ل/76 (ب)

فإن قال قائل: ما قولكم في الثِقل في الأجسام أهو من الأعراض الزائدة عليها أم هو راجع إلى أنفسها؟

قلنا: الذي صار إليه أكثر أصحابنا أنّ ذلك يرجع إلى ذوات الأجسام فكلّ جوهر ثقيل على هذا(482) الـمذهب، ولا يتصوّر تفاضل بين الجوهريْن في الثِقل، والزَبُرة من الحديد أثقل مما في حجمها من الخشب والحجر وإنما ذلك لأن أجزاء الزَبُرة أكثر والتخلخل فيها أقلّ(483).

وصار آخرون إلى أنّ الثِقل معنى زائد على وجود الجوهر(484)، ثم اختلف هؤلاء:

فقال القاضي(485) وغيره من الـمحقّقين: إنّ الثِقل عبارة عن اعتماد الشىء في جهة السُفل.

وصار صائرون إلى أنّ الثِقل معنى زائد على الاعتماد وهو من قبيل الأعراض (ق61أ).

ثم من صار(486) إلى أن الثِقل(487) هو الاعتماد فلا يجوّز جوهرًا أثقل من جوهر مع التساوي في(488) الاعتماد. ولا يتقرّر عندنا قيام اعتماديْن متماثليْن في الجوهر فيترتّب عليه تفاضل في الثِقل(489) الـمفسَّر.

فإن قال قائل: فهل يفارق هذا الـمذهب الـمذهبَ الأولَ، حيث قلتم في الـمذهب الأول إن الثِقل يرجع إلى كثرة الأجزاء؟

قلنا: يفترق الـمذهبان من وجهٍ؛ وذلك أن القائل الأول يمنع خِفّة الجوهر ويقطع بثِقل كلّ جوهر.

ومن صرف الثِقل إلى الاعتماد فيقول: قد يتّصف جوهر بالثِقل بأن يكون فيه(490) اعتماد سفليّ، ويتّصف جوهرٌ بالخفّة بأن يكون فيه اعتماد علويّ فعند ذلك يفترق الـمذهبان.

فإن من صرف الثِقل إلى نفس الجوهر لـم يصفه بالخِفّة إلّا تجوزًا. فإذا قيل: "جسم أخفّ من جسم" عنى بذلك قلّة الأجزاء في أحدهما وكثرتها في الآخر.

ومن زعم أن الثِقل يرجع إلى الاعتماد فإنه يصف الجوهر بالثِقل مرّة وبالخِفّة أخرى.

ومن صار إلى أن الثِقل معنى زائدًا(491) على الاعتماد فيثبت الخِفّةَ عرضًا مضادًّا للثِقل.

فهذه جملة مذاهبنا في الثِّقل وبالخِفّة.

وقال كثير من الفلاسفة والطبائعيين: الـمَعْنِيّ بثِقل العنصر: حنينُه إلى الـمركز، والـمَعْنِّي بخِفّتِه حصوله في الـمركز. قالوا: والـمركز الأثير هو عنصر النار فوق مركز الـهواء، ومركز الـهواء فوق مركز الـماء، ومركز الـماء فوق مركز الأرض. وقالوا: مركز الأرض وسط الكرة.

والقول بالـمركز عندنا باطل.

فإن قيل: ما قولكم في الاعتماد؟

قلنا: من صار من أصحابنا إلى أن الثِقل يرجع إلى وجود الجوهر فلا يُقدّر الاعتماد معنى، وقد يميل الأستاذ إلى هذا في بعض مجاري كلامه، ويقوى نفْيَ الاعتماد على مذهب شيخنا وأتباعه.

والذي يعضده أنّ مذهب أهل الحقّ: أن الاعتماد الذي أثبته من أثبته لو قُدّر ثُبوتُه لَـمَا اقتضى هُويًّا ولا تصعّدًا، وإنما يهوي الثقيل(492) إذا خلق اللهُ تعالى فيه أكوانًا تخصّصُه بجهة السُفل، ولو خلق اللهُ تعالى فيه أكوانًا تخصّصه بجهة أخرى لاختصّ بتلك الجهة، وإثبات الاعتماد يقوى على أصل الـمعتزلة من حيث قدّروا الهُويّ والتصعّد منه.

ولقد أوضح الأستاذ ذلك بأنْ قال: الجهات تختلف بالنِسَبِ، فتكون الجهة التي تُعدُّ يمنةً بالإضافة إلى موقفك تُعَدّ يسرةً إذا تبدّل الـموقف، وكذلك القول في فوق وتحت، فثبت أنّ الجهات تختلف بالنِسب وأنّ الأكوان هي التي تخصّص الجواهر بأحيازها.

وقد يُطلق الأستاذُ لفظَ الاعتماد ويعني به الأكوان، فقال في كتاب "الوصف والصفة": "اتّفق أهل الحقّ على أنّ العلوّ والسفل يختلف بالتسمية دون الـمعنى والحقيقة، وإن ما نشاهد مِن هُويّ الثقيل عن العلوّ فإن الله تعالى يخلق فيه الانحدار، ولو أراد أن يخلق فيه التصاعد كان ذلك كالانحدار.

واتفقوا على أنّ ما قاله بعضُ الفلاسفة من أن الأرض كالكرة على كل جانب منها حيوانات تمشي عليها كما نمشي نحن من هذا الجانب مقدور لله تعالى غيرَ أنّ اعتلالهم مِن أن الثقيل يطلب الـمركز لكن الله تعالى يخلق فيه من الكون والاعتماد ما يريد في أي جهة شاء.

واتفقوا على أنّ من حمل شيئًا على يده واستثقل الـمحمول كان ذلك لسكون يفعله الله تعالى في الـمحمول، يمنع يده من الارتفاع في جهته، وليس في الجميع سوى الحركة والسكون ولا حقيقة للاعتماد.

واتفقوا على أنّ رجلين إذا تعاونا على حمل الثقيل لم يفعل واحدٌ منهما في الـمحمول معنىً، وكان فِعله أو قدرته سببًا لصحّة فِعل صاحبه، هذا كلامه.

قال شيخنا الإمام: "من قال إنّ الاعتماد معنى (ق61ب) وهو الذي ارتضاه القاضي استدلّ بأن قال: من اعتمد على الشىء الحسّاس أدرك اعتمادَه كما يُدرك حرارتَه وبرودتَه فلو جاز نفي الاعتماد جاز التسبّب إلى نفي الأعراض، ثم إذا ثبت أن الاعتماد معنى فيتصوّر ستّة من الاعتمادات على حسب تعدّد الجهات"(493).

والـمعتزلة أثبتوا الاعتماد وبنوا عليه كثيرًا من الأحكام، فجعلوا منه ما يكون لازمًا طبيعيًّا، ومنه ما يكون مكتسبًا. فاللازم منه ضربان: أحدهما: اعتماد لهيب النار في جهة العلوّ، والآخر: اعتماد الثقيل في جهة السفل، وما عدا ذلك فهو مُكتسب مجتلب كاندفاع الشىء يـمنةً ويسرةً باعتماد الدافع إلى جهة اليمين واليسار.

قال الإمام: "ونفي الاعتماد بأصولنا أجدر"(494) مع أن من أصلنا أن الاعتماد لا يوجب حركة في جهة ولا يولّدها. ه.

فصل في علة وقوف الأرض

قال الإمام: "قطع الـمحقّقون بإبطال قول مَن أنكر وقوف الأرض" وذلك لأن من الأوائل من صار إلى أنها متحرّكة متتابعة الدوران على هيئة دوران الدولاب. ومنهم من قال: إنها هاوية أبدًا.

والقولان جميعًا باطلان.

فأما من زعم أنها تتحرّك حركة الدولاب، فلو كان كذلك لـم يسبق شىء منها شيئًا.

وأما من زعم أنها هاوية بثِقلها فذلك باطل من أوجه:

أحدها: أن ذلك يوجب أن لا يستقرّ عليها جسم خفيف لسرعة هُوِيّ الثقيل.

ويلزم منه أن يقال: لو تردّى شخص من سطح لَـمَا انتهى إلى القرار أبدًا لا سيّما إذا كان ذلك الشىء خفيفًا كالقطن ونحوه.

ولو كانت هاوية لازداد الخلق كلّ يوم من النجوم بُعدًا.

وقال بعض الفلاسفة وبعض الـمتكلّـمين: إنّ الأرض يضبطها الهواء الـمحيط بها، وهذا قول بعضِ الكرّاميّة، قالوا: فالـهواء(495) هو الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض، ولو ارتفع الـهواء لاصطَكّ السماء والأرض. وهذا الذي قالوه خلاف ما قاله عامة الأُمّة، والله تعالى يقول: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ﴾ (496)وهذا يبطل قولَ مَن قال: "إنها كانت واقفةً لدوران الفلك عليها" ولو كان كما قالوه لـمُنِعْنَا أيضًا مِن الـمشي والحركة.

وصار كثير من الأوائل إلى أنها إنما وقفت واستقرّت بحصولها في الـمركز، ومركزها وسط الكون، ويعنون بالـمركز اختصاص العنصر بحيّزٍ مخصوصة بنفسِها وطبعِها، وقد أبطلنا ذلك، وقلنا: من رمى حجرًا في بئر فهوى فيها فما عِلّه هُوِيّه؟

فإن قالوا: يطلب مركزه. قلنا: إن أُلْقي فيها كان مستقرًّا على ظهر الأرض، فكان في الـمركز أو خارج الـمركز؟

فإن قالوا: خارج الـمركز. قلنا: فجميع أجزاء الأرض خارج الـمركز، فوجب أن يكون خارجَ الـمركز علّة استقراره.

فإن قالوا: ثِقله واعتماده في جهة سفلٍ طلبٌ منه لـمركزه. قلنا: قد بيّنّا معنى الثِقل وأوضحنا بطلان الاعتماد، وعلِـمنا أنّه لو أُلقي حجرٌ في بئر طولها مائة ألف فرسخ أو أكثر لهوى فيها، فأين يطلب في هُوِيّه ولا قرار له أبدًا؟ وهذا يدلّ على أنّ الأرض بجملتها خارج الـمركز، وهذه النكتة تطّرد في جملة العناصر والأثير. ه.

وأمّا الـمتكلّـمون فقد اختلفوا أيضًا في علّة وقوف الأرض:

فقال الجبّائيّ: "إن معظم الأرض مما يلي جهة السفل استقراره بتجدّد سكنات عليه ولولا تجدّدها لهوت الأرض". وإنما شرط تجدّد السكنات لأنّ الجاذب أقوى على أصولهم من الباقي فهو بالـمدافعة والـمضادّة أولى، ثمّ إذا وقف ما ذكرناه من الأرض بتتابع السكنات فيه فالذي فوقه يسكن بسكونٍ باقٍ، إذ هو معتمد على ما تحته فهذا أصل الجبّائيّ.

وأصحّ أجوبة أبي هاشم في ذلك أنّ أحد شطري الأرض وهو الذي يلينا فيه اعتمادات سُفليّة، والشطر الآخر من الأرض في جهة تحت خلق الله تعالى فيه اعتمادات علويّة، فإذا اعتدلت اعتمادات الشطريْن تسفُّلًا وتصعُّدًا اقتضى ذلك استقرارًا ويُنَزّل الأرضَ منزلة جسم يتجاذبه شخصان مستويان في الآلة والقوة فيقتضي ذلك وقوف الجسم بينهما.

وعند أصحابنا إنما يستقرّ الجسم الثقيل لأن الله تعالى يخلق فيه أكوانًا متجدّدة تخصّصه بالجهة التي هو فيها(497)، ولا يحمل عندنا(498) جسم جسمًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ﴾ (499)، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ۚ﴾(500)، فهذه جملة مقنعة في الأكوان لـم أجد بُدًا من ذكرها والله وليّ التوفيق.


(482) ) سقطت من (ب).

(483) ) وهو قول الإمام الأشعري. انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/206).

(484) ) وهو قول القلانسي. انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/197).

(485) ) من وقوله: "وصار آخرون ..." إلى هنا ساقط من (ب).

(486) ) في (ب): "صاروا".

(487) ) سقطت من (ب).

(488) ) في (ب): "من".

(489) ) سقطت في (ب).

(490) ) في (ب): "به".

(491) ) في (ب): "زائدٌ".

(492) ) في (ب): "الثقل".

(493) ) انظر الجويني، الشامل، (ص/493).

(494) ) انظر الجويني، الشامل، (ص/496).

(495) ) في (أ): "الهوى".

(496) ) [سورة الرعد: ٢]

(497) ) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/؟؟). و البغدادي، أصول الدين، (ص/222-223).

(498) ) سقطت من (ب).

(499) ) [سورة فاطر: ٤١ ]

(500) ) [سورة الروم: ٢٥].