واختلف أصحابُنا في أنّ القديمَ قديمٌ لنفسه أو لمعنى، فقال أبو الحسن في كتاب "الإيضاح"(1): "إنّ القديمَ قديمٌ لمعنى"(2) فعدّ القِدمَ مِن المعاني كالبقاء، وهذا قول أبي العباس القلانسيّ مِن مُتقدّمي أصحابنا(3).

والصحيح أنّ القديمَ قديمٌ لنفسه، والقِدمُ(4) راجعٌ إلى نفس القديم وليس هو مِن المعاني الزائدةِ على نفس الوجود، وعلى هذا استقرَّ كلامُ شيخنا أبي الحسن(5).

وقال قائلون: "القِدَمُ يرجع إلى نفي الأوليّة عن الموجود(6) كما أنّ الحدوثَ يفيدُ ثبوتَ الأوليّة، وقد يُوصف الشىء بما يفيد نفيًّا كالغنيّ والقائم بالنفس فإنّ ذلك يُفيد نفي الحاجة ونفي المحلّ".

وقال الأستاذ أبو إسحاق: "إنّ ذلك صفةُ إثباتٍ تتضمّن نفيًا(7)"، وطرد كلامَه في الغنيّ والقائم.

وقال: "معنى قولنا: "إنّه قديم" أنّه لم يزل كان موجودًا، ولا ينتهى بأوهامنا إلى حالة إلّا وكان موجودًا قبلَها، لأنّه لا أوّل لوجوده".

قال: "ومَن صار إلى أنّه قديمٌ بقِدَم فإنّه يُريد أنّه لم يزل كان باقيًا ببقاء يقوم به".

والدليل على أنّ وجودَ الإلـٰه سبحانه غيرُ مفتتح: أنّه لو كان حادثًا لافتقر إلى مُحدِثٍ، وكذلك القولُ في مُحدِثِه، وينساق(8) ذلك إلى إثبات حوادثَ لا أوّل لها، وكلّ وجودٍ ثبت غيرَ مفتقرٍ إلى مقتضٍ فهو واجبٌ؛ إذ لولا وجوبه لَـمَا كان يختصّ بالوجود إلّا بمُخَصّصٍ، وإذا ثبت وجوبُ الوجود ونفي الأوليّة فالقديمُ لا يثبت هزلًا(9)، ولا يقع اتفاقًا.

فإن قيل: في إثبات موجودٍ لا أوّل له إثباتُ أوقاتٍ متعاقبة لا نهايةَ لها إذ لا (ق38أ) يُعقل استمرارُ الوجود إلّا في أوقات، وذلك يُؤدّي إلى إثبات حوادثَ لا أوّل لها، إذ ما مِن مدّة مِن مُدّات وجود الإلـٰه سبحانه إلّا ويُتصوّر ثبوتُ حادثٍ فيها والتقديرُ كالتحقيق، قالوا: وإنّما يُستبعد حوادث لا نهايةَ لها في أوقاتٍ متناهية، فأمّا تقديرها في أوقاتٍ لا تتناهى فغيرُ ممتنع ولا مستبعدٍ، وربما يطالبوننا بإثبات مناسبةٍ بين الأزل وبين ما لا يزال، وبين الوجود القديم وبين افتتاح العالم.

الجواب عن هذا أن نقول: قد أوضحنا استحالةَ تقديرِ حوادث يترتّب بعضُها على بعضٍ بلا أوّل، ودعواكم أنّه لا يُعقلُ استمرارُ الوجود إلّا في وقتٍ دعوى باطلة، فإنّ الأوقات يُعبّر بها عن موجوداتٍ تقارن موجودًا، وكلّ موجودٍ أضيف إلى مقارنةِ موجودٍ له فهو وقتُه، واستمر في العادات التعبيرُ [بالأوقات](10) عن حركات الفلك وتعاقب الجديدين(11).

والأصل في التوقيت: التقديرُ، يقال: "سيرٌ مؤقت" أي مُقَدّرٌ، ومآله يرجع إلى تخصيص الشىء بمقارنة معلومٍ بمتجدّدٍ على أيّ وجهٍ، ومقصود المؤقِّت إزالةُ الاستبهام الموهوم، فإذا قال: "قَدِم زيدٌ عند طلوع الشمس"، فقد جعل الطلوعَ وقتًا للقدوم، وإذا قال: "طلعت الشمسُ عند قدوم زيد"، فقد جعل القدومَ وقتًا للطلوع.

وقد يُجعل العدم وقتًا إذا تحقّق التجدّدُ فيه مثل قول القائل: "يتحرّك الجوهرُ عند انتفاءِ السكون عنه أو عند انتفاء السواد عنه"، وذلك إلى قصد المؤقِّت وإرادته، وحقيقتة توؤل إلى قرنِ مُتجدّدٍ بمتجدّدٍ لإزالة الإبهام (هكذا في ط/ الإيهام؟؟) الموهوم في أحدهما. وإذا قيل: "قَدِمَ زيدٌ عند استقرار الأرض أو سيقدم عمرو عند استعلاء السماء" فذلك هوسٌ ولغوٌ لا يفيدُ فائدةً لأنّ ذلك أمرٌ مستمرٌّ لا يتبيّن فيه التجدّد.

وكذلك لا معنى للتوقيت بالعدم المستمرّ ولا بالقِديم المستمرّ وجودُه بلا أوّل؛ لـما ذكرناه.

فلا معنى لتوقيت الإلـٰه سبحانه بوجوده؛ إذ التوقيت تقدير مقارنة الشىء شيئًا على التجدّد، وكما لا يجوز التوقيتُ بالمستمرّ كذلك لا يجوز توقيتُ الدائم بأمرٍ متجدّد؛ إذ يبعد أن يُقال: "استعلت السماءُ بوقت مَقْدَم فلان"، إذ كان قبل مقدَمِه؛ ولهذا لا يجوز أن يُؤقّت الشىءُ بوجود القديم، وأن يُؤقّت وجودُ القديم بوجودِ شىءٍ آخر، والتوقيت يُنْبِئ عن التقدير في جملة الأمر، وذاتُ القديم [و]هكذا في ط وجودُه سبحانه لا يتطرّق إليه التقدير.

فإن قيل: أفتقولون إنّ وجودَ القديم سبحانه لا يصادف الأوقات التي تصادفها الحوادث؟ قلنا: إن عنيتم به: أن يكون وجودُه وقتًا للحوادث أو مؤقتًا بها فذلك محال. وإن عنيتم به: وجودَ الربّ سبحانه مع تقدير الأوقات في لا يزال فلا استنكار فيه، ولو افتقر كلّ وجودٍ إلى وقت، وقُدِّرَت الأوقاتُ موجودةً لافتقرت إلى أوقاتٍ وذلك يتسلسل، ثم البارئ سبحانه قبل حدوث الحوادث منفردٌ بالوجود والصفات لا يُقارنه حادث.

فثبت بهذه الجملة بطلانُ قولِ مَن قال: "لا يُعقل استمرار الوجود إلّا في أوقات". والذي يحقّق ما قلناه، وأنّه ليس مِن شرط وجود الشىء أن يُقارنه موجود آخر إذا لم يتعلّق أحدُهما بالثاني في قضيّة عقليّة: أنّا قد أوضحنا أنّ الوقت ليس جنسًا بنفسه وإنما هو إلى رأي المؤقِّت في تحصيل غرضه.

ونزيد أيضًا إيضاحًا لما ذكرناه فنقول: الزمان ليس من الأجرام الـمُدرَكة، ولا من المعاني المحسوسة فيها، ولا هو من الكائنات المعقولة، بل هو نازل منزلة الحيّز للجوهر، والحيّز ليس شيئًا معلومًا على حِياله، وإنّما هو تقدير متشكّل(12) أو تقديرُ جِرم، والزمان تقدير (ق38ب) متجدّدٍ، وذلك يؤول إلى تعاقب الكائنات والمعلومات، فقد يترتّب وجودٌ على عدم، وعدمٌ على وجود، وكذلك المراد بالأحياز مساحات الجواهر بأقدار أجرامها واقتطاع بعضها عن بعض. ولو قدّرنا اجتماعَ جوهرين في حيّز واحد كان محالًا؛ لأنّه يؤدّي إلى أن يصير الجِرمان جِرمًا واحدًا وذلك محالٌ، وهو بمثابةِ تقديرِ ازدحام الوجود والعدم في المعلوم الواحد، والترتّب المعقول في الجوهرين هو انحيازُ أحدهما عن الثاني فيصير أحدُهما على نسبةٍ مِن الآخر إمّا مجاورة أو محاذاة، والترتّب المفروض في الحادث والباقي: هو أن يكون مِن ضرورة كلّ حادث أن يكون مسبوقًا بعدم، وأن يكون الثاني مسبوقًا بحالة الحدوث.

ثم ما من حادثٍ يُفرض حدوثُه إلّا ويتصوّر تقدّمه وتأخّره فعبّر عن هذه التقديرات بأزمنة وحالات. وإنما المقصود تبيّن معلوم عن معلوم، ولو قدرّنا حدوثَ شىءٍ ثم عدمَه بعد الوجود ثم إعادته فإنّما يتصوّر ذلك مُرتّبًا في ثلاثة أزمنة، ولو قدّرنا حدوثَ شىءٍ مِن الأجرام وفرضنا بقاءه واستمرارَه في هذه الأزمنة الثلاثة، فيقال: إنّه أتى عليه ثلاثةُ أزمنة وأوقات فإنّه مِن الجائز أن لا يبقى ولا يمتدّ وجودُه كالحادث الآخر.

إذا ثبت ذلك فالتقدير يتضمّن الشىء ونقيضه، فيقال: يجوز وجودُه ويجوز عدمُه، ويجوز بقاؤه ويجوز فناؤه، وإنّما يقبل هذه التقديرات مَن يتطرّق إليه الجوازُ والتغير والإمكان، والقديم تعالى واجب الوجود مستحِقّ الثبوت فلا يتطرّق إلى وجودِه التقدير والإمكان، وكلّ ما يجوز تقديرُ عدمِه بدل الوجود، أو تقدير انقطاعِه بدل الدوام، فإذا بقي ولم ينقطع يُقال: "امتدّ وجودُه". أما القديم فلا يُعقل في وجوده الانقطاع لا تقديرًا ولا تحقيقًا، فلا يطلق في نعته الامتداد.

أما قولهم: ما نسبة القديم مِن الحادث؟

فالوجه أن نفاوضَهم فنقول: ما نسبة وجودِه تعالى من وجود العالـم؟ وقد علمنا أن الموجوديْن إذا لم يكن أحدهما بجنب الثاني لزم القضاء بكونه مباينًا عنه، وإذا لم يكن مباينًا عنه لزم أن يكون منسوبًا إليه بالحقيقة. فإن وجب مناسبةُ المتأخِّرِ المتقدّمَ في الزمان حتى يطّرد على مقتضاه استحالةُ تقدّم الأزليّ بما لا يتناهى على المحدَث، فلنقضِ على موجبِه بإحالة إثبات موجودٍ ليس من العالم ومن جهاته على نِسَب، وهذا لا محيص عنه أبدًا.

فنُعارض (فيُعارض ؟؟) قولَ الدهريّة بقول مثبتي الجهة، وقولَ مثبتي الجهة بقول الدهريّة، وغاية الجسميّ إذا قرع سؤالُ الزمان قلبَهُ أن يتشوّف إلى نفي التشبيه، وهذا يُلْزِمُه نفيَ المناسبة في الحيثيّة، وإذا وُجّه على الدهريّ ما قرّره الجِسميّ كان منتهاه نفيَ النِّسَب، فليَلزمْ هذه القضيّة فيما يتعلّق بالزمان.

ومما نفاوضهم به أن نقول: ما نسبةُ وجودنا الآن مِن وجود القديم سبحانه وقد اجتمعنا في الوجود، وما نسبة وجودِه سبحانه الآن مِن وجوده الأزليّ؟ فسيقولون إنّ وجودَه الأزليّ قضيّة واحدةٌ لا تُناسب الحوادث التي لها افتتاحٌ وانقطاع. فذلك قولنا فيما سُئلنا عنه، فإنه تعالى لا تَـحين عليه الآجالُ، ولا يتعاقب عليه الأدوارُ والأوقات، وهو الأوّل والآخر، أزله أبده، وقِدَمُه بقاؤه، الجلال نعتُه، والعزّ وصفُه، والكبرياء حقّه، لا تحويه الجهات، ولا يخلُفُه الزمانُ والأوقات، ولا تأخذه السِناتُ(13)، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (14)

وقد قال بعضهم في مخلوق:(15) [ السريع ]

وكلُّ من أَطْنَبَ في وَصْفِهِ أَصْبَحَ منسوبًا إلى العِيّ ه

فثبت بهذه الجملة: أنّه القديمُ سبحانه، لا يمتدّ وجودُه امتدادًا يُعزى إليه مُفْتَتح، وإنما يُنسب الـمُتناهي إلى الـمُتناهي زمانًا ومكانًا. والله أعلم.

فصل

قال رضي الله عنه (ق39أ): "البارئ سبحانه قائمٌ بنفسه، مُتعالٍ عن الافتقارِ إلى محلّ يحلُّه أو مكان يُقلُّه"، الفصل ه.

اختلفت عبارات أصحابنا في معنى القائم بالنفس(16):

فقال بعضهم: "هو الموجودُ المستغني عن المحلّ"، والجوهرُ على هذا قائم بالنفس. وقال الأستاذ أبو إسحاق: "القائم بالنفس هو المستغني عن المحلّ والمخصِّص" وعلى هذا لا قائمَ بالنفس إلّا الله تعالى. والقولان يُعزيان إلى شيخنا أبي الحسن رحمه الله.

وقال الأستاذُ: "الربّ تعالى قائمٌ بنفسه على معنى أنّه مستغنٍ عن مكان يُقلّه، أو جسم يحلّه، أو شىء يمسكُه، أو غيرٍ يستعين به، لا تتغيّر أوصافه في نفسه بفعله وتركه". وهذه الطريقة أقرب إلى ما يجد أهل اللغة مِن الأولى، فإن العرب إنما تعبّر بالقائم بالنفس عمن تُقدّر فيه استقلالًا وعدم افتقارٍ إلى شىء.

وقال بعض أصحابنا: "القائمُ بالنفس هو الفعّال لما يريد بغير مُعينٍ" فهو مِن صفات المدح وفي القديم سبحانه يجب على أبلغ ما يكون مِن نفي النهاية.

ونُقِل عن أبي الحسن أنّه قال: "القائم هو الـمُنتصب، وضِدّه القاعد"، وعلى هذا يكون قائمًا بقيام هو معنىً فلا يكون قائمًا بالنفس، وقصد بهذا القول الردّ على النصارى(17) فإنهم قالوا: "البارئ تعالى جوهرٌ لأنه قائم بالنفس".

فإن قيل: من حُكْمِ القائم بالنفس أنْ يكون منفردًا عن المحلّ، وإنّما ينفرد عن المحلّ باختصاصٍ بجهة تصحّ عليه المحاذاة(18). قلنا: العلم بقيامه بنفسه علمٌ باستغنائه عن شىء يحلّه، وذلك لا يُفيد معنى الاختصاص بجهة.

فإن قيل: لو كان استغناؤه عن المحلّ لا يُفيد الاختصاص بالجهة والمحاذاة، كان العلمُ به يقتضيه، كما أنّ العلم بأنّه موصوفٌ قامت به الصفةُ يقتضي وجوده. قلنا: الاستغناءُ عن المحلّ لا يقتضي الاختصاصَ بالجهة، وكذلك العلمُ به لا يقتضيه، وإنما اقتضاه الاتصاف بالحجم والجرم. ثم المعدوم يستغني عن المحلّ ولا يجب به تخصيصه بجهةٍ.

يُحقّق ما قلناه أنّ المختصّ بالجهة لا يصحّ العلمُ به إلّا بأن يعلم أنّه أقلّ القليل أو يعلم أنه أكبر (أكثر في ط) (19) منه، فيكون شيئين فما زاد، فإذا أثبتم جسمًا متحيّزًا خارجًا عن الوصفين وإن لم يكن ذلك معلومًا من سائر الأجسام سقط ما قلتموه؛ ولأنّ الشئ الواحدَ لا يكون له محاذاة مِن جهةٍ واحدةٍ إلّا على أقلّ القليل مِن السَمت ولا يجوز أن يكون له محاذاة في سمتيْن فأكثر فإنّ ذلك يبطل الوَحدة ويؤذن بانقسامِ الجزء الواحد وذلك محال.

على أنّا نقول: كلّ موجود يصحّ فيه المحاذاة لم يتقرّر ذلك فيه إلّا مع صحّة الوصل والتأليف وجواز الإحاطة به، وهذا كلّه مِن أوصاف الأجرام المحدودةِ المتناهية التي يُقدّر لها فوق وتحت ويمين وشمال وخلف وقُدام، والقديم تعالى يتعالى عن جميع ذلك.

قال الأستاذ: "والدليل على وجوب قيامِه بنفسه واستحالة حلوله في غيره أنّه لم يزل موجودًا بذاته قبل حدوث ما يحلّه أو يقلّه ولا يجوز تغيّره في نفسه".

وهذا معنى قولِ الإمام: "لو افتقر وجودُه إلى محلٍ وكان قديمًا لوجب قِدَمُ المحلّ، وقد قام الدليلُ على حدوث المحالّ، وأيضًا لو حلّ محلًّا لكان صفةً للمحلّ، والصفةُ يستحيل أن تتّصف بالأحكام التي توجبها المعاني، وسنذكر وجوبَ اتصافه سبحانه بالحياةِ والعلمِ والقدرةِ ونحوها من الصفات"(20).

واتصافه بهذه الصفات يدلّ على كونه قائمًا بالنفس. (ب48-أ39).

فصل

قال رضي الله عنه: "القديم سبحانه غنيٌّ لذاته".

وهذا الاسم يفيد انتفاءَ الحاجات عنه.

وهو أيضًا غنيٌّ بغناه، وهو على هذا يفيد إثباتَ صفةٍ قائمةٍ بذاته وهي القدرةُ، وغناه على هذا التأويل قدرتُه على تنفيذ المراد، وكِلا المعنيين صحيحٌ في حقّه سبحانه(21)، ورُبَّ شىءٍ يفيد معاني جمّة.

فعلى الوجه الأول: الغني: "بي بنان هكذا في ط الغنية". "بي نياز هكذا في ط شرح الإرشاد"

وعلى الوجه الثاني: "تو أنكر أي توانه كي كيذانج خواهر هكذا في ط الغنية"(22) "او افطر يعني: او آمد كه كند آنج خواهد هكذا في ط شرح الإرشاد"

فإن قيل: ما الدليل على انتفاء الحاجات عنه؟ قلنا: الحاجةُ حقيقتُها نقصٌ وألـمٌ، ولا يتصوّر ذلك على القادرِ على الكمال ومع الإرادة النافذة، ولأنّ الحاجة تقتضي محتاجًا ومحتاجًا إليه، والمحتاج إليه شرطُه أنْ يكون معدومًا يُترقّب وقوعُه، والمستحيل لا يترقّب (ق39ب) وجودُه فيُحتاج إليه. والموجود يستحيل فرض حاجة إليه، وتقدير حاجة في الأزل كتقدير عَجْزٍ في الأزل وكلاهما مستحيلٌ.

وإذا تحقّق الغِنَى في الأزل، فالأزليّ لا يَزول أصلًا، وقيامُ حادثٍ بذاتِ القديم سبحانه مستحيلٌ أيضًا فانتفت الحاجاتُ عن القديم تعالى بكلّ وجهٍ؛ لأنّ الحاجة إنّما تتحقّق بعدم المراد وترتفع بوجودِه، وإذا ارتفع النقص بوجود المرادِ أو بوجود ما يرفعه فلا تُعْقل الحاجة.

وقالت المعتزلةُ: لو كان للقديمِ صفاتٌ لكان محتاجًا إليها(23). قلنا: لم يزل الإلـٰه سبحانه موجودًا بصفاته التي بها كمالُه وبثبوتها استغناؤه، فكيف يتصوّر الحاجة إليها، ولو كان مع الوجودِ حاجةٌ ومع العدم حاجةٌ فلا يعقل قطّ إلّا الحاجة. فنقول: إنّه سبحانه مستغنٍ بذاته وصفاتِه عن الأحياز (الأغيار في ط وفي الغنية).

وأما المعتزلة فقد أثبتوا لله تعالى إراداتٍ حادثةً وكلامًا حادثًا(24)، والحاجةُ إنما تتصوّر إلى حادثٍ يترقّب وقوعُه، فيلزمهم ثبوتُ الحاجة للقديم مِن هذا الوجه؛ لأنّه ما لم يخلق لنفسه الإرادة والكلام لا يكون مُريدًا ولا متكلِّمًا، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.


(1) ) وهو من كتب الإمام الأشعري المفقودة. قال الحافظ ابن عساكر في التبيين نقلًا عن الإمام الأشعري: "وألَّفْنا كتابًا سميناه كتاب "إيضاح البرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان" جعلناه مدخلًا إلى الموجز تكلمنا فيه في الفنون التي تكلمنا فيها في الموجز". ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، (ص/؟؟؟).

(2) ) وهو أحد قولي الإمام الأشعري، قال الأستاذ ابن فورك في "المجرد": "وقد اختلف قوله في القديم هل يقتضي معنى بكونه قديمًا أم لا؟ فذهب في بعض كتبه إلى أن القديم قديمٌ بقِدَمٍ، وهو على نحو ما ذهب إليه المتقدمون من أصحاب الصفات كنحو عبد الله بن سعيد وغيره". ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/28).

(3) ) انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/289).

(4) ) في (ب): "القديم".

(5) ) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/28). وانظر البغدادي، أصول الدين، (ص/289).

(6) ) في (ب): "الوجود".

(7) ) ويفهم مراد الأستاذ أبي إسحاق بقوله: "تتضمن نفيًا" مما نقله الآمديُّ عنه: "فالقِدَمُ يرجعُ حاصلُه إلى صفة نفي وهي: وجودُه لا في مكانٍ، والصفات السلبية لا تُعَلّل، بخلاف الصفات الثبوتية". الآمدي، أبكار الأفكار، (1/450).

(8) ) في (ب): "ساق".

(9) ) أستاذ أحمد.

(10) ) سقطت من (أ)، وهي هكذا في (ب).

(11) ) الجديدان: الليل والنهار. انظر الجوهري، تاج اللغة، مادة (ج د د) (2/454). والرزاي، مختار الصحاح، مادة (ج د د) (ص/؟؟).

(12) ) استاذ احمد

(13) ) السِّنات: جمع سِنة، والسِّنَةُ والوسنة والوَسَن ثقلة النوم، وقيل النعاس وهو أول النوم. وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥]: "أي لا يأخذه نعاس ولا نوم، وتأويله أنّه لا يَغفل عن تدبير أمر الخلق". انظر الزجاج، معاني القرءان، (1/337). وابن سيده، المحكم والمحيط الأعظم، مادة (و س ن) (8/615). وابن منظور، لسان العرب، مادة (و س ن) (13/449).

(14) ) [سورة الشورى: ١١].

(15) ) استاذ احمد

(16) ) انظر المتولي، الغنية، (ص/73).

(17) ) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/43،29).

(18) ) وهو قول الكرامية كما بيّن الأستاذ أبو القاسم في الغنية. الأنصاري، الغنية، (1/352).

(19) ) تحتمل الوجهين والأوفق سياقا

(20) ) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/؟؟).

(21) ) انظر الزجاج، تفسير أسماء الله الحسنى، (ص/63،57). والبغدادي، الأسماء والصفات، (2/515-517).

(22) ) هذان المعنيان بالفارسية كما ذكر الأستاذ أبو القاسم في الغنية. الأنصاري، الغنية، (1/353).

(23) )

(24) )