اعلم أنّ مِن حُكم التماثل التساوي في جميع صفات النفس، وليس مِن حُكم المختلفيْن الاختلاف في جميع صفات النفس، فإنّ الاختلاف إنّما يتصوّر بين موجوديْن وقد اختلفا مع الاشتراك في الوجود.

فإن قيل: فقولوا إنّ السوادَ والبياضَ متماثلان في الصفات التي اشتركا فيها.

قلنا: قال القاضي: "لو أطلق مُطلقٌ لفظَ التشابه في بعض الصفات التي اشترك فيها الحادثان وقُيّد التشابهُ بها فقد أصاب في المعنى"، وما قاله غيرُ مستنكر لغة أيضًا والكلام في الحوادث فلا مناقشة في التعبير عنها، وإنّما الذي نمنعه أن يُطلقَ لفظ التشبيه بين القديم والحادث(55).

فإن قيل: يلزمكم أن تقولوا إنّ القديم يماثل الحادث في الوجود. قلنا: أمّا على نفي الحال فلا يلزم أصلًا لاختلاف القديم والحادث في الوجود. وأمّا على القول بالحال فقد منع القاضي إطلاقَه، فإنّ القائل إذا قال: الربّ سبحانه يماثل الحادثَ فقد وصف ذاتَه بالمماثلة، وإنّما شارك القديمُ الحادثَ في حُكمٍ واحدٍ فلا وجه لإطلاق التشبيه والتمثيل عمومًا ثم ردّه إلى الخصوص، بل الوجه أن يقالَ: حقيقة الوجود ثبتت على وجهٍ واحدٍ شاهدًا وغائبًا.

فإن قيل: ألستم تطلقون القول بأنّه سبحانه مخالفٌ لخلقه مع مشاركة الحوادث في الوجود. قلنا: قد بيّنّا أنّ المخالفةَ بين الخلافيْن لا تجري مجرى المماثلة، فإنّ المماثلة حقيقتُها التساوي في جميع صفات النفس بحيث يسدّ أحدُهما مَسدّ الآخر وينوب مَنابه، والمخالفةُ لا تقتضي الاختلافَ في جميع الصفات(56) فإنّه مهما استبدّ أحدهما بصفةِ نفسٍ عن الآخر فقد خالفه ولم يَسُدّ مَسَدّهُ.

فإن قيل: أفتجوِّزون إطلاقَ القولِ بأنّ الله سبحانه مخالفٌ لخلقه، وخِلافٌ لخلقه؟ قلنا: عندنا لا منع في إطلاقه.

وقال أبو الهُذيْل: "إنّه سبحانه خِلافُ خلقِه ولا يقال: إنّه مخالف لخلقه، لأنّ المخالف مخالف لمعنى"، وقد سبق الردّ عليه بما فيه مقنع.

فهذه جملة مقنعة في أحكام التماثل والاختلاف قد يسّر اللهُ تعالى تحريرَها بمنّه وفضله على أبلغ ما يكون في الإفادة مع الإيجاز والاختصار، والغرض الأعظم من ذلك نفي المشابهة بين القديم تعالى وبين الحوادث، لأنّه لا يجوز عليه ما جاز على الخلق ولا يجوز على الخلق ما وجب له سبحانه، فانتفى الاشتراك وصحّ التفرّد والاختصاص.

وقال الأستاذ أبو إسحاق: "إذا ثبت حقيقة المثليْن والمختلفيْن تحقّق نفي التشبيه في القديم سبحانه وفي صفاته".

بيانه أنّ أقل ما يقع به الاختلافُ بينه وبين المحدثات قِدَمُه، ونزيدُ عليه استحالةَ قبولِهِ للحوادث(57)، ونفي النهاية [عنه](58)، واستغناؤه عن المحلّ والحيّز وغير ذلك.

وقد أوضحنا أّنه لا يجب الاشتباهُ بالاشتراك في صفةٍ واحدةٍ ولا في صفاتٍ عِدّة وإنّما يجب ذلك بجميع الصفات، وكذلك يستحيل التماثلُ في الصفات لاختصاص كلّ صفةٍ عن غيرها بما تختصّ به كصحّةِ الفعل بالقدرة وتعذّره بالعِلم، ووجوب كونِ الشىء معلومًا بالعِلم واستحالته بالقدرة، وتختصّ كلّ صفة بما ترجع إليه مِن الاختصاص، والاختصاص والاستبداد يمنع(59) التماثل.

هذا مجموعُ كلام الأستاذ، وقد أشار إلى أنّ الصفاتِ القديمةَ في حُكم المختلفات وإن لم يطلق عليها لفظ الاختلاف.

فإن قال قائل: أفتقولون إنّها في حكم المتغايرات؟

قلنا: إن عَنَيْت بالتغاير التعدّدَ مع استحالة العدم على شىءٍ منها أو المفارقة بوجهٍ ما فقد لا نمنعه، غير أن مطلِقَه مُتحكّمٌ في إطلاقه؛ لعدمِ الإذن به مِن الشارع.

فإن قيل: إنّما يستقيم قطع المشابهة بين القديم والحوادث للقائلين بنفي الصفات ونفي الرؤية كالمعتزلة ومَن نحا نحوهم. قلنا: المعتزلة أثبتوا للقديم سبحانه أحكام الصفات، وكلُّ ما تؤدّي إليه الصفات تؤدّي إليه أحكامها.

ثم نقول: إنّما يلزم التشبيهُ في الصفات (ق43ب) لو شرطنا فيها البُنيةَ والتأليفَ والتركيبَ، ونحن نقدّس الإله سبحانه عن هذه الجملة، وقد أوضحنا المباينة بين صفات الإله سبحانه وبين صفاتِ المخلوقين بما يوقع الفرقان ويوضح البرهان. وقلنا: صفاتُ الإله سبحانه أزليّةٌ لا افتتاح لها ولا انقطاعَ، ولا نهاية لها في ذواتها؛ لقيامها بذاتٍ لا نهاية لها، وكذلك لا نهايةَ لمتعلّقات الصفات، فإنّ العِلم يتعلّق بما لا نهايةَ له مِن المعلومات، وكذلك القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، فاستبان الفصلُ بين صفات القديم سبحانه وبين صفات المحدَثين.

فأمّا الرؤية فإنها أيضًا لا توجب المشابهةَ على الوجه الذي بيّنتُها فإنّها لا تقتضي جهةً ولا مقابلةً ولا اتصالَ شعاع ولا تؤثّر في المرئيّ ولا تغيّرُه بوجهٍ مِن الوجوه، وجوازُ الرؤية على القديم والحادث لا يوجب مشابهةً بينهما(60)، فإنّا نرى المختلفاتِ ثم اجتماعُها في الرؤية لا يوجب مشابهة بينها كالجوهر والعرض والسواد والبياض ونحوِها.

وقد استدل أصحابُنا في نفي المثل والتشبيه عن الله سبحانه بقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (61) تقديرُه ولم يكن أحدٌ كفوًا له(62)، وبقوله عزّ وجل: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾(63) قيل في التفسير أي نظيرًا وكفيئًا(64)، وبقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ﴾(65) .

فإن قيل: إنّما نفى سبحانه الـمِثلَ عن مِثلِه لا عن نفسه في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ﴾(66) .

قلنا: هذا مِن ركيك الكلام، فإنّه لا مِثل إلّا وله مِثلٌ فرجع معنى الكلام إلى نفي الـمِثل، والعاقلُ إذا تفكّر وتدبّر معنى الكلام وفحواه استبان على القطع أنّ المفهومَ منه نفي الـمِثل والتشبيه على أبلغ ما يُفهم(67)، فإنّه سبحانه تمدّح بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ﴾ (68).

وأيضًا فإنّ العرب إذا أرادت التأكيدَ في المشابهة بين الشيئيْن جمعت بين حرفي التشبيه كما قال الشاعر(69): [السريع]

وصالياتٍ ككما يُؤَثْفَيْنَ(70) ه

يعني: كما يؤثفَيْن، كذلك الربّ تعالى جمع بين حرفي التشبيه ونفى عن نفسه تأكيدًا ومبالغة(71).

وقد قيل أيضًا: الكاف صِلةٌ، ويجوز أن يكون الـمِثل صِلة(72)، فكأنّه قال: ليس مِثلُه شىء وليس كهو شىء، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ﴾ (73) أي بما آمنتم(74). ويقال في الكلام: ليس هذا كلام مِثلك أي ليس هذا كلامُك.

ثم في قوله تعا لى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(75) دليل على جواز الجمع بين نفي المثل والتشبيه وبين إثبات الصفات.

وقد تمسّك أصحاب الظاهر بألفاظٍ مِن الكتاب والسُنَّة ظاهرها يُوهم التشبيه مثل قوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ﴾ (76) وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾(77)، وقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ﴾ (78).

ومن السُنّة قوله ﷺ: «إنّ الله خَلَقَ آدمَ على صُورَتِه»(79)،

ومنها: حديث القَدَم(80)،

وحديث الضحك(81) حتى تبدو النواجذ(82)، وحديث الإتيان والمجيء والهرولة(83)

والإصبعين(84) ونحو ذلك.

ونحن نعقد فصلًا مفردًا في الظواهر، ونرمز إلى مقاصدِها، ونوضح سبيلَ التأويل فيها إن شاء الله عزّ وجل، غير أنا نشير ههنا إلى بعض معانيها على الإيجاز(85).

فنقول: إنّه سبحانه لـمّا عاب الأصنامَ لـمّا لم يكن لها أرجلٌ ماشيةٌ، ولا أيدي باطشةٌ، وعاب عبدتَها في عبادة ما هذا وصفُه، كذلك عابها إذ لم تملِك لنفسها نفعًا ولا ضرًّا، وعاب عبدتَها حيث جعلوا لله تعالى البنات ولأنفسهم ما يشتهون مِن البنين، فقال: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾(86)، وقال تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا ۚ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ (87)، فيجب على هذه القضيّة أنْ يكونَ القديمُ سبحانه يملك لنفسه ضرًّا ونفعًا، وأن يكون له تعالى البنون دون البنات.

فإن قالوا: لا(88). قلنا: فإذا لم يبعُد أنْ يَذُمّ الأصنامَ ويعيبَها لم يبعُد (ق44أ) أنْ يمدحَ العباد بما يستحيلُ ثبوتُه له سبحانه وهو إضافة البنين إليهم على حكمهم، كذلك لا يبعد أن يذمّ الأصنامَ ويعيبَها بما يتقدّس نعتُه سبحانه عنه.

ثم نقول: إنّما عاب المشركين باتخاذهم معبودًا لا يملك النفعَ والضُرّ لنفسِه، وهم يملكون ذلك لأنفسِهم على وجهٍ ما، وليس لها قدرةُ الأخذ والبطش والمشي، وهم يملكون ذلك لأنفسِهم، وهذا كما عاب الأصنام فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ﴾ (89) كأنّه سبحانه عابهم في عبادة ما هو عاجزٌ ناقصٌ وأنّهم أفضل منها مِن جميع الوجوه، وقد قال أيضًا في صفتها: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ (90)، ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ﴾ (91).

ثم نقول: قد كانت للأصنام جوارح من اليد والرجل غيرَ أنّها لم تكن موصوفةً بالقدرة والقوّة والسمع والبصر فهذا وجهُ الذمّ، والربّ تعالى له الـمَثَلُ الأعلى مِن نعوت الجلال وأوصافِ الكمال مع التقدّس عن الجوارح والآلات وسِمات النقص.

ثم العجبُ عمن يُضْرِبُ(92) عن نصوص القرءان المصرِّحة بنفي الـمِثل والتشبيه عن الله تعالى، ثم يُثبت له سبحانه الجوارح بمفهوم الكلام(93) الذي تردّد العلماء في كونِه حجّة أمْ لا!!.

وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ (94) معناه يوم تقوم القيامةُ ويُكشف عن شدّتها وأهوالها، يُقال: قامت الحربُ على ساقها أي على شدّتها(95). قال الله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ (96) أي الشدّةُ بالشدّة وذلك الخروجُ من الدنيا والإقبالُ على أمور الآخرة هذا قول أئمّة التفسير(97).

وقالوا أيضًا في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ﴾(98) معناه هادي أهلَها، وقيل: معناه منوّر السمـٰوات والأرض ومنه نورهما(99).

وقوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ (100) أي بنورٍ مِن ربها(101)، ولا يستجيز ذو دين أن يقول: إنّ أشعّةَ السماء وضوءَ الهواء هو الله تعالى، فلا بُدّ من تأويله، والذي يحقّق ذلك أنّ الآية إنما وردت في معرض الـمَثَل؛ والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ (102)، وقيل: بآثار عَدْل ربها(103)، والعرب تسمّي مَن مِنه الشىء باسم ذلك الشىء، قال تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ (104) أي المطر مُتتابعًا(105).

وقوله تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ (106) أي على ما قَصّرتُ في أمر الله تعالى كذا قاله المفسّرون، وفيما يوصلني إلى قربه ورضاه(107).

والإتيان(108) متروك الظاهر بإجماع أهل الـمِلل.

وأمّا حديث القَدَم فلا يجوزُ الأخذ بظاهره إجماعًا فإنّه تعالى قال لإبليس: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (109)، وقال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (110) فهذا نصٌّ صريحٌ على أنّ الله تعالى إنّما يملأ جهنّم بكفرة الإنس والجنّ، وأنّها إنْ استزادت فإنما تستزيدُ مِن أعداء الله تعالى تَغيّظًا عليهم، فكيف يجوزُ حَمْلُ القَدَم على صفة للإلـٰه سبحانه؟؟ لكن المراد بالقَدَم مَن قَدّمَه اللهُ تعالى إلى النار وخَلَقه لها في سابق حُكْمِه كذا قاله الخليلُ(111)/(112) وأئمّة اللغة(113) وعلماء الدين(114)، نظيره قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ﴾(115) الآية.

ويجوز حمل الجبّار على الرجل الكافر العاتي(116)، كما قال عزّ وجل: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾(117) فيضع هذا الكافرُ قدَمَه في النار، فتقول النارُ: "حسبي". والدليل على صحّة هذا التأويل قولُه تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (118) وفي الحديث: «بُصْرُ جلدِ الكافر في النار أربعون ذراعًا - يعني غِلَظ جِلده - وَلَسِنٌّ مِن أسنانه مثل جبل أحد»(119)، فلا يبعد أنْ تمتلئ جهنم بأمثال هذه الجبابرة.

وأمّا حديث الصورة فقد قال الإمام محمّد بن إسحاق بن خزيمة(120)/(121)في كتابه المسمّى بـ "التوحيد"(122): "الذي صَحّ مِن حديث (ق44ب) الصورة أنّ النبيّ ﷺ قال: «لا يقولن أحدٌ لغلامه أو مملوكه قبّح الله وجهك وَوَجْهَ مَن يُشبهك فإنّ الله خلق آدمَ على صورته»(123)، أي على صورة المدعوّ عليه بالتقبيح. قال: "وكيف يستجيزُ المتديّن أن يعتقدَ أنّ الله تعالى على صورة آدم؟ وقد صحّ في الخبر أنّ طول آدم(124) ستون ذراعًا(125)، ويتعالى الإلـٰهُ مِن أن يكون طويلًا مذروعًا" أو كما قال هذا كلامه(126).

وقد قيل في تأويل الخبر: إنّ الكنايةَ راجعةٌ إلى آدم أي ابتداء خلْقه حين خلقه على صورته التي خلقه عليها، إذ لم يكن له أصلٌ مِن أب أو جَدٍّ حتى ينزع إليه، بل خلقه ابتدأً على الصورة التي هو عليها.(127)

وقيل: الصورة بمعنى الصفة أي خلقَه على صفته سبحانه حيًّا قادرًا عالـمـًا سميعًا بصيرًا متكلّمًا(128)، يُقال: "أرى صورة هذا الأمر" أي صفته(129).

والتأويل هو ما أشار إليه محمّد بن إسحاق.

والمراد بالضحك إظهار الفضل والرحمة(130)، يقال: "ضحكَت الأرضُ بالنبات" إذا أخرجت زينتها ونباتها(131).

وسنتكلم في المجيء والنزول والإصبعين بعد هذا إن شاء الله تعالى.

فصل

قال الإمام: "فإنْ قال قائل:ٌ قد ذكرتم أنّه لا يمتنع اشتراكُ القديم والحادث في بعض صفات الإثبات، فَفَصّلوا ما تختصّ الحوادثُ به من الصفات وما يستحيل من ذلك في حُكم الإلـٰه سبحانه وحقِّه. قلنا: نذكر أوّلًا ما تختصُّ الجواهر به ويتقدّس الإلـٰه سبحانه عنه، فمن ذلك الحجميّة والتحيّزُ"(132) الفصل إلى آخره.

اعلم أنّ للجواهر صفاتٌ تختصّ بها قد أوْمأنا إليها في صدر هذا الكتاب منها التحيّزُ، ومنها قَبول الأعراض، ومنها قَبول التأليف والتجسم، وهي صفات تختصّ الجواهرُ بها ويتعالى الإلـٰه سبحانه عن ذلك.

أمّا المسئلة الأولى: فاعلم أنّ مذهبَ أهل الحقّ أنّ القديم سبحانه متعالٍ عن التحيّز والاختصاص بالأماكن والجهات.

وخالفنا في ذلك الكرّاميّةُ وبعضُ أهل الظاهر فصار بعضهم إلى أنّ القديم سبحانه مماسٌّ للصفيحة العُليا من العرش. ومن هؤلاء مَن جوّز عليه التحوّلَ والانتقال. وصار بعضهم إلى أنّه سبحانه على جزءٍ من أجزاء العرش. ومنهم مَن قال: قد امتلأ العرش به.

وصار المتأخرِّون إلى أنّه تعالى في جهة فوق، أو قالوا: إنّه بجهة فوق ومحاذي للعرش(133).

ثم اختلفوا فقال العابديّة(134) منهم: إنّ بينه وبين العرش مِن البعد والمسافة ما لو قُدِّر مشغولًا بالجواهر لاتصلت به.

وأنكر المتحذِّقون هذا القول وقالوا: إنّه بجهة فوق، وبينه وبين العرش مِن البعد والمسافة ما لا يتناهى، وقالوا: إنه مباينٌ عن العالم ببينونة أزليّة، وأثبتوا له تحتًا على التقدير دون سائر الجهات(135).

ونقل عن أوائل المعتزلة أنّهم قالوا: إنه بكلّ مكان مِن حيث إطلاق الشرع، ثم فسّروه بالعلم والتدبير والقدرة دون التمكّن والتحيّز(136)، ويُعزى هذا المذهب إلى النجّار وغيره(137).

وصار جماعةٌ من الهياصمة(138) إلى أنّه بجهة فوق بحيث لو رُئي لرُئي بتلك الجهة، ولم يُجوّزوا التحيّز والمحاذاة وأطلقوا لفظ المباينة(139).

وأجمع أصحابُنا على نفي التحيّز والتمكّن في الجهات على الإلـٰه سبحانه، إلّا أنّ متقدّمي أصحابنا أطلقوا ألفاظًا مِن جهة الخبر والسمع فقالوا: "إنّه سبحانه فوقَ العالم وفوقَ كلّ شىء" مع اعتقادهم نفي التحيّز والتمكّن وهذا قولُ عبد الله بن سعيد وغيره(140)، وكان يرُدّ على القائلين بالجهة والتحيّز إلّا أنّه أطلق ذلك شرعًا.

وقال أبو العباس (ق45أ) القلانسيّ: "إنّه سبحانه بمكانٍ دون مكانٍ" وقصد بهذا الردّ على القائلين مِن المعتزلة بأنّه بكلّ مكان، وقال: كلُّ ما أطلقه الشرعُ فواجب إطلاقه وصرّح بنفي التحيّز والتمكّن(141).

وقال شيخنا أبو الحسن: "إنّه سبحانه فوقَ العرش وفوقَ خلقِه فوقيّة الرُتبة لا فوقيّة المكان والجهة"(142).

هذا جملة المذاهب.

ثم لأصحابنا مسالك في نفي المكان والجهة عن القديم سبحانه ونحن نذكر بعون الله تعالى طريقةً جامعةً لمتفرِّقات كلامهم.

فنقول: كلّ كائنٍ أو مختصّ بجهةٍ فإنّه يأخذ مِن المكان بمقدار نفسه ويأخذ المكان منه بمقداره، فلو كان القديمُ سبحانه بجهةٍ أو مكان فلا يخلو المكان الذي يشغله إمّا أنْ يكون في حكم الحيّز الواحد وفي قدْرِه فيكون مُقَدَّرًا بأصغر المقدَّرات وهو الجزء الذي لا يتجزّأ، أو يكون أكبر منه.

فإن كان مُقَدَّرًا بالجزء كان جوهرًا، ولا يليق بالعاقل أن يعتقدَ في خالق السموات والأرض أنْ يكون أصغرَ الأشياء. وإن كان أكبر منه لم يكن مقدارٌ يتقدّر به أولى مِن مقدارٍ فوقه، وإذا تعارضت المقادير سقطت، واقتضى اختصاصُه بما اختصّ به مِن القُطر مُخَصِّصًا، ثم في ذلك إثبات النقيصة ونفي الوَحدة. ه.

طريقة أخرى وهي أن يقال: لو كان القديمُ سبحانه كائنًا في مكانٍ فلا يخلو إمّا أنْ يكون مختصًّا به بكونٍ خَصّصَهُ به أو لا يكون، فإنْ زعم الخصمُ أنه مختصٌّ به لذاته كان قادحًا في إثبات الأكوان.

وإن قالوا: الفرقُ بين القديم والمحدثات مِن الجواهر في الاختصاص بالمكان والجهة أنّ الجوهرَ افتقر إلى الكَوْن مِن حيث كان اختصاصُه بما اختصّ به جائزًا، واختصاص القديم سبحانه بجهتِه واجبٌ فيستغني عن المخصّص مِن الكون أو غيره.

قلنا: الحكم إذا ثبت كونُه معلّلًا شاهدًا لزم تعليلُه غائبًا(143) ووجب اطّراد العِلّة وانعكاسها، ولا يمنع طردَها افتراقُ (سؤال أستاذ أحمد بالتشكيل) الحكمين في الوجوب والجواز. والدليل عليه أنّه لـما ثبت كون العالِـم مِنّا عالِـمٌ بعِلْمٍ، لزم القضاءُ بذلك في كون القديم سبحانه عالِـمًا. ومخالفونا في الجهات لا يُخالفونا في إثبات الصفات لله تعالى، فلئن لم يجب انتفاء الصفات لوجوب أحكامِها للقديم تعالى فكذلك القول في الاختصاص بالجهة.

ولو قال الدهريّ: "اختصاص الفلك بالجزء الذي اختصّ به على حكم الوجوب" فكيف نكالمهم؟ ولا معنى للإطناب في هذا القسم.

فمن مذهب الكرّاميّة: أنّ البارئ تعالى مختصٌّ بجهةِ فوق بكونٍ. وهو ما حكينا عنهم من البينونة الأزليّة.

فنقول: الكونُ الذي أثبتّموه إمّا أن يكون قديمًا أو حادثًا(144)، فإن كان حادثًا لزم منه الحكم بحدوث ما قام به، فإنّ القابل للكون الحادث لا ينفكُّ عن شىءٍ من جنسه ثم لا يسبقه، ولو قدّرنا جوهرًا مستقرًّا في مكانٍ فإنما يُتصوّر استقرارُه بتوالي الأكوان الحادثة المتماثلة عليه، ثم الكون إنّما يختصّ بمحلّه ويختصّ محلُّه به بإرادة الفاعل وتخصيصه إيّاه به، وكلّ ذلك دالّ على الحدوث. وهذا بيان ما أشرنا إليه في الطريقة الأولى مِن أنّ الافتقارَ إلى المخصّص دليل الحدوث.

وإنْ كان الكون قديمًا فليس اختصاصُه ببعض الأماكن والجهات أولى مِن بعضٍ لقِدَمِه، كما أن علمَه سبحانه لـمّا كان قديمًا استحال اختصاصُه ببعض المعلومات دون بعضٍ لقِدَمِه، وذلك يُوجب كونَه في سائر الأماكن وذلك محالٌ.

وأيضًا فلو جاز أن يكون كائنًا في جهة فوق بكونٍ قديم، جاز في الجوهر أن يكون كائنًا في جهة تحت بكونٍ قديم، وساغ للدهريّ أن يقول: إنّ الأفلاكَ قارّةٌ في أحيازها بأكوانٍ قديمة.(مراجعة المخطوط يوجد هامش)

وليت شعري لو تمسّكوا بهذا في قِدَمِ العالَـم وقالوا: إنّ الأرض والأفلاك قارّة في أماكنها إمّا لذواتها وإما لأكوانٍ قديمةٍ، فلا يُعْقَلُ انتقالها وزوالها صعودًا أو هبوطًا ولا تيامُنًا أو تياسُرًا (ق45ب) فبماذا يُرد عليهم؟

فإن قالوا: إضافةُ الجوهر إلى جهة كإضافته إلى جهة أخرى في حكم الجواز، وإضافةُ هذا القطر إلى هذا الجرم كإضافة قطر آخر إليه. قلنا: فليلزمكم طردَ هذه الدلالة في كلّ مختصٍّ بجهة، ومنشأ النظرُ في الديانات معرفةُ الواجب والجائز والمستحيل، ومَن لا يميّز بين الجائزِ والواجبِ والمستحيلِ فلا يتأتّى منه النظر.

فإن قالوا: الدهريّة يسلّمون لنا تجويز نقل أجزاء من الأرض من مكان إلى مكان ومن جهة إلى جهة، وإذا سلّموا ذلك في الأبعاض يلزمُهم تجويزه في الجملة.

قلنا: الدهريّة اعتقدوا أنّ العالَـم ملاء(145) وليس فيه شىء من الخلاء(146)، بل جملته مملوؤة بالأجرام مستقرّة في أماكنها وأقطارها على الوجوب، قالوا: فعالَـم العناصر محفوفٌ بالأفلاك وليس بين منقطعاتها وحدودِها خلاء حتى يُقَدّر تحرّكها وزوالها عن أقطارها وكذلك العالَـم العلويّ فليس فيه خلاءٌ، هذه دعواهم ومعتقدهم.

وكلّ دليل يُقام على إبطال دعواهم فهو مُطّردٌ في كلّ جهة، ولا ينفع في ذلك دعوى الوجوب. وليس يدّعي الدهريّ في أجزاء الأرض أنّها مستقرّة في أماكنها على الوجوب حتّى تُنقض دعواهم بجوازِ نقل بعض أجزائها مِن مكان إلى مكان، وإنما يدّعي ذلك في الجملة لعدمِ الخلاء واستحالتِها على زعمهم.

وإذا قال مُثبتوا الجهة للدهريّة: كما لم يمتنع تحريكُ أجزاء العالَـم عن مكانِه إلى مكانٍ آخر لم يمتنع ذلك في جملتها لاستوائها في الصفات وتماثل الأجزاء. فيقول الدهريّ: إن صحّ هذا التقدير في العالَـم، صحّ ذلك في كلّ ذي جهة؛ لأنّ المصحِّحَ لذلك شىء واحدٌ.

ثم الدهريّ يزعم أنّ أقدارَ أجرام الكواكب والأفلاك حصلت على حكم الوجوب فلا يُتصوّر تقدير الزيادة فيها ولا النقصان، ويقول: إنّ كلّ كوكبٍ يختصّ بفلكه واجبًا فبماذا يجيب الكرّاميّ عنه؟

ونقول للدهريّ والجسميّ: إنّما تستقيم دعوى الوجوب في الاختصاص ببعضِ الجهات دون بعض، لو صحّ في حكم العقل تعيّينُ بعض الجهات وتخصيصُها بهذا الحكم عن بعضٍ، ولـمّا وجدنا جملةَ الجهات متساويةً في هذه القضيّة، ولا يتعيّن بعضُها باختصاص هذا الجوهر أو هذا الشاغل به، بطلت دعوى الوجوب.

فإنْ قالوا: يتعيّن له جهة فوق. قلنا: هذا هوس، فما مِن جهة إلّا وهي جهةُ فوق بالإضافة إلى ما تحتها، وهذا قاطعٌ لمن تأمّله وأنصف، والسرّ فيه: أنّه لا حقيقةَ للحيّز والجهة في أنفسِها وإنّما تعلم حقيقتُها بالإضافة إلى المختصّ بها، وهذا كالعِلم القديم فإنّه صالحٌ لكلّ معلومٍ، فكلّ معلوم يصحّ أن يكون معلومًا به. فلو قيل: يجب اختصاصُ العِلم ببعض المعلومات دونَ بعض وجوبًا كان محالًا؛ لاستحالة تميّز هذا المعلوم عن غيره بخاصيّةٍ تقتضي الوجوب.

وقال الأستاذ أبو إسحاق: الكونُ في الجهة يماثل الحركةَ إليها، فإنّ الحركة إليها كونٌ فيها بمثابة السكون فيها، وقد أوضحنا أنّ الحركة سكونٌ من وجه عند التحقيق وهي مماثلة للسكنات المتعاقبة، فإذا وضح مماثلةُ السكون للحركة ثم الحركة إلى الجهة حادثة؛ فليكن مماثلُها مثيلها.

وقد تمسّك الشيخ الإمام بطريقة متينة حاويةٍ لمسالك الأصحاب فقال: المختصُّ بالجهات يجوز عليه المحاذيات (هكذا كتبت في خ وكتبت في ط: المحاذاة) مع الأجسام، وكلّ ما حاذى الأجسامَ لم يخلُ: من أن يكون مساويًا لأقدارها، أو لأقدار بعضها، أو يحاذيها منه بعضُه، وكلّ أصل قادَ إلى تقدير الإلـٰه سبحانه وتبعيضِه فهو كفرٌ(147).

وهذه الطريقة مندرجةٌ تحت الطريقة (ق46أ) التي قدّمناها.

فإن قالوا: إنّما يلزم التقديرُ والتبعيض فيما له حيث والقديمُ لا حيث له، ومِن الهياصمة مَن لا يسلّم المحاذاة ظنًّا منهم أنّهم يتخلّصون بذلك من التقدير.

وهذا لعَمري طمعٌ في غير مطمع؛ فإنّهم صرّحوا بأنّه تعالى في جهةِ فوق على التعيين، واعترفوا بأنّ سائر الجهات سوى هذه الجهة خالية عنه، وزعموا أنّه إذا رُئي [رُئِي](148) بجهةِ فوق، مع أنّ الرؤية عندهم تستدعي مقابلة المرئي للرائي، ومنهم من يقول: الواحد مِنّا لا يرى شيئًا ما لم يتّصل منه شعاعٌ بالمرئيّ، وقالوا بأجمعهم: يستحيل تقديرُ موجود قائمٍ بالنفس بالجهة التي اختصّت ذاتُ القديم سبحانه بها وشَغَلَها بذاته، ثم قالوا بأجمعهم: إنّه يقصد إلى ذاته بإحداث الحوادث فيه(149).

وإذا كان هذا قولهم ومعتقدُهم فدعواهم بعد ذلك أنّه لا حيث له أو أنّه لا يحاذي العرش دعوى باطلة.

والعجب أنّهم أثبتوا له سبحانه جهةَ تحتٍ، ومَن لم يعترف لهذا الإطلاق جدلًا، لسلّم (كذا في خ، وكتبت في ط: يسلم) أنّ له سبحانه منقطَعًا مِن هذه الجهة، إن أنِفَ من إطلاق لفظ تحت وكَرِهَ ذلك، ومَن كان له منقطَعٌ من جهة فله حيث لا محالة. ولقد قالوا: المقابلة شرطٌ في الرؤية وأنه سبحانه يُرى بالأبصار، فكيف يستقيم ممن هذا قولُه نفي المحاذاة بينه سبحانه وبين العالَـم؟

فإن قالوا: إنّه سبحانه ليس بذي حجمٍ ولا حيّزٍ ولا حيثٍ، وإنّه لا يحاذي الأجسامَ ولا يشغل قُطرًا، وإنّ معنى قولنا: "إنّه مباين عن العالـم": أنّه ليس بين الطبقتين.

قلنا: فأنتم(150) إذًا مساعدون منّا في هذه المعاني ونفي التشاجر في الإطلاقات، غيرَ أنّ القولَ بأنّه قائم بنفسه ومختصٌّ بجهةٍ مع استحالة تجويز قائم بنفسِ غيرِهِ بتلك الجهة، ومع القول بأنه يُرى في هذه الجهة أعني جهة فوق مع اشتراط المقابلة في الرؤية، يناقضُ القول بأنّه غيرُ متحيّزٍ وغيرُ شاغل لقطر ولا محاذٍ لشىء، وهل هذا إلّا سفسطة؟؟

فإن قالوا: اللونُ والكونُ والصوتُ مِن الأعراض المختصّة بالجهات، ولا حيث لها، فإن لم يمتنع ذلك لم يمتنع مثلُه في القديم.

قلنا: هذه الأعراض لا جهات لها بدليل أنّه لا يمتنع ثبوتُها في محلٍّ واحدٍ، ولا يمتنع عندكم وعند المعتزلة اجتماعُ أعراض متماثلة ومختلفة في محلّ واحد، ولو كانت هذه الأعراض شاغلةً للجهات لمنعت أعراضًا أُخر أن تكونَ بحيث هي. وإنّما يُفهم من الاختصاص بالجهة شَغْلُ الجهة، وهو أن يمنع مثلَه أن يكون بحيث هو، وهذا لعَمري من خصائصِ الأجرام ذوات الحجم، والأعراضُ تخالفُها في هذه القضيّة؛ إذ لا حجم لها. وهم يسلّمون لنا أنّ وجودَ الإلـٰه سبحانه في جهتِه مانعٌ مثلَهُ أن يكون بحيث هو.

فمن أطلقَ القولَ بأنّ اللون والكون في جهة، فالـمَعْنِىُّ به: أنّ لمحالِّـها جهات؛ فإنّ الكون مما يخصِّص الجوهرَ بمكان أو تقدير مكان، والكون هيئةُ جِرم وحجم، وكذلك الصوت ونحوُه يقتضي محلًّا ذا حجمٍ ومساحة. ونحن إذا نفينا عن القديم سبحانه الاختصاصَ بالجهة فالمقصد منه نفي الجثّة والحجميّة والحدود والنهايات عنه، وإذا وافق الخصمُ في هذه المعاني فيعود النزاع إلى التسمية.

فإنْ قالوا: إنْ سلّمنا لكم المحاذاة فنمنع التقدير والتبعيض، وما ذكرتم مِن التقسيم في الطريقة الأولى والثانية فإنّما يتصوّر في الأجسام الصغار التي لها نهاياتٌ وأقطارٌ، فهي إذا ماست جسمًا أو قابلتة فتتقدّر لا محالة بمقداره كما ذكرتم، فأمّا الربّ سبحانه فإنّه عظيم لايقبل التقدير. قلنا: قد أوضحنا أنّ الاختصاص بالجهات والانحصار فيها والانقطاع عليها يتضمّن تحديدًا وتقديرًا؛ يحقّق ما قلناه: أنّ ما جاز عليه المحاذاة والمماسّة جاز عليه الاختصاصُ بالجهة، وكلّ مختصّ بجهةٍ فهو منقطع عليها لا محالةَ، وإنّما يحاذي ما يحاذيه من الأجسام بحدّه ومنقطعه وما به يقع التحاذي به تقع المماسّة. والذي يوضح ذلك: أنّ ما يلاقي متقدّرًا مِن جهة، فجهة ملاقاته إيّاه منقطعة (ق46ب) فقد انتهى في جهة الملاقاة، فهو في حكم المجاور لجهتِه المماسّ لها، وهذا ما لا خفاءَ به.

ونزيد هذا الفصل تقريرًا فنقول: ليس بعضُ الجهات بتقدير المحاذاة فيها أولى مِن بعض، فلئن جاز اعتقاد المحاذاة في جهةِ تحتٍ مع المصير إلى نفي التقدير، جاز تقديرُ المحاذاة يَـمْنةً ويَسرةً ووراءً وقُدّامًا وفوقًا.

ثم نُعَبّر عن هذه النُكتة بعباراتٍ فنقول: المتمكّنُ في المكان أو المختصُّ بجهة لا يكون متمكّنًا إلّا والمكانُ تحته، وكلّ ما جاز أن يكون له تحتٌ جاز أن يكون له سائر الجهات، والمانعُ من الجميع أمرٌ واحدٌ: وهو لزوم المخَصِّص والـمُقَدِّر. فإن استحال عليه الجهات الخمس لهذا المانع استحال عليه جهةُ تحت لذلك، فنقول: مَن صحّت له جهةٌ واحدةٌ وجبت له سائرُ الجهات كالجوهرِ، وما استحال عليه جهات استحال عليه جهة كالأعراض.

فإن قالوا: العرض لا يقوم بنفسه، والقديمُ سبحانه قائمٌ بنفسه فيجب انفراده. قلنا: لو كان قيامُه بنفسه وانفرادُه يصحّح جهةٍ لصَحّح الجهاتِ الأخر كسائر القائماتِ بأنفسها.

فإن قالوا: الجوهرُ صغير والربّ عظيم. قلنا: فيجب أن يكون في كلّ مكان لِعِظمه، وإذا أثبتّم له جهةً ومنقطعًا فعاد صغيرًا، وسنعقد فصلًا في معنى العظيم.

فثبت بهذه الجملة أنّ ما انقطع من جهة يجب انقطاعُه من سائر الجهات، ولقد ذكرنا في الزمان: أنّ ما ابتدأ عن أوّلٍ ينتهي لا محالة إلى آخرٍ؛ فإنّ الإنتهاء مشعرٌ بالنهاية كذلك القول في المكان.

أما الكلام على العابديّة القائلين بأنّ البارئ سبحانه محاذي (في ط: محاذ) للعرش وبينه وبين العرش مسافة متناهية، فيُقال لهم: لو خلق الله تعالى جسمًا في جهةٍ مِن جهات العرش إمّا فوقٌ أو تحت بحيث يكون بينهما مِن المسافة ما زعموا بين القديمِ وبين العرش فبم تعرفون حدوثَ ذلك الجسم؟ فكلّ ما يدلّ على حدوث ذلك الجسم فهو دليلٌ على حدوث ما يُشاكله. ومن قال: إنه سبحانه على العرش، فكلّ ما يدلّ على حدوث العرش فهو دليلٌ على حدوثه، تعالى عن ذلك.

والذين قالوا: إنّ بين العرش وبينه سبحانه بُعدٌ لا يتناهى فذلك خلافُ المعقول، فإنّه إذا كان القديمُ تعالى مختصًّا بجهةٍ على التعيين فكان العرش يحاذيه مِن جهته، فكيف يُعقلُ بينهما بُعْدٌ لا يتناهى؟ وقد أثبتوا لهذه المسافة حديْن ومنقطعيْن أعلى وأسفل، ثم يلزمهم تجويزُ أنْ يخلق الله في جهةٍ مِن جهات العالـم جسمًا بحيث يكون بينه وبين العالَـم بُعْدٌ لا يتناهى، فإنْ منعوا ذلك فيلزمُهم القولُ بتعجيز القديم تعالى.

قلت: وهذا الذي ألزَمْنا القائلين بإثبات بُعْدٍ بين القديم تعالى وبين العرش بلا نهاية يضاهي سؤال الدهريّة حيث قالوا: بين وجودِ القديم وبين مُفتتح العالَـم مدّةٌ متناهية أو غير متناهية؟ وهذا السؤال لازم للكرّاميّة ولا مَحيص لهم إلّا الاعتراف بنفي الجهةِ عن القديم، ولا يلزمُ أهلَ الحقّ؛ إذ لا نهاية لوجود القديم ،كما لا مُنقطعَ لذاته، وكما لا مكانَ يقدّره فلا زمان يجريه (في ط: يُجزئه) ويصوّره.

ثم يلزمهم أن يصفوا الربّ سبحانه بالاقتدار على خلْق أجسامٍ بعضها فوق بعض، إلى أن تنتهي إليه؛ فإنّ القدرةَ على الشىء قدرة على مثله، ثم إنّ أصلَ معظمِهم أنّ الرائي إنّما يَرى الشىء إن اتصل منه أشعة بالمرئي، وما لا يتناهى كيف تقطعه الأشعة؟ه


(55) ) انظر الجويني، الشامل، (ص/329).

(56) ) في (ب) زيادة: "النفس".

(57) ) في (ب): "للحادث".

(58) ) هكذا في الغنية. الأنصاري، الغنية، (1/364). ووقع في (أ) و(ب): "عنها".

(59) ) في (ب): "منع".

(60) ) في (ب): "بينها".

(61) ) [سورة الإخلاص: ٤].

(62) ) انظر الماوردي، النكت والعيون، (6/372). والقشيري، لطائف الإشارات، (3/783).

(63) ) [سورة مريم: ٦٥].

(64) ) انظر القرطبي، تفسير القرطبي، (11/130). والسمين الحلبي، عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، (2/226).

(65) ) [سورة الشورى: ١١].

(66) ) [سورة الشورى: ١١].

(67) ) انظر الماتريدي، تأويلات أهل السنة، (9/109). والرازي، التفسير الكبير، (27/582).

(68) ) [سورة الشورى: ١١].

(69) ) وهو خطام المجاشعي. انظر سيبويه، الكتاب، (1/32). ونَسَبهُ الصقليُّ شارح أبيات الإيضاح للفارسي، والجوهريُّ في الصحاح إلى هِمْيَان بن قُحَافَة. انظر نجم الدين الإستراباذي، شرح شافية ابن الحاجب، (4/61).

(70) ) يصف الشاعرُ الدار التي قد خلت من أهلها وبقيت فيه آثارُهم، ومن تلك الآثار الأثافي السوداء، لأنها صليت بالنار حتى اسودّت، والأثافي حجارة القِدْر، وأجرى الكاف الجارة مجرى "مثل"، فأدخل عليها كافًا ثانية، فكأنه قال: "كمثل ما يُؤَثْفَيْن". و"يُؤَثْفَيْن" الأصل أن يأتي على يُثْفَيْن من أَثْفَيْنَ يُثْفِينَ، فلما اضطره بناء الشعر رده إلى الأصل، لأنك إذا قلت أَفْعَلَ يُفْعِل فالأصل فيه يُؤَفْعِل، فحذفت الهمزة لثقلها. انظر البطليوسي، الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، (3/335). والزبيدي، تاج العروس، مادة (ث ف و) (37/280). ويُؤَثْفَيْن الأصل أن يأتي على يُثْفَيْن من أَثْفَيْنَ يُثْفِينَ، فلما اضطره بناء الشعر رده إلى الأصل، لأنك إذا قلت أَفْعَلَ يُفْعِل فالأصل فيه يُؤَفْعِل فحذفت الهمزة لثقلها. انظر الكتاب، لسيبويه (4/279)، والمقتضب، للمبرد (4/140)، والصحاح، للجوهري (6/2293)، وتاج العروس، للزبيدي (37/280) مادة (ث ف و).

(71) ) قال البيهقي: "فلما أراد اللهُ سبحانه أن ينفي التشبيه على آكد ما يكون من النفي جمع في قراءتنا بين حرف التشبيه، واسم التشبيه حتى يكون النفيُ مؤكدًا على المبالغة". البيهقي، الأسماء والصفات، (2/34).

(72) ) انظر القشيري، لطائف الإشارات، (3/345). والبغوي، معالم التنزيل في تفسير القرآن، (4/140).

(73) ) [سورة البقرة: ١٣٧].

(74) ) انظر الطبري، جامع البيان، (3/114). والسمرقندي، بحر العلوم، (1/97).

(75) ) [سورة الشورى: ١١].

(76) ) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ (١٩٥)﴾ [سورة الأعراف: ١٩٤ – ١٩٥].

(77) ) [سورة القلم: ٤٢ ].

(78) ) [سورة النور: ٣٥].

(79) ) روى البخاريّ في صحيحه حديث (6227):كتاب الاستئذان: باب بَدء السلام: مِن حديث أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: «خَلَقَ اللهُ آدمَ على صورتِه طُولُه سِتون ذِراعًا فلمّا خَلقَه قال: اذهبْ فَسَلِّم على أولئك النَفَر مِن الملائكة جلوسٌ فاستَمِع ما يُحيّونَكَ فإنّها تحيّتُك وتحيّةُ ذُرّيَّتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادُوهُ: ورَحمةُ اللهِ، فكُلُّ مَن يَدخُل الجنّة على صورةِ آدم، فلم يَزَل الخَلْقُ يَنقُص بعد حتى الآن». قال أبو سليمان الخطابي في "أعلام الحديث": "قوله: «خَلَقَ اللهُ آدمَ على صورتِه» الهاء: وقعت كناية بين اسمين ظاهرين، فلم يصلح أن تصرف إلى الله عز وجل؛ لقيام لدليل على أنّه ليس بذي صورة سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ﴾ فكان مرجعها إلى آدم، والمعنى أنّ ذرية آدم إنما خلقوا أطوارًا، كانوا في مبدأ الخلقة نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم صاروا صورًا أجنة إلى أن تتم مدة الحمل، فيولدون أطفالًا وينشئون صغارًا إلى أن يكبروا، فيتم طول أجسامهم. يقول: إن آدم لم يكن خلقُه على هذه الصفة، لكنه أول ما تناولته الخلقة وُجِدَ خلقًا تامًا طولُه ستون ذراعًا". الخطابي، أعلام الحديث، (3/2228). وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "واختلف إلى ماذا يعود الضمير -في قوله: "صورته"- فقيل إلى آدم أي خَلقَهُ على صورتِه التي استمر عليها إلى أن أُهْبِطَ وإلى أن مات؛ دفعًا لتوهم من يظن أنّه لـمّا كان في الجنة كان على صفة أخرى، أو ابتدأ خَلْقَهُ كما وُجِدَ لم ينتقل في النشأةِ كما ينتقل ولدُه من حالةٍ إلى حالة". العسقلاني، فتح الباري، (11/3). وقال القسطلاني في "إرشاد الساري": "والضمير لآدم أي أنّ الله أوجدَهُ على الهيئة التي خلقه اللهُ عليها، لم ينتقل في النساء أحوالاً، ولا تردد في الأرحام أطوارًا، بل خلقَهُ كاملاً سويًا، وعورض هذا التفسير بقوله في حديث آخر: «خَلَقَ اللهُ آدمَ على صورة الرحمـٰن» وهي إضافة تشريف وتكريم؛ لأن الله تعالى خلقَهُ على صورةٍ لم يشاكلها شىءٌ من الصور في الكمال والجمال". القسطلاني، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، (5/319). وذهب بعضُ أهل السنة إلى أنّ الضمير في قوله ﷺ: «على صورتِه» يعود إلى الله تعالى ومعناه على الصورة التي خلقها الله وجعلها مشرّفة مكرّمة فتكون الإضافة للملك والتشريف. قال ابن منظور في "لسان العرب": "فأما ما جاء في الحديث من قوله: «خَلَقَ اللهُ آدمَ على صورتِه» فيحتمل أن تكون الهاء راجعة على اسم الله تعالى، وأن تكون راجعة على آدم، فإذا كانت عائدة على اسم الله تعالى فمعناه على الصورة التي أنشأها الله= =وقدّرها، فيكون المصدر حينئذ مضافًا إلى الفاعل لأنّه سبحانه هو المصور، لا أنّ له عزّ اسمُه وجلّ صورةً ولا تمثالًا". ابن منظور، لسان العرب، (4/473). وقال آخرون من أهل السنّة في تأويله: إنّ لهذا الحديث سببًا حُذِف من هذه الرواية، أوَّله قصة الذي ضرب عبدَهُ على وجهه فنهاه النبي ﷺعن ذلك كما روى مسلم في صحيحه حديث 115- (2612): كتاب البر والصلة والآداب: باب النهي عن ضرب الوجه: من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: وفي حديث ابن حاتم، عن النبي ﷺ قال: «إذا قاتل أحدُكم أخاه، فليجتنب الوجه فإنّ الله خلق آدمَ على صورته». قال القاضي عياض في "إكمال المعلم": "اختلف الناس فى تأويله، فمنهم من أعاد الضمير إلى المضروب، وذُكر أنّ فى بعض طرق الحديث أنّه سمعه ﷺ يقول: "قبّح الله وجهك ووجه من أشبهك" أو نحو هذا، فقال ﷺ ما قال، أما على هذه الرواية: وهى شتم من أشبهه فبيّن وجه هذا التعليل؛ لأنّه إذا شتم من أشبهه وآدم يشبهه فكأنه شتم آدم وغيره من الأنبياء عليهم السلام، وإنما ذكر الأول تنبيهًا عليه وعلى نَبيه. وأما على هذا الذى وقع فى كتاب مسلم فيحتمل أن يكون تعبدًا لله سبحانه بتخصيص الوجه لهذه الكرامة لشبهِه بآدم هنا؛ إجلالًا لآدم ﷺ". القاضي عياض، إكمال المعلم، (8/88). وقال النووي في "المنهاج": "واختلف العلماءُ في تأويله، فقالت طائفةٌ الضمير في «صورتِه» عائدٌ على الأخ المضروب، وهذا ظاهر رواية مسلم. وقالت طائفة: يعود إلى آدم وفيه ضعف، وقالت طائفة: يعود إلى الله تعالى، ويكون المراد إضافةُ تشريف واختصاص كقوله تعالى: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [سورة الأعراف: ٧٣]، وكما يقال في الكعبة: بيت الله ونظائره، والله أعلم". النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن حجاج، (16/166).

(80) ) روى البخاري في صحيحه حديث (7449): كتاب التوحيد: باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٥٦ ]: من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «اختصمت الجنة والنار إلى ربهما، فقالت الجنة: يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم، وقالت النار: - يعني- أُوثِرتُ بالمتكبرين، فقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي، أصيب بك من أشاء، ولكلّ واحدة منكما ملؤها، قال: فأمّا الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنه يُنشئ للنار من يشاء فيلقون فيها، فتقول: "هل من مزيد" ثلاثًا، حتى يضع فيها قدمُه فتمتلئ، ويرد بعضُها إلى بعض، وتقول: قط قط قط». قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "واختلف في المراد بالقَدَم، فطريق السلف في هذا وغيره مشهورة وهو أن تُـمَرّ كما جاءت ولا يُتعرض لتأويله، بل نعتقد استحالةَ ما يُوهم النقص على الله. وخاض كثيرٌ من أهل= =العلم في تأويل ذلك فقال: المراد إذلال جهنم؛ فإنها إذا بالغت في الطغيان وطلبِ المزيد أذلها الله فوضعها تحت القدم، وليس المرادُ حقيقة القَدَم، والعربُ تستعمل ألفاظ الأعضاء في ضرب الأمثال ولا تريد أعيانَها كقولهم: "رغم أنفه" و"سقط في يده". وقيل: المراد بالقَدَم الفرط السابق أي يضع اللهُ فيها ما قَدّمَهُ لها من أهل العذاب، قال الإسماعيلي: "القَدَمُ قد يكون اسمًا لـمَا قُدِّمَ كما يُسمى ما خبط من ورق خبطًا، فالمعنى ما قدّموا من عمل"، وقيل: المراد بالقدم قَدَمُ بعضِ المخلوقين فالضمير للمخلوق معلوم، أو يكون هناك مخلوقٌ اسمُه قَدَم. أو المراد بالقَدَم الأخير لأنّ القَدَم آخرُ الأعضاء، فيكون المعنى حتى يضعَ اللهُ في النار آخرَ أهلها فيها". العسقلاني، فتح الباري، (8/596). ونحوه ذكره أبو سليمان الخطابي. انظر الخطابي، أعلام الحديث، (3/1907). وروى مسلم في صحيحه حديث 37-(2848): كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: باب باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء: من حديث أنس بن مالك، أن نبي الله ﷺ قال: «لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد، حتى يضع فيها ربّ العزة تبارك وتعالى قدمَهُ فتقول: قط قط وعزتك، ويزوى بعضها إلى بعض». قال الإمام المازري في "المعلم بفوائد مسلم": "قال الإمام: هذا الحديث من مشاهير الأحاديث التى وقعت موهمة للتشبيه، ولـمّا نقلَهُ الأثباتُ، واشتهر عند الرواة، كلّف العلماء قديمًا وحديثًا الكلام عليه والنظر فى تأويله، فمنهم من حمل القَدَم على السابق المتقدم، ويقال للمتقدم: قَدَم، فيكون تقدير الحديث: حتى يضع الجبارُ فيها من قَدَّم لها من أهل العذاب، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ﴾ [سورة يونس: ٢] معناه: التقدم والسبق، لا قَدَم الرِّجْل. فإذا وقع مثلُ هذا فى القرآن حملنا ما وقع فى السنّة عليه، وإلى هذا مال النضرُ بن شميل. وقد أشار ابنُ الأعرابى إلى أنّ القَدَم يُعبّر به عن هذا المعنى ولكن فى الشرف والجلالة. ويحتمل أن يكون المراد ها هنا بالحديث: قَدَم بعضِ خلقِه، وتكون الإضافةُ هنا إلى الله تعالى إضافةَ فعلٍ لا إضافة جارحة. وقد قال بعضهم: يحتمل أن يريد أن الله تعال يخلق فى الآخرة خلقًا يُسمّى بهذه التسمية، فلا تمتلئ النار إلا به. ويحتمل وجهًا آخر على رواية من رواه: «حتى يضع الجبار» أن يريد به الشيطان؛ لأنّه أصل الجبارين، أو يُريد به أحد الكفرة من الجبابرة، فيكون المعنى: لا تمتلئ حتى يضعَ إبليس فيها قَدَمه، أو هذا المشار إليه". المازري، المعلم بفوائد مسلم، (3/353-354).

(81) ) روى البخاريّ في صحيحه حديث (2826): كتاب الجهاد والسير: باب الكافر يقتل المسلم، ثم يسلم، فيسدد بعد ويقتل: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أنّ رسول الله ﷺ قال: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدُهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد». وروى مسلم في صحيحه مثلَه حديث 128- (1890). وورد أيضًا إضافة الضحك إلى الله تعالى في حديث طويل فيه إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. قال الخطابي في "أعلام الحديث": "قوله: «يضحك الله» الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح أو يستفزهم الطرب غيرُ جائز على الله سبحانه، وهو منفيٌّ عن صفاته، وإنّما هو مَثَلٌ ضربَهُ لهذا الصنيع الذي يحل محلّ العجب عند البشر، فإذا رأوه أضحكهم. ومعناه في صفة الله سبحانه: الإخبارُ عن الرضا بفعل أحدهما والقبول للآخر، ومجازاتهما على صنيعهما الجنة مع اختلاف أحوالهما، وتباين مقاصدهما". الخطابي، أعلام الحديث، (2/1365). قال القاضي عياض في "إكمال المعلم": "الضحك هنا استعارة فى حق الله، ولا يجوز عليه الضحك المعلوم؛ لأنّه إنما يصح من الأجسام وممن يجوز عليه تغير الحالات، والله تعالى مُنزه عن ذلك، وإنما يرجع إلى الرضا بفعلهما والثواب عليه، والإحسان إليهما أو حمد فعلهما ومحبته". القاضي عياض، إكمال المعلم، (6/312). وقال النووي في "المنهاج": "قال العلماء: ضحك الله تعالى منه هو رضاه بفعل عبده، ومحبته إياه، وإظهار نعمته عليه". النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم، (3/24).

(82) ) تنبيه مهم: عبارة المؤلف "حتى تبدو النواجذ" موهمة، لأنّ بدو النواجذ الذي هو ظهور مقدمة الأسنان ورد في عدة أحاديث راجع إلى فعل النبي ﷺ كما جاء في رواية الإمام البخاري في صحيحه (6571)، ورواية الإمام مسلم في صحيحه 308 - (186) ورواية غيرهما من المحدثين، ولم ترد هذه العبارة في سياق الضحك المضاف إلى الله تعالى فليتنه لذلك، والله الموفق للصواب.

(83) ) روى البخاري في صحيحه حديث (7405): كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ﴾ : [آل عمران: ٢٨]: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في مَلإٍ ذكرتُه في مَلإٍ خير منهم، وإن تقرَّب إليَّ بشِبر تقرَّبت إليه ذراعًا، وإن تقرَّب إليّ ذِراعًا تقرَّبت إليه بَاعًا، وإنْ أتاني يمشي أتيته هرولة». وروى مثلَه مسلم في صحيحه 2- (2675). = =قال ابن بطال في "شرح البخاري": "وأما وصفُه تعالى بأنّه يتقرب إلى عبده، ووصفه بالتقرب إليه، ووصفه بإتيانه هرولة، فإنّ التقرب والإتيان والمشي والهرولة محتملة للحقيقة والمجاز، وحملها على الحقيقة يقتضى قطع المسافات وتواتي الأجسام، وذلك لا يليق بالله تعالى فاستحال حملها على الحقيقة، ووجب حملها على المجاز؛ لشهرة ذلك فى كلام العرب، فوجب أن يكون وصفُ العبد بالتقرب إليه شبرًا وذراعًا وإتيانه ومشيه معناه: التقرب إليه بطاعته وأداء مفترضاته، ويكون تقربُه تعالى من عبده وإتيانه هرولة عبارة عن إثابته على طاعته وقربه من رحمته، ويكون قوله تعالى: «أتيته هرولة» أي: أتاه ثوابي مسرعًا". ابن بطال، شرح صحيح البخاري، (10/429). وقال القاضي عياض في "إكمال المعلم": "وأما قوله: «وإن تقرب منى شبرًا تقربت منه ذراعًا»، وقوله: «وإن أتانى يمشى أتيته هرولة» فمجازٌ كُلُّه، وإنما هو تمثيل بالمحسوسات وتفاوتها فى الإسراع والدنو، وإنما المراد أنّ مَن دنى مني بالطاعة دنوت منه بالإنابة، وكنت بالإنابة أسرع منه بالطاعة، أو أنّ من أتانى بحسنة جازيُته بعشرٍ، فكنّى عن التضعيف بالسرعة والمسافة، فهذا الذى يليق بالله سبحانه. وأما المشي بطيؤه وسريعه، والتقرب بالذراع والباع، فمن صفات الأجسام، والله سبحانه ليس بجسم، ولا يجوز عليه تنقل ولا حركة ولا سكون، وهذا واضح بين". القاضي عياض، إكمال المعلم، (8/173-174).

(84) ) روى مسلـم في صحيحه حديث (2654): كتاب القَدَر: بابُ تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء، مِن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمِعت رسولَ الله ﷺ يقول: «إنَّ قلوبَ بني آدم كُلَّها بين إصبعيْن مِن أصابعِ الرحمن كقلْبٍ واحدٍ يُصرِّفُه حيث يشاء»، ثمّ قال رسول الله ﷺ: «اللهُمّ مُصرِّفَ القلوب صَرِّف قلوبَنا على طاعتِك». قال الإمام المازري في "المعلم بفوائد مسلم": "هذا تجوّز وتوسّع كما يقول القائل: فلان في قبضتي وبكفّي، ولا يريد أنه حالٌّ بكفه، وإنما المراد أنّه تحت قدرتي. وكذلك يقال: ما أفعل هذا إلاّ بإصبَعِي أو فلان بين إصبَعَيَّ أصرفُه كيف شئتُ، ولا يريد أنّه حالٌّ بين الإصبَعَين، وإنّماَ يريد أنّه هَيِّن عليه القَهرُ له والغَلَبَة وتصريفه كيف شَاء، فكذلك المراد بقوله: «إصبعيْن مِن أصابعِ الرحمن» أي أنّه مُتصرف بحسب قدرته ومشيئته سبحانه وتعالى، لا يعتاص عليه ولا يفوته ما أراد منه كما لا يعتاص على الإنسان ما كان بين إصبَعَيه ولا يفوته". المازري، المعلم بفوائد مسلم، (3/316).

(85) ) وقد ذكر المصنف في كتابه الغنية قاعدة مهمة في هذا المطلب تُخَّرج عليها الآيات والأحاديث الموهمة للتشبيه، فتراجع ثمَّ. انظر الأنصاري، الغنية، (1/369).

(86) ) ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ (٢٢)﴾ [سورة النجم: ٢١ – ٢٢].

(87) ) [سورة الإسراء: ٤٠]

(88) ) مراده إن قالوا ردًا على ما قلناه: لا يجب أن يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا....إلخ.

(89) ) ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾ [سورة لأعراف: ١٤٨].

(90) ) [سورة النحل: ٧٥].

(91) ) ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُونَ ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾ [سورة النحل: 73-٧٦].

(92) ) في (ب): "يصرف".

(93) ) مراجعة الأصول

(94) ) [سورة القلم: ٤٢ ].

(95) ) انظر الطبري، جامع البيان، (23/554). وابن أبي حاتم، تفسير القرءان العظيم، (5/210).

(96) ) [سورة القيامة: ٢٩].

(97) ) انظر، الزجاج، معاني القرءان، (5/245). والماتريدي، تأويلات أهل السنّة، (10/353).

(98) ) [سورة النور: ٣٥].

(99) ) انظر الماوردي، النكت والعيون، (101-102). وابن فورك، تفسير ابن فورك، (1/143).

(100) ) [سورة الزمر: ٦٩].

(101) ) انظر القرطبي، الهداية إلى بلوغ النهاية، (10/6385). والواحدي، الوسيط في تفسير القرآن المجيد، (3/594)

(102) ) ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [سورة النور: ٣٥].

(103) ) انظر الرازي، التفسير الكبير، (22/37). والنسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، (3/193).

(104) ) [سورة نوح: ١١].

(105) ) انظر الماتريدي، تأويلات أهل السنة، (10/226). والسمرقندي، بحر العلوم، (2/155).

(106) ) [سورة الزمر: ٥٦].

(107) ) انظر الثعلبي، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، (8/246). وابن عطية، المحرر الوجيز، (4/538).

(108) ) كأنه أراد الإشارة إلى بعض الآيات التي جاء فيها إضافة الإتيان والمجيء إلى الله كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ [سورة البقرة: ٢١٠] قال الزجاج في "معاني القرءان": "قال أهل اللغة: معناه يأتيهم الله بما وعدهم من العذاب، والحساب كما قال: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ﴾ [سورة الحشر: ٢]، أي آتاهم بخذلانه إياهم". قال القرطبي في "الهداية": "ويجب أن نعتقد أن صفات الله جلّ ذكرُه بخلاف صفات المخلوقين، فلا نعتقد إلا أنّ الإتيانَ والمجيء من الله تبارك وتعالى صفةٌ وصفَ بها نفسَه، لا إتيان انتقالٍ وتغيرِ حالٍ تعالى اللهُ عن ذلك". القرطبي، الهداية إلى بلوغ النهاية، (1/12).

(109) ) [سورة ص: ٨٤ - ٨٥].

(110) ) [سورة السجدة: ١٣].

(111) ( هو العَروضي النحْويّ اللغويّ أبو عبد الرحمن، الخليل بن أحمد بن عمرو الفَراهيديّ الأَزْديّ، وُلد بالبصرة سنة (100ه=718ر). أخذ عن أبي عمرو بن العلاء، وروى عن أيوب وعاصم الأحول وغيرِهما، وأخذ عنه الأصمعيّ وسيبويْه والنضر بن شُميل وغيرُهم. هو أوّل مَن استخرَج العَروض وضَبط اللغةَ وحَصَر أشعارَ العرب. مِن تصانيفِه كتاب "العين" وكتاب "الجُمَل" وغيرهما. توفّي في البصرة نحو سنة (170ه=786ر). انظر الحمويّ، معجم الأدباء، (11/72-77). وابن خِلِّكان، وفيات الأعيان، (2/244-248).

(112) ) قال الخليل في "العين": "قَدَم: القَدَمُ: ما يطأ عليه الإنسان من لدن الرسغ فما فوقه. والقُدْمَة والقَدَمُ أيضاً: السابقة في الأمر، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ﴾ [سورة يونس:2]، أي سبق لهم عند الله خير، وللكافرين قَدَمُ شر. وفي الحديث: «إنّ جهنم لا تسكن حتى يضعَ اللهُ قَدَمه فيها»، قال الحسن: حتى يجعل اللهُ الذين قَدَّمَهم من شرار خلقه فيها، فهم قَدَمُ الله للنار والمسلمون قَدَمٌ للجنة". الفراهيدي، العين، مادة (ق د م) (5/122).

(113) ) انظر الأنباري، الزاهر في معاني كلمات الناس، مادة (ق د م) (1/353). والأزهري، تهذيب اللغة، مادة (ق د م) (9/55-56).

(114) ) انظر ابن فورك، مشكل الحديث وبيانه، (ص/125-127). وابن الجوزي، كشف المشكل من حديث الصحيحين، (3/244-246).

(115) ) [سورة الأعراف: ١٧٩].

(116) ) ويؤيد هذا التفسير الرواية التي ذكرها الحافظُ الخطيب البغداديّ في تاريخه بالإسناد المتّصل إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال جهنّمُ يُلْقى فيها فتقول: هل مِنْ مزيد؟ حتى يَضعَ الجَبّارُ قَدَمَهُ فيها فينزوي بعضُها في بعض فتقول: قَط قَط، ولا يزال في الجنةِ فَضْلٌ حتى يُنشئ اللهُ لها خَلْقًا فيُسْكِنهم فَضْلَ الجنّة». الخطيب البغدادي. تاريخ بغداد. (6/325). ويشهد لهذا التفسير ما جاء في حديث آخر رواه الترمذيّ في سُننِه (2574): أبواب جهنّم: باب ما جاء في صِفَة النّار، مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ: «تَخرُج عُنُقٌ مِن النّار يوم القيامةِ لها عيْنانِ تُبْصِران وأُذُنانِ تَسمعانِ ولِسانٌ يَنْطِقُ يقول: إنّـي وُكِّلْتُ بثلاثةٍ بكلّ جبّارٍ عَنيد، وبكلّ مَن دعا مع الله إلــٰهـًا آخر، وبالـمُصوِّرين».

(117) ) [سورة إبراهيم: ١٥].

(118) ) [سورة السجدة: ١٣].

(119) ) روى مسلم في صحيحه حديث 44 - (2851): كتاب صفة القيامة والجنة والنار: باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ضرس الكافر أو ناب الكافر، مثلُ أُحد، وغِلَظُ جِلده مسيرةُ ثلاث». وروى الحاكم بالإسناد المتصل في "مستدركه" من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن غِلَظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعًا بذراع الجبار، وضِرسه مثلُ أحد»، قال الحاكم: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، قال الشيخ أبو بكر رضي الله عنه: "معنى قوله: «بذراع الجبار» أي جبار من جبابرة الآدميين ممن كان في القرون الأولى ممن كان أعظم خلقًا وأطول أعضاءً وذراعًا من الناس". الحاكم، المستدرك، (4/637). وروى ابن المبارك بالإسناد المتصل إلى عبيد بن عمير قال: قال رسول الله ﷺ: «بُصْرُ جلد الكافر، يعني غِلَظُ جلده سبعون ذراعًا، وضرسه مثل أحد وفي سائر خلقه». ابن المبارك، الزهد والرقائق، (2/87). قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وفي مرسل عبيد بن عمير عند ابن المبارك في الزهد بسند صحيح". العسقلاني، فتح الباري، (11/423). قال الهروي في "الغربيين": "وفي الحديث: «بُصْرُ جلد الكافر أربعون ذراعًا»، قال سفيان: هو الغِلَظ، وبُصر السماء: غِلَظها، ومنه حديث عبد الله: «وبُصر كل سماء مسيرة خمسمائة عام»". الهروي، الغربيين في القرءان والحديث، (1/184). قال القرطبي في "المفهم": "إنما عظم خلق الكافر في النار ليعظم عذابه ويضاعف ألمه"، ثم قال: "وهذا إنما هو في حق البعض بدليل الحديث الآخر إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يساقون إلى سجن في جهنم يقال له بُولَس، قال: ولا شك في أنّ الكفار متفاوتون في العذاب كما عُلِمَ من الكتاب والسنة". انظر القرطبي، المفهم، (7/188). وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وكأن اختلاف هذه المقادير محمول على اختلاف تعذيب الكفار في النار". انظر العسقلاني، فتح الباري، (11/423).

(120) ) سقطت من (ب)

(121) ) هو الحافظ أبو بكر، محمّد بن إسحاق بن خُزيمة السلميّ النيْسابوريّ. ولد سنة (223ه=837م). سمِع إسحاق بن راهويه ومحمّد بن حُميد الرازيّ، وحدّث عن محمود بن غيْلان ومحمّد بن أبان المستملي وغيرهما، روى عنه الشيخان خارج الصحيح وغيرهما. وممّا ينبغي الإشارة إليه أنّ ابن خُزيمة وضع كتابًا سمّاه "التوحيد" جمع فيه الأخبار التي ذُكِرت فيها الألفاظ الـمُتشابهة وذهب في تأويلها عن الصواب، وأَوْهم خِلاف الحقّ كما نقل ذلك عنه ابن فورك، فيجب الحذر من هذا الكتاب لِـمَا فيه مِن الطامّات، وقد قال الرازي عنه: "إنّه كتاب الشِرك". وقد نقل البيهقي عن ابن خُزيمة قوله بأنّه لم يكُن مُتْقِنًا لعِلْم الكلام فقال: "فما تُنْكِرون على فقيهٍ راوي حديث أنّه لا يُحْسن الكلام"، ولكن ذكر الإمام أبو منصور البغدادي أنّ ابن خزيمة رجع إلى موافقة المتكلمين. ونقل البيهقي أيضًا رجوعه إلى طريقة السلف فقال: "وقد رجع محمد بن إسحاق إلى طريقة السلف وتلهف -أسِفَ- على ما قال". وكذلك نقل ابنُ حجر توبته، ولله الفضل. توفّي سنة (311ه=923م). انظر ابن فورك، مُشكل الحديث، (ص/167). والبغدادي، أصول الدين، (ص/828). والبيهقيّ، الأسماء والصِّفات، (ص/267-269). والرازي، التفسير الكبير، (27/151). وابن السبكيّ، طبقات الشافعيّة، (3/109-112). والعسقلاني، فتح الباري، (13/492).

(122) ) يجب الحذر من هذا الكتاب كما بينت في ترجمة ابن خزيمة.

(123) ) روى البخاري في الأدب المفرد بالإسناد المتصل إلى أبي هريرة قال: «لا تقولن: قبّح الله وجهَك ووجهَ من أشبه وجهَك، فإنّ الله عزّ وجلّ خلق آدم على صورته». البخاري، الأدب المفرد، (ص/180).

(124) ) سقطت من (ب).

(125) ) روى البخاري في صحيحه حديث (6227): كتاب الاستئذان: باب بدء السلام: من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «خلق اللهُ آدم على صورته، طولُه ستون ذراعًا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكلّ من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن».

(126) ) نقل أبو القاسم كلام ابن خزيمة بتصرف. انظر ابن خزيمة، المسمى التوحيد، (ص/36-38).

(127) ) انظر الخطابي، أعلام الحديث، (3/2228). والعسقلاني، فتح الباري، (6/366).

(128) ) قال شيخنا الهرري: "ولقد أساء التعبير من قال في تفسير الحديث الذي رواه البخاري: «إن الله خلق آدم على صورته»: إن الله جعل آدم متصفًا بصفاته من سمع وبصر ونحو ذلك، وهذا التعبير فاسد". الهرري، الدرة البهية، (ص/؟؟).

(129) ) انظر ابن فورك، مشكل الحديث، (ص/؟؟). والعيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، (5/224).

(130) ) انظر ابن فورك، مشكل الحديث، (ص/138)، والعسقلاني، فتح الباري، (6/40)

(131) ) انظر ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، (3/76). وابن منظور، لسان العرب، (10/459).

(132) ) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/58).

(133) ) انظر البغدادي، الملل والنحل، (ص/؟؟). والشهرستاني، الملل والنحل، (ص/؟؟).

(134) ) العابدية: هم فرقة من فرق أهل الأهواء، وهي إحدى فرق الكرامية المجسّمة. انظر البغدادي، الملل والنحل، (ص/؟؟). والرازي، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، (ص/97).

(135) ) انظر الشهرستاني، الملل والنحل، (1/109).

(136) ) وقولهم هذا باطلٌ؛ لأنّ مَن يَعْلَمُ مَكانًا لا يُقال إنّه في ذلك المكان بالعلم. وقد أنكر الإمام أبو منصور الماتريدي هذه المقالة وغيره من الأئمة، وقد شاعت هذه الكلمة عند بعض جهلة المتصوفة كما ذكر صاحبُ تفسير روح البيان، كما وشاعت عند العوام في زماننا. وحُكْم مَن يقول هذه العبارة التكفير إذا كان يفهم منها أنّ الله بذاتِه مُنبثٌّ أو حالٌّ في الأماكن، أمّا إذا كان يفهم منها أنّه تعالى مُسيطِرٌ على كلّ شىء، وعالِـمٌ بكلّ شىء فلا يكفر، ويجب النهي عنها على كلّ حال لأنّها ليست صادرةً عن السلف بل عن المعتزلة ثم استعملها جهلة العوام، والله الموفق للصواب. انظر الماتريدي، التوحيد، (ص/106)، والبروسويّ، روح البيان، (5/365). والهرريّ، الشرح القويم، (ص/145).

(137) ) نقل الأستاذ أبو منصور البغدادي هذه العبارة عن المعتزلة وأنكرها. انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/261).

(138) ) فرقة من فرق الكراميّة يقال لها الهيصميّة أو الهياصمة، منهم أبو عبد، محمد بن الهيصم شيخ الكرامية في وقته. انظر الشهرستاني، الملل والنحل، (1/109).

(139) ) الشهرستاني، الملل والنحل، (1/112،109).

(140) ) انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/347).

(141) ) من قوله: "وقال: كل ما أطلقه....." إلى هنا سقط من (ب).

(142) ) الأشعري، اللمع، (ص؟؟).

(143) )

(144) ) في (ب): "حديثًا".

(145) ) الملاء: هو أن تكون أجزاء مشغولة في كل جزء وكائن شاغل من كل جهة. ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/272).

(146) ) الخلاء: هو أن تكون أمكنة فارغة ليست بمشغولة بكائنات فيها. ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/272).

(147) ) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/58).

(148) ) سقطت من النسخ، وزيادتها أوفق للسياق.

(149) ) انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/؟؟). والشهرستاني، الملل والنحل، (1/109).

(150) ) في (ب): "فإنهم".