(59) /ب(48)
قالوا: مِن حُكْم القائمَيْن بأنفسهما أنْ يكونا متجاورَيْن أو مُتباينَيْن ثم استشهدوا في ذلك بالجوهرَيْن.
يقال لهم: ما الجامعُ بين الجوهرَيْن وبين القديم وبين العالـم؟ فإن راموا جمعًا بينهما بالقيام بالنفس مُنِعوا من ذلك. وقيل: لا قائم بالنفس إلّا الله تعالى.
فإن قالوا: نعني بالقيام بالنفس في الجوهر انفراده بجهة. قلنا: لم يكن علّةُ اختصاصه بالجهة قيامُه بالنفس بل مقتضى ذلك تحيّزه وتناهيه.
قالوا: سبرنا الأوصافَ رومًا للعثور على الوجه الذي يقتضي للجوهر المجاورة مع مثلِه أو المفارقة عنه فلم نَجِدْ وَجهًا سوى القيام بالنفس.
قلنا: هذه إحالةُ مجهولٍ على مجهول ولا يتلقّى مِن عدم العِلم عِلمٌ بل عدم العِلم يُورث حيرةً ووقفة.
وإن عادوا وقالوا: الموجود مع موجودٍ غيره إمّا أن يكون بحيث هو (ق 47أ) كالعَرض مع الجوهر، وإمّا أنْ يكون مباينًا عنه في جهةٍ من الجهات الستّ.
قلنا: علمتم ذلك ضرورةً أو دِلالة؟
فإن فزعوا إلى الشاهد وقالوا: وجدناه كذلك، ثم لا يجوز تعليل هذا الحكم بالحدوث؛ فإنّه موجودٌ عن عدم والعدم نفيٌ محض، فلم يبق إلّا الوجود، فعَلِمنا أنّ هذا حُكمُ كلّ موجودَيْن.
قلنا: بم تنكرون على مَن يقول: بل هذا قِسمةُ كلّ موجودَيْن عن عدم؟ وهذا كما قلتم في الموجودَيْن عن عدم: إمّا أن يكون قليلًا أو كثيرًا، لطيفًا أو كثيفًا، خلقًا أو مخلوقًا، جوهرًا أو عرضًا، فعلّلتم ذلك كلّه بالوجود عن عدمٍ كذلك ما نحن فيه.
ثمّ نقول لهم: ما أنكرتم أن يكون المقتضي لذلك الحيثيّةُ والحجميّة والنهايةُ ونعارضهم بشبهة الدهريّة: تقدير موجودَيْن متقدّمٌ ومتأخّرٌ وسابقٌ ومسبوقٌ لا يعقل إلّا إذا كان بينهما نسبة، فيقال: تأخّر هذا عنه بِكَم؟ وتقدّم هذا على الآخر بِكَم؟ فيعارض قولُ هؤلاء بقولِ هؤلاء، ويضطرّ كلُّ واحدٍ منهما إلى الاعتراف، بأن المقتضي للأنساب النهاياتُ، ومَن لا يتناهى في ذاته ولا في وجوده لا يناسب المتناهي، ومَن لا حيث له لا يناسب مَن له حيث، ومن لا حجم له لا يحدّه قطرٌ ولا يقدّره مكان.
ثم نبطل ما ذكروه بالعَرضيْن في محلَيْن ليس أحدُهما بحيث الآخر، ولا يُناسبُه بتقدير مكانٍ.
وكيف يعقل قائمٌ بالنفس منفردٌ بجهة وليس له خمسُ جهات؟ والذي يقتضيه العقلُ أنّ ما له جهة فله ستُّ جهات، وما لا ينقطع مِن بعض الجهات لا ينقطع مِن سائرها، وأنّ كلَّ قائمَيْن بأنفسهما إذا صحّ أن يكونَ أحدُهما تحت الآخر أسفلَ منه صحّ أنْ يكون عن يمينه أو يساره أو فوقه؛ فإنّه إذا جاز تباينهما جازَ اجتماعُهما وتجاورُهما. فأمّا تعيين قائمٍ بالنفس له جهةُ تحت دون سائر الجهات، وأنّه يجب أن يكون مباينًا عن القائمات بأنفسِها، ولا يجوز أن يكون مجاورًا لها، وأنّه يُحاذي الأجرام ولا يتقدّرُ بمقدارها، وأنّه يختصّ بمكانٍ أو جهةٍ ولا يتقدّر بمقدارِ المكان أو الجهة، فذلك خروج عن المعقول.
فإن قالوا: إنّما لا يُعقل ما قدّرتموه في الجسم الصغير، والربّ سبحانه عظيم لا حيث له فلا يقبل هذا التقدير.
قلنا: المراد بالعظمة أحدُ أمرين: إمّا كثرة الأجزاء، وإمّا عِظَمُ الرُّتبة، هذا هو المعقول في اللغة(151)، ودعواكم: "أنّ معنى عِظَمِه أنّه يُلاقي بوحدته جميعَ أجزاء العرش" باطلة، ولايشهد لهذا القولِ عقلٌ ولا نقلٌ عن أهل اللسان ولا شرعٍ.
والذي هو أُحديّ الذات مع استحالة الانقسام عليه كيف يُلاقي المنقسمات والأجرام الكبيرة؟ ولو جاز أنْ يُلاقيها جازَ أن يُماسّها. وقُصارى هذا الكلام يرجع إلى نفي الوَحدة ونفي الجهة؛ فإنّ ما انحصرَ في جهةٍ وانقطع عليها يجب تناهيه في جهته، وتقديره بمقدارٍ ما يحاذيه، ولا يحاذي أكبرَ منه.
وقد قدّمنا هذه النكت وأوضحناها في فصل القائم بالنفس.
فإن عادوا وقالوا: الموجودُ ينقسم إلى ما لا يتحيّزُ كالعَرض، وإلى ما يتحيّزُ وهو القائم بالنفس فقد أجبنا عن هذا في ذلك الفصل.
فإن قالوا: إذا لم يكن القديمُ سبحانه في حُكمِ الأعراض يجب انفرادُه ومباينتُه، ولا يعقل ذلك إلّا بالاختصاص بالجهة.
قلنا: القيام بالنفس معناه الاستغناءُ عن المحلّ، فإنْ كان المستغني عنه حجمًا يقتضي جهةً لحجميّته فقط، وإن لم يكن حجمًا فلا يقتضيها فإنّه غير موهوم وهذا كما قلنا في الزمان.
وما تشبّثتم به من الانفرادِ والـمُباينة، إنْ عنيتم بذلك: مُباينة عُزْلة فذلك مِن صفات (ق47ب) الأجرام(152)، وإنْ عنيتم به: مُباينةَ المخالفة، فذلك مسلّمٌ من حيث المعنى، وقد يطلق ذلك في العَرضيْن فيقال: "بينهما بون بعيدٌ"(153)، و"هذا يُباين ذلك"، و"هذا ينفرد بصفاته" و"هو فريدُ وقته"، وكلّ هذا مستعمل لا بمعنى المكان والجهة.
وإن أُريد بالـمُباينة: أنّه ليس بين الطبقتين فذلك صحيحٌ في المعنى، غيرَ أنّه إنّما يتصوّر مُباينته عن العالَـمِ بمكان يَحُدّه ويحويه، أو جهة ينحصر فيها وينقطع عليها، ومن لا حدّ له ولا منقطع، لا يتصوّر في حقّه مُباينة عُزلة أو خروج أو دخول(154).
فإن عادوا وقالوا: الموجود إذا لم يكن بجنب (في ط:بحيث) موجودٍ، فمن ضرورته أنْ يكون في جهة عنه.
قلنا: لم قلتم ذلك أبضرورة عرفتموه أم بدليل؟ ولا سبيل إلى دعوى الضرورة؛ لأنّ كثيرًا مِن العقلاء أثبتوا موجوداتٍ في حكم القائمات بأنفسها مع استحالةِ التحيّز والجهة عليها؛ فإنّ الفلاسفة أثبتوا العقل والنفس والعلة الأولى كذلك(155)، والمعتزلة البصريّة أثبتوا إراداتٍ لا في محالّ، وجوّزوا ثبوتَ التعظيم والإهانةِ والفناء(156)، وكلّ ذلك مستغنيات عن المحلّ مِن غير مباينة ولا اختصاصٍ بجهة، فإن نزلوا عن دعوى الضرورة فلا دليلَ لهم سوى التمسّك بالشاهد، وقد بيّنّا أنّ العلّةَ في ذلك الحجميّةُ لا غير.
فإن قالوا: لو لم يكن القديم سبحانه متحيّزًا، لجاز أن يوجد بحيث وجودِه متحيّز. قلنا: القديم سبحانه لا حيث له، وحروف الظروف مثل: "حيث" و"أين" و"في" ونحوها إنما تُطلق فيما له حجمٌ وحيث.
ونعارضهم بأنّه لو لم يكن متحيزًّا مع الاختصاص بالجهةِ، لجاز أنْ يوجد بحيث وجوده متحيّزٌ، كما قلتم في الكون واللون ونحوهما. فإنّكم قلتم: إنّهما في جهةٍ ومع ذلك يجوزُ أن يكون جوهرًا بتلك الجهة، ثم الجمع مِن نفي الجهة والاختصاص بالجهة تناقض.
ثم نقول: لو كان متحيّزًا لكان مُحاطًا به. فإن قالوا: مَن رجع إلى نفسه وأنصف عَلِمَ: أنّ الموجودَ الذي مستحيلٌ (في ط: يستحيل) اختصاصُه بجهةٍ، ويستحيلُ ربطُ المعرفة بجهتِه غيرُ معقول، ومَن رام معرفةَ شىءٍ، سبق عقلُه إلى تطلّب جهتِه.
قلنا: هل عرفتم ذلك ضرورة أو دلالة؟ ولا سبيل لهم إلى إثبات دعواهم.
ثم نقول: مَن عُرِف بالجهة عُرِف أن له جهات كالجواهر، ثم يجوز عليه ما يجوز على الجوهر، ومن أنصف وراجع عقلَه اعترف بما قلناه.
ثم نقول: سبيلُ التوصّل إلى درك المعلومات الأدلّةُ دون الأوهام، ورُبَّ أمرٍ يَتوصّل العقلُ إلى ثبوته مع تقاعِد الوهمِ عنه، وكيف يُدرِك العقلُ موجودًا يحاذي العرشَ مع استحالةِ أنْ يكون مثلَ العرش في القدْر أو دونه أو أكبر منه؟ وهذا حكمُ كلّ مختصٍّ بجهة.
ثم نقول: الجوهرُ الفردُ لا يتصوّر في الوهم وهو معقولٌ بالدليل، وكذلك الوقتُ الواحد والأزل والأبد، وكذلك الروح عندَ مَن يقول: إنّه جسم، ومَن أراد تصويرَ الأرض والسماء مثلًا في نفسه فلا يُتصوّر له إلّا بعضُها، وكذلك تصويرُ ما لا نهاية له مِن معلوماتِ الله تعالى ومقدوراته. فإذا زالت الأوهامُ عن كثيرٍ من الموجودات؛ فكيف يُطلب بها القديمُ سبحانه الذي لا تشْبِهُه المخلوقاتُ؟؟
فهو سبحانه لا يتصوّر في الوهم، فإنّه لا يُتصوّر إلّا صورة ولا يُتَقَدّر إلّا مُقدَّرٌ، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ﴾ (157)، ومَن لا (ق48أ) مِثْلَ له لا يتمثّل في الوهم، فمن عَرَفه عَرفه بنعتِ جلالِهِ بأدِلّة العقول، وهي الأفعالُ الدالّة عليه وعلى صفاته.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ﴾ (158): "إليه انتهى فِكْرُ من تفكّر"، هذا قول أُبي بن كعب(159) وعبد الرحمـٰن بنِ أَنْعُم(160)، وروى أُبي بنُ كعب عن النبيّ ﷺ: «لا فِكرة في الربّ»(161)، وروى أنسٌ(162) أنّ النبيّ ﷺ قال: «إذا ذُكر الله تعالى فانتهوا»(163)، وقال: «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق»(164).
فإن قيل: كيف يُعقل موجودٌ قائم بالنفس، ليس بداخلِ العالـم ولا خارجٍ منه؟ قلنا: عرفتم استحالةَ ذلك ضرورةً أم دلالةً؟ وقد أوضحنا معنى مباينته بالنفس.
وهكذا الجواب عن قولهم: خلق الله تعالى العالَـمَ في نفسِه أمْ مباينًا عنه؟ قلنا: خلقَه على مقدارِ نفسه أو أكبرَ منه أو أصغرَ أو فوق نفسِه أو تحته؟ ثم نقول: حروف الظروف إنما تستعملُ في الأجرام المحدودة، وكذلك الدخول والخروج مِن هذا القبيل وكذلك المماسّة والمباينة، وقد أجبنا عن المباينة.
فإن قالوا: كيف يُرى بالأبصار مَن لا يتحيّزُ ولا يقوم بالمتحيّز؟ قلنا: الرؤية عندنا لا تقتضي جهةً ولا مقابلةً، وإنّما تقتضي تعيين المرئيّ وبهذا تتميزُ عن العلم؛ فإنّ العلمَ يتعلّق بالمعدوم وبالمعلوم على الجملة تقديرًا، وكذلك لا تقتضي اتصالَ شعاعٍ بالمرئيّ فهي كالعِلم أو في معناه.
فإن قيل: ألستم تقولون الإدراكُ يقتضي تعيين المدرَك؟ قلنا: لا يقتضي تعيينه ولا تحديده.
فإن قالوا: كيف يُدرك وجودُ الإله سبحانه؟ قلنا: لا كيفيّة للأزليّ ولا حيث له، وكذلك لا كيفيّةَ لصفاتِه، ولا سبيل لنا اليوم إلى الإخبار عن كيفيّةِ إدراكِه ولا إلى العِلم بكيفيّةِ إدراكه، وكما أنّ الأكْمه الذي لـم يُبصر الألوان إذا سُئِل عن الميْز بين السواد والبياض والإخبار عن كيفيّتهما فلا جوابَ له، كذلك نعلم أنّ مَن لا جهةَ له لا يُشار إليه بالجهة.
فإنْ قالوا: مَن أبصر شيئًا يُمكنه التمييزُ بين رؤيتِه لنفسِه وبين رؤيته ما يراه، فإذا رأيتم الإلـٰه سبحانه كيف تميّزون بين المرئيَيْن؟ قلنا: مَن لا جهةَ له لا يُشار إليه بالجهة، ومَن لا مِثل له لا إيضاح له بالـمِثال، ومَن لا أشكال له فلا أشكال فيه.
ثم نقول لهم: أنتم إذا رأيتم الإلهَ كيف تميّزون بينه وبين العرش وهو دونه سبحانه بالرؤية؟ أتميّزون بينهما بالشكل والصورة أم باللون والهيئة؟ ومن أصلكم أنّ المرئيّ شرطُه أن يكون في مقابلة الرائي، وكيف يَرى القديمُ سبحانه نفسَه؟ وكيف يَرى الكائناتِ مع استتار بعضِها ببعض؟ فلا يرى على هذا الأصلِ بطونَ الأشياء، وهذا خلاف ما عليه المسلمون. وإذا كان العرشُ دونه فلا يحجبه عنّا حالة الرؤية.
قال الأستاذ أبو إسحاق: "مَن رأى الله تعالى فلا يرى معه غيرَه"(165)، فاندفع السؤالُ على هذا الجواب.
(151) ) انظر ابن منظور، لسان العرب، مادة (ع ظ م) (12/409). والزبيدي، تاج العروس، مادة (ع ظ م) (33/110-111).
(152) ) تنبيه: قد شذّ ابن تيمية الحرانيّ ومن تبعه فاستعملوا لفظ "المباينة" في حقّ الله عزّ وجلّ وهو يقصد بأنه منفصل عن خلقه كانفصال الجسم عن الجسم والعياذ بالله. وقد عبر في الكثير من كتبه بعبارة: "مستو على عرشه بائنٌ من خلقه والخلق بائنون منه" وهو يقصد بها الانفصال كما يظهر هذا في مجموع فتاويه فإنه قال: "مباينٌ لها منفصل عنها ليس حالًا فيها"، وفي غيرهما من كتبه. حفظنا الله من الزلل. انظر ابن تيمية، التدمرية، (ص/68).
(153) ) الرازي، مختار الصحاح، (ص/؟؟).
(154) ) اشتهر عند أهل السنة التعبير بأنّ الله تعالى "مباين لخلقه" بمعنى نفي مماثلته ومشابهته لهم. وأما مباينة الذات بمعنى كونه منفصلًا عن غيره في جهة منه فهو مستحيل على الله. قال الأستاذ أبو منصور البغدادي في "الأسماء والصفات": "واختلفَ أصحابُنا في إطلاقِ لفظِ "المبايِنِ" في أوصافِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فكانَ عبدُ الله بنُ سعيد يقولُ: "إن اللهَ تعالى مبايِنٌ لخلقِه" وأرادَ بهِ المباينةَ التي هيَ ضِدُّ المماسة. وقالَ أيضًا: "إنه سبحانَهُ بايَنَ خلقَهُ لا بمسافةٍ ولا بتحيُّزٍ". وكان أبو الحسنِ رحمه اللهُ لا يُطلِقُ عليهِ اسمَ "المبايِنِ" إلا على معنى المخالفِ، فإذا قالَ: "إنه مبايِنٌ لخلقِه" أو "بائنٌ من خلقِه" فمعناهُ عندَهُ أنهُ مخالفٌ لخلقِه في الصفاتِ، كما يقالُ في العرَضينِ: "إنهما متباينانِ بالوصفِ والحقيقة". البغدادي، الأسماء والصفات، (1/330-331). = =وليس مراد ابن كُلَّاب بإطلاق المباينة التي هي ضِدّ المماسة إثباتَ انفصال الله تعالى بالمسافة والتحيز والجهة عن الخلق، بدليل نفيه التحيز والمسافة كما في العبارة الثانية. وقد أوضح الأستاذ أبو منصور رحمه الله مذهب ابن كُلَّاب رحمه الله عند تفسير اسم العليّ من أسمائه عز وجل، ونقل من كتبه عبارات تدل على مراده. فقال أبو منصور: "إنّ عبدَ الله بنَ سعيد قد قال في "نقضه على بشر المريسي": "إن الله تعالى عظيمٌ في نفسه، ولا شيء بأعظم منه في الذات بلا مساحة ولا أقطار، ولا يجوز أن يكون في شيء". ثم قال في هذا الفصل: "إنّه غيرُ محدود؛ لأن المحدود ما اعتورته النواحي، ويماسه ما هو من جنسه، والله سبحانه ليس بمماس". فهذا الفصل من كلامه دليلٌ على أنّه كان يُبطل وصفَ الله عزّ وجلّ بالحد والنهاية والمماسة والكون في مكان دون مكان، إلّا أنّه اختارَ القولَ بأنّه مباينٌ من خلقِه على معنى: أنّه ليس في العالم ولا العالم فيه، لا على معنى التحيز للخالق". وقال في كتاب الصفات أيضا: "الله عزّ وجلّ مباينٌ للخلق، وليس هو مباينًا للعرش بمسافة بينهما؛ إذ كانت المسافة لا تقع إلا بين الأجسام، والله عزّ وجلّ ليس بجسمٍ". وقال في باب السؤال عن المكان: "إن قال قائل: إنْ كان بائنًا من العرش فهل بينه وبين العرش هواء؟ قيل له: لا". فقد بيّن في هذا الكتاب أنّه يقول بمباينته للعرشِ ولسائر الأمكنة على معنى أنّه غيرُ مماس لها، لا على معنى التحيز والمسافة وتوسط الهواء فيما بينه وبين الأمكنة". البغدادي، الأسماء والصفات، (2/491-492). فيتضح مما سبق أنّ ما يُنسب إلى عبد الله بنِ سعيدٍ من أنّه قائل بالفوقية الحسيّة متمسكين بأنّه قائل بالمباينة هو محضُ كَذِب، وإنما مرادُه أنه يستحيل على الله أن يكونَ مماسًا لشيء من الأشياءِ لأنّه ليس جسمًا. وإذا ثبت تنزهه سبحانه عن المماسة لانتفاء الجسميّة عنه استحال عليه الانفصالُ بالمسافة والجهة للعِلّة عينها. وهو معنى ما صرح به علماءٌ من المذاهب الأربعة مِن أنّ الله تعالى ليس داخلَ العالم ولا خارجَه، ولا يُوصف بأنّه متصلٌ به أو منفصلٌ عنه. انظر أبا المعين النسفي، تبصرة الأدلة، (1/176-177). وابن الجوزي، دفع شبه التشبيه، (ص/129-130). والآمدي، غاية المرام، (ص/199-200). وميّارة المالكي، الدر الثمين، (ص/؟؟).
(155) )
(156) ) عبد الجبار المعتزلي، الأصول الخمسة، (ص/296).
(157) ) [سورة الشورى: ١١].
(158) ) [سورة النجم: ٤٢]
(159) ) هو سيد القُرّاء أبو المنذر، أُبي بن كعب بن قيس الأنصاري الخزرجي، شهد بدرًا والعقبة وغيرها من المشاهد. روى عنه ابن عباس وأبي هريرة وأنس بن مالك وغيرهم. هو أول من كتب لرسول الله ﷺ، وكان أقرأ الصحابة قال فيه رسول الله ﷺ: «وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كَعْب». توفي بالمدينة المنورة نحو سنة (33ه=653م). انظر النسائي، فضائل الصحابة، (ص/41). وابن عساكر، تاريخ دمشق، (7/308-348).
(160) ) هو عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم المعافري، ولد ببرقة سنة (75ه= 694م) وكان أول مولود في الإسلام بإفريقية بعد فتحها. ولي قضاء إفريقية، وكان عدلًا، صلبًا في قضائه. سمع من جُلّة التابعين، لكنه ضعيف الحديث. توفي سنة (156ه= 772م). انظر أبا العرب، طبقات علماء إفريقية، (ص/27). والمقريزي، مختصر الكامل في الضعفاء، (ص/488).
(161) ) انظر البغوي، معالم التنزيل، (4/316). وابن عطية، المحرر الوجيز، (5/207).
(162) ) هو خادم رسول الله ﷺ أبو حمزة، أنس بن مالك بن النَّضر الخزرجيّ النجّاريّ. خدم رسولَ الله ﷺ عشر سنين، ودعا له ﷺ بكثرة المال والولد وطول العمر ومغفرة الذنوب فتحقق دعاؤه فكان أكثر الأنصار ولدًا ومالًا حتى إنّ ثمره كان يحمِل مرّتيْن في السنة وعاش مائة عام. روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم. توفّي في البصرة سنة (93ه=711م). انظر ابن سعد، الطبقات الكبرى، (7/17-19). وابن الأثير، أُسْد الغابة، (1/151-152).
(163) ) رواه الطبرني من حديث عطاء عن أبي هريرة. الطبراني، مسند الشاميين، (3/308).
(164) ) قال اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد: "ذكره عبد الرحمن قال: وجدتُ في كتاب أبي نعيم بن حماد قال: "حق على كلّ مؤمن أن يؤمن بجميع ما وصف اللهُ به نفسَه، ويترك التفكر في الرب تبارك وتعالى، ويتبع حديث النبي ﷺ أنّه قال: «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق»، قال نعيم: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ﴾ [الشورى: 11]، ولا يُشبهه شىءٌ من الأشياء". اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، (3/582). ورواه أيضًا أبو الشيخ الأصبهاني. انظر أبا الشيخ الأصبهاني، العظمة، (1/216).
(165) )