أول ما نُصدِّر به الباب: الكلامُ في أقسام المعلومات، فإذا نجز غرضُنا منه فنرسُم أبوابًا في مُفْتَتح الأمر لا يتأتّى الخوضُ في حَدَث العالَـم إلّا بتقديمها، فمن ذلك:

"بابٌ في أقسام الموجودات"،

و"بابٌ في أقسام المحدثات"،

و"بابٌ في أحكام الجواهر والأعراض"،

و"بابٌ في حقيقة الجسم والأكوان"،

ثم نخوضُ بعد ذلك في حدث العالَـم وهو مِن أعظم المقاصد.

باب في أقسام المعلومات

قال أصحابنا: "المعلومات على ضربين: معدومٌ وموجودٌ"(1).

فالموجود: هو الشىء الثابت الكائن، وهو الذات والنفس والعين فكلّ هذه عبارات عن الشىء، فكلُّ شىءٍ موجودٌ، وكلُّ موجودٍ شىءٌ.

وما لا يوصف بالوجود لا يُوصف بكونه شيئًا، وما لا يوصف بكونه شيئًا لا يوصف بالوجود(2).

وذهبت المعتزلةُ إلى أنّ حقيقةَ الشىء هو المعلوم، وطردوا ذلك وعكسوه، وقالوا على مقتضاه: "كلُّ معدومٍ معلومٌ فهو شىء"(3).

فحصل مِن هذا أنّ المعلومَ عندنا كما انقسم إلى الوجود والعدم، كذلك ينقسم إلى شىءٍ وإلى ما ليس بشىءٍ، وإلى ثابت وإلى غيرِ ثابت؛ لـما بيّناه مِن أنّه لا فَرق بين الشىء والموجود والثابت والذات والنفس والعين(4).

ونقولُ: إن المعدومَ معلومٌ، وليس بشىءٍ ولا ثابتٍ ولا ذاتٍ، كما أنّه ليس [بموجود](5) بل هو المنتفي مِن كلّ وجه، ومعنى تعلّق العِلم به تعلّق العلمِ بانتفائه(6).

وعند معظم البصريّين من المعتزلة: لا معلومَ إلّا الشىء، وما ليس بشىء فليس بمعلوم)(7)(.

وعند أبي هاشم المحالات يتعلّق العلمُ بها وليست معلومة؛ إذ لو كانت معلومة لكانت أشياء، وأوّلُ مَن أحدث هذا القولَ منهم الشحّام(8) ثم تابعه معتزلةُ البصرة، ثم أثبتوا للمعدوم خصائص أوصاف الأنفس فقالوا: "إنّه جوهرٌ ولونٌ وعرضٌ وكوْنٌ ورائحةٌ وعلمٌ إلى غير ذلك مِن صفات الأجناس"(9)، ثم ناقضوا في أشياء: فلم يثبتوا للجوهر التحيّز، ولم يَصفوا العَرض بالقيام بالمحل، ولم يثبتوا في العلم التعلّقات والإضافات، ولم يُثبِت قيامَ الأعراض بالجواهر في العدم أحدٌ إلّا الشحّام(10).

وذهب كثيرٌ من المعتزلة إلى أنّ المعدومَ ليس بشىءٍ(11)، ويُعزى هذا المذهب إلى أبي الـهُذيل(12) وأبي الحسين(13) وهو مِن المتأخّرين، والكعبّي (ق18أ) وهشام الفوطي(14) والصالحيّ(15) وغيرِهم.

وصار بعضُهم إلى أنّ المعدومَ شىءٌ إطلاقًا ولم يزيدوا عليه، وهذا مذهبُ النصيبي(16) وابن عيّاش(17).

وصار أبو العباس الناشئ(18) إلى أنّ الشىءَ هو القديم، وإنّما يُسمّى المحدَثُ شيئًا توسُّعًا(19).

وذهب جهمٌ إلى أنّ الشىء هو الحادث، والربّ تعالى مُنشئ الأشياء ولا يتّصف بكونه شيئًا(20).

وذهب هشام بن الحكم(21) إلى أنّ الشىء هو الجسم، والعَرضُ لا يُسمى شيئًا(22).

واعلم أنّ المعتزلة أفسدوا على أنفسهم بالتزام هذا المذهب جملةَ القواعد وشوّشوا جميعَ أصول الدين، فأوّل ما نُفاتحهم به أنْ نقول:

أجمع العقلاءُ على الفصل بين الثابت والمنتفي، وبين الثبوت والنفي، وإذا حكمتم بأنّ المنتفي ثابت كالثابت فأيّ فَرْقٍ بينهما وقد استويا في الثبوت؟ ودعواهم بعد ذلك أنّ الفصل إنّما يكون بين الموجود والمعدوم لا معنى لها، فإنّ الموجود عندهم لفظ(23) خلى(24) عن المعنى، فإن المعدوم عندهم ثابت وذات ونفس وجوهر وعرض فلا يبقى بعد ذلك للموجود معنى.

ونقول: أجمع المسلمون على أنْ لا شىء مع الله تعالى في أزله(25)، وقد قال النبيّ ﷺ لعمران بن الحُصين: «كان اللهُ ولم يكن معه شىءٌ غيرُه»(26). وقد أثبتُّم مع الله تعالى في الأزل أشياء مِن الجواهر والأعراض بعدد أجزاء العالَـم وأضعافها.

وكذلك أجمعوا على استحالة ثبوت أعداد وذوات ينفصل بعضُها عن بعض بلا نهاية(27).

وأجمعوا أيضًا على استحالة تقدير جواهر لا مجتمعة ولا مفترقة((28)).

فإن قالوا: إنما أجمعوا على استحالة موجوداتٍ بلا نهاية، ونحن لا نقول إنّها موجودات. قلنا: أثبتّم معنى الوجود مِن الذات والشىء فلا يمكنكم إثبات معنى الوجود. ثم نقول لهم: ميّزوا مذهبَكم عن مذهب أصحاب الهيولى(29)، ولا سبيل لكم إلى ذلك فإنّكم أثبتّم عينَ ما أثبتوه مِن الجواهر والذوات، ونفيْتم ما نفوه مِن التحيّز والتشكّل، وزدتم عليهم فأثبتّم الصورَ والأعراضَ وهم لم يثبتوها أزلًا، فما نراكم تخالفونهم إلّا في تسميةٍ ولقب، فإنّكم أطلقتم عليها لفظَ الثبوت والشيئيّة والنفس والذات والجوهريّة ولم تُطلقوا لفظَ الموجود، وأصحاب الهيولى أطلقوا لفظ الوجود عليها لعِلمهم بأنْ لا فرق بين الثبوت والوجود.

وأجمع المسلمون على أنّ الربّ سبحانه خالقُ الجواهر والأعراض(30)، ولا يصحّ ذلك على مذهب هؤلاء.

فإنْ قالوا: نحن نقول: إنّه سبحانه موجِدُها ومبدِعُها ومُحدِثُها. قلنا: أتقولون إنّه أحدث عينَها وذواتها وجعلها [ذواتٍ](31) بعد أن لم تكن [ذواتٍ](32) أمْ أحدث غيرها؟

فمن نفى الحال منهم فلا مطمع له في الجواب ولا مَخلص له مِن الإلزام.

ومن أثبتها فيقول: إنّه سبحانه أحدثَ لذواتها الوجود، وهو حالٌ فصرفوا أثرَ قادريّة الإلـٰه سبحانه إلى الحال التي لا تتّصف بالوجود ولا بالعدم، ولا بكونها مقدورًا عليها ولا معجوزًا عنها، ولا معلومة ولا مجهولة، وإذا خرجت الذواتُ بخصائصها عن كونها مقدورة فلا يبقى للقادريّة أثرٌ أصلًا.

ثم لو جاز صرفُ أثر القادريّة إلى الحال فينحسم طريقُ إثبات الأعراض؛ إذ لا يبعُد صرفُ الأحكام المتجدّدةِ على الجواهر إلى أحوالٍ يخترعها الإلـٰه سبحانه للجواهر فتُعلّل الأحكام بها لا بالأعراض.

ثم لو كان الوجود صفةً للجوهر والعرض؛ لكان العِلم متعلّقًا بالذات مع الصفة، ولكان العالِـمُ يُحِسّ من نفسه عِلمًا بأمرين.

ثمّ نقول: كما امتنع على أصلكم الإيجادُ فيمتنع عليكم الإعدام، وبيانُه أنّ السوادَ ينتفي عن المحلّ بضِدّه مثلًا فلا يمكنكم أن تقولوا: انتفت سواديّتُه وذاتُه عن المحل، فإنّها ثابتةٌ مع وجودِ الضدّ، وإنما انتفى وجودُه، وعندكم السوادُ والبياض لم يتضادّا لوجودهما، فإنّ التضادَّ من خواصّ الصفات ومن صفات الأنفس، فيَلزم على مقتضى مذهبِكم ثبوتُ ذات السواد وذات البياض في المحلّ. فإن هم قالوا: انتفت سواديّتُه بالضِدّ، فقد أخرجوه عن كونه سوادًا وذاتًا في العدم. ه.

شبه المعتزلة

فإنْ قالوا: كلّ ما كان مِن أثر القدرة وجب أن يكون (ق18ب) إلى خِيَرة القادر إنْ شاء فعلَه وإن شاء تركه، ثم الصفاتُ تنقسم إلى الواجب والجائز، والواجب منها لا يتوقّف ثبوتُه على الفاعل فتعيّن صرفُ الجائز منها إلى كون القادر قادرًا، فثبت أنّ كون الذاتِ ذاتًا وجوهرًا وعَرضًا لا يثبت بالقدرة ولا يتوقّف ثبوتُها على الحدوث المقدور.

وهذا الذي ذكروه باطل؛ فإنّ كونَ الجوهر جوهرًا ذاتًا هو عينُ كونِه موجودًا عندنا، وتصويرُ جوهرٍ أو عرضٍ غير موجود تحكّم محض، على أنّ ما قالوه يَبْطلُ عليهم بما أثبتوه مِن الصفات التابعة للحدوث، فلا يُنكرون على من يُثبت الصفاتِ التابعةَ الواجبةَ على زعمهم لدى الحدوث كالتحيّز وقيامِ العَرض بالمحلّ ونحوِ ذلك، فإنّ ثبوتَ هذه الصفات لازمٌ عندهم وليس مِن أثر القدرة، ثم لـم يُثبتوها قبلَ الحدوث، فبِمَ تُنكرون على من يُثبت سائرَ صفاتِ النفس على اللزوم عند الحدوث؟ وهذا لا جواب لهم عنه.

ثم إنّ ساغ لهم أن يقولوا: حدوثُ العَرض مقدور، وقيامُه بالمحلّ واجبٌ مع الحدوث غيرُ مقدورٍ، ساغ أن يُقال: لا بل قيامُه بالمحلّ هو المقدور، ويَثبت معه الحدوثُ واجبًا غيرَ مقدور، فإنّهم لو حاولوا فرقًا بين وجود العَرض وبين قيامه بالجوهر، أو بين وجود الجوهر وبين تحيُّزه بحيث يتميّز أحدُهما عن الآخر لم يجدوا إليه سبيلًا، وما قالوه مِن أنّ المقدور مما يثبت فيه الخِيَرة يَبْطَلُ عليهم بأصول منها:

أنّ العِلمَ بالألم مع الألم عند انتفاء الآفات عن الحيّ مما يلزم ثبوتُه واجبًا وهو مقدورٌ، وحدوثُ العِلم عند تذكر النظر واجبٌ وهو مقدور عندكم، وغير ذلك.

فإن قالوا: لو كانت الذاتُ من حيث كونُها ذاتًا بالفاعل؛ لوجب أن تكون ذاتُ القديم سبحانه متعلِّقة بالفاعل. قلنا: يبطل بالوجود.

فإن قالوا: لم يكن الوجود بالفاعل لمحضِ الوجود، وإنما افتقرَ إلى الفاعل لتجدده. قلنا: كذلك في الذوات والأنفس

ومن كلامهم أن قالوا: لو لم يتميّز الجوهرُ في العدم عن غيره لم تصحّ إعادتُه على التعيين دون غيره مما لم يوجد. قلنا: ولو ثبتت في العدم جواهر بلا نهايةٍ لَـمَا تعيّن آحادُها للفاعل إذا أراد إيجادَها. ثم نقول: في الإعادة تتميّز الذات بأنّها التي كانت موجودةً قبل.

ومما يتمسّكون به أنْ قالوا: المعدوم معلومٌ، وشرطُ المعلوم أنْ يكون ثابتًا مضبوطًا يتوكّأ عليه العلم؛ إذ لا فرق بين أن يقول القائل: "لا أعلم" وبين قوله: "أعلم لا"، فالعلمُ إذًا لم يتعلّق إلّا بشىء. قالوا: ولو(33) لم يتميّز السوادُ عن الحُمرة في معلوم الفاعل، أو الجوهرُ عن جوهرٍ مثلِه في معلومه، لَـمَا صحّ تقديرُ القصد إلى بعضها، والإيجاد من بعض، وقد ذكرنا أنّ هذا مما يلزمهم بأن يكون شيئًا أيضًا لا يتعيّن ولا يتميّز عن الغير، ثم العلمُ القديمُ متعلّقٌ بما سيكون، وكذلك الإرادةُ القديمةُ تابعةٌ للعلم، ومتعلّقةٌ به على التفصيل بالوقت والقدر والصفة، والأزليّ لا يُعلّل ولا يُكَيّف.

قالوا: لو جاز أن يكون معلومًا وليس بشىءٍ، جاز أن يكون مُدرَكًا وليس بشىءٍ، ولا يتأتّى الجوابُ عن هذا إلّا بعقْد فصلٍ في إيضاح كون المعدوم معلومًا. ه

فصل

قد ذكرنا أنّه ليس مِن شرط كون المعلوم معلومًا أن يكون شيئًا، ومعنى كون المعدومِ معلومًا تعلّق العلم بانتفائه، فكما يتعلّق العلمُ بالثبوت كذلك يتعلّق بالانتفاء.

ونُقل عن بعض المعتزلة، وبعض الكرّاميّة أنّ المعدومَ ليس بمعلوم(34).

وقال الأستاذ أبو إسحاق: "المعدومُ معلومٌ على تقدير الوجود"(35)، وهذا مذهبُ أبي الحسين البصريّ(36) فإنّه ذهب إلى أنّ المعدومَ ليس بشىءٍ، وإنما يُعلم على تقدير الوجود.

وحقيقةُ مذهبِ الأستاذ أنّ الانتفاءَ معلومٌ على الحقيقة، ولكن مِن ضرورة العلم بالانتفاء تعلّق العلم بتقدير شىءٍ؛ إذ المعدوماتُ تنقسم العبارة عنها خمسة أقسام:

منها: معلومٌ لم يوجد قطُّ ولا يصحّ أن يوجد، وهو المحالُ الممتنعُ ثبوته كاجتماع الضدّيْن، وكون الجسم في مكانيْن ونحو ذلك، فعُلِم انتفاءُ ما يستحيل ثبوته.

ومنها: معلومٌ لم يوجد قطّ ولا يُوجد أبدًا، وهو مما يصحّ وجودُه وذلك نحوُ ما عَلِمَ اللهُ تعالى أنّه لا (ق19أ) يكون، وأخبرَ أنّه لا يكون من مقدّراتِه نحوُ ردِّ أهلِ المعاد إلى الدنيا وخلق مثلِ العالَـم ونحو ذلك، وإنْ كان مما يصحّ فعلُه منه سبحانه، فما كان مِن هذا القبيل فيقال: عَلِم اللهُ تعالى انتفاءَ ما لو كان كيف كان يكون.

ومنها: معلومٌ معدوم في وقتنا هذا وسيوجد فيما بعدُ، نحوُ الحشر والجزاءِ والثوابِ والعقابِ وأمثال ذلك مما أخبر تعالى أنّه سيكون، فيُعلم انتفاء ما سيكون.

ومعلوم آخرُ هو معدومٌ في وقتنا وقد كان موجودًا قبل ذلك كالأمورِ الماضية، فيُعلم انتفاءُ ما قد كان، فيتعلّق العلمُ بالكون الماضي المقيد ثم بانتفائه.

ومعدوم يجوز أن يكون ويجوز أن لا يكون، ولا يُدرى أيكون أمْ لا يكون، نحو جوازِ تحريكِ الساكن مِن الأجسام، وجوازِ تسكين المتحرّك منها.

وبالجملةِ لا يتصوّر أن يكون نفيٌ إلا مستنِدًا إلى إثباتِ مُقدّرٍ، فثبت أنّ المعدوم معلومٌ على الحقيقة.

قال الإمام رحمه الله: "والظنُّ بالأصحاب أن لا يُخالفوا الأستاذ فيما أبداه"(37)، فإنّ النفي المطلقَ لا يُعلم إلّا مضافًا إلى ثابت مُقدّر، فمن قال: إنّ العلم لا يتعلّق بالعدم فقد أحال فيما قال، فإنّا نعلمُ بعلمٍ أنّ القيامة ستكون، وبعلمٍ انتفاءه الآن، وبعلم انتفاء ما مضى وانقضى، ومَن عَلِمَ أنْ ليس معه ثوب أصلًا فعلمُه ثابتٌ، ومتعلّقُه معلوم وهو انتفاءُ الثوب، والعاقل يفصل بين علمِه بوجود الثوب وبين علمِه بانتفائه، وأيضًا فإنّ المعدومَ متعلَّقُ القدرةِ والإرادةِ فمَا المانع من كونه متعلَّقَ العلم.

ونقول للمعتزلة: إذا فرضنا جوهرًا ثابتًا في العدم غيرَ موجودٍ فهل تعلمون انتفاءَ الوجود عنه أمْ لا؟ فإن قالوا: لا. يُقال لهم: كيف لا تعلمون انتفاءَ الوجود وهو ليس بموجود؟ وإذ لم تعلموا انتفاء الوجود فاعلموه موجودًا.

وإذا قالوا: نعلمُ انتفاءَ الوجود، فليس انتفاءُ الوجود شيئًا وقد علموه. وكذلك إذا قدّرنا جوهرًا موجودًا فانتفى الوجود عنه، فقد علمنا الانتفاءَ بعد العلم بالوجود، وليس الانتفاءُ شيئًا.

فإن قالوا: الواحدُ منا يعلم انتفاءَ المستحيل، وانتفاءَ ما يجوز وجودُه، فلو رجعا جميعًا إلى النفي المحض لَـمَا استبان الفرقُ بينهما، إذ النفيُ لا تميّز فيه فثبت أنّ الذي يجوزُ حدوثُه ذاتٌ.

قلنا: بم أنكرتم رجوعَ الفصل بين المعلومين إلى أنّه يجوز ثبوتُ أحدِهما وهو الجائز، ولا يجوز تقديرُ ثبوت الثاني وهو المستحيل، فثبت التميز بهذا الوجه، ولئن امتنع التمييزُ مِن غير إثباتِ ذاتٍ فقولوا يمتنع إلّا بتقدير ذاتيْن، إذ كما يبعد التمييزُ بين نفس[هكذا في المطبوع:نفيين ق19ب 11من تحت]، يبعد التمييز أيضًا بين ذات وما ليس بذات، فأثبتوا المستحيلَ ذاتًا؛ لتميزوا بين ذات الجائز وذات المستحيل. ونقول لهم: إذا لم يكن المحالُ شيئًا، فقولوا: إنّه ليس بعلمٍ كما قلتم إنّه ليس بمعلوم، وقولوا: إنّ نفي الشريك لله تعالى ليس ممّا يُعلم.

وأمّا قولهم: يجب أن يتميّز للصانع ما يُوجده مما لا يوجده. قلنا: نتصوّر في الواحد منّا التقديرات والخواطر والتصويرات، ويستحيل ذلك على الإلـٰه فلا يُطلق ذلك في حقّه، غيرَ أنّه سبحانه يقول: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ﴾ (38)، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ﴾(39) فالإلـٰه سبحانه يَفصل بين ما يستحيلُ ثبوتُه وبين وجودِه الواجب الذي لا بدّ منه، فهو سبحانه عالِـمٌ بما كان، وما يكون، وما لا يكون مما جاز أن يكون، وما لا يكون مّما يستحيل كونُه، ويعلم انتفاءَ ما لا يكون ممّا جاز أن يكون، وانتفاءَ ما لا يكون مما يستحيل كونُه، ولا يُتطرّق إلى ذاته ولا إلى صفاته الجوازُ والتقدير.

وقولهم: لو جاز أن يُعلم ما ليس بشىءٍ لجاز أن يُدرك ويُرى ما ليس بشىءٍ. يقال لهم: لـم قلتم ذلك؟ ومَا الجامع بين العلم والإدراك؟ ولو جاز اجتماعُهما مِن غير دليلٍ لجاز افتراقُهما من غير دليل، ثم الفرق بينهما لائحٌ(40)؛ وذلك أنّ الإدراك يقتضي تعيين المدرَكِ ولا يتعلّق به على جهة التقديرِ بخلاف العلم.

وأما قول مَن قال (ق19ب): المعدوم شىءٌ فقط مِن غير اختصاص. قلنا: تقديرُ شىءٍ غيرِ موصوفٍ بصفةٍ تميّزه عن غيره غيرُ معقول أصلًا، ولهذا أثبتَ الشحّامُ ومَن تابعه للمعدومِ خصائصَ الصفات، ثم الصفاتُ التي أثبتوها للمعدومِ ليست مميِّزةً بعضَها عن بعض ولا مخصِّصَة، فإنّ الجواهرَ إذا لم تتحيّز لا تخصّصها الأحياز[في المطبوع: الإعتبار] ولا المعاني والأعراض، وكذلك الأعراضُ إذا لم تختص بالمحال فليست معقولةً ولا متميّزةً بعضُها عن بعض فقُصارى مذهبهم تقديراتٌ وهميّة. فأما تقديرُ ثبوتها وكونها أشياء(41) تقديرٌ محال.

ومن قال: إنّ المعدومَ شىءٌ غيرُ موصوف بصفةٍ، فلا يصحّ على أصلِه تعلُّقُ العِلم به على التعيين، ولا تمَيُّز بعضُه عن البعض بالعلم. فإن قال: أُسـمّيهسأسمّيه شيئًا إطلاقًا لأنّ الله تعالى سمّاه شيئًا فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا﴾ (42)، وقال: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (43). قلنا: لا شكّ أنّ الزلزلة التي ستكون في الآخرة ليست شيئًا عظيمًا في وقتنا عند المعتزلة، ثم لا يمتنع تسميةُ ما سيصير شيئًا في المستقبل شيئًا في الحال تجوّزًا، كما قال سبحانه خبرًا عن أحد الفتيَيْن: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ﴾ (44) أي أعصرُ ما سيصير خمرًا(45)، وكذلك قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا﴾ معناه: ولا تقولنّ لِـمَا إذا فعلتَه كان شيئًا(46)، ولو كان شيئًا قبل الفعل فلا معنى لفعله.

وقد سمّى اللهُ تعالى الدخانَ سماءً والزَبَد أرضًا قبل أن خلقَهما سماءً وأرضًا على معنى أنّه إذا جعلهما كذلك كان(47) سماءً وأرضًا(48)، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا﴾ (49)، ثم قال سبحانه لزكريا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾(50).

وقول مَن قال: "لا شىء إلّا الحادث أو الجسم"(51) باطلٌ، فإنّ الله تعالى سمّى نفسَه شيئًا فقال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ﴾(52)، وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ (53)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ﴾(54) فسمّى العَرَض في هاتين الآيتين وفي غيرهما شيئًا، وقد نجز غرضُنا مِن هذا الباب، والله ولي التوفيق.


(1) انظر الباقلاني، تمهيد الأوائل، (ص/34). والرازي، التفسير الكبير، (2/324).

(2) وهو المعدوم. انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/218). والبغدادي، عيار النظر، (ص/311).

(3) انظر عبد الجبار المعتزلي، المغني، (5/؟؟).

(4) انظر الخوارزمي، مفاتيح العلوم، (ص/43). والصفار، تلخيص الأدلة لقواعد التوحيد، (ص/221).

(5) في (أ) و(ب): "بشىء"، وما أثبته أوفق للسياق وهو هكذا في الغنية. انظر الأنصاري، الغنية، (1/279).

(6) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/252).

(7) كتب المعتزلة

(8) هو أبو يعقوب، يوسف بن عبيد الله الشحّام البصري. هو شيخ أبي علي الجبائي. أخذ عن أبي الهذيل. كان على ديوان الخراج أيام الواثق. له عدة كتب منها "الاستطاعة على المجبرة" وكتاب "الإرادة". انظر العسقلاني، لسان الميزان، (6/325). وابن المرتضى المعتزلي، طبقات المعتزلة، (ص/71-72).

(9) انظر ابن متويه المعتزلي، التذكرة، (ص/71-73).

(10)

(11) انظر النيسابوري المعتزلي، المسائل في الخلاف، (ص/37-38).

(12) هو المعتزلي أبو الهُذيل، محمّد بن الهُذيل بن عبيد الله العَبْديّ، الـمعروف بالعَلَّاف. ولد في البصرة سنة (135ه=752م)، إليه تُنسَبُ الفِرقَة الهُذَليّة. كان مِن أبناء السبايا الذين أظهروا البِدَع، أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل تلـميذ واصِل بن عطاء. كان خبيثَ القوْلِ فارق إجماع الـمسلـمين. وفضائحه تترى تُكفِّرُه فيها سائرُ فِرَق الأُمّة وأصحابه فى الاعتزال أيضًا. من فضائحه قوله بفناء مَقدوراتِ الله عزّ وجل حتى لا يكون بعد فناء مَقدوراتِه قادرًا على شىء. توفّي سنة (235ه=849م). انظر الخطيب البغداديّ، تاريخ بغداد، (4/582). ابن المرتضى المعتزلي، طبقات المعتزلة، (ص/48،44).

(13) هو المعتزلي أبو الحسين، عبد الرحيم بن محمد بن عثمان، المعروف بالخياط. شيخ المعتزلة البغداديين، كتب عن يوسف بن موسى القطان، هو من نظراء الجبائي. له عدة كتب مصنفة منها كتاب "الاستدلال" و"نقض كتاب ابن الراوندي في فضائح المعتزلة". انظر الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، (12/373). وابن المرتضى المعتزلي، طبقات المعتزلة، (ص/85).

(14) هو المعتزلي أبو محمّد، هشام بن عمرو الفوطيّ الكوفيّ، إليه تُنسبُ الفِرقة الهِشامِيّة. أخذ عنه عبّادُ بن سليـمان، وفضائحه بعد ضلالته بالقَدَر تترى منها أنّه حرّم على النّاس أنْ يقولوا "حسبُنا الله ونِعم الوكيل"، توفّي نحو سنة (221ه=835م). انظر السمعانيّ، الأنساب، (13/414-415). وابن المرتضى المعتزلي، طبقات المعتزلة، (ص/61).

(15) هو أبو الحسين، محمد بن مسلـم الصالحيّ، مِن أهل البصرة الذين جمعوا بين القَدَر والإرجاء، كان له في ذلك مُناظرات مع أبي الحسين الخيّاط. زعم أنّ الصلاة ليست بعبادة لله تعالى، وأنّه لا عبادة له إلّا الإيمان به وهو معرفته. الصفديّ، الوافي بالوفيات، (5/19). وابن المرتضى المعتزلي، طبقات المعتزلة، (ص/72).

(16) هو المعتزلي أبو إسحاق، النصيبي. أخذ عن أبي عبد الله البصري. أخذ عنه المرتضى أبو القاسم الموسوي. انظر ابن المرتضى المعتزلي، طبقات المعتزلة، (ص/114، 117).

(17) هو المعتزلي أبو إسحاق، إبراهيم بن عياش البصري، تلميذ أبي هاشم الجبائي. درس عليه القاضي عبد الجبار المعتزلي. له كتاب في إمامة الحسن والحسين وفضلهما. انظر ابن المرتضى المعتزلي، طبقات المعتزلة، (ص/107).

(18) هو المعتزلي أبو العباس، عبد الله بن محمد الناشئ الأنباري، شاعر مشهور، يُعرف أيضًا بابن شِرشِير. أصله من الأنبار وسكن مصر وتوفي بها سنة (293ه=905ر). انظر ابن المرتضى المعتزلي، طبقات المعتزلة، (ص/92-93). وابن خلكان، وفيات الأعيان، (3/91-93).

(19) انظر الآمدي، أبكار الأفكار، (3/383).

(20) انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/239). والرازي، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، (ص/68).

(21) هو الرافضيّ المشبه أبو محمد، هشام بن الحكم الشيباني الكوفي. إليه تُنسب الفرقة الهِشامية، كان مفرطًا في التشبيه والتجسيم. توفي نحو سنة (239ه=853م). انظر أبو مظفر الإسفراييني، التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، (ص/120). والشهرستاني، الملل والنحل، (1/184).

(22) انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/96).

(23) سقطت من (ب).

(24) كتبت في (أ): "خِلْو".

(25) انظر ابن القطان، الإقناع، (1/23).

(26) سبق تخريجه (ص/83).

(27) لأنّ هذا يقتضى ألّا تكون أجزاؤها محصورة عند الله تعالى، وفي هذا ردُّ قوله: ﴿وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ [سورة الجن: ٢٨]. انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/363).

(28) انظر الآمدي، غاية المرام في علم الكلام، (ص/248).

(29) الهيولى: لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة. وأثبتت الفلاسفة الهيولى وزعموا أنها أزلية وأنها أصل العالم وطينته، وأنها إذا تركبت مع الصورة وُجِدَ الجسم. وقالوا في تعريفها: هي جوهر في الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال محل للصورتين الجسمية والنوعية. وأنكر أهل الحق الهيولى، وقالوا: إن الجسم مركب من جواهر مفردة، وصفاته أعراض قائمة به. انظر المكلاتي، لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول، (ص/55). والجرجاني، التعريفات، (ص/257).

(30) انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/366). وابن القطان، الإقناع، (1/13).

(31) في (أ): "ذواتًا".

(32) في (أ): "ذواتًا".

(33) سقطت من (ب).

(34) انظر الجويني، الشامل، (ص/137). والآمدي، أبكار الأفكار، (3/381).

(35) انظر الجويني، الشامل، (ص/138).

(36) هو المعتزلي أبو الحسين، محمد بن علي البصري. أخذ ببغداد عن القاضي عبد الجبار المعتزلي. له كتب منها "المعتمد في أصول الفقه" و"تصفح الأدلة" وغيرهما. توفي ببغداد سنة (436ه=1044م). انظر ابن المرتضى المعتزلي، طبقات المعتزلة، (ص/118-119). وابن خلكان، وفيات الأعيان، (4/271).

(37) انظر الجويني، الشامل، (ص/138).

(38) [سورة الأنبياء: ٢٢].

(39) [سورة المؤمنون: ٩١].

(40) لائح أي برز وظهر. انظر الأزهري، تهذيب اللغة، مادة (ل و ح) (5/161). والزبيدي، تاج العروس، مادة (ل و ح) (7/106).

(41) سقطت من (ب).

(42) [سورة الكهف: ٢٣].

(43) [سورة الحج: ١].

(44) [سورة يوسف: ٣٦].

(45) انظر الزجاج، معاني القرءان، (3/109). والماوردي، النكت والعيون، (3/36).

(46) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/253). والرازي، التفسير الكبير، (21/451، 23/200).

(47) وتقدير الكلام: "كان المجعول سماءً وأرضًا".

(48) انظر الطبري، جامع البيان، (1/431). والنسفي، مدارك التنزيل، (3/228).

(49) قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ [سورة فصلت: ١١].

(50) قال تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ [سورة مريم: 7-٩].

(51) وهو ما ذهب إليه جهم بن صفوان. وقد سبق تخريجه (ص/5).

(52) [سورة الأنعام: ١٩].

(53) [سورة القمر: ٥٢].

(54) [سورة الكهف: ٢٣].