فمن ذلك ما تمسّك به الكعبيّ وهو أنّه قال: "تقديرُ قديميْن لا ينفصلُ أحدُهما عن الثاني بالزمان والـمكان والحيّز وليس أحدُهما صفةً للثاني مستحيل". قال: "ولذلك لا يتميّز أحدُهما عن الآخر بصفةٍ ذاتيّةٍ ولا معنويّةٍ ولا بفعلٍ يختصّ به عن الثاني، فإنّه ما من فِعلٍ يوجد إلّا ويجوز تقديرُه من كلّ واحدٍ منهما، وكلّ موجوديْن لا يُتصوّر تمييزُ أحدِهما عن الثاني فلا يتصوّر العِلـم بهما".

وهذا ممّا تمسّك به أصحابنا، وهو حسن(59)، وعليه أسئلة أضربنا عنها مخافة التطويل، ولعلّنا نعود إلى ذلك في كتاب التولّد إن شاء الله.

وممّا يتمسّكون به، وقد ارتضاه كثيرٌ من شيوخنا: أنّ الصانعَ الواحدَ لا بُدّ منه في إسناد الصُنع إليه، وتتعارض الأقوال فيما زاد على الواحِد، ولا يترجّح بعضُها على بعض فتتساقط.

قال الإمام: "وهذا ممّا لا يُفضي إلى القطع؛ وذلك أنّه كما لـم يقم دليلٌ على إثباتِ ثانٍ، لـم يقم دليلٌ على نفيه، ولئن دلّ عدمُ الدليل على إثبات ثانٍ على نفيه، فليدلّ عدمُ الدليل على نفيه على إثباته، وهذه معارضة لا مَخْلص منها".

ثم نقول: لو نظر ناظرٌ قبل وورد السمع فقال: "هذه السماءُ الـمُظِلّةُ علينا معلومةٌ، وليس تقديرُ سماءٍ فوقها أولى مِن تقدير سماوات، وتتعارض الأقوال في مبالغ الأعداد فيجب القطع بنفيها"، فهل يكون ذلك دليلًا أمْ لا؟

فإنْ زعمَ الخصمُ أنّ ذلك ليس بدليلٍ ولا بدّ من الاعتراف به، فيقال له: قد تقابَلت الجائزات على نحو ما حرّرتموه في الدلالة(60).

ومما تمسّكوا به أنْ قالوا (ق74ب): لو قدّرنا قديميْن لـم يخلُ: إمّا أن يَقْدِرَ كلُّ واحدٍ منهما على نَصْبِ دلالة تختصّ بالدلالة عليه، أو لا يَقْدِرَ واحدٌ منهما على ذلك، أو يَقْدِرَ أحدُهما دون الثاني.

فإنْ لـم يَقْدِرَا أو لـم يَقْدِرْ أحدُهما بانَ العجزُ وظهر النقصُ، وإن قَدرا على ذلك كان محالًا، فإنّ الدالّ على الصانعِ صُنْعُه، ولا يتصوّر في الـمعقول تقدير صُنْعٍ يُبَيِّنُ اختصاصُه بأحدهما.

قال الإمام: "وهذا أيضًا فيه نظرٌ، فإن للقائل أنْ يقول: نَصْبُ الدلالة على تعيين أحدِهما محالٌ ليس مِن الـممكنات"(61).

وربما يقولون: لو قدّرنا قديميْن فهل يَقْدِرُ أحدُهما على أن يُخفي سرًّا من الثاني أم لا؟ فإنْ لـم يَقْدِرْ كان عاجزًا، وإنْ قدر على ذلك فقد استبان قصورُ الثاني.

وللقائل أن يقول: ليس هذا من قبيل الـمقدورات.

وقد تمسّك بعضُ أصحابِنا بأنْ قال: "لو كان الصانعُ اثنين لكان خلْقُ كلّ واحدٍ غيرُ خلْق الآخر، بل يستبّدُ كلُّ واحدٍ بمقدوره وخلْقه، وذلك قولٌ بتناهي الـمقدورات، قال الله تعالى: ﴿إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ (62).

ثم إنّ القاضي رحمه الله ذكر دلالة مُقْتَضَبَةٍ(63) من دلالة التمانع فقال: "لو قدّرنا قديميْن متساوييْن في جملة صفات الإلـٰهية، ثم قدّرنا اختلافَهما في الإرادة كما تقدّم ذِكْرُه، فليس أحدُهما بأن يُوجِدَ مقدورَه بأولى من الثاني لتساويهما، وإذا كان كذلك استحال تخصيصُ أحدِهما بإيجادِ مقدورِه، واستحال اجتماعُ الـمقدوريْن لتضادّهما، فلـم يبق إلّا أن لا(64) يُوجد مقدورُ واحدٍ منهما وذلك مستحيل، إذ الاقتدارُ في الفِعلِ الـممكنِ يتضمّن تجويزُ وقوعِه إذا لـم يكن القادِرُ ممنوعًا.

وقد أوضحنا استحالة رجوع الـمنع إلى ذاتيهما أو إلى صفتيهما، ولـم يتحقّق أيضًا فِعلٌ فيُقَدَّرُ منعًا للثاني، وكلُّ أصلٍ يترتّب عليه امتناعُ وقوعِ الـمقدورِ من غير مانعٍ فهو باطل؛ مِن حيث أفضى إلى قلب الحقيقة.

وإذا وضح استواءُ القديميْن، واتّضح استحالةُ تخصيص مقدورِ أحدهما بالحدوث، فيَلزمُ من ذلك امتناعُ الـمقدوريْن، وفي امتناعهما خلوّ الجوهر عن الضِدّين، واستحالةُ ذلك كاستحالةِ اجتماع الضدّين"(65)، هذا ما ذكره القاضي.

قلت: وقد يمكن فرضُ هذه الدلالة عند الاتفاق في الإرادة، بأنْ يُريدَ أحدُهما تحريكَ جسمٍ، ويريدَ الآخرُ عينَ مرادِه، فليس أحدُهما بفعل التحريك أوْلى من الثاني؛ لاستوائهما في صفة الإلـٰهية، وإذا اتحد مرادُهما فيلزم أحدُ أمرين:

إمّا وقوع الفعل لهما، وإمّا أن لا يقع لواحدٍ منهما.

أمّا الأول فمستحيل من وجهين:

أحدهما: خروجُ القدرةِ الـموثّرةِ عن قضيّتها.

والثاني: انقسامُ الواحد على اثنين.

وأما الآخر: فمستحيلٌ أيضًا؛ لأنّه يؤدّي إلى خروجِ الجائز عن حقيقتِه وانقلابِه مستحيلًا.

فصل في إقامةِ الدليل على نفي قديم عاجز

والدليل على ذلك أنّا لو أثبتنا عاجزًا قديمًا لكان عاجزًا بعَجْز قديمٍ قائمٍ(66) به، والعقل يقضي باستحالة العجز القديم، إذ مِن حكم العَجْز أن يمتنع به إيقاعُ(67) الفعل الـممكن في نفسه، ولو أثبتنا عَجْزًا قديمًا لجرّنا ذلك إلى الحكمِ بإمكانِ الفعل أزلًا ثمّ القضاء بأنّ العجز مانعٌ منه، وباضطرارٍ نَعْلَـمُ استحالة الفعل أزلًا، وهذا بمثابة قطعنا باستحالة حركةٍ قديمةٍ؛ إذ الحركةُ لا بُدّ أن تكون مسبوقة بكون في مكان، ثمّ الحركةُ تكون انتقالًا منه.

فإن قيل: ما ذكرتموه ينعكس عليكم في إثباتِ القدرة القديمة؛ إذ القدرةُ تقتضي تمكّنًا مِن الفعل، فالتزموا من إثبات القدرةِ الأزليّةِ الحكمَ بإمكان فِعل أزليّ.

قلنا: ليس من حكم القدرة التمكّن بها ناجزًا؛ إذ لو قدّرنا قدرةً باقية واعتقدنا ذلك مثلًا فلا يمتنع تقدّمُها على الـمقدور، ولا يمتنع منعُ القادرِ من مقدورِه مع استمرار قدرتِه، فوضح بذلك أنّا لا نشترط إمكانَ مقارنة وقوع الـمقدور للقدرة، ويستحيلُ من كل وجهٍ مقارنةُ التمكّن من الفعل [مع](68)العَجْز(69) عنه.

هذا كلّه من كلام الشيخ الإمام(70).

وأنا (ق75أ) أزيدُه بيانًا فأقول: مِن حكم القدرة التمكّن بها إمّا في الحال وإما في الـمآل، وليس من شرطها مقارنةُ مقدورها إيّاها بل يجوز استئخار الـمقدور عنها.

والذي يُوضِّح ذلك أنا إذا قدّرنا جوهرًا حادِثًا بالقدرة فهو(71) في أول حال حدوثه مقدورٌ، وإذا بقي لـم يكن مقدورًا، فلو عَلِـم الله تعالى أنّ الجوهر سيعدمه في الحالة الثانية، ثم يعيده في الحالة الثالثة، فالقدرة على الإعادة في الثالثة ثابتة(72) في الحالة الثانية، وإن لـم يتحقّق مقدورها معها، فلـم يمتنع إذًا استئخارُ الـمقدورِ عن القدرة إذا كانت القدرةُ باقيةً، وإنما يمتنع ذلك في القدرةِ الحادثةِ من حيث استحال بقاؤها.

فلـم يَبْعُدْ أن يكون الربُّ سبحانه في أزله على صِفةٍ يصحّ منه الفعلُ لأجلها في لا يزال، ولا يجري العجزُ في ذلك مجرى القدرة، فإنّا صوّرنا قادرًا يمتنع عليه مقدورُه لـمعنى يقتضي الامتناع، ولا يتصوّر عاجزٌ عن الشىء مع مقارنةِ التمكّن لعجزه، حتى يقال: متمكّنٌ مما هو عاجز عنه، وسيظهر أثر العجز في الثاني.

والعجز والإمكان نقيضان، وليس كذلك القدرة فإنّها قد تقارن(73) الإمكان وقد تتقدّمُه، ولا شكّ أن مقدوراتِ الإله سبحانه لا تتناهى، وما لا يتناهى لا يدخلُ في حيّز الإمكان، فثبت أنّ القدرةَ لا تقتضي التمكّن بها في الحال.

والقاضي رحمه الله في أمثال هذا ربما يلتجئ إلى السمع فيقول: "نفيُ القديم العاجز يُستدركُ سمعًا".

والظنّ به أنّه(74) لـم يُنكر دلالة العقل عليه بل عنه غُنية، ولكنه عضدها بالسمع هذا ما يدلّ ظاهرُ كلامه عليه.

وقال الإمام: "العاجز ليس مقتضى العقل، بل عنه غُنية، ومن لا يَقْتَضي [و](75) لا يُقتَضى فوجوده كعدمه، وما كان كذلك لـم يكن واجبًا ولا مدلول العقلَ [في الغنية: الفعل]، بل هو في الجائزات".

قلت: وهذا من أحسن ما ذُكر في هذا الباب.

وأمّا الأستاذ أبو إسحاق فإنّه قال: "العجز [منعٌ](76) من الفعل، والـمنع يقتضي ممنوعًا، وممنوع في الأزل محالٌ، والـمنع أيضًا في الأزل مستحيل".

وهذا بيان ما قدّمناه.

فصل:

فإن قيل: بم تُنكرون على مَن يَزْعُم أنَّ مقدوراتِ الإلـٰه سبحانه متناهية، والكلام في الوحدانيّة يتشبَّثُ بنفي النهاية عن مقدوراتِ الإلـٰه تعالى.

قال الإمام: "إن خصّص السائلُ السؤالَ بتقدير قديمٍ واحدٍ، فالجواب: أنّ الـمقدوراتِ لو تناهت مع أنّ العقلَ يقضي بجواز وقوعِ أمثالِ ما وقع، والجائزُ وقوعُه لا يقع بنفسه من غير تقدير مُقْتَضٍ، وفي قَصْر القدرةِ على ما يتناهى إخراجُ أمثالِه عن إمكان الوقوع أزلًا؛ إذ لا يقع حادثًا إلّا بالقدرة ومساق [ذلك](77) يجرّ إلى جمع الاستحالة والإمكان فيما عُلِـمَ فيه الإمكان"(78).

بيان هذا أنّ الإمكانَ لا حصر له؛ لأنّ ما جاز وقوعُه لـم يمتنع وقوعُ مثلِه وأمثالِه؛ لوجوب استواءِ الـمُتماثلاتِ في الصفات النفسيّة، فثبت أنّ رُقعة الإمكان مُتّسِعة، فإذا ثبتَ ذلك فالجائز لا يقع بنفسِه مِن غير مقتضٍ، إذ لو وقع بنفسه لوقع كلُّ جائز وذلك محال، ولا فرقَ بين قولك: "وقع بنفسه" وبين قولك: "وقع من غير مقتضٍ"؛ لأنّه لو وقع بنفسه لوقع كلُّ جائزٍ وذلك محالٌ، على أنّ إضافةَ وقوعِه إلى النفس كإضافةِ عدمِ وقوعِه إليها، فَلِـمَ اختصَّ بالوقوع بنفسِه دون أن يَبْقَى على استمرارِ العدم لنفسه.

وإذا ثبت أنّ الجائزَ إنما يتميّزُ عن الـمستحيل بتصوير وقوعِه وصحّة وجودِه، ويستحيلُ وقوعُه من غيرِ مُقتضٍ، وأوضحنا في بابِ إثباتِ العِلـم بالصانع أنْ لا مُقْتضي [مقتضٍ أو مقتضى] إلّا القدرة، وأَبطلنا شُبهات الدهريّةِ والطبائعيّين من منكري التوحيد.

وإذا ثبتت هذه الجملةُ ففي قَصْر القدرةِ على ما تناهى واختصاصِها ببعض الأجناس إخراجُ أمثالِه عن إمكان الوقوع؛ إذ ثبتَ أنّه لا يقع حادثٌ (ق75ب) إلّا بالقدرة.

وذلك هو الجمعُ بين الاستحالة والإمكان فيما عُلـم فيه الإمكان. فإنّ الـممكن ما يجوز وقوعُه، والـمستحيل ما يمتنعُ وقوعُه، وتقديرُ ممكنٍ تتقاصرُ عنه القدرةُ جمعٌ بين الإمكان والاستحالة في الشىءِ الواحدِ، وذلك مُحالٌ.

وقال الأستاذ: "تناهي الـمقدورِ يدلُّ على حدوث القادِر".

ثم أَثَرُ القادريّةِ تَصْيِرُ العدمِ [في المطبوع: تُصَيِّرُ العدمَ] وجودًا، ومن كلام الأماثل: "يا مُنشئ الأشياء [في المطبوع:الأيسات] عن ليس"، وهذا هو الـمراد بقولنا: "تَصيرُ العدمِ وجودًا".

وتلك قضيّة تَشملُ كلَّ ما دخل في حيّز الإمكان خيرًا كان أو شرًا؛ إذ تبدّل العدمِ وجودًا لا يختلف بأنْ يكونَ الـموجَدُ خيرًا منتفعًا به أو شرًا يُسْتضَرُّ به، وسواء كان مما يُخلَقُ للعبادِ قُدَرٌ عليه أو لـم يُخْلَق، فمقدور العباد يَستندُ إلى استعمالِ آلةٍ وأداةٍ وسببٍ، فتَختَلِفُ أوصافُها وترجع أحكامُها إليهم، وأما الخلقُ الـمضاف إلى الله تعالى فهو غيرُ محتاجٍ إلى استعمال آلةٍ وسببٍ وأداة راجعةٍ إليه سبحانه، ولا ترجعُ إليه أحكامُ خصوصِ الأوصاف، وقد يترتّب بعضُ أفعاله على أسباب، وتَصْيّرُ العدمِ وجودًا شاملةٌ لجميعها، والخيرُ والشرُ ليسا راجعين إلى الأعيان حتى يقالَ فاعلُ هذا غيرُ فاعل هذا.

قال الإمام: "فإن فرضَ السائلُ السؤالَ في قديميْن، وزعمَ أنّ أحدَهما يَقْدِرُ على قبيلٍ من الـمقدورات، والثاني يَقْدِرُ على قبيلٍ آخر، وهذا مِن أغمض ما يسأل عنه"(79).

وهو باطل، فإنّ ما قدّره إنْ كان حُكمًا واحدًا للقدرة حتى يستحيلَ خِلافُه، فليس في الكفِّ عن الـمحال قصورٌ في القدرة، وليس الـمحالُ مقدورًا فيُسألُ عن تعلّقِ القدرة به، وإن كان(80)جائزًا فما الذي أوجبَ اختصاص القدرةِ ببعضِ الجائزات دون بعضٍ مع استوائهما فيما له كان متعلّق القدرة؟ وهذا الذي ذكرناه يَطّرد في تناهي الـمقدور من القديم الواحد ومن القديميْن.

ثم قال الإمام: "نحن نصوّر جِسمًا ونَتَعرّضُ بتقسيم الدليل لتحريكه وتسكينه، فإنْ زعم أنّهما جميعًا خارِجان عن مقدوريهما كان مُحالًا مؤدّيًا إلى خلوّ الجسم عن الحركة والسكون، وإنّ قُدّرَ السكونُ مقدورًا لأحدهما، والحركةُ مقدورة للآخر، فمَآلُ هذا التقدير التـمانع كما قَدّرناه.

وإن قيل: التحريكُ والتسكينُ وقبيلُ الأكوان مقدورُ أحدِهما دون الثاني فنفرض الكلامَ في الأكوان، فإن عُورضنا فيها تعدّيناها إلى قبيلٍ آخر مِن الأعراض، ولا نزال كذلك حتى ينساقَ الدليلُ إلى أحدِ الأمرين: إمّا أن يشتركا في الاقتدار على قبيلٍ من الأعراض، ويترتّبُ عليه التمانع إذ كلُّ قبيلٍ من الأعراضِ يشتملُ على متضادّات ومتماثلاتٍ، ومتماثلُ الأعراضِ متضادٌّ عندنا، فهذا أحد مآلي الـممانعة التي قدّرناها.

ولو قال السائلُ: إنّ أحدَ القديميْن ينفرد بالاقتدار على جميع أجناسِ الأعراض. قلنا: يتّصف الثاني بالاقتدار على خلْق الجواهر أمْ لا؟ فإنْ قال: إنّه لا يَقْدر على خلْق شىءٍ أصلًا فقد أخرجَهُ عن كونه قادِرًا أصلًا، وإثباتُ قديمٍ غيرِ قادِرٍ على مقدورٍ، ولا عالـمٍ بمعلومٍ، ولا حيّ تحكّمٌ بادّعاء ما لا دليل عليه ولا يقتضيه العقلُ، ولو كان حيًّا لكان موصوفًا بالقدرة أو بضدّها وبالعلـم أو بضدّه.

وإن قال السائل: خلْق الجواهر مقدور لأحدهما؟ قلنا: الجوهر العَريُّ عن الأعراض غير ممكنٍ ولا يتعلّق الاقتدار إلّا بممكنٍ، وحقّ الـمقتدر على الاختراع أنْ يتمكّن من إيقاع مقدورِه، وهذا القدرُ كافٍ فاعلـمه.

فهذا [في المطبوع: فهذه] جملٌ كافية في إثبات العِلـم بالصفاتِ الواجبةِ النفسيّة (ق76أ)، وقد ضمنّاها وأجرينا فيها ما يستحيلُ على الله تعالى حيث نفيْنا عنه خصائصَ الجواهر والأعراض، ونصبْنا الأدلّة على تقديسه عن أحكام الأجسام، وذلك كافٍ في غَرضنا.

وإذا سئل العاقل عمّا يستحيل على ربّه تعالى، فالعبارة الوجيزة في الجواب أن نقول:

يستحيلُ عليه كلُّ ما يدلّ على حَدَثِه، ويندرجُ تحت ذلك استحالةُ تحيّزه، وقبولِه للحوادث، وافتقاره إلى محلٍّ يحلُّه"(81)(ق76ب).ه.


(59) ) كلام الأنصاري هنا فيه نظر؛ لأنّ شيخه إمام الحرمين في "الشامل" نقل كلام الكعبي ثم قال: "واعلموا أنّ هذا الذي ذكروه مما تمسك به حُذاقهم، وقد يتمسك به بعض أصحابنا، وهو باطل غير سديد ولا مفضٍ إلى الحق، وقُصاراه الاقتصار على الدعوى". ثم بيّن بطلان ما تمسكوا به. انظر الجويني، الشامل، (ص/385-386). وقد ذكر هذه الطريقة في الإستدلال الآمديّ في "أبكار الأفكار" وأنها مما اعتمد عليه حُذاق المعتزلة وبعض الأشاعرة، ووصفها بأنها بعيدة عن التحصيل، ثم أورد ما ينقضها معتمدًا على أنّ عدمَ العلم ليس عِلمًا بالعدم. انظر الآمدي، أبكار الأفكار، (2/104).

(60) ) انظر الجويني، الشامل، (ص/387-388).

(61) ) انظر الجويني، الشامل، (ص/388).

(62) ) [سورة المؤمنون: ٩١].

(63) ) القضب: القطع، واقتضبته: اقتطعته من الشئ. واقتضاب الكلام: ارتجاله. انظر الجوهري، تاج اللغة، مادة (ق ض ب) (1/203). وابن منظور، لسان العرب، مادة (ق ض ب) (1/678).

(64) ) سقطت من (ج).

(65) ) انظر الجويني، الشامل، (ص/389-391).

(66) ) سقطت من (ج).

(67) ) في (ب): "بإيقاع".

(68) ) سقطت من المخطوطات، وهي هكذا في الإرشاد.

(69) ) سقطت من (ج).

(70) ) الجويني، الإرشاد، (ص/106-107).

(71) ) مكررة.

(72) ) في (ج): "ثانية".

(73) ) في (ج): "تفارق".

(74) ) سقطت من (ب).

(75) ) سقطت من المخطوط، وهي هكذا في الغنية. الأنصاري، الغنية، (1/468).

(76) ) سقطت من المخطوط، والسياق يقتضيها، وهي هكذا في الغنية. الأنصاري، الغنية، (1/468).

(77) ) سقطت من (أ)، وهي هكذا في (ب).

(78) ) الجويني، الإرشاد، (ص/107).

(79) ) الجويني، الإرشاد، (ص/108).

(80) ) سقطت من (ج).

(81) ) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/108-110).