مسألةٌ: اتفق المسلمون على أنّ الأجسامَ تتناهى في تجزّئها وانقسامِها حتى تصيرَ أفرادًا، وكلُّ جزءٍ لا يتجزّأ ولا ينقسم، وليس له طرفٌ وحَدٌّ وجزءٌ شائع (مراجعة المخطوط) ولا متميِّزٌ(90).
وإلى هذا صار المتعمّقون في الهندسة، وعبّروا عن الجزء بالنقطة، فقالوا: "النقطةُ: شىءٌ لا ينقسم"(91).
وصار الأكثرون(92) إلى أنّ الأجسام لا تتناهى في تجزّئها وانقسامها. وإلى هذا صار النظّام مِن أهل الـمِلّة(93)، ثم اعترفوا بأنّه تنتهي قسمتُها بالفعل ولا تنتهي قسمتُها بالقوّة، ويعنون بالقوّة صلاحيّةَ الجزء للانقسام.
والعجب أنّهم اتفقوا على أنّ الأجرامَ متناهيةُ الحدود والأقطار(94)، منقطعةُ الأطرافِ والأكنافِ)(95))، وكذلك كلُّ جملةٍ ذات مساحة فإنّ لها غاياتٍ ومنقطعاتٍ بالجهات، ثم نصّوا بأنّها تنقسمُ أجزاءً بلا نهاية، والجملةُ المحدودةُ المحاط بها كيف تنقسمُ أجزاءً لا تتناهى ولا يحاط بها؟ وكيف ينكسر الرغيفُ لُقمًا بلا نهاية؟ وقد اتفق العقلاءُ على أنّ الانتهاء يُشعِرٌ بالنهاية، وأنّ ما انقطعَ مِن طرفٍ يجب انقطاعُه مِن الجهةِ الأخرى، وما يتطرّق إليه التشطيرُ والتنصيفُ ويقبل النقصانَ بالتنصيف والتفريق كيف ينقسم أبدًا؟ وكيف لا ينتهي إلى حدٍّ وإلى حالةٍ لا تتطرّق إليها القسمة ؟؟
فإنْ قالوا: نحن نسلّم لكم أنّها تنتهي إلى حالةٍ لا تقبل القسمةَ الفعليّةَ، ولذلك تناهت حدودُها وجوانبُها. قلنا: لو كان في كلّ جزءٍ محسوسٍ متجاوراتٌ بلا نهاية لما انتهت أطرافُها وجوانبُها، ثم قد علمنا ضرورةً أنّ الجزءَ أقلُّ مِن الكلّ، فإنّ الخمسة أقلُّ مِن العشرة، فكيف يصحُّ الحكمُ بأنّ القسمة الفعليّة تتناهى، والقسمةَ الصلاحيّة لا تتناهى؟ وكيف تكون الذرّةُ مساويةً للجبل بصلاحيّة القسمة؟ وكيف لا تُميّزوا بين الصلاحيّة والاستحالة؟ وبالضرورة يُعلمُ أنّ الذرّة لا تشتمل على متجاوراتٍ بلا نهاية.
فإن قالوا: لسنا نقول إنّ في الذرّة متجاوراتٍ بلا نهاية وجزءًا، وإنما نُشير إلى صلاحيتها للقسمة وقَبُولها له مِن حيث القوّة. قلنا: قد علمنا أنّ القسمةَ حقيقتُها: تبعيد متجاورين وتفريقُ مُتماسّين، هذا ما لا شكّ فيه بين العقلاء، وفي قبول الذرّة التقسيمات التي لا تتناهى إثبات المنقسمات بلا نهايةٍ، وذلك قول (ق21أ) بإثبات متجاوراتٍ في الذرّة بلا نهاية.
ثم القوّة في اصطلاح الطبائعيّين قد تُطلق ويُراد بها صلاحيّةُ الشىء للنّماء، والاستمداد من المواد، وانقلابها إلى كيفيّةٍ أخرى، كما يُقال: النُطفةُ إنسانٌ بالقوّة، والنواة نخلةٌ بالقوّة.
ولستم تريدون في مسئلتنا ما أشار إليه هؤلاء بل عنيتم بها عجزَكم عن التفريق، إذ لا معنى لصلاحيّةِ القسمة إلّا تحقيقُ متجاوريْن فيتصوّر تفريقهما، فالتفريق يقتضي اجتماعًا قبله، والتقسيم يستدعي تجاورًا سابقًا لا محالةَ وهذا معلومٌ على البديهة، فإمكانُ الانقسام ينبني على وقوع المجاورةِ بل على وجوبه.
وإنْ عنوا بالقوّة وصلاحيّة القسمة زيادةَ أجزاءٍ في الجسم فليس ذلك مذهبُهم وليس هو موضع النزاع.
فإن قالوا: إذا ادعيتم أنّ الجملةَ المحسوسةَ متناهيةٌ محدودةٌ، ثم رتّبتم على دعواكم أنّ التشطيرَ والتنقيصَ مُشعِرٌ بالتناهي؛ إذ لا يبقى على النقصان شىءٌ. وكلّ هذه تحكُّماتٌ ودعاوى فإنّ الجملة لا تتناهى عند من يقولُ بانقسام الجوهر، وليس يقول باشتمال الجملةِ المتناهيةِ على الأجزاء التي لا تتناهى.
قلنا: نعني بتناهيها كونَها محدودةً محاطًا بها، وهذا ممّا يُعلم حِسًّا وضرورة، فإنّ الجملة لها منقطعاتٌ يمكن الاتصالُ بها مِن كلّ جهةٍ، ولو كانت لا تتناهى أجزاءً لامتنع الإحاطةُ والاتصالُ بها، وكذلك تطرّق النقصان إليها معلوم ضرورةً، والتفاوت بين الصغير والكبير مُدْركٌ على البديهة، وإذا قُطِعَ شىءٌ مِن جملةٍ انتقص بذلك لا محالة.
قال أئمّتنا: لو كانت الأجسام لا تتناهى أجزاءً وجُمَلًا لَـمَا تُصُوِّرَ قطعُها وتخطِّيها(96)، وإذا فرضنا الكلامَ في جسمٍ بسيطٍ ونملة تفتتحُ الدبيب مِن أحد طرفيه ولا تزال تدبّ وتسير حتى تنتهي إلى الطرف الآخر، استيقنّا أنّها قطعت الجسمَ وخلّفت أجزاءَ البسيط، ولو كانت أجرامُها غيرَ متناهية لما تُصوّر الفراغُ مِن قطعِها إذ الانتهاءُ يشعر بالنهاية.
فإن قالوا: إنما قطعت جملةٌ غيرُ متناهيةٍ جملةً غيرَ متناهية، ولا يبعدُ أنْ يقطعَ ما لا يتناهى مثله.
قلنا: اختلف حُذّاقكم في أنّ الكرة إذا وضعت على البسيط هل تلاقيه أم لا؟ ولا سبيل إلى جحدِ الملاقاة فإنّها محسوسةٌ، ثم إذا لاقته لاقته بجزءٍ منقسمٍ أو بما لا ينقسم؟
وقد قال معظم الهندسيّين: ليس في الكرة منقسِمٌ لأن من شأنها التأرّف [في المطبوع: التأرب](97) فلو لاقته بمنقسمٍ لانبطحت عليه فصارت شكلًا ذا ضِلَع وخرجت عن كونها كرة. فقالوا: إنّها تلاقيه بنقطةٍ، والنقطة عندهم منقَطَعُ الخطّ، وليس في الكرةِ خطٌّ فثبت أنّها تلاقيه بجزءٍ لا ينقسم. إذا ثبت ذلك فلو رسمنا كرةً على سطحٍ وجَرَرْنا عليها منتقين(98)(المطبوع: فيتعين) قطعها للجسم والسطح، فإذًا قد قطع في هذه الصورة كرةٌ لا تنقسم بسيطًا غيرَ متناه.
ودعواهم: "أنّ القاطعَ جملةٌ لا تتناهى قطعت جملةً لا تتناهى" باطلة، فإن التفاوت بين النملة التي جعلناها قاطعة وبين الرحا والبسيط في الصِغَر والكِبَر معلومٌ قطعًا.
على أنّا نقول: فما لا يتناهى لا يُفرض كونُه قاطعًا ولا مقطوعًا؛ لأنّه إذا انتفت عنه النهايةُ فلا يتحقّق له منقطِعٌ، وإنّما يُلاقي ما يلاقيه منقطِعُه بحدٍّ ومنقطَعٍ.
فلمّا لم يجدوا مخلصًا مما أُلزموا رام النظّامُ انفصالًا فقال: "لا سبيل إلى قطع البسيط على الحقيقة، ولكن القاطعَ يقابِلُ جزءًا منه ويطْفر، وهو في طفْرته غيرُ مقابل للبسيط، فيقطع البسيط(99) طفْرًا(100)"(101).
فقيل له: لو صُبغت أرجُل النملة وسُيّرت على الرحا لرسمت خطًّا؛ فبطل القولُ بالطفْر.
فقال أيضًا: إذا شرعت النملةُ في الدبيب فهل قطعت القدرَ الذي ماسّته بدايةً؟ فنقول: نعم. فيقال: ذلك القدر من البسيط متناهٍ(102) أو غير متناه؟ فإن قال: هو متناه فقد ترك مذهبَه وسلّم المسألة. وإن قال: غيرُ متناه، فقد قطعتُه النملة، فما يُغنيه بعد ذلك تصويرُ الطَّفْر وقد سلّم قطعًا فيما لا يتناهى.
ثم نقول: هذا الدبيبُ في طفرته هل حاذى الجسمَ الذي قطعته بدايةً، أم تقول: إنّه غير محاذٍ له؟ فإنْ قال: إنّه في طفْرته مُحاذ للجسم الذي يقطعُه فهو ما نَبْغيه، إذ ليس يتخصّص إلزامُنا بالمماسّة، بل لو صوّرناه في طيران طائرٍ لتكامل غرضُنا. وإن زعم أنّه في طفرته غيرُ محاذٍ له ولا مماسٍّ كان جاحدًا للضرورة، ولو ساغ هذا لَـمَا امتنع أن يبتدأ شخصٌ قطع الأرض من مبتدأ المشرق ثم تتّفق له طَفْرةً إلى أقصى الغرب من غير أن يحاذي في طفْرته أرضًا ولا سماءً ولا هواءً وذلك كلُّه في لحظة، وهذا جحد الضرورة. مع أنّه لم يستفدْ بما أبدعه الخروجَ عن الإلزام؛ إذ القدرُ الذي سَلَّمَ قطعُه قامت عليه الحجةُ به.
فإن قال: قد يُتصوّر مثلُ ذلك، وضرب أمثلةً يستزل بها مَن لا خبرة له بالحقائق، منها مسألة الـجُبّ والدلْو مع الكُلّاب والحبل وهي معروفةٌ، ومحصولها: أنّ الكُلّابُ يقطع خمسين ذراعًا، والدلو يقطع مائةَ ذراعٍ، والحركةُ متّحدةٌ، والموجِب متّحدٌ، والوقت أيضًا له حكم الاتحاد، وليس ذلك إلّا لأن طفْرَ الدَلْو أكثرُ مِن طفْر الكُلّاب(103).
وهذا تلبيسٌ عند أهل التحقيق؛ فإنّ الدَلْو إنّما ارتفع بسرعةِ حركاتِه وتواليها مِن غير فَترات، وكانت في حركاتِ الكُلّاب فَتراتٌ، وهذا ظاهرٌ في مَرأى العين. وهذا كالقُطْبِ يدور بالرحى ونراه بطيئًا متثاقِل الحركات، وأرجاءُ الرحى تكاد تخطف الأبصارَ لسرعةِ جريانها؛ وذلك لأنّ أرجاءَ الرحى تقطعُ دائرةً مقدارُها عَشَرةُ أذرعٍ في المدّة التي يقطع القطبُ فيها شبرًا بشبر.
واعلم أنّ الجسمَ لا يقطع في وقتٍ واحدٍ أكثرَ مِن مكانٍ واحدٍ، فإنا أبطلنا القولَ بالطفْر، وأوضحنا أنّ الجسمَ لا يُتصوّر أنْ يقطعَ جسمًا ما لم يُماسّه أو يحاذيه، وما لم يتجاوزْه لا يتّصل بالجسم الذي يليه، هذا معلوم على الضرورة. ثم لا تقع مماسّةُ جسمٍ لجسمٍ إلّا في وقتٍ، ويستحيل وقوعُ حركتين في وقتٍ واحدٍ، غيرَ أنّه لا يمتنعُ أنْ يخلقَ اللهُ تعالى جوهرًا في أحدِ قُطري الأرض ثم يُعدمُه ويُعيدُه في الحالة الثالثة في القُطرِ الآخر مِن الأرض، وإذا كان بعضُ هذه الأفعال أعني الإعدامَ والإعادةَ مترتِّبًا على بعضٍ لا يُعقل حصولها إلّا في ثلاثةِ أزمنة. وهكذا قولنا في نزول جبريلَ والملائكةِ عليهم السلام مِن السماء إلى الأرض في ساعةٍ واحدة.
فنقول: إن الساعة تشتمل على أوقاتٍ كثيرة الله تعالى أعلم بأعدادِها، والوقتُ الواحدُ لا يُدرك حِسًّا وإنّما يُعلم بدليلِ العقل، وكذلك القولُ في الإتيان بعرش بلقيس، وقد يُتصوّر في عرش بلقيس أنْ يُعدِمَه الله تعالى في مكانه ثم يعيدُه في دارِ سليمان، وإن لم يُتصوّر مثلُه في الملائكة، ويتصوّر أن يكونَ جبريلُ قد حمل العرش قبل سؤال سليمان بساعاتٍ ثم تصادفَ حصولُه في داره بسؤالِه، والله تعالى أعلم بحقيقة الأمر.
وللقوم شكوكٌ وتعقيداتٌ وتلبيساتٌ:
مثل قولهم: لو فرضنا جوهرًا بين جوهريْن أو بين جواهر أفيُلاقي هذا بعينِ ما يُلاقي ذاك أو يُلاقيه بغيره؟ وفي تقدير الأول سفسطة(104)، وفي الثاني تسليم المسألة وإثبات أطرافٍ للجوهر.
ومثل قولهم: لو وقع جوهرٌ على متّصلِ جوهريْن فيقعُ على أحدهما أو على المتّصل منهما، وفي الأول تحكّمٌ، والثاني تسليم للمسألة لأنّه إذا كان على المتّصلِ فيكون بعضُه على هذا وبعضُه على ذاك.
ومثل قولهم: لو وُضع جوهرٌ على جوهرٍ لستر أحد وجهيْه دون الوجه الآخر حتى إذا نظر الناظرُ إليه رأى أحدَ وجهيْه وهو المكشوف دون المغطّى.
وربما يقولون: النقطةُ في وسط الدائرة تقابل جملةَ أجزاء الدائرة، ولولا أنّها تساويها في الأجزاءِ لَـمَا قابلتها، هذا محصول كلامهم.
واعلم أنّ الجوهرَ الذي أثبتناه وأشرنا إليه، طريقُ إثباته ما ذكرناه مِن أدلّةِ العقول، وهو أنّك إذا عمدت إلى خردلةٍ ونصّفتها ثمّ لا تزالُ تُنصّفها فتنتهي لا محالةَ إلى حالةٍ لا تقبل التجزئةَ والتنصيفَ، وإذا انتهى إلى هذا المقدارِ وتحققتْ له الوحدة فلا يصيرُ والحالة هذه محسوسًا في مطّرد العادة.
وما هذا سبيلُه فلا شكل له في مرأى العين إذ الشىء الواحد الذي لا ينقسمُ لا طرفَ له، وإذا اتصل بمثلِه صار كلُّ واحدٍ طرفًا لصاحبه، فأمّا أنْ يكون له أطرافٌ حتى يلاقي ما يُلاقيه بأحد أطرافِه والأطرافُ الأخرُ منه مكشوفةٌ فذلك إنّما يُتصوّر في الخردلةِ المشتملةِ على الأطراف والأجزاء. فأمّا الواحد الذي أشرنا إليه فلو اتصلَ بمثلِه فليس لهما متّصَلٌ كما تخيّله الخصمُ، بل إذا وقع ثالثٌ عليهما فيقع على أحدهما في عِلم الله تعالى، ولا يَلزمنا تعيينه.
وقد أوضحنا أنّ الجملةَ التي لها نهاياتٌ ومنقطعاتٌ لا تشتمل على أجزاءٍ بلا نهاية، وأنّ الخطَ المفروضَ مِن عشرة أجزاءٍ يستحيل أن يحوي ما لا يتناهى أو يُقابلها، وما ينشطّر وينتقص بالتنقيص والتشطير ينتهي إلى حالةٍ لا تقبل التنقيصَ والتشطيرَ، ولو لم يكن كذلك لاستحالَ تنصيفُه مِن أَصْله؛ لأنّ ما لا يتناهى لا نِصفَ له ولا يتطرّقُ إليه النقصانُ بالتشطير، وكلّ جرمين يصحّ محاذاتهما لا يمتنعُ أيضًا مماسّتهما، فإنّ ما يُصحّحُ أحدَهما يُصحّحُ مثلَه الثاني، وكلّ ما ذكرناه من الجليّات.
وقد ذكرنا أنّ الجوهرَ الواحدَ لا جزءَ له ولا نصفَ ولا طرفَ، وما هذا وصفه فهو متحيّزٌ مختصٌّ بجهةٍ، فإذا انضمَّ إليه مثلُه فالـمَعْنيّ بانضمامِه إليه: أنّ الجوهرَ الثاني يختصّ بجهةٍ تليه بحيث لا يتخلّلهما فُرجةٌ وحيّزٌ لجوهرٍ آخر، فيصير كلُّ واحدٍ منهما طرفًا للآخرِ وجهةً له، فتقديرُ جواهرَ محفوفةٍ بالجوهر لا (في المطبوع زيادة: [يؤدي إلى]) بتبعيضه وانقسامه وثبوت جهاتٍ وأطرافٍ له، فإنّ هذه الجواهرَ ثابتةٌ في أحيازها، وليس الوسطاني منها إلّا اللقَبُ(105) والإضافة.
يحقّق ما قلناه: أنّا لو قدّرنا هذه الجواهرَ محيطةً بالعَرَض الذي قدّره أبو هاشم وأصحابُه لا في محلّ(106)، لَـمَا أشعرَ ذلك بانقسامِ العَرَض في الحكم، فكذلك الجوهر الوسطانيّ.
فإن قيل: العرض الذي أثبته أبو هاشم غيرُ متحيّزٍ، والجوهرُ الذي أشرتم إليه متحيّز.
قلنا: العَرَض الذي قدّره قائمٌ بنفسه له حكمُ النهاية كالجوهر، ومعظم الزَللِ إنّما ينشأ مِن تصويرِ الجوهر الفرد في الوهم، فكلّ ما ذكروه مِن التعقيدات إنّما رتّبوه على جسمٍ مُتشكّلٍ في الوهم، وهم مساعَدون مِنّا على مقتضاهُ، والذي فرضنا الكلامَ فيه من الجزء الفرد هم لا يُساعدوننا على ثبوته أو على تقدير ثبوته، فكيف يصحّ منهم التفريعُ عليه مع إنكارِ أصلِه وإحالة تصويره؟
وظنُّ النظّامِ "أنّ الاتحاد يمنعُ الاتصالَ" مقلوبٌ عليه، وهو مؤاخذٌ بمقتضاه؛ فإنّ المانع مِن الاتصال نفيُ النهاية، وإذا انتفت النهايةُ على زعمه عن أجزاءِ الجملةِ المركّبة امتنع الاتصالُ بها، فإنّ نفي النهاية موجِبٌ لنفي الحدود، ولو كانت الخردلةُ تشتمل على أجزاءٍ بلا نهاية لم تكن خردلةٌ بل كانت عالَـمًا ذاهبًا في الجهات.
ومما تمسّكوا به: رؤيةُ أحدِ وجهي الجوهر عند التراكم وذلك هوسٌ؛ لأنّ الواحدَ ليس له وجهان (ق22ب) وإذا رأيناه رأيناه بحقيقته.
وما ذكروه من محاذاة النقطة أجزاءَ الدائرة فلو صحّ ما قدّروه لصح مماسّتُها لها.
وما قالوه: مِن (في المطبوع: [أنّ]) القُطْب على صِغَره يُديرُ ويُحَرِّكُ أجزاء الرَّحى على كِبَرها، وإنما كان كذلك لمساواةِ القُطْب إيّاها [في المطبوع: إياه] في الأجزاءِ فهوسٌ أيضًا، فإنّ الربّ تعالى أجرى العادة بذلك، والقول بالطبع باطلٌ، وسنوضح ذلك في موضعه إن شاء الله.
وتشبيهُهُم التنصيفَ بالتضعيف لا معنى له، فإنّ التضعيف ضمُّ شىءٍ إلى شىءٍ، وذلك غيرُ مستحيل على المتحيّز، على أنّ ما حصره الوجود والعدد فهو متناهٍ لا محالة.
وفي المسألة إشكال؛ فإنّ القول: "بأنّ الجوهر متحيّزٌ وليس له إلّا وجهٌ واحدٌ" مُشكلٌ، بل الأولى أن يقال: الواحدُ ليس محسوسًا.
قال الأستاذ أبو إسحاق: "اتفق الأصحابُ على أنّ ما يقعُ به التمييز بين الجوهر وما لا يدخل في معناه: هو كونُه متحيّزًا في وجودِه، له جثّةٌ، وحجمٌ وجِرمٌ، وأنّه محلُّ العَرَض، ولا ينفكّ من الأعراض، ولا يوجد إلّا في محاذاةٍ، وتصحّ عليه المماسّةُ والتأليف، والواحدُ منها لا يتجزّأ بالفعلِ ولا بالوهم، ولا يتصوّرُ بالتشكّل، ولا له طرفٌ، وأنّ له في اللفظ ستُ جهاتٍ، ومعناه أنّه يصحّ أن يحيطَ به ستّةُ أمثالِهِ ولا يتصّل به أكثرُ مِن ستّة.
واتفقوا على أنّه إذا اجتمع اثنان مِن الجواهر استحال أن يوضعَ ثالثٌ عليهما، فإنّ القول به يقتضي تنصيفَ الجوهر.
واتفقوا على أنّه لو صحّ عرضٌ لا في محل لصحّت الإشارةُ إليه بالحيّز، ولصحَّ وجودُ جوهرٍ في ذلك الحيّز ثم يكون ذلك عَرَضًا حالًّا فيه، ولا يصحّ هذا التقديرُ في حقّ الإلـٰه سبحانه وتعالى، فلا تصحّ الإشارة إليه بالحيث والحيّز حتى يصحَّ وجودُ جوهر فيه"(107).
هذا كلامُ الأستاذ في حقيقة الجوهر وحُكمِه. ونحن نعود إلى هذه المسألة ونقضي وَطَرَنا منها في باب الأكوان في آخر مسألة التجسيم إن شاء الله عزّ وجل.
ونعقد الآن فصلًا في أحكامِ الجواهر وصفاتها الواجبة والجائزة. ه.
مسألة
أمّا ما يجب منها: فالتحيّز، والحجميّة، وقبول العَرَض، والنهاية، وذكر بعضُهم القيامَ بالنفس أيضًا(108)، وأباه بعضُهم؛ فإنّ القيام بالنفس إشارةٌ إلى الاستغناء عن المحلّ وذلك نفيٌ. ومنهم مَن يجعلُه حُكمًا ثابتًا يتضمّن نفيًا كالقديم والواحد.
وصارت الكرّاميّةُ إلى أنّه إشارة إلى اختصاصٍ بالجهة.
وقال بعضهم: "إذا وصفت الجوهر به فالمرادُ به الحجميّة والحيثيّة والتحيّز، وما كان بهذا الوصف فيستحيل أن يكون في محلٍّ فيكونَ صفةً له، وإذا وصفت الإلـٰهَ سبحانه به فالمراد به نفيُ المحلّ والحاجةِ على الإطلاق"(109).
وقال الأستاذ في بعض كتبه في القائم بالنفس: "إنّه إشارةٌ إلى معنى يُوجب له التقديس [في المطبوع : التقديسُ] عن الأحياز".
فأمّا ما يجوز للجوهر فوجود آحاد الأعراض، وكذلك يجوز عليه البقاءُ والاختصاص ببعض الأماكن والجهات، والجوهرُ غيرُ مفتقرٍ إلى المكان وجوبًا؛ إذ لو افتقر إليه لكان مكانه جوهرًا ثم يتسلسل(110) القولُ في مكانه ومكانِ مكانه، بل نقول يجوز عليه المكان ولا يجب(111).
والجوهر لا شكل له بل هو جزءٌ مِن شكل إذا انضمّ إليه غيرُه، ويتكثّر بأمثاله فيتشكّل ويُرى مع غيره في مجرى العادة(112).
فإن قيل: ما الذي يستحيلُ على الجوهر؟ قلنا: خروجُه عن صفة نفسِه مستحيلٌ؛ فإنّ فيه انقلابَ جنسِه.
فإن قيل: أوضحوا ما يجوز قيامُه بالجوهر مِن الأعراض. قلنا: كلُّ ما يجوز قيامُه بالجوهر مع غيره يقومُ به إذا انفرد إلّا المماسّة، ففيها كلامٌ سيأتي في كتاب الأكوان.
ثم إنْ كان غيرَ موصوفٍ بالحياة فيقوم به: ضِدُّ الحياة، وكوْن، ولون، وطعم، ورائحة، وكذلك الحرارة(113) والبرودة والرطوبة واليبوسة، هذا ما اتفقوا عليه، وفي قيام عدد الأكوان به كلامٌ سيأتي.
وإنْ كان الجوهرُ موصوفًا بالحياة فيقوم به أجناسٌ مِن الأعراض كالعِلم أو أحد أضداده، والقدرة أو ضدّها، والإرادة أو (ق23أ) أحد أضدادها، والإدراكات أو أحد أضدادها، وكذلك جُملةُ صفات الحيّ(114).
وإذا وقفت على أحكام الجواهر وصفاتِها فاعلم أنّها جنسٌ واحدٌ، ومعنى تجانسها: تماثلُها واستواؤها في صفات الأنفس وما يجب لها ويجوز عليها، وأنّ كلّ واحدٍ يَسدّ مَسدّ الآخر في هذه القضيّة.
وخالف النظّامُ(115) وبعضُ الفلاسفة في هذا(116).
وإذا استبان للعاقل مرادُنا بتجانسها فلا يليق به مخالفتنا في ذلك.
ثم مِن أصلهم أنّ "الهواء يُخالف النار"، فإنْ عنوا به أنّ أعراضَهما تختلف فذلك مُسلّم، وإنْ عَنَوا باختلافِهما الاختلافَ في الصفات النفسيّة فذلك محال، فإنّ ما يقبلُ لونًا يقبلُ كلَّ لونٍ، وما يقبل الحرارةَ يقبلُ البرودةَ.
فإنْ أنكر الخصمُ ذلك فسبيلُ الكلام عليه: أن نُوضح أنّ جملةَ صفات النار كالحرارة واللون والإحراق أعراضٌ مغايرةٌ لجِرم النّار، وكذلك يستحيل بقاؤها ويجوزُ انتفاؤها بأضدادها كما يجوز ذلك بأمثالها، ولا يبعد اتصافُ الهواء بأوصافِ النار، واتصاف النارِ بأوصاف الهواء، فإنّ الجِرميْن مستويان في الجِرميّة وتعاقبِ الأعراض عليهما، وهذا ما نعنيه بالتماثل.
فإنْ ساعدنا الخصمُ عليه وخالفنا في العبارة فقد آلَ النِزاعُ إلى التسمية(117).
وإن ادّعى أنّ صفاتِ النّار واجبةٌ، وصفاتِ الأرض واجبة للأرض، وكذلك صفات الهواء والماء. فنقول: إذا اعترفتم بالمغايرة بينها وبين صفاتها فقد بطل دعوى وجوبِ الصفات لها في حُكم العقل، واستبان أنّ الوجوبَ المشار إليه راجعٌ إلى جري العادة.
وقد نقول: إنّ العلمَ بمجاري العادات يُلْحَقُ بالضرورات فيُعلم أنّ الخُبزَ يُشبع، وأنّ الماء يُروي، وأنّ النار تُحرق وتُسخّن على معنى أنّ الفاطر تعالى يخلقُ هذه الأفعال وهذه الأمور عندها، ويجوز انخراقُ العادة فيها في بعض الأحايين لأمرٍ ما، وكذلك لا يمتنع أن يخلق اللهُ تعالى في جِرم الأرض صفةَ [في المطبوع: خفة] النّار وحرارتَها فتسمّى نارًا، أو على العكس فيُسمّى جرمُ النار أرضًا، إذا تبدلت صفاتُها واكتسبت صفات [الأرض](118).
وإنما يُبعد هذا مَن لا يُسند هذه التأليفات وهذه الاختصاصات، واختصاص كلٍّ منها بصفاتها إلى مقتضى حُكم الله تعالى ومشيئته.
ولو سلكوا هذا المسلك لـما خالفونا في هذه المسألة.
والعجب أنّ الحُذاق منهم فسّروا التركيبَ والامتزاجَ بانقلاب العناصرِ عن صورها أو بانكسار سَوْرَاتِـها(119)، ولو كانت هذه الصور لازمةً لها لَـمَا زلّت ولا انكسرت، وهذا مما لا جواب عنه. ه.
فصل
فإن قالوا: لا نُسلّم مغايرةَ الجوهر العرضَ، بل الجوهرُ أعراضٌ اجتمعت وتحيّزت وهذا يُعزَى إلى النظّام وإلى النجّار(120) وغيرهما، فقالوا: الأعراضُ تنقسم إلى ما هو أبعاضُ الجوهر وأركانُه، وإلى ما هو أعراضٌ، وقالوا: إنّ الأبعاضَ عشرة وعدّوا منها اللونَ والطعمَ والرائحةَ والحرارةَ والبرودةَ ونحوَها، وربما لم يُثبتوا شيئًا مِن الأعراض إلّا الحركة وبعضَ صفات الحيّ(121).
والدليل على إثبات المغايرة بين الجوهر والعرض أن نقول: أجمعنا على أنّ الجوهرَ متحيّزٌ، فلا يخلو خصومُنا في العرض الواحد إمّا أنْ يقولوا: إنّه متحيّز له قدرٌ من المساحة مفتقرٌ إلى كون يخصّصه ببعض الجهات، أو يَأْبَوْن ذلك. فإنْ قالوا: إنّه متحيّزٌ كان باطلًا إذ في ذلك تجويزُ قيامِ العرضِ بالعرض، أو الحُكم بأنّ ما تخيّلناه عَرضًا فهو جوهرٌ لأنّه متحيّز. وإن قالوا: إنّ العرض الواحد لا يتحيّز. قيل لهم: فلو قُدّر اجتماعُها فلا تخلو الأعراضُ إمّا أن وُجِدت بحيث عرضٍ واحدٍ، وإمّا أن يوجدَ كلُّ عرضٍ بحيث نفسه. فإن وجدت بحيث عرضٍ واحدٍ فذلك الواحدُ مُتحيّزٌ أو غيرُ متحيّز، فإنْ كان متحيّزًا فهو جوهرٌ قامت به أعراضٌ فسمّاه الخصمُ عَرضًا، وإنْ كان ذلك الواحدُ غيرُ متحيّزٍ فالذي وُجد بحيث هو في حُكْمِه قطعًا.
وإن زعم الخصمُ: أنّ الأعراضَ لا توجد (ق23ب) بحيث عرضٍ واحدٍ، بل يوجد كلُّ عرضٍ بحيث نفسه فلا معنى لاجتماعِها، فإنّ كلَّ عرضٍ منفردٌ قائمٌ بنفسه، وإذا ثبت أنّ أفرادَها لا تتحيّز فلا يتصوّر فيها التضامّ، إذ إنّما يُتصوّر التضامّ بين متحيزّيْن ليس بينهما تقديرُ حيّزٍ آخر لموجود.
ونقول أيضًا: إذا كان العرضُ الواحدُ لا يتحيّزُ بنفسه فكيف يثبت له حكمُ التحيّز عند اجتماع أعراضٍ معه، ويخرج عمّا كان له مِن الحُكم في الاتحاد؟ ولو جاز ذلك فليس بعضُ الأوصاف بالخروج عنه أولى مِن بعض، فيَلزم انقلابُ السواد بياضًا، والحركةِ طعمًا إلى غير ذلك.
ونقول لهؤلاء: إذا قامت حركةٌ بالجوهر أهي موجودةٌ بجميع الأعراض العشرة أم بواحدٍ منها؟ فإنْ قامت بالواحد منها وجبَ أن لا يثبتَ حكمُ التحرّك بجميعها، وإنْ قامت بجميعها ففيه تجويزُ قيام عرضٍ واحدٍ بموجودات، ولو جاز ذلك جاز قيامُ الحركة أو غيرِها مِن الأعراض بجواهر العالَـم.
وقولهم: صارت الأبعاضُ متحيّزًا واحدًا باطلٌ، فإنّه إمّا أنْ تنقلبَ الأعدادُ واحدًا عن عدمٍ أو لا عن عدم.
فإنْ كان عن عدمٍ فليس ذلك بانقلابٍ وإنّما هو إعدامٌ وإيجادٌ بعده وذلك لا ننكره.
وإن انقلبت إلى واحدٍ لا عن عدمٍ كان محالًا، وكيف يصير العددُ واحدًا مِن غير عدم البعض؟
فإن قالوا: الدليلُ على أنّ هذه الأبعاضَ هي نفسُ الجوهر أنّه ينتفي بانتفائها ولذلك يستحيلُ وجودُ الجوهر دونها، وكذلك يستحيلُ بقاؤها دون الجوهر. قلنا: جميعُ الأعراض يجوزُ انتفاؤها عن الجوهر مع ثبوتِ أضدادها وأبدالها، فما قالوه يَبطل بآحادِ الأعراض، فإنّ اللون إذا عُدِمَ عن الجوهر لا يُبَدَّلُ لعدم الجوهر(122)، ثم لا يَدلّ على أنّ الجوهرَ هو اللون فقط.
فإن قالوا: ما من لون إلّا ويجوز انتفاؤه بضدِّه أو بمثله فلم يلزم مِن انتفائه عدمُ الجوهر. قلنا: وكذلك جميعُ الأعراض عندنا يجوز انتفاؤها مع ثبوتِ أمثالها.
ثم مِن المتكلّمين مَن يُجَوّز خلوَ الجوهر عن جميع الأعراض، فبأيّ طريق تثبتون أصلَكم مع هذا التجويز؟
ثم نقول: ما أنكرتم أنّ المتحيّز واحدٌ؛ لأنّ العقل يقضي باعتوار الأعراض عليه على التعاقب كما قلتم في ملازمةِ الأعراض بعضها مع بعضٍ، وكما أنّ اللونَ لا يوجد إلّا مع الطعم، ثم لم يكن اللونُ طعمًا وكذلك سائر الأبعاض، وكذلك لا يُوجد الجوهر إلّا مع الأعراض، ثم لم يكن الجوهرُ أعراضًا، وكذلك لا توجد إرادةُ الشىء دون العلم به، ولا الألـم دون العلم به، ثم لم [يكن](123) الألـمُ ولا الإرادةُ عِلمًا، ولا العلمُ إرادةً ولا ألـمًـا كذلك في مسئلتنا.
فصل
ومما يتعلّق بأحكام الجواهر أنّها لا تتداخل عندنا خلافًا للنظام، فإنّه جوّز تداخلَها وجوّز وجودَ جملةٍ بحيث جملة، وهذا قريبٌ مِن جحد الضرورة، ويلزم منه تجويز وجود جميع أجزاء العالَـم في حيّز خردلةٍ. ثم النظّام إنْ شاهد خردلةً(124) لا يأمن أن قد داخلها جملٌ لو لم تتداخلْها لكانت جبالًا.
فإنْ قال: هذا الذي ذكرتم استبعادٌ فما المانع مِن كون جوهرٍ بحيث جوهر؟ قلنا: مِن أصحابنا مَن قال: المانع منه التحيّز فالموجِبُ لهذا الامتناع التحيّز، وهذا مذهب المعتزلة.
ومنهم مَن قال: الموجب لذلك تضادُّ كونهما كما سنذكر بيانَه في كتاب الأكوان. وقال القاضي كلامًا يرجع إلى أنّ الاستحالةَ والامتناعَ مما لا يُعلّل، وإنما تُعلّل الأحكام الثابتة للذوات وهي الأحوال(125).
ومِن أحكامِ الجواهر أنّها باقياتٌ غيرُ متجدّدة حالًا على حال خلافًا للنظّام، فإنّه صار إلى أن الجسمَ يتجدّدُ حالًا فحالًا كالأعراض(126)، وهذه المسألة تتعلّق بالمسألة التي سبقت وهي أنّ الجواهر(127) غيرُ الأعراض.
وفساد ما قاله النظّام معلومٌ على الضرورة؛ فإنّا (ق24أ) نضطرّ إلى أنّ الذي ختمنا معه الخطاب هو الذي فاتحناه بالخطاب، وما صار إليه النظّام يُفضي إلى أنْ لا يموتَ حيٌّ ولا يحيى ميّتٌ، فإنّ الذي مات غيرُ الذي كان حيًّا قبل موته، ويلزمه جوازُ كونِ شخصٍ واحدٍ في حالتين متعاقبتين في الشرق والغرب، بأن يوجد في الحالِ الثانية في الغربِ مع كونِه في الحالة الأولى بالشرق.
فإن عارضنا النظّام بالأعراض والألوان فسنتكلّم في استحالةِ بقائها وفي الفرق بينها وبين الجواهر، والإنسان لا يُحِسّ في كلّ لحظة تخلّلَ عدمٍ ووجودٍ. ه.
مسألة
فإن قيل: إذا حكمتم بأنّ مِن خاصّ وصْف الجوهر التحيّز فأثبتوا معناه ومعنى الحيّز.
قال القاضي: "المتحيّز هو الجِرم، أو الذي له حظٌ مِن المساحة، أو الذي لا يوجد بحيث وجوده جوهر".
وقال الأستاذ: "المتحيّزُ ما هو في تقدير مكانٍ، أو ما يشغل الحيّزَ، ومعنى شغلِ الحيّز أنّه إذا وُجِدَ في فراغٍ أخرجه مِن أن يكون فراغًا".
وقال بعضهم: "الحيّز إنّما هو تقدير مكانٍ بجوهر".
وقال الإمام: "الحيّز هو المتحيّز نفسُه، ثم إضافةُ الحيّز إلى الجوهر كإضافةِ الوجود إليه"(128).
فإن قيل: هلّا قلتم إن المتحيّزَ متحيّزٌ لمعنى كما أنّ الكائن كائنٌ لمعنى؟ قلنا: تحيّزُه نفسُه أو صفةُ نفسه عند مَن يقول بالأحوال. وكونُه متحيّزًا راجعٌ إلى نفسه، وكذلك كونُه جِرمًا، وذلك لا يختلف وإنْ اختلفت أكوانُه وأعراضُه، ولو كان تحيّزُه حُكمًا مُعلّلا لوجب أن يثبتَ له حكمُ الاختلاف عند اختلاف الأكوان، فلما لم يختلف كونُه جرمًا دلّ أنّه ليس مِن موجبات الأكوان، والاختصاص بالجهات لـما كان مقتضى الأكوان كان في حكم الاختلاف.
فإن قيل: الجوهر لا يخلو عن الكون كما لا يخلو عن وصف التحيّز.
قلنا: قد أوضحنا أنّ تحيّزَه نفسُه، ولا يتميّزُ وجودُه عن وجودِ العرض إلّا به.
ومَن صار إلى أن تحيّزَه صفةُ نفسِه فيقول: صفة(129) النفس تلازم النفسَ ولا تُعقل النفسُ دونها، وصفة المعنى يجوز تقديرُ النفس دونها(130)، وكونُ الجوهر متحيزًا بمثابة كونِه ذاتًا وشيئًا، ثم التحيّز قضيةٌ واحدةٌ يجب لزومها ما ثبتت النفس. والكونُ اسمٌ يقعُ على أجناسٍ مختلفةٍ، ولو رُد الكلام إلى التعيين فمَا مِن ضربٍ مِن الأكوان يُعيّن إلا ويجوزُ تقديرُ عدمِه بضِدّه أو بمثلِه بدلًا منه مع بقاء الجوهر، وكذلك القولُ في اقتران العِلم والألم في حقّ الحيّ عند انتفاءِ الآفات أنّه لا يتعين بمقارنةِ الألم عِلمٌ حتى لا يجوز تقديرُ مثلِه بدلًا منه، والكونُ إنّما يفتقرُ إليه الجوهرُ لتعيين المكانِ والجهة.
فإن قيل: فاجعلوا علمَ الله تعالى من صفة نفسِه إذ لا يُعقل وجوده سبحانه دونه. قلنا: عدمُ العلم ما امتنع مِن حيث إنّه صفةُ النفس، وإنّما امتنع من حيث وجبَ قِدَمُه، والذي يُحقِّقُ ما قلناه أنّه لا يُتصور العلمُ بحقيقة الجوهر مع الجهل بتحيّزِه وحَجْمِيّتِه، ويصحُّ العلمُ بوجود البارئ سبحانه قبلَ العِلم بعِلمِه.
وقد صار أصحابُ الهيولى إلى أن التحيز مِن الصور والأعراض، وقد كان جوهرًا دونه وسيصير جوهرًا دونه إذا عاد إلى الهيولى.
وهذا الذي قالوه باطل؛ لما بيّنّا أنّ تحيّزَه جرمُه، وجرمٌ غيرُ متحيّز غيرُ معقول، ثم الهيولى غير متميّزٍ عن النفس والعقل عندهم.
فإن قالوا: له صلاحيةُ التحيّز. قلنا: إنْ كانت الصلاحيّةُ حُكمًا ثابتًا فهو صورة، والهيولى لا صورة له عندكم. ونقول لهم: إنْ جاز أن يتحيزَ ما لا يتحيزُ، جاز أن تتحيّز الأعراضُ والنفسُ والعقل، ولو جاز خروجُ ما هو متحيزٌ عن التحيزِ، جازَ دخولُ ما لا يتحيز في التحيز. ونقول لهم أيضًا: الهيولى لا قُطر له، فإذا تحيّز اقتضى قُطرًا، وهو موجودٌ في الحالين [في المطبوع: الحالتين] ثم استحال اختصاصُه ببعض الأحياز وِفاقًا لتساوي الأحياز في حقّه، فلا معنى للاختصاص إذًا دون إيثار مؤثّرٍ [في المطبوع: مُؤْثِر]، وإذا لم تسندوا ذلك إلى المؤثر عُلِمَ بطلان تقدير الهيولى.
وإذا فرضنا قطرًا خاليًا محفوفًا بأجرامٍ متراصةٍ ثم وجدناه مشغولًا، أو وجدناه مشغولًا ثم رأيناه خاليًا فلا بُدّ مِن أحدِ أمرين:
إمّا القولُ بحدوث الِجرم وتجدده في هذا القطر وعدمه في القطر الآخر.
وإمّا استحالة هذا التقدير. وهم لا يقولون بالحدوث والعدم فبطل تقدير الهيولى، وثبت أنّ الموجودَ الشاغلَ للقُطر لا يُزايل قُطرَه إلا بقطرٍ آخر، فثبت أنّ الذي تخيّله أفلاطون وأتباعُه خروجًا عن التحيّز، إنما هو انتقالٌ مِن قُطرٍ إلى قُطرٍ، وكلُّ موجودٍ لا يناسب القُطرَ يستحيل عليه القربُ والبعدُ والمجاورةُ والمفارقة، وكلّ ما يُناسب القطرَ لا يُعْقَلُ إلا مباينًا أو مماسًا.
فهذه جملٌ مقنعة في أحكام الجواهر. ونحن الآن نخوض في تمهيد حدثِ العالـم بعون الله تعالى وتوفيقه. ه.
(90) وهو الجوهر الفرد. انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/202). والبغدادي، أصول الدين، (ص/174).
(91) انظر ابن سينا الفيلسوف، التعليقات، (ص/84).
(92) وهم أكثر الفلاسفة كما صرح بذلك الإمام الجويني في الشامل. انظر الجويني، الشامل، (ص/143). والشهرستاني، الملل والنحل، (1/55).
(93) أي ممن ينتسب لملة الإسلام، وإلا فقد كفرته الأمةُ على معظم بِدعه. انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/363-364).
(94) في (ب): "الأفكار".
(95) الأكناف: جمع كنف، وأكنافُ كل شىء نواحيه. انظر ابن دريد الأزدي، جمهرة اللغة، مادة (ك ن ف) (2/969). وابن منظور، لسان العرب، (مادة ك ن ف) (9/308).
(96) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/207،202). والشهرستاني، الملل والنحل، (ص/13-14).
(97) حاشية: التحدد أو محتمل "التأوّق"
(98) تذكير استاذ احمد بدها حاشية.
(99) مكررة في (أ).
(100) الطفرة لغة: الوثبة. الجوهري، تاج اللغة، مادة (ط ف ر) (2/726). والرازي، مختار الصحاح، مادة (ط ف ر) (ص/399). وأما الطفرة التي قال بها النَّظام فهي دعواه أن الجسم قد يكون في مكانٍ ثم يصيرُ منه إلى المكان الثالث أو العاشر منه من غيرِ مرورٍ بالأمكنة المتوسطة بينه وبين العاشر، ومن غير أن يصيرَ معدومًا فى الأول ومُعادًا فى العاشر. انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/170-171).
(101) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/207). والشهرستاني، الملل والنحل، (1/55-56).
(102) مكررة في (أ).
(103) انظر الشهرستاني، الملل والنحل، (1/56). والآمدي، أبكار الأفكار، (3/91).
(104) السفسطة: ويقال لها أيضًا المغالطة: وهي قياس مركب من مقدمات شبيهة بالحق، أو شبيهة بالمقدمات المشهورة ويسمى مشاغبة. انظر الجرجاني، التعريفات، (ص/223). والكفوي، الكليات، (ص/849).
(105) ) استاذ احمد
(106) انظر النيسابوري المعتزلي، المسائل في الخلاف، (ص/83).
(107) انظر الجويني، الشامل، (ص/486-488).
(108) انظر الشهرستاني، نهاية الإقدام، (ص/45). والآمدي، أبكار الأفكار، (3/24-25، 3/157)
(109) انظر المتولي، الغنية، (ص/73).
(110) التسلسل: هو التسلسلُ وهو توقف وجودِ شىء على شىء قبله متوقفٍ على شىء قبله إلى غير نهاية، وهذا يؤدي إلى فراغ ما لا نهاية له، وهذا لا يقبله العقل ويؤدي إلى المحال. انظر الجرجاني، التعريفات، (ص/57). والزبيدي، إتحاف السادة المتقين، (2/96).
(111) انظر الجويني، الشامل، (ص/159، 165).
(112) انظر الجويني، الشامل، (ص/159).
(113) في (ب): "الحار".
(114) انظر الجويني، الشامل، (ص/165-166).
(115) خالف النظام في تجانس الجواهر فلم يحكم بتماثل الجواهر إلا إذا تماثلت أعراضها. وهو مبني على قوله: إنّ الجواهر أعراض مجتمعة. انظر الشهرستاني، الملل والنحل، (1/56).
(116) انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/208-209).
(117) انظر الجويني، الشامل، (ص/154-155).
(118) في (أ) و(ب): "النار"، وما أثبته الأوفق للسياق.
(119) سوْراتها: أي حدَّتُها. انظر ابن فارس، مقاييس اللغة، (3/115). وابن منظور، لسان العرب، (4/384).
(120) هو أبو عبد الله، الحسين بن محمّد النجَّار الرازيّ. إليه تُنسبُ الفِرقة النجَّاريّة إحدى فِرَق أهل الأهواء. وافقَ القدريّة في نفي صِفات الله، ووافَق أهلَ السُنّة بأنّ الله خالِق أكْسابِ العِباد، وانفرد بمسائل، وأكثر الـمعتزلة في الريّ مِن النجّاريّة. له كتب منها "إثبات الرسل" و"الإرجاء" وغيرهما. انظر البغداديّ، الفَرْق بين الفِرَق، (ص/236). والسمعانيّ، الأنساب، (13/36).
(121) انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/198-200).
(122) عبارة الإمام في "الشامل": "فإنّ اللون لو عُدِمَ، عُدِمَ الجوهر". الجويني، الشامل، (ص/153).
(123) ) ) سقطت من (أ)، وهي هكذا في (ب).
(124) سقطت من (ب).
(125)
(126)
(127) في (ب): "الجوهر".
(128) انظر الجويني، الشامل، (ص/156).
(129) مكررة في (أ).
(130) وكلام المصنف في حق الجوهر.