قال الشيخ الإمام رضي الله عنه: "حدَثُ العالـم يَنبني على أصولٍ منها:

إثباتُ الأعراض، وإثباتُ حَدَثِها، وإثباتُ استحالة تعرّي الجواهر عنها، ومنها إثباتُ استحالةِ حوادث لا أوّل لها، فإذا ثبتت هذه الأصولُ ترتّب عليها أنّ الجوهرَ لا يسبقها وما لا يسبق الحوادثَ حادثٌ"(131).

قلتُ: ومِن المتكلّمين مَن سلك طريقةً أخرى فقال: العالَـم جواهرُ وأعراض، فدليل حدوث الأعراض تعاقُبها على الجواهر، ودليلُ حدوث الجواهر والأجسام استحالةُ سبقها جنسَ الأكوان المحدَثة أو استحالةُ سبقها الحوادث، وما لا يسبق الحوادثَ حادثٌ لا محالة(132).

وقولنا: إن الجسمَ لـم يسبق الأعراضَ الحادثةَ يشتمل على ثلاث دعاوى:

إثباتُ الأعراض، وأنّ الجسم ما سبقها، وأنهما محدثان.

وقولنا: ما لا يسبق الحادثَ حادثٌ يشتمل على دعوى واحدة، فصارت الدعاوى أربعة.

القول في إثبات الأعراض

قال الإمام: "الإسلاميّون(133) بأجمعهم أثبتوا الأعراضَ على الجملة، وإن اختلفوا في التفاصيل(134). ونُقِلَ عن ابن كَيْسان الأصم(135) أنّه قال: "لا موجودَ إلا الجواهر"(136). وقال النظّام: "الجواهرُ عُنْصُرها الأعراضُ، وهي هي إلّا الحركة فإنّها تَعرض على الجوهر"(137).

ولا سبيل لعاقلٍ إلى إنكار جميع الأعراض، إلّا أن الأوائل ربما يُنكرون بعضَها، فمما أنكروه الأكوان ومنعوا كونَها جنسًا بنفسِها زائدةً على وجود الجواهر، ولا سبيل إلى نفي ما هو محسوس كالألـم واللّذة والجوع والعطش والحرارة والبرودة ونحوِها.

ثم الأعراض أجناسٌ: فمنها ما لا يُشترط في ثبوتها الحياة، وذلك كالألوانِ والطعومِ والروائحِ والحرارةِ والبرودةِ واللينِ والخشونةِ، ومنها الأكوانُ وهي الحركاتُ والسكناتُ والاجتماعُ والافتراقُ، والكون ما يُخصِصُ الجوهرَ بمكانٍ أو تقدير مكان.

قال الإمام: "وكنّا على أن نذكرَ فصولًا هـٰهنا في الأكوان ثم رأينا تأخيرَها إلى نفي التجسيم تسهيلًا على المبتدئين"(138).

وما يشترط في ثبوته الحياةُ كالعِلـم والقدرةِ والإرادةِ والإدراكِ وأضدادِها وكالألـم واللّذة ونحوها.

وسبيلُ الدليل على إثباتِ الأعراض وأهمها الأكوان أنْ نسرد الطريقة التي ذكرها الإمام في "الإرشاد" ثم نبثُّ عليها أسئلة تليقُ بهذا المختصر.

قال الإمام: "إذا رأينا جوهرًا ساكنًا ثم رأيناه متحرّكًا مختصًّا بالجهة التي انتقل إليها مُفارِقًا للتي انتقل عنها فعلى اضطرارٍ نعلـم أنّ اختصاصَه بجهته مِن الممكنات وليس مِن الواجبات، إذ لا يستحيلُ تقديرُ بقاءِ الجوهر في الجهة الأولى، والحكم الجائزُ ثبوتُه والجائز عدمُه إذا تخصّص بالثبوت بدلًا من الانتفاء المجوَّز افتقر إلى مُقتضٍ يقتضي له الاختصاصَ، وذلك أيضًا معلومٌ على البديهة.

فإذا تقرّر ذلك: لـم يخلُ المقتضي مِن أن يكون نفسَ الجوهر أو زائدًا عليه، وباطلٌ أن يكون المقتضي نفسَ الجوهر إذ لو كان كذلك لاختصّ بالجهةِ التي فرضنا الكلامَ فيها ما دامت نفسُه، ولاستحال عليه الزوالُ عنها والانتقالُ إلى غيرها فثبت أن المقتضي زائدٌ على الجوهر، ثم الزائد عليه يستحيلُ أن يكون عدمًا، إذ لا فرق بين نفي المقتضي وبين تقدير مقتضٍ منفي.

وإذا وضح كونُ المقتضي ثابتًا زائدًا على الجوهر لـم يخلُ مِن أن يكون مِثلًا له أو خلافًا. ويبطل أن يكون مثلَه فإنّ مثلَ الجوهر جوهرٌ، ولو اقتضى جوهرٌ اختصاصًا (ق25أ) بجوهرٍ غيرِه بجهةٍ لاستحالَ اختصاصُه بتلك الجهة مع تقديرِ انتفاء الجوهر الذي قُدّرَ مُقتضيًا وليس الأمرُ كذلك، ثم ليس أحدُ الجوهريْن بأن يكون مُقتضيًا اختصاصًا أولى مِن الثاني(139).

فإذا ثبت المقتضي الزائدُ على الجوهر، وتقرّر أنّه خلافُه لـم يخلُ مِن أن يكونَ فاعلًا مختارًا أو معنى مُوجِبًا.

فإنْ كان معنى موجِبًا تعيّن قيامُه بالجوهر المختص بجهته؛ إذ لو لـم يكن له به اختصاصٌ لـما كان بإيجاب الحُكم له أولى. والذي وصفناه هو العرض الذي ابتغيناه.

وإن قُدّر تقدير المخصص فاعلًا، والكلام في جوهرٍ مستمر الوجود كان ذلك مُحالًا، إذ الباقي لا يُفْعَلُ ولا بدّ للفاعل مِن فعل، يخرج من مضمون ذلك ثبوتُ الأعراض، وهو مِن أحق الأغراض في إثبات حدث العالَـم"(140).

فإن قيل: لـم قلتم إنّ اختصاص الجوهر بجهتِه مِن الممكنات، ولـم ادعيتم الضرورة فيه؟

قلنا: إنّما ندّعي عِلمًا ضروريًّا صادرًا عن النظر العقليّ، وذلك أنّ الجسمَ إذا استقرَّ في قُطر زمانًا من الدهر لـم يكن مستحيلًا في العقل بقاؤه في ذلك القُطر ساعةً أخرى، ولـم يجب انتقالُه في هذا الوقت مع تساوي الأوقات، وليس يَبْعُدُ في حُكمِ العقل أن ينتقل قبل هذا الوقت بوقتٍ آخر، فقد انتفى الوجوبُ وتحقّق الجواز إذًا.

فإن قيل: لـم قلتم إنّ اختصاصَه بجهته إذا لـم يكن لنفسِه وجب أن يكون لمقتضٍ(141)، وما أنكرتم من ثبوت هذا الحكم لا لمقتضٍ(142) و لا للنفس، وقد اعترفتم بكونِ هذا الحكمِ مِن الجائزات وإنّما وقع ما وقع لجوازه.

قلنا: المصير إلى ثبوت الأحكام الجائزة مع انتفاء المقتضيات قُرْبٌ مِن جحد الضرورات، فإنّا لو قدّرنا جوهرًا مختصًا بجهةٍ أبدًا من غير أولٍ كما قدّرَهُ الخصمُ، ثم نُقدّره زائلًا عن جهتِه في وقتٍ مخصوصٍ مع تجويز ذلك قبله وبعده، فمن زعم أنّ الحكمَ الذي زال في هذا الوقت المخصوص مع جواز أن يستمر ويدوم، [و](143) مع جواز أن يُقدر زواله قبلَه أو بعده ثابتٌ مِن غير مقتضٍ فقد ناكرَ المعلوم بديهةً.

ويتّضح ذلك بأمثلةٍ منها أن يُقال: سبيلُ تجويزِ جوهرٍ واحد في جهةٍ مخصوصةٍ كسبيل تجويز غيره، فإن أنكر الخصمُ ذلك قُطِع الكلامُ عنه(144)، فإنّا نعلـم اضطرارًا تساوي وجه الجواز في الجوهريْن فصاعدًا، وإذا ثبت ما قلناه فيلزم الخصمُ على طرد ما قاله أن يقول: إذا اختص جوهرٌ بحيّزٍ لا لمقتضٍ مع اختصاصِ ذلك بوقتٍ دون وقت، فيجوز أنْ ينضمَ إليه ثانٍ وثالثٍ إلى أن يصيرَ على هيئة القصر، ويتفق كلُّ ذلك في وقتٍ واحدٍ بلا مقتض(145) ولا مُؤْثِرٍ، والخروج إلى ذلك جَحد البديهة.

وقد أجاب الأستاذ أبو إسحاق عن أصلِ السؤال بما يدرؤه، وهو يستقلُّ دليلًا في إثباتِ الأعراض. فقال: "إذا رأينا الجوهرَ لابثًا ثم رأيناه يتحرّك، أو رأيناه يتحرّك إلى جهةٍ ثم رأيناه يتحرّكُ إلى جهةٍ أخرى، فنُدرك بضرورة العقل تفرقةً بديهيّة، وكذلك القولُ في الذي رأيناه أسودَ ثم تَبَيّضَ، وكذلك إذا لـم يكن عالـمًا بالشىء ثم يصيرُ عالِـمـًا به، ويطّرد ذلك في جملة الأحكام والمعاني"(146).

فإن أنكر الخصمُ دركَ التفرقةِ قُطع عنه الكلام، وإنْ اعترف بها بَنَيْنَا عليه غرضَنا، وقلنا: يستحيل الفرقُ بين الشىء ونفسِه؛ إذ الشىء لا يُغاير نفسَه ولا يُخالفُه، فدلّ أنّ المخالفةَ المعلومةَ ضرورةً رجعت إلى موجودٍ زائدٍ على ذات الجوهر، والذي يُوَضِّحُ ذلك أنّ مِن أصلِ الخصم أنّ الجوهرَ في زواله على حاله في سكونه، فلو رجعت التفرقةُ إلى نفسِه لأُدْرِكَت التفرقةُ في دوام سكونِه إنْ ساغ مخالفةُ الشىء نفسَه.

وإذا اعترف الخصم بإثباتِ مقتضٍ لهذا الحكم فلا يخلو إمّا أنْ يكون مقتضِيه نفسَه أو [زائدًا](147) عليه. وبطل أن يكون مقتضيه نفسَه؛ إذ لو كان كذلك لَلَزِمَ ما دامت النفسُ، ولو كان كذلك لـما كان بعضُ الجهات أولى من بعض إذ إضافةُ النفس إلى بعضها كإضافتِها إلى سائرها، ثم الاختصاصُ بالجهات يختلف ونفسُ الجوهر لا يختلف؛ فثبتَ أنّ المقتضي معنى زائدٌ على ذات الجوهر.

فإن قال قائل: ما أنكرتم ممن يقول: إنّما كان الجوهرُ مُتحركًا لانتفاء السكون عنه. قلنا: هذا باطلٌ إذ ليس كلُّ ما(148) ينتفي السكونُ (ق25ب) عنه وجبَ أن يكون مُتحركًا كالعَرض والقديم.

فإن قيل: العرضُ والقديمُ لا ينتف السكون عنهما. قلنا: هذه الإضافةُ لا تُخرجه عن كونِه عدمًا، والعدمُ لا اختصاص له أصلًا، فآل محصولُ الكلام إلى أنّه إنّما كان متحركًا لأنّه كان فيه سكونٌ فانتفى، وكان ساكنًا لأنّه كان فيه حركةٌ فزالت، وفي ذلك إثباتُ الحركة والسكون، والتعلعل[في المطبوع: التعليل (ق26 س4] بهما، وهما ثابتان مختصان بذات مَن له الحُكمُ أولى مِن تعليلِ حُكمٍ ثابت بالنفي.

فإن قيل: ما المانع مِن أن يكون المقتضي هو الفاعل، والفعل في هذه الصورة هو اختصاص الجوهر لا ذاته. قلنا: لا معنى للكون الذي يدوم إثباتُه إلا اختصاصُ الجوهر بجهةٍ مخصوصةٍ، وإذا اعترفَ الخصمُ به وقدّرَه مفعولًا فهو الـمُبْتغى والمراد. فإن قيل: اختصاصُ الجوهر ليس بعرضٍ وإنّما هو حالٌ يثبت بالقدرة مِن غير مُوجِب. قلنا: هذا الأثرُ الذي أثبتموه إنْ لـم يكن راجعًا إلى نفسِ الجوهر، ولـم يكن عدمًا، وجب أن يكون موجودًا إذ لا واسطةَ بين العدم والوجود، على أنّا نقولُ: من أثبتَ الحالَ فإنّه يجعلها تابعةً للذات ولـم يقل إنّها تثبت تارةً وتنتفي أخرى، ونحن نُدركُ اختلافًا وتجددًا، وبطل ردّ ذلك إلى الجوهر نفسِه فلا بُدّ من إثبات ذاتٍ ترجع التفرقةُ إليها.

على أنا نقول: أقصى غرضُنا أن يعترفَ الخصم بإثبات إلـٰهٍ قادرٍ مُدبرٍ للعالَـم، وإذا اعترف به كفانا المؤونة. ثم نقول: الغرضُ الأعظمُ إثباتُ حوادث تتعاقبُ على الجوهر بحيث لا يسبقها الجوهر، فإن اعترف الخصمُ به وسماها أحوالًا آل النزاعُ إلى التسمية.

فإن قيل: اختصاصُ العرض بمحلٍّ مخصوصٍ كاختصاص الجوهر بجهةٍ مخصوصةٍ، فإن اقتضى أحدُهما كونًا اقتضى الآخرُ كذلك، وإنْ استغنى أحدُهما عنه استغنى الآخر.

قلنا: قال شيخنا أبو الحسن في بعض كتبه: "إنّ الأعراض اختُصت بمحالّها لأعيانها، فلا يجوزُ تقديرُها في غير محالّها بدءًا وعودًا، فإنّها لو أُعيدت فإنّما تُعاد في محالّها، بخلاف الجواهرِ فإنّها لو اختُصّت بجهاتها لأنفسِها لَلِزَم حكمُ النفس ما دامت النفسُ".

وهذا الجوابُ وإن اندفع السؤالُ به فإنه يجر تشغيبًا؛ لأنّه يؤدي إلى الحكم باختلاف سواديْن أو بياضيْن أو نحوِهما في محليْن لاختلافِهما في صفةِ النفس، فإنّ صفةَ نفسِ كلِّ عرضٍ اختصاصُه بما اختُصّ به مِن محلّه على هذا الوجه. وهذا الجواب غيرُ مرضي عندنا لـما بيّنّاه من القدح في التماثل.

والجواب الصحيح أن نقول: إنّما يختص العرضُ بمحلّه لقصدِ قاصدٍ إلى تخصيصه بذلك المحلّ، ولو خَصّصَه بمحلٍّ آخرَ لجاز، فقد ثبت لاختصاصِ العرض بمحلّه مقتضٍ وهو قصدُ الفاعل، وليس يتحققُ ذلك في الجوهر؛ فإنّه في حالِ بقائه غيرُ مقدورٍ فلا تتعلّق القدرةُ به ولا الإرادةُ، وليس للعرض حالُ بقاءٍ بل يحدثُ في المحل وينتفي ويَخلفُه عرضٌ آخر.

فإن قيل: إن استمرّ لكم الفرقُ ببقاء الجوهر واستحالة بقاءِ العرض، فلو فرضَ فارِضٌ الكلامَ في حالِ حدوثِ الجوهرِ فإنّه متعلَّقُ القدرةِ حينئذ كالعَرَض، أفتقولون إنّه يختصّ في تلك الحالةِ بجهتِه بإرادةِ الفاعل كالعَرض؟

قلنا: لا سبيل إلى هذا الحكم فإنّ حكمَ الاختصاص في الحالةِ الأولى كحُكم الاختصاص في الحالة الثانية، وإذا خرجَ أحدُ الاختصاصين عن اقتضاء القصدِ فالذي هو مثلُه خارجٌ عن اقتضائه أيضًا. وليس للعرض حالتان، والجوهرُ ينتقل عن مكانِه الذي اختُصّ به أولًا إلى غيرِه وليس إذ ذاك متعلَّقًا للقدرة والإرادةِ، والاختصاص كالاختصاص.

فإن قيل: معوّلُكم في إثبات المعاني على التارات، ولقد نقضتم هذا الأصلَ على أنفسكم بأشياء منها أنّكم تقولون: الربّ سبحانه كان عالِـمًا بعدمِ العالَـم ثم صار عالِـمًا بوجوده، ورائيًا ومُدرِكًا بعد أنْ لـم يكن كذلك لا لمعنى ولا لمقتضٍ متجدّد.

قال الشيخ الإمام: "النظر العقليّ يتنزّل(149) (ق26أ) منزلة الإبصار، ومَن أبصر شيئًا فقد أدركه وأبصره حقيقة ولا اعتراض عليه فيه، كذلك الدليل العقليّ تقسيمٌ ضروريٌّ ويجب فيه تعيّن أحدِهما، ومن تنبّه لأمرٍ فقد عرفه، فإن تعذّر عليه الانفصالُ في مشكلة عن مسألة أخرى فذلك لا ينعكس على أصله بالإبطالِ، بل يتريّث في ذلك ويجتهد في تمهيد عذرٍ فيه، وهـٰهنا قد عرفتم ما أجريناه ثم ينشأ لكم بعد العلـم به إشكالٌ في مسألة أخرى لظنٍّ ظننتموه أنّ سبيل النظر العقليّ كسبيل النظر الشرعيّ، ولا يجوز في العقليّات معارضةُ مذهبٍ بمذهب. نعم إذا انتهينا إليه يلزمُنا طردُ الدليل والتوقّف فيه"(150).

قلتُ: وهذا الذي ذكره الإمام مُطردٌ في شكوك النظّام في إثباتِ الجوهر والجزءِ الفرد، فإنّ الذي عولنا عليه في تلك المسألة يُفيد العلـمَ قطعًا(151)، والعلـم إذا حصل فلا ينتفي بشكوكٍ تُوردُ في غير ذلك المسلك لبُعْدِهِ عن تصوير الوهم.

ثم الجواب عن السؤال مِن أوجهٍ منها: أن نقولَ هذا السؤال إنّما يلزمُنا لو حكمنا بتجددِ الحكمِ أو الحالِ على ذات الإلـٰه سبحانه وذلك مستحيلٌ، وإضافةُ العلـم القديم إلى معلومٍ كإضافته إلى معلومٍ، ولا يختلفُ العلـمُ لاختلاف المعلوم، وهو بمثابة إضافةِ وجودِ الإلـٰه سبحانه إلى وجود المحدثات وتجددها، فليس يقتضي ذلك مناسبة، والعلـم القديمُ لا يُعْقَلُ فيه الاختصاص، بل يتعلّقُ بجميع المعلومات على ما هي عليها، فإنّها صفةٌ متهيئة لدَركِ ما تعرض عليه، فالمعلوماتُ تتجدد والعلـم القديم لا يتجدد.

ولسنا نقول: إنّه سبحانه لـم يكن مُدْرِكًا فصار مُدركًا، لكن نقولُ: لـم تكن الكائنات قبل وجودها مُدرَكَةً مَسموعَةً مُبصَرَةً لله سبحانه، لكنها صارت مُبصرَةً مَسموعَةً في حال الوجود، والسمعُ والبصرُ صفتان متهيّئتان لدَرْكِ ما يَعْرِضُ عليها. وإنْ توهم السائلُ اختلافًا فذلك راجعٌ إلى المعلوماتِ والمتعلَّقات وتجددِها لا إلى العِلـم والإدراك، ويجوزُ أن يرجع الاختلافُ إلى الصيغ والعبارات المستعملة الموضوعةِ لأهل اللسان عند اختلاف المعلوم والـمُدرَك، فيُقال: كان عالِـمًا بالعدمِ بأن سيكون، ثم يوصف بأنّه عالِـمٌ بالوجود والوقوع، فالعبارات تختلف عن هذه الأحوال.

والسِرّ فيه أنّ وصف المعلومِ لا يُعلّل بصفةٍ في العلـم، فالعِلـم يتعلَّق بالمعلوم لنفسه عدمًا كان المعلومُ أو وجودًا، والعدمُ والوجودُ إخبارٌ عن المعلوم لا عن العلم.

ومن أصحابنا مَن شَبّه اختلافَ متعلَّقات الصفات بتبدلِ مُحاذياتِ الجسم ومُنَاظِرِها (ق26)، وقربها وبُعْدِها وتلك إضافاتٌ لا تعلّل.

فنحن في الجوابِ عن السؤال بينَ أنْ نمنعَ الاختلافَ، أعني اختلافَ الحُكم والحال على ذاتِ القديم سبحانه، وبين أن نلتزمَه ونردَّه إلى المعلوم والمدرَك. فنقول: لـم يُوصَفِ الربّ سبحانه بأنّه كان في الأزل عالِـمًا بوجود العالَـم لتحقق عدمِ العالـم، ثم يُوصف بذلك لتحقق الوجود، فإن التزمنا الاختلافَ أثبتنا المعنى وهو وجودُ العالَـم والمدرَك.

فإن قيل: الجوهرُ في حال حدوثه مبتدأٌ، وهو في حال بقائه لا يُسمى مبتدأً فاختلف الحُكم لا المعنى. قلنا: قال الأستاذ أبو إسحاق: "الحادثُ يتميزُ عن الباقي بكونٍ هو في حكم الضِدّ للبقاء"، فأثبت للحادثِ في حال حدوثِه معنى، وهذا غيرُ مرضي عندنا، بل إنّه مبتدأُ الوجود لعينِه في جميع أحوالِه ونُسميه حادثًا أبدًا، وكان في حال حدوثِه مبتدأً مقدورًا، وفي سائر أحواله مُحْدَثٌ غيرُ مقدور (سؤال علم الدين).

فإن قيل: لـم يكن في ابتداء وجوده قديمًا ثم صار قديمًا لا لمعنى. قلنا: مِن أصحابنا مَن قال: "القديم قديم لمعنى هو القِدم كالباقي فإنّه باقٍ ببقاءٍ"(152)، والصحيح أنّه قديمٌ لنفسه(153)؛ لأنّه بنفسه يتقدّمُ على غيره، وقد توجد نفسُه غيرُ باقٍ وهو حالةُ الحدوث. واسم القديم وإن كان مستفتحًا له فإنّه ينعطف على أول وجودِه؛ لأنّه بنفسه يتقدم، واسم الباقي لا ينسحب على ما قبله.

فإن قيل: لـم يكن فانيًا فصار فانيًا لا لمعنى. قلنا: الفاني هو المعدومٌ، وهي نفي محضٌ، ولا يَلزم تعليلُه بمعنى ثابت.

فإن قيل: إذا أعدمَ اللهُ تعالى شيئًا ثم أعادَه فقد تجدد عليه الحُكم. قلنا: قال بعضُ أصحابنا: "إنّه يصير مُعادًا لمعنى (ق26ب)، ولذلك لـم يجز إعادةُ الأعراض"(154)، والصحيح أنّ الإعادةَ ليست معنى زائدًا على ذاتِ الـمُعاد(155)، فإنّ المعادَ هو عينُ الذي ابتُدِأ أوّلًا لـم تتغير صفتُه، وتخللُ العدم لـم يقتضِ له صفة، فإنّ العدمَ نفي محضٌ لا اقتضاءَ له، ولكنه لـما أُعيدَ استجد اسمًا فسُمي مُعادًا، وذلك لقبٌ ولا تعويلَ في الحقائق على الألقاب، فهو في الحالةِ الثانية إذا أُعيدَ مبتدأٌ ثانٍ فليس إلا إضافة الثاني إلى الأول، والإضافةُ لا تُعلّل فهو مبتدأٌ في الأولى وفي الثانية ولـم يختلف عليه الحُكم، وليس هذا كالجوهرِ إذا تحرّك بعد ما كان ساكنًا، فإنّه يختلف عليه الحُكم مع اتحادِ الذات اختلافًا لا يرجع إلى نفسه.

واعلـم أنّ هذه الدلالة لا تستقيمُ على أصول المعتزلة، فإنّ الجبائيّ وابنه صارا إلى نفي الإدراك، وقالا: "المدْرِكُ [هو](156) الحيّ الذي لا آفةَ به"(157)، واختلافُ الحُكم مع اختلاف الذات مُحققٌّ؛ فإنّه لـم يكن مُدرِكًا فصار مُدْرِكًا، كما لـم يكن عالِـمًا فصار عالـمًا، ولـم يكن متحركًا فصار مُتحركًا. وأنكر ابنُ الجبائيّ في بعض كتبه كونَ العجزِ معنى، قال: "وإنّما هو انتفاء القدرة"(158)، وهكذا قال في الموت: "إنّه انتقاض البُنية، وكذلك الألـم يهدم البُنْية"(159)، وقال: "الشك ليس بمعنى"(160) هكذا قال في بعضِ مقالاته.

فإن عارضونا وقالوا: لا يستقيم على أصولكم إثباتُ الأعراض إذا رُمْتُم إثباتَها باعتوار التارات، فإنكم أثبتم صفاتٍ قديمةً لله تعالى مع استحالةِ التارات عليه. قلنا: اعتوار التارات يدلّ على ثبوت المعاني، والدلالة شرطُها الاطرادُ وليس مِن شرطها الانعكاس، ولهذا قلنا: الفعل يدلّ على وجودِ الفاعل واقتدارِه، وعدمُ الفعل لا يدلّ على عدمِه ولا على عجزِه، وكذلك سبيلُ الدلالات بخلاف العِلل فإنّها موجباتٌ فيُشترط فيها الاطراد والانعكاس، وفي نقض العكس نقضُ الطرد، وفيه بطلانُ الإيجاب كما في نقضِ الطرد بُطلانُه، وإذا ثبت بالدليل كونُ العِلـم علةً في كون العالـم عالِـمًا، فانعكاس العِلةِ يوجب بطلانَ هذا الحكم وانتفائه عند عدم العِلم، والدلالة كاشفةٌ وليست موجبة. ه.

ومن الدليل على إثبات الأكوان: أنّ الواحدَ منا إذا قدرَ على الحركةِ والانتقالِ إلى بعض الجهات، وأحسّ مِن نفسِه اقتدارًا فالقدرةُ لا بُد لها مِن مُتعلَّق، وليس متعلّقها نفسَ القادر ولا شيئًا مِن صفاته سوى الكون الذي يُسمى حركةً، وكذلك إذا أقدرَهُ اللهُ تعالى على الحركةِ تارةً وعلى السكون أخرى فالمقدور هو الكون، ولذلك الربُّ تعالى يَقْدِرُ على تحريكِه وتسكينِه، فالمقدورُ لا محالة في هذه الصورةِ هو الكونُ؛ إذ يستحيلُ أن يكون المقدورُ إيجادَ الجسم أو إيجادَ معنى سوى الحركة والسكون، ويستحيلُ أن يكونَ المقدورُ إعدامَ معنى مِن الجسم؛ فإنّ فيه إثبات معنى وذلك هو الـمُبْتغى، وكذلك إذا أرادَ المريدُ حركةَ شخصٍ وكَرِهَ سكونَه، أو أراد كونَه في البلد وكَرِهَ خروجَه منه، فلا متعلّق للإرادةِ والكراهةِ إلا الكون وهو الحركة والسكون. وتطرد هذه الطريقة في الأمر والنهي إذا كان حقًّا صِدقًا، وكذلك النفيُ يرجع إلى ما يرجع إليه الإثبات.

فإنْ قال قائل: سبيل ما قلتموه في النفي والإثبات سبيلُ قولِ القائلِ هذا سوادٌ وليس بحركة، أو هذا جوهرٌ وليس بِعَرضٍ، فليس يتضمن النفيُ في هذه الصورةِ وأمثالها نفيَ ذاتٍ(161).

قلنا: ليس هذا وزان مسألتنا، فإنّ قولَه: هذا سوادٌ وليس بحركة ليس نفيًا حقيقيًّا، وإنما أرادَ أنّه خلافُ الحركة. وقولَه: هذا الجوهر ليس بساكنٍ ليس مُنبأً عن تثبيت [مخالفة](162) هذه الذات لذات أخرى، بل اقتضت اللفظةُ نفيَ صفةٍ عن ذاتِ الجوهر من غير تعرّض لذات أخرى تُخالف هذه، ولو حملنا قولَه: ليس بساكنٍ على المخالفة قادنا ذلك إلى غيرِ[في المطبوع:عين] مرامِنا في إثبات الأعراضِ إذ الشىء لا يخالف نفسَه، ويمكن إثباتُ (ق27أ) جملةِ المعاني بهذه الطريقةِ أعني طريقةَ الخبر عن النفي والإثبات.


(131) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/72).

(132) انظر الباقلاني، الإنصاف، (ص/124-125). والآمدي، غاية المرام، (ص/262).

(133) المسلمون هم الذين ءامنوا بالله ورسوله وتخلوا عن الكفر، أمّا الإسلاميون فمعناه المنتسبون للإسلام مع صحة العقيدة أو مع عدم صحة العقيدة. فالمنتسبون إلى الإسلام قسمان: قسم منهم ينتسبون إلى الإسلام حقيقة، وقسم ينتسبون إليه وهم في الحقيقة غير مسلمين. مثاله: ما يقوله بعض العلماء في معرض الذم: "الفلاسفة الإسلاميون" فهم الذين ينتسبون إلى الإسلام وهم ليسوا مسلمين، وقد كفرّهم الغزاليُّ والزركشيُّ وغيرهما. انظر الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، (ص/134). والزركشي، تشنيف المسامع، (4/69-70).

(134) في (ب): "الفواصل".

(135) هو أبو بكر المعتزلي، عبد الرحمـٰـن بن كيْسان الأصَمّ، من طبقة أبي الهُذيْل العَلَّاف، ومِن تلامذتِه إبراهيم بن إسماعيل ابن عُليّة، كان يُـخَطّئ عليًا رضي الله عنه في كثير مِن أفعاله ويُصَوّب معاوية في بعض أفعاله. توفّي نحو سنة (225هـ=839م). انظر ابن المرتضى المعتزلي، طبقات المعتزلة، (ص/56). والعسقلانيّ، لسان الـميزان، (3/427).

(136) انظر عبد الجبار المعتزلي، شرح الأصول الخمسة، (ص/56).

(137) انظر الجويني، الشامل، (ص/168).

(138)

(139) المثلان ليس أحدهما أولى بإيجاد الآخر.

(140) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/74-75).

(141) كتبت في (أ): "لمقتضي".

(142) كتبت في (أ): "لمقتضي".

(143) سقطت من (أ) و(ب)، وهي هكذا في الشامل. الجويني، الشامل، (ص/172).

(144) سقطت من (ب).

(145) كتبت في (أ): "لمقتضي".

(146)

(147) وقع في (أ): "زائد".

(148) ) سقطت من (ب).

(149) ) في (ب): "منزل".

(150)

(151) في (ب): "مطلقًا".

(152) وهو قول القلانسي. انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/289).

(153) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/289). والمتولي، الغنية، (ص/111).

(154) وهو قول القلانسي. انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/622).

(155) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/242-243).

(156) في (أ) و(ب): "هي"، ولا يستقيم لغة.

(157) انظر الآمدي، أبكار الأفكار، (1/418).

(158) انظر النيسابوري المعتزلي، المسائل في الخلاف، (ص/250).

(159) انظر النيسابوري المعتزلي، المسائل في الخلاف، (ص/235).

(160) انظر النيسابوري المعتزلي، المسائل في الخلاف، (ص/338).

(161) سقطت في (ب).

(162) سقطت من (أ) و(ب)، وهي هكذا في "الشامل". انظر الجويني، الشامل، (ص/184)