الذي صار إليه معظمُ الدهريّة((163)) حدوثُ الأعراضِ مع اعتقاد قِدَمِ الجواهر، فصاروا إلى إثباتِ حوادثَ لا أول لها، وأنّ الجواهرَ القديمةَ لـم تزل محلًّا للحوادث(164).
وصار آخرون إلى أنّ الجواهرَ وهي الهيولى كانت خاليةً عن الصور والأعراض ثم حدثت الأعراض(165).
وسنرُدُّ على الفريقين، وغرضُنا الآن الردُّ على فِئة صاروا إلى قِدَمِ الأعراض.
وإثباتُ حدوث الأعراض ينبني على أصولٍ:
منها: إيضاحُ استحالةِ عَدَمِ القديم.
ومنها: تقديرُ استحالة قيامِ الأعراض بأنفسِها، واستحالة قيامِ العرض بالعرض. ومنها: استحالةُ الانتقال على الأعراض.
ومنها: الردّ على القائلين بالكُمون والظهور.
قال الإمام: "والأولى أن نَطْرُدَ دلالةً في حَدث الأعراض، ونُوردَ هذه الأصولَ في معرض الأسئلة، ونُثبتَ المقاصدَ منها في مَعْرِضِ الأجوبة".
فنقول: الجوهرُ الساكن إذا تحرّك فقد طرأت(166) عليه الحركةُ، ودلّ طروؤها على حدوثها، وانتفاءُ السكون لطروئها يقضي بحدث السكون؛ إذ لو ثبت قِدمُه لاستحال عدمُه.
فإن قيل: بم تنكرون على مَن يزعم أنّ الحركةَ كانت كامنةً فيه فظهرت، وانكمن لظهورها السكون؟
قلنا: لو كان كذلك لاجتمع الضِدان في المحلّ الواحد، وكما نعلـمُ استحالةَ كونِ الشىء متحركًا ساكنًا، فكذلك نعلـمُ استحالةَ اجتماعِ الحركة والسكون، إذ لا حقيقةَ لثبوتِ الحركة في المحلِّ إلا كونُ المحلّ متحركًا به، ولا معنى لكونِه متحركًا إلا قيامُ الحركة به، على أنّ الحركةَ تُوجِبُ كونَ محلّها متحركًا لعينها، فلو جاز ثبوتُها من غير أن توجِبَ حكمَها لَلزِمَ تجويزُ ذلك أبدًا فيها، وذلك يقلب جنسَها ويحيل حقيقتَها.
وقولنا بإيجاب الحركة حكمَها فيه تكلّفٌ، فإنّه يُوهم فصلًا بين العلّة والمعلول، ولا فصل بينهما على رأي المحققين؛ إذ تحركه وحركته واحدٌ إلا أنّ الأصحاب توسعوا في العبارة رومًا للتقريب والتسهيل.
ثم نقول: لو ظهرت الحركةُ مرّةً واستكنت أخرى، لكان ذلك اعتوارَ حكميْن عليها، وذلك يقتضي ثبوتَ نقيضيْن يقتضي أحدُهما كونَ الحركة باديةً، ويقتضي الآخرُ كونَها مُستكِنّةً خافية، فإنّ الدالَ على ثبوت الأعراض تعاقبُ الأحكام وتناوبُها على الجواهر، ثم يلزمُ لو قدّرنا الظهورَ والكمونَ معنيين: ظهورهما عند ظهور أثرهما أو كمونهما، ويتسلسل القول في ذلك.
فإنْ قيل: بم تنكرون على مَن يقول إنّ الحركةَ الطارئةَ على الجوهر منتقلةٌ إليه مِن جوهرٍ آخر؟
قلنا: لو كان كذلك لَلَزِمَ طريان حالة عليها لا تكون فيها انتقالًا، وذلك قلبٌ لجنسها وذلك محالٌ، ولو انتقلَ الانتقالُ لافتقرَ إلى انتقالٍ، وكذلك القولُ في الانتقال المنتقل وافتقارِه إلى الانتقال، فيؤدي إلى ما لا يتناهى.
على أنّا نقول: إنما يَعْرِضُ اعتوارُ الأحكام مِن الانتقالِ والظهورِ والكمون ونحوها على العَرَض لو قُدّر بقاؤه ثم قيامُه بنفسه، وكلا الأمرين ممتنعٌ في حق الأعراض.
فإن قيل: لِـمَ قلتم إنّ العَرضَ لا يقوم بنفسه ولا يقوم به العَرض؟
قلنا: إذا فرضنا الكلامَ في العِلـمِ ونحوِه، فنقول: إذا قامَ بنفسه فلا يخلو: إمّا أنْ يُعلـم به أو لا يعلـم به. فإن لـم يُعلـم به كان محالًا؛ لأنّ فيه انقلابَ حقيقتِه. وإنْ عُلـم به طولب القائلُ به بذكر العالـم به وتعيينه فلا يجدُ إلى إبدائه سبيلًا، وأيضًا فإنّ العَرض لو قام بنفسه لقَبِلَ العَرض، فإنّ المصحح لقبولِ المعاني القيامُ (ق27ب) بالنفس، وفي إبطالِ قيامِ العرض بالعرض إبطالُ قيامه بنفسه.
فإن قيل: لو كان المصححُ لقبول المعاني القيامَ بالنفس لجاز أن يكون البارئ سبحانه قابلًا للحوادث.
قلنا: لـم يستحل قيامُ الحوادث بذاته سبحانه من حيث كان معنى، وإنما استحالَ لأمرٍ آخر سيأتي ذكرُه في موضعه.
فإن قيل: لِـمَ أحلتم قيامَ العَرض بالعرض؟
قلنا: إذا فرضنا الكلام في العِلـم فنقول: لو جاز أن يقومَ به عِلـمٌ ليكون عالـمًا به جاز أن يقومَ به جهلٌ؛ إذ سبيلُ قيامِ أحدِهما كسبيل قيام الثاني، وما يقبل العلـمَ والجهلَ لا يخلو عنهما، ثم الكلامُ في العلـم القائمِ بالعِلـم كالكلام في العلـم الأول، فينبغي أنْ لا يخلو عن عِلـمٍ أو ضدٍ له ثم يتسلسل.
وإذا فرضنا الكلامَ في الكون وهو ما يخصص الجوهرَ بتقدير مكانٍ فإذا لـم يتصور في العَرض اختصاصٌ بالجهةِ لـم يُتصور قيامُ الكون به، ولو قدّرنا قيامَ كونٍ به مِن غير تخصيصٍ بجهة لأفضى ذلك إلى انقلاب جنسِه، فبطل إذًا قيامُ الكون بالكون.
فإن قيل: فما الدليل على استحالة عدم القديم؟
قلنا: الموجودُ الذي لا أولَ لوجوده لو جُوِّز عدمُه لـم يخل: إمّا أن يُقدّر عدمُه واجبًا في بعض الأوقات، أو يُقدَّرَ عدمُه جائزًا مع تجويز استمرار الوجود. فإنّ قُدِّرَ العدمُ واجبًا كان ذلك محالًا بالضرورة، فإنّ محصولَ القول بوجوب العدم يرجع إلى استحالة استمرارِ الوجود. فكأنّ هذا القائل يقول: "الموجودُ الذي لا أول لوجوده، يستحيل وجودُه في هذا الوقت المعين"، ولا يجوزُ تقديرُ وجودِه في هذا الوقت المعين، ولا يجوز تقدير وجوده فيه مع ثبوت الوجود له على الإطلاق أزلًا وأبدًا، ومع تماثل الأوقات وعدمِ تأثيرها في الجائزات والمستحيلات، وهذا معلومٌ بطلانه ضرورة.
وإن زعمَ الخصمُ أنّ عدمَه مجوّزٌ مع تجويز استمرارِ الوجود. فنقول: إذا تقابل الجائزان فلو ثبت العدمُ لـم يخل: إمّا يثبتُ لمقتضٍ أو لا لمقتضٍ، فإنْ ثبت لمقتضٍ لـم يخلُ ذلك المقتضي إمّا أنْ يكون طُرُوَّ ضِدٍّ لوجود القديم يتضمن نفيَه، وإمّا أنْ يكونَ ذلك انتفاءُ شرطٍ من شرائط الوجود، وإمّا أنْ يكون إعدامَ مُعدم.
وباطلٌ أن يكون عدمُه لطُرُوِّ ضدٍ مِن أوجه منها:
أنّ القديمَ القائمَ بالنفس لا ضِدّ له، فإن التضادَ إنما يتحقق بين معنيين يُقدّرُ قيامهما بمحلٍّ واحدٍ، على أنّا لو قدّرنا ضِدًّا طارئًا للقديم لـم يكن الضِدُّ بنفي القديم أولى مِن منع القديم الطارئ من الطُرُوّ، وهذا لا خفاءَ به.
والذي يُقرّر ذلك أنّا لو قدّرنا ضِدًّا مؤثّرًا في عدمِ القديم فلا يخلو: إمّا أنْ يُعدمَ القديمَ ثم يُوجِدَ ضِدَّه، أو يُوجدَ الضِدَّ ثم يُعدِمَ القديمَ. فإن قلنا: يُعدمُ القديمَ أولًا فلا أثر لِطُرُوِّ الضِدّ في العدم(167) إذ تحقّقَ العدمُ قبل الضِدّ. وإنْ قُدّرَ وجودُ الضِدّ أولًا فقد اجتمع القديمُ وضِدُّه في وقتٍ فلا يمتنع اجتماعهما في وقتيْن فصاعدًا.
ولو قدّرنا العدم بانتفاءِ شرطٍ من شرائط الوجود أو استمرار الوجود كان ذلك باطلًا مِن أوجهٍ أقربُها: أنّ ذلك الشرطَ إنْ كان قديمًا فيستحيل عدمُه، وإنْ قُدّرَ عدمُه فبتقدير انتفاءِ شرطٍ قديمٍ، يستند كلُّ مشروطٍ إلى شرطه فيتسلسل.
وإن كان حادثًا فالحادثُ مسبوقٌ بوجود القديم، فإذا تحققَ وجودُ القديم قبلَ شرطٍ فقد بانَ أنّه لا شرطَ له في وجوده، إذ المشروطُ لا يَعرى عن شرطه، وإن كان شرطًا في بقاء القديم واستمراره فلا يجوزُ انقطاعه أيضًا؛ لأنّ بقاءَ القديم قديمٌ وسبيل منع عدمِه كسبيل منعِ عدم الباقي، على أنّ الأزليّ الواجبَ الوجودِ واجبُ البقاء لا محالة.
وإنْ قُدّرَ انتفاؤه بإعدام الله تعالى وبقدرته (ق28أ) كان محالًا فإنّ العدمَ نفيٌ محض، والنفي لا يكون مقدورًا إذ لا فرق بين قول القائل: "قَدَرَ القادِرُ على لا شىء" وبين قوله: "لـم يقدرْ على شىء" وإنّما المقدورُ فعل لا محالة.
وإن قيل: إنّ العدم يثبت مِن غير مقتضٍ كان محالًا، فإن الذي وُجدَ أزليًا وكان جائزَ العدم في كلّ وقت ثم يُقدّرُ عدمُه في وقت مخصوصٍ دون سائر الأوقات مع القطع بأن لا تأثير للأوقات في النفي والإثبات، ثم لـم يكن ذلك لمقتضٍ ولا لقصد قاصدٍ ولا لبطلان شرطٍ، فهو باطلٌ على الضرورة.
وقال أبو الحسن رحمه الله: "وجودُ القديم لا مقتضٍ [في المطبوع: مقتضي] له وِفاقًا، وكلّ ما لا مقتضٍ له وهو ثابتٌ فهو واجبٌ لا محالة، ثم وجوبُ الوجود لا يختص بوقتٍ بل هو واجبٌ في كلّ وقتٍ وحالٍ، وما وجب وجودُه في كلّ حالٍ استحال عدمُه".
(163) الدهريّة طائفة من الملحدين، وهم في الأصل ثلاث فرق: صنف منهم أنكروا الخالق والبعث والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني، وهم الذين أخبر عنهم القرءان المجيد: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾[سورة الجاثية: ٢٤]، إشارة إلى الطبائع المحسوسة في العالم السفليّ، وقصرًا للحياة والموت على تركبها وتحللها، فالجامع هو الطبع والملك هو الدهر: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [سورة الجاثية: ٢٤]. وصنف أقروا بالخالق وابتداء الخلق والإبداع ولكنهم أنكروا البعث والإعادة، وهم الذين أخبر عنهم القرءان: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [سورة يس: ٧٨]. وصنف أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة، وأنكروا الرسل وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الدار الآخرة، وحجّوا إليها ونحروا لها الهدايا وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر، وأحلّوا وحرّموا وهم الدهماء من العرب. انظر الشهرستانيّ، الملل والنحل، (3/79-80)
(164) انظر الأشعري، رسالة استحسان الخوض في علم الكلام، (ص/42). وابن التلمساني، شرح لمع الأدلة، (ص/61).
(165) انظر الماتريدي، التوحيد، (ص/86). والبغدادي، أصول الدين، (ص/213).
(166) كتبت في (أ): "طرت".
(167) سقطت من (ب).