ وإن لم يتأتّ له عبارة عنها، فالغالب أنّ قلبَه منطوٍ عليها، فهذا ما نظنّه بعوامّ المسلمين، وما عدا ذلك مِن الاعتقادات فإنّه يتلقّاها مِن الكتاب والسُّنّة والإجماع، ويجوزُ أن يكون الإنسانُ عالـمًا بالشىء، ولا يقدر على تحريره وتمشيته، والعبارة عنه، فإنّ العوامَّ مضطرّون إلى العلم بالمحسوسات وبما تواترت الأخبارُ عنه، ولو سئلوا عن الحواسّ وحقيقةِ الإحساس أو عن العِلم الضروريّ وإفضاء الخبر المتواتر إلى العِلم لعجزوا عن الكشف عنها، وقد ورد في الأخبار كثرةُ أهلِ الجنّة، ولا يتّم ذلك إلّا بالعوامّ وفي الخبر: «أكثر أهل الجنة البله»(339).

فإن قيل: أتقطعون على جملة العوامّ [وسائر](340) أهل القبلة وأهل البوادي بأنّهم يعرفون قواعد الدين؟

قلنا: لا يمكن القطعُ في واحدٍ بأنّه عارف أو ليس بعارف، والغالبُ على الظنّ بأنّهم عارفون. ثم نقول: مَن لا يقول بوجوب النظر فقد يُوجب على العوامّ أمورًا كثيرة من الاعتقادات والإقرار بالإلـٰه تعالى وبصفاته، وكُتبه، وملائكتِه، ورسله وما جاءوا به من أمور المعاد، وغير ذلك مِن الأخبار والأحكام وأصول الشريعة وقاعدة الإسلام.

ثم لو قُلب هذا السؤالُ على مُورِدِه وفُرِضَ ذلك من أهل البوادي والنسوان(341)، وقيل له: أتقْطع على هؤلاء بأنّهم جهلوا هذه العقائد، ولا سبيل لهم إلى القطع به، وتعيين آحادهم بأنّهم عارفون ذلك، أو غيرُ عالمين بها، وأنهم من أهل الجنّة أم لا؟ فذلك مِن الغيوب التي لا يَطّلع عليها إلّا اللهُ تعالى، وإنما حكمنا بأنّ العشرة مِن الصحابة في الجنّة لقول رسول الله ﷺ(342)، ومَن لم يرد فيه خبرٌ ورأيناه مُلتزمًا لدين الإسلام، مُترسّما بمراسِمه فله مَا لنا وعليه ما علينا، والله تعالى يتولّى السرائر قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ﴾(343).

فإن قالوا: أجمع المسلمون على أنّ الكافر إذا أراد أن يُسلم يُكتفى منه بالإقرار بكلمتي الشهادة.

قلنا: إنما يُجتَزَأ منه بذلك لإجراء أحكام الإسلام عليه، فإنّ صاحب الشرع جعل ذلك أمارةً لإجراء الأحكام، ولو كان ذلك إيمانًا حقيقًا لما قال في حقّ النسوة المهاجرات: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ﴾ (344) ه.

ثم نقول: من ترك مِلّةً مِن الـملل وعاد إلى مِلّتنا فلا بدّ له مِن حامل يحملُه عليه، فإن كان الذي يحملُه عليه مما يدري من فساد مِلّتِه وعقيدته وصحّة دين الإسلام، فهذا القدرُ كافٍ من النظر والاستدلال على الجُملة، وإن كان الذي يحمله رَهبةً منّا أو رغبة فيما أعطانا اللهُ تعالى مِن المال وغيره فهجرته إلى ما هاجر إليه، كما قال ﷺ(345).

ومَن قال بالقول الآخر فإنه يَكْتفي من المكلّف باعتقادِ الحقّ والإقرار.

قال الأستاذ أبو إسحاق في أحد مصنّفاتِه: "مَن اعتقدَ ما يجب اعتقادُه هل يُكتفى به؟ قال: اختلف الأصحابُ فيه: فمنهم مَن اكتفى به، ومنهم من شرط اقتران هذه العقائد(346) بالأدلّة"، وميله بالأَخَرَةِ إلى القول الثاني.

وقد حكينا في صدر الباب عن أبي الحسن ترديدَ قول فيما يُؤمر به مَن قَدِمَ من وراء الصين أولًا، وأوضحنا ما اختاره شيخُنا الإمام(347)/(348). ه.


(142) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/63).

(143) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/14). والبغدادي، أصول الدين، (ص/125).

(144) تاج اللغة، الجوهري، مادة (د ل ل) (4/1698). الرازي، مختار الصحاح، مادة (د ل ل) (ص/106).

(145) هذا اللفظ لم يرد به توقيف شرعيٌّ، مع إيهامه ما لا يصح فامتنع؛ فإنه يُوهم تخصيص هدايته تعالى بالحائرين دون من لم يحر قط من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، وهو تعالى هدى كلَّ مَن اهتدى. انظر الزركشي، البحر المحيط، (1/50).

(146) ) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/286).

(147) انظر الباقلاني، التقريب والإرشاد، (ص/106). والبغدادي، عيار النظر، (ص/330-331).

(148)

(149) في (أ) و(ب): "يلتبس عليه". وما أثبته من "تمهيد الأوائل".

(150) نقل الإمام الأنصاري قول القاضي بتصرف. انظر الباقلاني، تمهيد الأوائل، (ص/33-34).

(151) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/63).

(152) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/63).

(153) انظر الباقلاني، تمهيد الأوائل، (ص/31-32).

(154) وهو قول المعتزلة، فإنه ينفون صفة العلم ويقولون: "الله عالـمٌ لا بعِلم"، بل ونفوا كلّ صفات المعاني التي أثبتها أهل السنة والجماعة، وهي: الحياة والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام. انظر عبد الجبار المعتزلي، شرح الأصول الخمسة، (ص/130-133).

(155) الإجماع: هو اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة. الشيرازي، اللمع، (ص/91). وعُرِّفَ بأنّه اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ بعد وفاته، في حادثة على أمرٍ من الأمور، في عصرٍ من الأعصار. الزركشي، البحر المحيط، (6/379-380).

(156) القياس: هو فعل القائس، وهو: حملُ فرعٍ على أصلٍ في بعض أحكامِه لمعنى يجمع بينهما. الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، (1/447). وقيل في تعريفه: طلبُ أحكام الفروع المسكوت عنها من الأصول المنصوص عليها، بالعلل المستنبطة من معانيها؛ ليلحق كلُّ فرعٍ بأصلِه حتى يشركه في حكمه؛ لاستوائهما في المعنى، والجمع بينهما بالعلة. السمعاني، قواطع الأدلة، (2/70).

(157) انظر الباقلاني، تمهيد الأوائل، (ص/32-33).

(158) الجويني، الإرشاد، (ص/64).

(159) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/32-33). والبغدادي، أصول الدين، (ص/150-151، 558).

(160) انظر عبد الجبار، المغني، (12/330).

(161) سقطت من (أ) و(ب)، وما أثبته من الإرشاد. الجويني، الإرشاد، (ص/64).

(162) سقطت من (ب).

(163) في (ب) : "وجوب".

(164)

(165) انظر النيسابوري المعتزلي، المسائل في الخلاف، (ص/319).

(166) في (أ) و(ب): "إراد"، والصواب ما أثبته من "الشامل".

(167) انظر الجويني، الشامل، (ص/118-119).

(168) هكذا في (ب)، في (أ): "من".

(169) انظر الباقلاني، تمهيد الأوائل، (ص/30-31).

(170) في (ب): "عباده"

(171) في (أ) و(ب): "ترك"، وما أثبتّه هو الصواب حسب السياق.

(172) سقطت من (ب).

(173) في (ب): "غير".

(174) [سورة يونس: ١٠١].

(175) [سورة الروم: ٥٠].

(176) [سورة الأنعام: ٩٩].

(177) [سورة الروم: ٨ ].

(178) [سورة الغاشية: ١٧].

(179) [سورة الأعراف: ١٨٥].

(180) [سورة آل عمران: ١٩٠].

(181) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [سورة البقرة:21-٢٢].

(182) انظر الزجاج، معاني القرءان، (1/99). والسمرقندي، بحر العلوم، (1/34).

(183) [سورة البقرة: ٢٣].

(184) انظر الماتريدي، تأويلات أهل السنة، (1/401). والسمرقندي، بحر العلوم، (1/34).

(185) وتمام الآية: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ [سورة سبأ: ٤٦].

(186) انظر الزجاج، معاني القرءان، (4/257). والماتريدي، تأويلات أهل السنة، (8/459).

(187) [سورة الطور: ٣٥].

(188) [سورة الطور: ٣٤]. هذه الآية حقها التقديم على التي قبلها، نظرًا لترتيبها في القرءان، ولعله سهو من المصنف في وضعها هنا.

(189) ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ (١٣٣)﴾ [سورة طه: ١٣٣].

(190) ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ۖ كَفَىٰ بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۖ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٩)﴾ [سورة الأحقاف: 8-٩].

(191) [سورة يونس: ١٦].

(192) [سورة النحل: ١٢٥].

(193) انظر الواحدي، الوسيط في تفسير القرءان المجيد، (3/91). والبغوي، معالم التنزيل في تفسير القرآن، (3/103).

(194) [سورة الزمر: ٢٣].

(195) القرطبي، الهداية إلى بلوغ النهاية، (8/ 5237). والماوردي، النكت والعيون، (4/150).

(196) ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [سورة الفرقان: ٥٢].

(197) ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [سورة الحج: ٣٩]

(198) في (أ) زيادة: "بقوله تعالى".

(199) [سورة الأنبياء: ٢٢].

(200) [سورة المؤمنون: ٩١].

(201) [سورة يس: 79].

(202) [سورة الأعراف: ٢٩].

(203) ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [سورة الروم: ٢٧].

(204) [سورة آل عمران: ١٩١].

(205) سقطت من (ب).

(206) الزجاج، معاني القرءان وإعرابه، (1/498). والماتريديّ، تأويلات أهل السنّة، (2/561).

(207) [سورة يوسف: ١٠٥].

(208) [سورة محمد: ٢٤].

(209) [سورة الحج: ٤٦].

(210) ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾ [سورة نوح: ١– 6].

(211) [سورة هود: ٣٢].

(212) ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾ [سورة هود: ٣٤].

(213) [سورة هود: ٥٣].

(214) [سورة هود: ٦٢].

(215) [سورة هود: ٦٣].

(216) [سورة البقرة: ٢٥٨].

(217) ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾ [سورة الأنعام: ٧٦-78].

(218) قال القاضي أبو بكر الباقلاني: "إنه خرجَ على مذهب التقرير والاستفهام، وأن ألف الاستفهام أُسقط على مذهب الإيجاز والاختصار، فكأنَّه قال على طريقِ التعجب والتوبيخ لقومه: "أهذا ربي؟" فحُذف ألف الاستفهام". الباقلاني، الانتصار للقرءان الكريم، (2/595). قال القاضي عياض: "وذهب معظم الحذّاق من العلماء والمفسرين إلى أنّه إنّما قال ذلك مُبَكّتًا لقومه، ومستدلًا عليهم. وقيل معناه: الاستفهام الوارد مَوْرد الإنكار". القاضي عياض، الشفا بتعريف حقوق المصطفى، (2/260).

(219) انظر الزجاج، معاني القرءان، (2/266). والرازي، التفسير الكبير، (2/325).

(220) [سورة الأنعام: ٧٩].

(221) [سورة الأنعام: ٨٣].

(222) انظر القشيري، لطائف الإشارات، (ص/486). الواحدي، الوسيط، (2/294).

(223) [سورة طه: ٤٩].

(224) [سورة طه: ٥٠].

(225) [سورة الشعراء: 23-٢٤].

(226) ابن عاشور، التحرير والتنوير، (19/117).

(227) روى الطبراني في المعجم الأوسط حديث (2648): بإسناده إلى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: بينا رسول الله ﷺ يحدثنا على باب الحجرات إذ أقبل أبو بكر وعمر ومعهما فئام من الناس، يجاوب بعضُهم بعضًا، ويرد بعضُهم على بعض، فلما رأوا رسول الله ﷺ سكتوا، فقال: «ما كلام سمعتُه آنفًا، جاوبَ بعضُكم بعضًا، ويرد بعضُكم على بعض؟» فقال رجل: يا رسول الله، زعم أبو بكر أنّ الحسنات من الله، والسيئات من العباد. وقال عمر: السيئات والحسنات من الله، فتابع هذا قومٌ، وتابع هذا قومٌ، فأجاب بعضُهم بعضًا، ورد بعضهم على بعض، فالتفت رسول الله ﷺ إلى أبي بكر، فقال: «كيف قلت؟» فقال قوله الأول، والتفت إلى عمر، فقال قوله الأول، فقال: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بقضاء إسرافيل بين جبريل وميكائيل» فتعاظم ذلك في أنفس الناس، وقالوا: يا رسول الله، وقد تكلّم في هذا جبريل؟ فقال: «إي والذي نفسي بيده لهما أول خَلْق الله تكلّم فيه، فقال ميكائيل بقول أبي بكر، وقال جبريل بقول عمر، فقال جبريل لميكائيل: = =إنّا متى نختلف أهل السماء يختلف أهل الأرض، فلنتحاكم إلى إسرافيل، فتحاكما إليه، فقضى بينهما بحقيقة القدر، خيره وشره، حلوه ومره، كله من الله عز وجل، وإني قاض بينكما». ثم التفت إلى أبي بكر، فقال: «يا أبا بكر، إن الله تبارك وتعالى لو أراد أن لا يعصى لم يخلق إبليس»، فقال أبو بكر: صدق الله ورسوله". قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن مقاتل إلا عمر، تفرد به محمد بن يعلى". الطبراني، المعجم الأوسط، (3/112). قال الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد": "رواه الطبراني في الأوسط واللفظ له، والبزارُ بنحوه، وفي إسناد الطبراني عمر بن الصبح وهو ضعيف جدًا، وشيخ البزار السكن بن سعيد ولم أعرفه، وبقية رجال البزار ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر". الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، (7/192).

(228) روى البخاري في صحيحه حديث (3409): كتاب أحاديث الأنبياء: باب وفاة موسى وذكره بعد: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «احتج آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجَتك خطيئتُك من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، ثم تلومني على أمرٍ قُدّرَ عليّ قبل أنْ أخلق، فقال رسول الله ﷺ: «فحج آدمُ موسى مرتين». البخاري، صحيح البخاري، (4/158).

(229) انظر الماتريدي، تأويلات أهل السنة، (2/249). والماوردي، النكت والعيون، (1/333-334).

(230) [سورة البقرة: ٢٦٠].

(231) قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٩].

(232) التقليد: هو قبولُ قولِ الغير بلا دليل وحُجّة. انظر الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، (2/128). والشيرازي، اللمع، (ص/132).

(233) في (ب) زيادة: "كل".

(234) [سورة الزخرف: ٥٨].

(235) [سورة مريم: ٩٧].

(236) [سورة الأنبياء: ٩٨].

(237) هو الصحابي الشاعر عبد الله بن الزِّبعرى بن قيس القرشي السهمي، كان من أشدّ الناس على رسولِ الله ﷺ وأصحابِه بلسانه ونفسه قبل إسلامه، ثم أسلم بعد الفتح وحسُن إسلامه وشهد ما بعد الفتح من المشاهد، واعتذر عن زلّاته حين أتى النبىّ ﷺ. انظر الاستيعاب، القرطبي، (3/901-904). وابن الأثير، أسد الغابة، (3/135).

(238) [سورة الأنبياء: 101].

(239) روى الطبراني في معجمه الكبير حديث : عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [سورة الأنبياء: 98]، قال عبد الله بن الزِّبعرى: أنا أخصم لكم محمدًا، فقال: يا محمد أليس فيما أنزل الله عليك: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [سورة الأنبياء: 98] قال: «نعم» قال: فهذه النصارى تعبد عيسى، وهذه اليهود تعبد عُزَيرًا، وهذه بنو تميم تعبد الملائكة، فهؤلاء في النار؟ فأنزل الله عزّ وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [سورة الأنبياء: 101]. الطبراني، المعجم الكبير، (12/153). قال الحافظ الهيثمي: "رواه الطبراني، وفيه عاصم بن بهدلة وقد وُثِّقَ وضَعّفَه جماعةٌ". الهيثمي، مجمع الزوائد، (7/69).

(240) هو الوليد بن المغيرة بن عبد الله المخزومي، أحد مشركي قريش المستهزئين برسول الله ﷺ. كان يُسمي نفسه الوحيدَ والعِدْلَ، أي أنّه وحيد قومه ولا يعادله أحد، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ [سورة المدثر: ١١]. مات بمكة المكرمة في السنة الأولى من الهجرة. انظر الزجاج، معاني القرءان، (5/246-247). وابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، (3/84). وسبط ابن الجوزي، مرءاة الزمان، (3/188).

(241) هكذا في (ب)، في (أ): "النظر".

(242) هو النضر بن الحارث بن علقمة القريشي العبدري، أُسِرَ يوم بدر فقتله علي بن أبي طالب بأمر رسول الله ﷺ، وأجمع أهل المغازي والسِّيَر على أنه قتل يوم بدر كافرًا. وإنما قُتِلَ لأنّه كان شديد الأذى للإسلام والمسلمين. وهو الذي قال: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء" فأنزل الله قوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [سورة الأنفال: ٣٢ – ٣٣]. انظر الحاكم، المستدرك، (2/545). والواحدي، التفسير الوسيط، (2/455). والنووي، تهذيب الأسماء واللغات، (2/126).

(243) ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [سورة النور: ٤].

(244) في (ب): "يشهد".

(245) روى البخاري في صحيحه حديث (4747): كتاب تفسير القرءان: باب ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾ [سورة النور: 8]: من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أنّ هلال بن أمية، قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك ابن سحماء، فقال النبي ﷺ: «البينة أو حدٌّ في ظهرك»، فقال: "يا رسول الله، إذا رأى أحدُنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟" فجعل النبي ﷺ يقول: «البينة وإلا حَدٌّ في ظهرك»، فقال هلال: "والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد"، فنزل جبريل وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [سورة النور: ٦]. فقرأ حتى بلغ: ﴿إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [سورة النور: 9] فانصرف النبي ﷺ فأرسل إليها، فجاء هلالٌ فشهد، والنبي ﷺ يقول: «إن الله يعلم أنّ أحدَكما كاذب، فهل منكما تائب» ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها، وقالوا: إنها موجبة، قال ابن عباس: "فتلكأت ونكصت، حتى ظننا أنها ترجع"، ثم قالت: "لا أفضح قومي سائر اليوم"، فمضت، فقال النبي ﷺ: «أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك ابن سحماء»، فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن». البخاري، صحيح البخاري، (6/100).

(246) قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة النور: ٦ – ٩].

(247) روى الطبراني في "المعجم الأوسط" من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله». قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن سالم إلا الوازع، تفرد به علي بن ثابت". الطبراني، المعجم الأوسط، (6/250). قال الحافظ الهيثمي: "رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الوازع بن نافع، وهو متروك". الهيثمي، مجمع الزوائد، (1/81). وروى البيهقي مثلَه في "شعب الإيمان"، وقال: "هذا إسناد فيه نظر". البيهقي، شعب الإيمان، (1/262). وروى البيهقي أيضًا في "الأسماء والصفات" عن ابن عباس قال: «تفكروا في كل شىء ولا تفكروا في ذات الله». البيهقي، الأسماء والصفات، (2/46). وروى أبو نعيم في "حلية الأولياء" من حديث عبد الله بن سلام قال: خرج رسول الله ﷺ على ناس من أصحابه وهم يتفكرون في خلق الله، فقال رسول الله ﷺ: «فيم تتفكرون؟» قالوا: نتفكر في الله، قال: «لا تفكروا في الله، وتفكروا في خلق الله، فإنّ ربنا خلق مَلكًا قَدَماه في الأرض السابعة السفلى، ورأسه قد جاوز السماء العُليا، ما بين قدميه إلى ركبتيه مسيرة ستمائة عام، وما بين كعبيه إلى أخمص قدميه مسيرة ستمائة عام، والخالق أعظم من المخلوق». أبو نعيم الأصبهاني، حلية الأولياء، (6/66). قال الحافظ السخاوي بعد ذكره لهذا الحديث من عدة طرق: "وأسانيدها ضعيفة، لكن اجتماعها يكتسب قوة، والمعنى صحيح". انظر السخاوي، المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، (ص/261).

(248) انظر المتولي، الغنية في أصول الدين، (ص/55). وابن القطان، الإقناع في مسائل الإجماع، (1/36).

(249) [سورة محمد: ١٩].

(250) [سورة الأنفال: ٤٠].

(251) [سورة النحل: ٥١].

(252) [سورة فصلت: ٥٣].

(253) انظر الخطابي، أعلام الحديث، (1/112). والعسقلاني، فتح الباري، (1/135).

(254) انظر الجويني، الشامل، (ص/120). والشيرازي، الإشارة إلى مذهب أهل الحق، (ص/110).

(255) في (ب) زيادة : "يكون".

(256) انظر الباقلاني، التقريب والإرشاد، (ص/112). والجويني، الشامل، (ص/119-120).

(257)

(258) سقطت من (ب).

(259) سقطت من (ب).

(260) [سورة يوسف: ١٠٨].

(261) [سورة الأنعام: ٥٧].

(262) [سورة الإسراء: ٣٦].

(263) [سورة الأعراف: ٣٣].

(264) انظر السمرقندي، بحر العلوم، (1/512). والبيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، (3/11).

(265) [سورة البقرة: ١٧٠].

(266) الزجاج، معاني القرءان، (1/241-242). الماتريدي، تأويلات أهل السنة والجماعة، (1/621).

(267) ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ﴾ [سورة البقرة: ١١١].

(268) [سورة البقرة: ١١١].

(269) [سورة الأنعام: ١٥٠].

(270) [سورة يونس: ٥٩].

(271) [سورة الزخرف: ٤٥].

(272) [سورة الأعراف: ٣٣].

(273) [سورة الأحقاف: ٤].

(274) [سورة سبأ: ٢٣].

(275) انظر الشيرازي، شرح اللمع، (2/1043-1046). والسمعاني، قواطع الأدلة، (2/307-308).

(276) [سورة التوبة: ٣١].

(277) انظر السمرقندي، بحر العلوم، (2/53). والماودري، النكت والعيون، (2/354).

(278) روى الترمذي في سننه حديث (3095): أبواب تفسير القرءان: باب ومن سورة التوبة: عن عدي ابن حاتم قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب. فقال: «يا عدي اطرحْ عنكَ هذا الوثن»، وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ [سورة التوبة: ٣١]. قال: «أما إنّهم لم يكونوا يَعبدُونهم، ولكنّهم كانوا إذا أَحلّوا لهم شيئًا استَحلّوه، وإذا حرّموا عليهم شيئًا حَرّموه». قال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث". الترمذي، سنن الترمذي، (5/129).

(279) انظر الشيرازي، التبصرة في أصول الفقة، (ص/402).

(280) أهل الطبائع: هم القائلون بأن طبائع كلّ جسم هي الخالقة له. والطبائع أربعة: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة. وهم فريقان، أحدهما: يوافقون أهل الإسلام في القول بحدوث العالَـم وإثبات الصانِع ولكنّهم يَصيرون إلى أنّ الله تعالى خلَق الأجسام على طبائع وخواصّ تقتضي أفعالًا وطبيعة غير صادرة عن اختيار، وقد مال= =إلى ذلك ثُمامَة الـمعتزليّ وطائفة مِن الـمعتزلة. والفريق الثاني: صاروا إلى القول بقدم الطبائع الأربعة. انظر الباقِلّانيّ، تمهيد الأوائل، (ص/56). والجوينيّ، الشامل، (ص/237-238).

(281) [سورة ص: ٢٩].

(282) [سورة النحل: ١١].

(283) وردت هذه الكلمة في القرءان الكريم في سبعة مواضع: [سورة البقرة: ٢٢١] و[سورة إبراهيم: 25] و[سورة القصص: 43-46-51] و[سورة الزمر: 27] و[سورة الدخان: 58].

(284) وردت هذه الكلمة في القرءان الكريم في ثمانية مواضع مقرونة بلفظة آية أو آيات: [سورة البقرة: ١٦٤] و[سورة الرعد: 4] و[سورة النحل: 12-67] و[سورة العنكبوت: 35] و[سورة الروم: 24-28] و[سورة الجاثية: 5].

(285) ورد هذا الوصف في القرءان الكريم في خمسة مواضع: [آل عمران: 190] و[سورة يوسف: ١١١] و[سورة ص: 43] و[سورة الزمر: 21] و[سورة غافر: 54].

(286) [ سورة طه: ٥٤]

(287) [سورة العنكبوت: ٤٩]

(288) [سورة الدخان: ٥٨].

(289) تحتاج إلى تعليق

(290) سقطت في (ب).

(291) تعليق

(292) لا مشاحة: أي لا مضايقة ولا منازعة. الكفوي، الكليات، (ص/970).

(293) واضعه في الأمر: أي وافقه فيه على شىء. الرازي، مختار الصحاح، مادة (و ض ع) (ص/702). انظر الزبيدي، تاج العروس، مادة (و ض ع) (22/343).

(294) كاصطلاح الناسخ والمنسوخ، والمجمل والمتشابه، وغيرها كما هو المستعمل عند أهل التفسير. والقياس والاستحسان، والطرد والشرط، والسبب والعلة وغيرها كما هو المستعمل عند الفقهاء. والجرح والتعديل، والآحاد والمشهور والمتواتر، والصحيح والغريب وغير ذلك كما هو المستعمل عند أهل الحديث. وغيرها من العبارات التي اصطلح العلماء على استعمالها في علوم الشريعة مع أنّه لم يُنقل عن النبي ﷺ ولا أصحابه التلفظ بها.

(295) الفلاسفة: صنفان: صنف كان قبل بعثة الرسول، وصنف بعد البعثة. كلّ أصنافهم كفار وإن اختلفت مذاهبهم. منهم من قالوا بقِدَم العالـم وأنكروا الصانع، ومنهم من قالوا بقِدَم الصانع والمصنوع، ومنهم من قالوا بقدم الطبائع الأربع والعناصر الأربعة التي هي الأرض والماء والنار والهواء، ومنهم من قالوا بقِدَم هذه الأربعة وقدم الأفلاك والكواكب معها. فالغالب على قدمائهم اعتقاد أزلية نوع العالَـم وأفراده وتبعهم في هذه المقالة بعض المنتسبين إلى الإسلام كابن سينا والفارابي، وأما محدَثوهم فاعتقدوا أزلية نوع العالَـم وحدوث أفراده. وكلا الفريقين كفارٌ بإجماع المسلمين كما نقل ذلك الإمام الزركشيّ في تشنيفه فقال بعد ذِكر الفريقَيْن: "وقد ضلّلهم المسلمون في ذلك وكفّروهم". انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/386). والزركشي، تشنيف المسامع، (4/69-70).

(296) الجهمية: هم فرقة من فرق أهل الأهواء، أتباع جهم بن صفوان القائل بالجبر والاضطرار إلى الأعمال وأنّه لا فعل ولا عمل لأحدٍ غير الله، وإنـما تُنْسَبُ الأعمال إلى الـمخلوقين على الـمجاز. ووافق المعتزلة في نفي الصفات عن الله تعالى وزاد عليهم بأشياء. كما زعم أنَّ الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وغير ذلك من الأقوال التي أكفرته الأمة لأجلها. انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/239). والشهرستاني، الملل والنحل، (1/86-87).

(297) القدريّة: هم فرقة من فرق أهل الأهواء المعتزلة عن الحق. سموا بهذا لإنكارهم تقدير الله تعالى وزعمهم بأنّ أعمال العباد واقعة بتقديرهم لا بتقدير الله. ومقالتهم هذه تشبه مقالة المجوس القائلين بوجود خالقيْن اثنين خالق للخير وآخر للشر. وقد سمّاهم الرسول ﷺ بالمجوس. روى أبو داود في سننه حديث 4691: كتاب السنة: باب في القدر: من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم». أبو داود، سنن أبي داود، (4/222). انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/147).

(298) في (ب): "والقائلون".

(299) وهذه المقالات الأربع كلها من أقوال القدريّة، وسيأتي الكلام على هذه المسائل والرد عليهم في أبواب هذا الكتاب.

(300) هو المتكلم أبو محمد، عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب القَطَّان التميميّ البصريّ. يُعرف أصحابه بالكُلَّابية، لُقِّبَ بكُلَّاب لقوته بالـمناظرة فإنّه كان يجتذِب من يُناظره كما تجتذِب الكِلابُ الشىء. مِن كبار أهل السنة الـمتكلّـمين ومن جملة السلف الذين باشروا علـمَ الكلام وأيّدوا عقائد السلف بحُجَجٍ كلاميّة وبراهين أصوليّة، وبطريقته اقتدى الإمام أبو الحسن الأشعريّ. صنّف كتبًا كثيرة منها كتاب "الصفات" و"خلق الأفعال" وغيرها. وهو الذي دمّر على الـمعتزلة في مجلس الـمأمون وفضحَهم ببيانه، وردّ على الجهمية أيضًا. توفي حاولي سنة 240ه. انظر ابن قاضي شُهبة، طبقات الشافعية، (1/78). وابن السبكي، طبقات الشافعية، (2/299-300).

(301) هو الإمام الصوفي الحافظ أبو نُعيم، أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهانيّ (306ه-430ه). جمع بين الفقه والتصوّف، والنهاية في الحفظ والضبط. سمع من أبي علي بن الصوّاف وأبي بكر الأنباريّ وغيرهما كثير. وروى عنه الحافظ أبو بكر الخطيب وهو من أخص تلامذته والحافظ أبو صالح المؤذن وخلقٌ كثير، وقد رحلت الحفاظ إِلَى بَابه لعلمه وَضَبطه وعلو إِسْنَاده. من مصنفاته كتاب "معرفة الصحابة" و"دلائل النبوة" و"المستخرج على الصحيحين" و"حِلية الأولياء وطبقات الأصفياء" وغيرهم كثير. انظر ابن السبكي، طبقات الشافعية، (4/18-25). والسيوطي، طبقات الحفاظ، (ص/423).

(302) الأصبهاني، حلية الأولياء، (9/93-97).

(303) [سورة الأنعام: ١٠٤].

(304) [سورة الأنعام: 95].

(305) ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾ [سورة الأنعام: ٩٧ – ٩٨].

(306) [سورة الأنعام: 99-١٠٤].

(307) انظر الرازي، التفسير الكبير، (13/104-105). والقرطبي، الجامع لأحكام القرءان، (7/57).

(308) في (ب): "و لا".

(309) [سورة آل عمران: ١٩٠].

(310) سبق تخريجه في (ص/12).

(311) [سورة آل عمران: ١٨].

(312) [سورة الرعد: ٤٣].

(313)

(314) انظر الأزهري، تهذيب اللغة، مادة (ش ه د) (6/47). وابن منظور، لسان العرب، مادة (ش ه د) (3/239).

(315) روى البخاري في صحيحه حديث (5013): كتاب فضائل القرءان: باب فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص:١]: من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ رجلًا سمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالّـها، فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن». البخاري، صحيح البخاري، (6/189). قال ابن بطال في شرحه: "معنى قوله: "إنها تعدل ثلث القرآن" أنّ الله جعل القرآن ثلاثة أجزاء: أحدها: القصص والعبر والأمثال، والثاني: الأمر والنهى والثواب والعقاب، والثالث: التوحيد والإخلاص، وتضمنت هذه السورة صفة توحيده تعالى وتنزيهه عن الصاحبة والوالد والولد، فجعل لقارئها من الثواب كثواب من قرأ ثلث القرآن". ابن بطال، شرح صحيح البخاري، (10 /251).

(316) روى الطبراني في معجمه الأوسط بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «نزلت سورة الأنعام ومعها كوكبة من الملائكة، تسد ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، والأرض ترتج»، ورسول الله ﷺ يقول: «سبحان الله العظيم، سبحان الله العظيم». قال الحافظ الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أبي سهيل نافع بن مالك إلا عمر بن طلحة، ولا عن عمر بن طلحة إلا ابن أبي فديك، تفرد به أحمد بن محمد السالمي". الطبراني، المعجم الأوسط، (6/292).

(317) هو سيّد القُرّاء أبو الـمُنذر، أُبي بن كعب بن قيْس الأنصاريّ الخزرجيّ. مِن أصحاب العَقَبة الثانية وشَهِد بدرًا والمشاهد كُلّها. قال عنه النبيّ ﷺ: «أقرؤكم أُبيّ بن كعب». وهو أوّل من كَتَب لرسول الله ﷺ. روى عنه ابنُ عباس وأنسُ بن مالك وأبو هريرة وغيرُهم كثير، توفّي بالمدينة المنوّرة واختلف في سنة وفاته اختلافًا كثيرًا. انظر ابن عساكر، تاريخ دمشق، (7/308-348). وابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، (1/31-32).

(318) روى مسلم في صحيحه حديث (258 - 810): كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي: من حديث أُبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: "الله ورسوله أعلم". قال: «يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ﴾ [سورة البقرة: 255]. قال: فضرب في صدري، وقال: «والله ليهنك العلم أبا المنذر». مسلم، صحيح مسلم، (1/556).

(319) هو الصحابي أبو نُجَيد، عمران بن الحصين بن عبيد الخزاعي الكعبي. أسلم عام خيبر، وغزا مع رسول الله ﷺ غزوات، وبعثه عمر بن الخطاب إلى البصرة؛ ليفقه أهلها. واستقضاه عبدُ الله بنُ عامر على البصرة فأقام قاضيًا يسيرًا ثم استعفاه فأعفاه. روى عنه الحسن وابن سيرين وغيرهما. توفي بالبصرة سنة 52ه. انظر ابن الأثير، أسد الغابة، (3/778-779). والعسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، (4/584-586).

(320) روى البخاريّ في صحيحه حديث (3191): كتاب بدء الخلق: باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [سورة الروم: ٢٧]، مِن حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما، قال: "دخلتُ على النبيّ ﷺ وعَقلْتُ ناقتي بالباب، فأتاه ناسٌ مِن بني تميم فقال: «اقبلوا البُشْرى يا بني تميم»، قالوا: قد بَشّرْتَنا فَأعطِنا، مرتين. ثم دخل عليه ناسٌ مِن أهل اليمن، فقال: «اقبلوا البُشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلْها بنو تميم»، قالوا: قد قَبِلنا يا رسولَ الله، قالوا: جئناك نسألُك عن هذا الأمر؟ قال: «كان اللهُ ولم يكنْ شىءٌ غيرَه، وكان عرشُه على الماء، وكتبَ في الذِكر كلَّ شىء، وخلق السمواتِ والأرض» فنادى منادٍ: ذهبَتْ ناقتُك يا ابنَ الحُصين، فانطلقْتُ فإذا هي يقطع دونها السَراب، فوالله لوَدِدْتُ أنّي كنتُ تركتُها". البخاري، صحيح= =البخاري، (4/105). ورواه البخاري أيضًا حديث (7418): في كتاب التوحيد: باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [سورة هود: ٧] و ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ [سورة التوبة: ١٢٩]، بلفظ: «كان الله ولم يكن شىء قبله». البخاري، صحيح البخاري، (9/124). ولفظ: «كان الله ولا شىءَ معه» لم أقف عليه فيما بحثت فيه من كتب متون الحديث، لكن قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: "وفي رواية أبي معاوية: «كان الله قبل كل شىء» وهو بمعنى: «كان الله ولا شىءَ معه» وهي أصرح في الرد على مَن أثبت حوادث لا أول لها من رواية الباب، وهي من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية ووقفت في كلام له على هذا الحديث يُرجح الرواية التي في هذا الباب - «كان الله ولم يكن شىء قبله» - على غيرها مع أنّ قضية الجمع بين الروايتين تقتضي حمل هذه على التي في بدء الخلق - «كان اللهُ ولم يكنْ شىءٌ غيرَه» - لا العكس والجمع يقدم على الترجيح بالاتفاق". العسقلاني، فتح الباري، (13/410). وقد أورد هذا اللفظ «ولا شىءَ معه» عدد من الحُفاظ والمتكلمين في كتبهم منهم الحافظ الحنبلي ابن الجوزي، والمفسر الأصولي الرازي، والإمام ابن جماعة، والحافظ الفقيه اللغوي الحنفي الزبيديّ وغيرهم. انظر ابن الجوزي، دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، (ص/191). والرازي، التفسير الكبير، (17/320، 19/52). وابن جماعة، إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل، (ص/103). والزبيدي، إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، (2/94).

(321) الصحابي: هو من لقي النبي ﷺ على طريق العادة، وآمن به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة في الأصح. انظر العراقي، فتح المغيث، (ص/343). والعسقلاني، نخبة الفكر، (ص/59).

(322) رواه عطاءُ بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه. انظر ابن فورك، مشكل الحديث، (ص/80). والراغب الأصفهاني، محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، (2/442). والقرطبي، البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، (18/481). والزبيدي، إتحاف السادة المتقين، (2/73).

(323) الخوارج: هم الذين كانوا مع سيّدنا عليّ رضي الله عنه في صفّين ثم خرجوا عليه بعد قبوله بالتحكيم، وأكفروا عليًّا وابنيْه وابن عبّاس وأبا أيُّوب الأنصاريّ، وأكفروا أيضًا عُثمان وعائشة وطلحة والزُبير، وأكفروا كلّ من لـم يُفَارق عليًّا ومُعاوية بعد التَحكيم وأكفروا كلَّ ذي ذَنْب من الأمّة، واختلفوا فصاروا عشرين فرقة. انظر البغداديّ، الفرق بين الفرق، (ص/101). والشهرستاني، الـمِلَل والنِحَل، (1/43-44).

(324) رواه اللالكائي بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. انظر اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، (ص/111). قال البيهقي: "هذه الحكاية عن علي رضي الله عنه شائعة فيما بين أهل العلم، ولا أراها شاعت إلا عن أصل". البيهقي، الأسماء والصفات، (ص/243).

(325) انظر الإسفراييني، التبصير في الدين، (ص/162). وعليش المالكي، منح الجليل شرح مختصر خليل، (4/248).

(326) الرواية الثابتة عن الإمام الشافعي هي رواية البيهقي بإسناده إلى الشافعي رضي الله عنه قال: "لأن يلقى اللهَ العبدُ بكلّ ذنبٍ ما خلا الشرك بالله خيرٌ مِن أن يَلْقاه بشىءٍ مِن الهوى"، وفي رواية: "بشىء من الأهواء". وليس فيها ذم الاشتغال بعلم الكلام، والذي ذمّه ليس هذا العلم بل كلام أهل الأهواء، وهم مَن خرج عن أهل السنة كالمُرجئة والجهمية والمعتزلة والخوارج وما أشبههم. البيهقي، مناقب الشافعي، (1/452).

(327) هو الإمام الجليل المجتهد أبو إبراهيم، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل الـمُزني (175ه-264ه). صاحب الإمام الشافعي وناصر مذهبه. كان عالـمًا صالحًا زاهدًا، مُناظرًا جبلًا من جبال العلم، مُجاب الدعوة. روى عن الشافعي وابن حماد وغيرهما. وروى عنه ابن خزيمة والطحاوي وزكريا الساجي وغيرهم، وأخذ عنه خلائق من علماء خراسان والعراق والشام. صنّف كتبًا كثيرةً منها "الجامع الكبير" و"الجامع الصغير" و"مختصر المزني". انظر ابن السبكي، طبقات الشافعية، (2/93-95). وابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، (1/58).

(328) انظر البيهقي، مناقب الشافعي، (1/459).

(329) الباطنية: هم فِرقة خارجة عن جميع فِرَقِ الإسلام، وإنما سُمّوا بذلك لحُكْمهم بأنّ لكلّ ظاهرٍ باطنًا ولكلّ تنزيل تأويلًا، والذين وضعوا أساسَ دينِ الباطنيّة كانوا مِنْ أولاد المجوس وكانوا مائلين إلى دين أسلافهم ولم يجسِروا على إظهارِه خوفًا من سيوف المسلمين، فوضَع الأغمارُ منهم أُسسًا مَنْ قَبِلَها منهم صار في الباطن إلى تفضيل أديان المجوس، وتأولوا آيات القرءان وسُنن النبيّ ﷺ على موافقة أُسُسِهم. وأوّل ظهورٍ لدعوتهم كان فى زمان المأمون وانتشرت فى زمان المعتصم، وممن أسس هذه الدعوة ميمون بن دَيْصان المعروف بالقدَّاح ومحمد بن الحسين الملقّب بدنْدَان، وظهر فى دعوتهم رجلٌ يقال له حمدان قرمط. وضررُ الباطنيّة على فرق المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس عليهم وفضائحُهم أكثرُ من عدد الرمْل والقطْر. انظر البغداديّ، الفَرْق بين الفِرَق، (ص/318،313). والشهرستانيّ، الـمِلَل والـنِحَل، (1/192-195).

(330) [سورة النحل: ١٢٥].

(331) في (ب): "الحديث".

(332) قال الحافظ العراقي: "قال ابن طاهر في كتاب التذكرة: هذا اللفظ تداوله العامة ولم أقف له على أصل يرجع إليه من رواية صحيحة ولا سقيمة". العراقي، المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، في تخريج ما في الإحياء من الأخبار، (ص/961). وقال الحافظ السخاوي: "لا أصل له بهذا اللفظ". السخاوي، المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة. (ص/464).

(333) خبر الواحد في اللغة: ما يرويه شخص واحد. وفي الاصطلاح: ما لم يجمع شروط التواتر. انظر الشيرازي، اللمع، (ص/77). والعسقلاني، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، (ص/55).

(334) انظر الآمدي، الإحكام في الأصول، (4/226). وابن التلمساني، شرح معالم أصول الفقه، (2/457).

(335) في (ب): "تكبّر".

(336) سبق في (ص/75،13).

(337) في (ب): "تلقى".

(338) [سورة الأنبياء: ٢٢].

(339) رواه البزار في مسنده من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وقال: "على أنّه لو صح كان له معنى". انظر البزار، البحر الزخار، (13/32). قال الحافظ الهيثمي: "رواه البزار، وفيه سلامةُ بنُ رَوْح، وثّقه ابنُ حبان وغيرُه، وضَعّفَهُ غير واحد". الهيثمي، مجمع الزوائد، (10/264). ومما جاء في تفسير هذا الحديث ما قاله الطحاويُّ بعدما ذَكَره: "فذكرتُ هذا الحديث لأحمد بن أبي عمران، فقال: معناه معنى صحيح. = =والبُلْه المرادون فيه هم البُله عن محارم الله عز وجل لا مَن سواهم ممن به نقص العقل بالبُلْه". الطحاوي، شرح مشكل الآثار، (7/431). وقال ابن الأثير في شرح الحديث: "هو جمع الأبله، وهو الغافل عن الشر المطبوع على الخير، وقيل هم الذين غلبت عليهم سلامةُ الصدور وحسنُ الظن بالناس؛ لأنهم أغفلوا أمر دنياهم فجهلوا حذق التصرف فيها، وأقبلوا على آخرتهم فشغلوا أنفسَهم بها، فاستحقوا أن يكونوا أكثر أهل الجنة. فأمّا الأبله وهو الذي لا عَقْلَ له فغير مراد في الحديث". ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، (1/155).

(340) في (أ) و(ب): "سا"، والصواب ما أثبتّه والله أعلم.

(341) النسوان: جمع امرأة من غير لفظها. الرازي، مختار الصحاح، مادة (ن س ا) (ص/638). الزبيدي، تاج العروس، مادة (ن س و) (40/69).

(342) روى الإمام أحمد في مسنده حديث (1675): من حديث عبد الرحمن بن عوف، أنّ النبي ﷺ قال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن ابن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة». ابن حنبل، مسند أحمد، (3/209). قال الحافظ السيوطي: "حديث صحيح رواه الإمام أحمد وغيره". السيوطي، الغرر في فضائل عمر، (ص/1).

(343) [سورة النساء: ٢٥].

(344) [سورة الممتحنة: ١٠]. أَمَر اللهُ المؤمنين بامتحانهن؛ لأنّ محلّ الإيمان هو القلب، وذلك باطنٌ لا سبيل للخلق للوقوف على ما فيه، فإنما يُعرف بما يظهرُ وهو الاستيصاف، فإذا وصفنَ اللهَ بالربوبية والوحدانية والنبيَّ بالرسالة وجب الحكم بالإِيمان على ما ظهرَ، وقد سمى الله ذلك عِلمًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ﴾ [سورة الممتحنة: ١٠]. انظر الماتريدي، تأويلات أهل السنة، (3/128). والنسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، (3/470)

(345) روى البخاري في صحيحه حديث (6689): كتاب الأيمان والنذور: باب النية في الأيمان: من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنية، وإنّما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه».

(346) في (ب): "الاعتقاد".

(347) سبق في (ص/11-12).

(348) خلاصة القول في إيمان المقلد: المقلد هو الذي قَبِلَ قولَ الغيرِ من غيرِ دليل، فمَن قَبِلَ قولَ مَنْ دعاه إلى الإيمان فَصَدّق تصديقًا جازمًا لا يُخالطُه شكٌ، ونطق بالشهادتين مِنْ غير استدلالٍ فهو المقلد. وقد استشكل بعضُهم تصويرُ مَن هذا حالُه؛ فإنّ عوامَ المسلمين إذا رأوا خلقًا عظيمًا كجبلٍ شاهقٍ أو سَهْلٍ مُتسعٍ أو نحو ذلك سارعوا إلى تسبيح الله وتمجيده، وهذا منهم اعترافٌ بأنّ هذا الخلق دالٌ على وجودِ الخالق وعظيم قدرتِه،= =وهذا كافٍ لاعتبارِه مُستَدِلًّا على وجود الله، وهذا المسمّى بالاستدلال الطبيعي، وهو الذي لا يخلو المؤمن عنه على قول البعض كالسيوطي. وأجيب بأنّ خلو الاستدلال الطبيعي يُتصورُ في نحوِ رجلٍ يعيشُ في شاهقِ جبل، لا خُلْطة له بالمسلمين، ولا معرفةَ له بعاداتهم ولا بكلامهم، فَمَرّ به أناسٌ من المسلمين، معاملتهم طيبة وأحوالهم حسنة، فدعوه إلى الإسلام، فَقَبِلَ منهم وصَدّقَهم تصديقًا جازمًا ونطقَ بالشهادتين لاعتقادِه تَرفّع مَن هذا شأنه عن الخطإ، إلا أنّه لم يستدل بعقلِه على معتقدِه، ثم ثبت على ذلك إلى الموت. فهذا مثالٌ للمُقَلّد الذي هو محل الخلاف. قال جمهورُ أهل السنة والجماعة: إنّ إيمانَ هذا المقلد صحيحٌ لأنّه أتى بحدّ الإيمان وحقيقتِه، وهو التصديقُ بالجنان والإقرارُ باللسان على ما تقدم، فوجبَ أن يكونَ مؤمنًا، إلا أنّ هذا المقلدُ ءاثمٌ بتركِه الاستدلال العقلي على صحة اعتقاده. فهذا ما عليه جمهورُ علماءِ أهل السنة والجماعة ومتكلميهم، وهو الصحيح. وقال بعضٌهم بعدمِ صحة إيمانه. وقال بعضهم: إذا بنى اعتقادَه على قول الرسول بعد أنْ صدّق برسالته؛ لعِلْمه بظهور المعجزات الباهرة الدالة على صدقه كان ذلك كافيًا، وإلا لم يكن مؤمنا. وقال ءاخرون: يجب أن يبني كل مسألة من الأصولِ على دليلٍ عقلي، من غير أن يشترطوا الاقتدارَ على مجادلة الخصوم ودفع الشبه، فإنْ لم يفعل لم يكن مؤمنًا عندهم، وهو ما اختارَه السنوسي في "أم البراهين". انظر السنوسي، أم البراهين، (ص؟). وقد حُكِيَ هذا القولُ عن الشيخ أبي الحسن الأشعريّ رضي الله عنه، وفي صحةِ هذا القول عن الأشعريّ نظر؛ فقد أنكرَ ذلك الإمامُ عبد الكريم القشيري في رسالته التي سماها: "شكاية أهل السنة"، وذكرَ أنّ الكراميّة قد افترت هذه المقالةَ على الإمامِ الأشعريّ. وهذه الرسالة مذكورةٌ بتمامها في "طبقات الشافعية الكبرى". انظر ابن السبكي، طبقات الشافعية، (3/ 418-420). فعلى هذا يكون هذا المقلدُ مؤمنًا لحصول التصديق منه، إلا أنّ إيمانَه ناقصٌ لتركه الاستدلال العقلي. وهو موافق لمذهب الأشعريّ في زيادة الإيمان ونقصانه. ولأجل ذلك قال الشيخ تاج الدين السبكي الأشعريّ في نونيته التي ألفها لجمع وجوهِ الخلافِ بين الأشاعرة والماتريدية: [الكامل] وكَذاكَ إيمانُ المقلّدِ وهْوَ مما ... (م) ... أنكرَ ابْنُ هَوَازِنَ الربَّاني ولَوَ انَّهُ مما يصحُّ فخُلفُهُمْ ... فيهِ للَفْظٍ عادَ دونَ معان وقال عقب ذكر هذين البيتين: "ذكروا أنّ شيخنا يقول: "إنّ إيمانَ المقلد لا يصح"، وأنكر ذلك الأستاذ أبو القاسم وقال: "إنّه مكذوبٌ عليه". انظر ابن السبكي، طبقات الشافعية، (3/ 385). = =وأمّا الأستاذ أبو منصور البغدادي فسلك في كتابه "أصول الدين" مسلكًا ءاخر في ردّ ظاهرِ ما نُسِبَ للأشعري، فذكر أنّ الأشعريّ إنما ينفي عن هذا المقلدِ كمالَ الإيمان، لا أصله. يقول البغدادي: "وليس المعتقِدُ للحقّ بالتقليدِ عنده مشركًا ولا كافرًا، وإن لم يسمّه على الإطلاق مؤمنًا". انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/668). فدلّ ذلك على أنّ القولَ بتكفير المقلد مطلقًا لم يثبت عن أبي الحسن رضي الله عنه، وعلى فرضِ صحتِه يُحملُ على ما ذكره الإمام البغداديّ رحمه الله. قال التفتازاني بعد أن ذكرَ ما وَجّه به أبو منصور كلامَ الأشعري: "وعند هذا يظهر أنّه لا خلافَ معه على التحقيق". انظر التفتازاني، شرح المقاصد في علم الكلام، (2/265).