فمن ذلك قولهم: قد قال المتكلّمون(207): إنّ بين القديم سبحانه وبين أوّل الحوادث ما لو كان أزمنةٌ وحوادث لم(208) يكن لها أوّل، فقد أثبتوا أمرًا ممتدًّا يتجدّد شيئًا فشيئًا وقطعوا عنه الأوليّة، فما الفرق بين هذا وبين أن تكونَ تلك الأزمنةُ مشحونةً بالحركات، والتقدير كالتحقيق. قالوا: وإن لم تعترفوا أنتم بذلك فيلزمكم أن تقولوا بين القديم وبين أوّل الحوادث مدّةٌ متناهيةٌ، وهذا لو قلتموه قدح في أزليّة القديم سبحانه أوّلًا. قلنا: لا نسبةَ بين القديم سبحانه والحادث بالزمان ولا بالمكان، إذا الـمُصَحّح لقبول الأنساب الزمانيّة والمكانيّة التناهي، وما لا نهاية له في وجوده -أعني نفيَ الأوليّة عنه- ولا نهاية له في ذاته -أعني نفي الحدّ والحجميّة عنه- لا يناسب المتناهي بوجه.

فيُعارض قول الدهريّة بقول المجسّمة القائلين بإثبات الجهة فإذا تعارضا بطلا.

ولسنا نقول: لو كانت بين القديم سبحانه والحادث حوادث تقديرًا لكانت بلا نهاية، فإن ما حصره الوجود وثبتت أوّليّتُه متناهٍ لا محالةَ. على أنّا نقول: قولكم: "بين القديم وبين الحوادث" خطأ فإنّ "بين" من الظروف وإنما تستعمل في(209) ذوي النهايات.

فإن قيل: فإذا لم تثبتوا مدّة مديدة قبل الفعل فيلزمكم مقارنة الفعل وجود القديم. قلنا: قد قارن وجودُ القديم عدمَ فعله، ثم قارن وجودُه وجودَ فعله، ويستحيل الاشتراكُ والامتدادُ على الوجود الأزليّ؛ فإنّ ذلك راجعٌ إلى تقديرات الأوهام ووجود القديم سبحانه (ق31ب) لم يكن محالّ الأفكار ولا مَناط الأوهام.

ثم نقول: ألستم تطلقون القولَ بأنّ البارئ تعالى هو الــمبدأ الأول وأنّه العلّة الأولى، والـمالك الحقّ الجواد الفاعل حقًا، فما معنى أوّليّتِه وفاعليّتِه وكونه علّة موجِبَة للذوات إلّا كونَه سابقًا؟ ثم لم تُثْبتوا بين الفعل الواقع في الثاني وبينه مدّةً أورثته زمانته فبطل أوّليّته وفاعليّته، إذ من ضرورةِ الفاعل أن يكون له رُتبة التقدّم، وإن أثبتّم له رتبةَ التقدّم فقد اعترفتم بتأخّر الفعل عنه بوجه ما، فتعارض كلامكم بهذا. وكلُّ موجوديْن لم يتقدّم أحدُهما على الآخر فهما: إمّا قديمان وإما حادثان. ونقول لهم: ما نسبة مولود يُولد في وقتنا أو حادث يحدث في يومنا مع وجود القديم سبحانه؟ ولا جواب لهم إلّا ما ذكرناه.

قال الإمام رضي الله عنه: "شُبَهُ الدهريّة يحصرها أربعة أقسام:

أحدها: تعرّضهم في القدح للأصول الأربعة التي أسندنا إليها إثباتَ حدث العالَـم، وقد تقدّم الفراغُ منها، ولهم غير ذلك أسئلة ستأتي في موضعها إن شاء الله.

والقسم الثاني: يتعلّق بالتعرّض لنفي الصانع ولهم في ذلك طريقان:

أحدهما: أنّ إثبات قائمٍ بنفسه متقدّسٍ عن الجهات والمحاذيات غير معقول.

والثاني: يتعلّق بالتعديل والتجوير والحُكم بأنّ الحكيمَ لا يفعل الفعلَ إلّا لغرض، والغرض ما له الضرّ والنفع، وذلك مستحيلٌ على القديم تعالى، وسيأتي استقصاءُ الكلام في الوجهيْن في موضعه إن شاء الله، وسنعقد بابًا في الردّ على الفلاسفة والطبائعيّين في آخر الكتاب التولُّد(210).

والقسم الثالث: يشتمل على الاستشهادات بالشاهدِ على الغائب(211) مِن غير رعاية وجهٍ في الجمع بينهما، وذلك نحو قولهم: لـمَّا لـم نجد الفلك إلّا دوّارًا لزم الحكمُ بذلك أبدًا، وإذا لم نشاهد إنسانًا إلّا مِن نُطفةٍ ولا نُطفة إلّا مِن إنسان، ولا ليل إلّا وقبلَهُ نهار ولا نهار إلّا وقبله ليل لزم الحكم به أبدًا. فنقول لهم: أتعلمون أنّ الحكمَ في الغائب على ما تشاهدون ضرورة أو دلالة، ولا سبيل لهم إلى إسناد العلم إلى واحدٍ من الأمرين.

ثم نقول: مَن نشأ في بريّة ولم ير ماءً إلّا جاريًا عَذْبًا ولم يشاهد إنسانًا إلّا أسود أيجوز له أن يحكم بذلك في الغائب وينفي غيرَ ما شاهده؟ فإن منعوا ذلك كان ذلك نقضًا منهم لِـمَا مهّدوه، وإن جوّزوا هذا الحكم وطردوه بان بُهْتُهم. ثم نقول: لا يستقيم لكم ما ادّعيتموه وقد أثبت معظمُكم في الغائب ما لا يُعقل ثبوتُه في الشاهد مِن العنصر الفرد والهيولى البسيط والطبائع الأفراد المتنافرة.

فإنْ زعموا: أنّ الاستدلال بالشاهد على الغائب مِن أمهات الأدّلة عندكم. قلنا: إنما يسوغ القولُ به إذا اجتمع الشاهد والغائب في علّة أو شرط أو حقيقة أو دليل.

قال الإمام: "عندي لا قياس في العقل، ولا يجوز الحكم في الغائب بأمرٍ يكون في الشاهد قياسًا، إذ ليس هو أمرًا موضوعًا ولا قولًا معولًا يلزم الوفاء به، وإنما النظر إبصار العقل كما قدّمناه"(212). ه.

والقسم الرابع: مِن كلامهم يشتمل على ضروب من التمويهات قد أشرنا إلى بعضها، فمن ذلك قولهم: لو كان العالَـمُ محدَثًا لكان حدوثه إمّا أنْ يرجع إلى نفسِه وعينه(213) فيجب أن يعلمه من يعلم نفسَه وليس كذلك، وإن كان حدوثه لمعنى فلا يخلو إمّا أن يكون قديمًا فيلزم الحكمُ بقِدَم موجَبه، وفيه القول بقِدَم العالَـم، وإنّ كان حادثًا فالقول في حدوثه كالقول في حدث العالَـم، ويلزم أن يكون حادثًا أيضًا لمعنى، فيتسلسل القولُ عند ذلك، وهذا الذي ذكروه باطلٌ، وأقرب ما يلزمهم عليه أن يُعَارَضوا بمثله في القِدَم فيقال: إذا حكمتم بقِدَمِ العالَـم فلا يخلو إمّا أنْ يكون قديمًا لنفسه أو لمعنى، فإن كان قديمًا لنفسه فكلّ مَنْ يعلم نفسَه يجب أن يعلم قِدَمَه، وإن كان لمعنى فيتسلسل القولُ فيه في قِدَم المعنى، على أنّه يجوز أن يُعْلَمَ الشىءُ مِن وجهٍ ويُجهلَ مِن وجه.

وقد قال بعضُ(214) أصحابنا: "الحدوث يُنْبِئ عن معلومين:

أحدهما: الوجود. والثاني: العدم الـمُتَحَقّقُ قبل الوجود، فلم يلزم مِن العلم بأحدهما العلمُ بالثاني".

وقال الكعبيّ: "الدهريّ يعلم عين(ق32أ) العالَـم ولا يعلم حدوثَه، لأنّ العِلْمَ بالحدوث علمٌ بالـمُحْدِث"(215). ه.

ومن ذلك قولهم: الصانعُ بالقوة لن يصير صانعًا بالفعل ... وجب خروجُه من القوة إلى الفعل، وذلك يوجب تغيّره عمّا كان عليه وذلك ممتنع، وقرّروا هذه الشبهة عند أنفسهم بأن قالوا: إذا لم يفعل في الأزل وجب أن يكون تاركًا للفعل، والتركُ ضِد الفعل فيجب أن يكون قديمًا، وإذا كان التركُ قديمًا فيستحيل الفعلُ فيما لا يزال فإنّ القديمَ لا يجوز عليه العدم. قلنا: لم قلتم وجب أن يكون تاركًا في الأزل؟ وما أنكرتم ممن يقول إنّه في الأزل لم يكن فاعلًا ولا تاركًا لاستحالة الفعل والترك في الأزل، فإنّ التركَ فعلٌ أيضًا.

على أنّا نقول: التضدادُّ في الأعراض إنّما يقع بخصوص أوصافها في المحالّ، والفعلُ يُوصف كونُه فعلًا لا ضدّ له وهذا هو الجواب عن قولهم: لو كان الرب سبحانه فاعلًا لكان مختارًا والمختار مَن يُؤْثِر الشىء على ضِدّه. قلنا: هذا إذا كان له ضِدٌّ، فأمّا إذا لم يكن له ضِدٌّ فيُؤْثِر الفعلَ ويريده مِن غير أن يكون هناك ضِدٌّ يختاره عليه.

ثم نقول: إنّ الذي لم يكن صانعًا ثم يصير صانعًا، وإنّما يصير صانعًا بحصول المصنوع لا غير، فإنّ الفعل لا يقوم بذات الفاعل فلا يُوجب له حالًا ولا صفة ذاتيّة فلم يكن الأوّل فاعلًا لعدم الفعل ثم صار فاعلًا لوجود الفعل. ومثاله على زعم الطبائعيّن أنّ جمالَ المعشوق وملاحتَه تؤثّر في العاشق فيصير مُؤثِّرًا فيه لا لانقلاب المعشوق بل العاشق انقلب عمّا كان عليه قبل التأثير، وكذلك الماهر في الكتابةِ يزعمون أنّه كاتب بالقوة ثم يصير كاتبًا بالفعل مِن غير ما حاجةٍ به إلى شىءٍ بعينه خارج، فإنّ عدم الفعل منه ليس بنقصٍ في ذاته بل هو لفرط الكمال في نفسه، وأنّه مهما أراد كتب، فَهُم ينكرون على من يقول: إنه كان قادرًا على الإبداع قبل أن أَبْدَع، وإنّه أبدعها حين أبدعَها على الوجه الذي عَلِمَه وأرادَه وقدّرَه.

وهذا هو الجواب عن قولهم: إنّ الحكيم لا يفعل فعلًا بعد أن لم يكن فاعلًا إلّا لغرض. قلنا: إنْ كان ممن يجوز عليه الأغراض والمنافع والمضارّ والألالم واللّذّات فلا يُؤْثِرُ فعلًا على فعلٍ إلّا لغرض، فأمّا إذا تقدّس عن الأغراض، واستوت في حقّه جهات الفعل، -وكان قد علم وقوعَ الفعل منه قبل وقوعه، وأخبر عنه وأراده- فإنما يفعله لقضاءه وقدره.

فهذه لمعٌ كافية في إثبات العلم بحدَثِ العالـم.

والمعني بحدوثه: أنّه كان بعد أن لم يكن، ووقع بعد أن لم يكن واقعًا، وليس المعنيُّ بحدوثِه تشكّله وقبوله للصور بعد أن كانت مادة هيولانيّة عارية عن الصور كما صار إليه قومٌ، وكذلك لا نريدُ بحدوثِه تركبَهُ بعد الانحلال كما ذهب إليه جماعةٌ مِن الدهريّة.

ولا نقول: إنّ العالـمَ بجواهره وأعراضِه كانت ثابتةً في العدم موصوفةً بخصائص الصفات ثم اكتسب صفةَ الحدوث والوجود بالفاعل كما صار إليه بعضُ المعتزلة، ولا نقول معنى حدوث الفعل أنّ الفاطرَ أحدث في ذاتِه حوادثَ، تعالى الله عنه، فتضمّنت تلك الحوادث حدوث العالَـم كما زعمت الكرّاميّة.

بل نقول: لم يكن العالَـمُ شيئًا ولا عينًا ولا ذاتًا ولا جوهرًا ولا عرضًا ولا هيولى ولا مادّة فصارت أشياءَ وذوات وجواهرَ وأعراضًا بقدرة الله تعالى من غير واسطة سببٍ ولا حوادث يحدثها في ذاته، ومِن غير مادة يظهرها منه ويبدعها فيها. ه.


(207) في (ب):"المتكلمين".

(208) في (ب): "لمن".

(209) في (ب): "من".

(210) في (ب): "التوليد".

(211) ؟؟

(212) ؟؟

(213) في (ب): "وغيره".

(214) سقطت من (ب).

(215)