قال القاضي: "حقيقةُ العلم هو المعرفة"، وربما يقول: "معرفة المعلوم على ما هو به"(349).
وقال بعضهم: "هو تبيّن المعلوم على ما هو به"، ويُعزى هذا إلى الأستاذ أبي إسحاق(350).
وقال الأستاذ أبو بكر بن فورك في بعض مصنّفاته: "هو ما يتأتّى به مِن الحيّ القادر إتقانُ الفعل (ق12أ) و إحكامُه به"(351).
وقال شيخنا أبو الحسن: "العلم ما اشتُقّ لمن قام به منه اسم عالِـم، أو ما أوجبَ كونَ محلِّه عالـمًا، أو ما يُعلم به المعلوم"(352)، فهذه الأقوال منقولة عنه.
ومِن أصحابنا مَن قال: "هو الثقة بالمعلوم أو دَرْكُ المعلوم أو الإحاطة به"(353).
واعلم أنّ الحدّ: هو الجامع المانع، لأنّه يجمع إلى المحدود ما هو مِن بابه، ويمنع غيرَه مِن الدخول فيه(354).
والحقيقة يقرب معناها في اللغة مِن الحدّ، فإنّها فعيلةٌ مِن القطع بمعنى مفعوله(355)، فإنْ قيل ما حقيقة هذا الشىء؟ كان المعنى ما الذي يقطع هذا من غيره فيتميّز به عن غيره؟
وقال قائلون: الحدّ هو المحدود، وهو الحقيقة والمعنى، وهذا مذهب أبي الحسن(356) ومن نحا نحوه.
وقال آخرون: الحدّ هو العبارة الدالّة على خاصيّة وصف المحدود، وهذا مذهب المعتزلة(357)وإليه يميل القاضي في معظم كتبه(358).
والصحيح ما صار إليه أبو الحسن، فإنّ الحدّ موضوعٌ للفصل والتمييز. وإنما يتميّز الشىء عن غيره بنفسه لا بالعبارة الكاشفة، والتَمييزُ حاصلٌ عُبِّر عنه أو لم يُعَبّر، وربما يكون الـمُعَبِّرُ عنه كاذبًا، والحدّ لا يتغيّر بكذبِه.
ثم المقصود مِن التحديد التعرّضُ للمعنى الذي لأجله استحقّ الوصفَ المقصود بالذكر وبه يتميّزُ عن غيره. وإذا كان المقصودُ من التحديد الإيضاحُ، فشرط الحادّ أنْ يأتي بعبارة ناصّةٍ على الغرض، بالغةٍ في المطلوب مِن غير زيادة ولا نقصان، وأنْ يتوقّى الألفاظ المجملةَ والمشتركةَ والمستعارةَ فإنّه لا يقع بها الإيضاحُ، وسيأتي استقصاء القول في هذه الأبواب في أثناء الكتاب إن شاء الله عزّ وجل.
وقد جَبُنَ بعضُ الأصوليين(359) عن تحديد العلم مصيرًا منه إلى أنّه لا ينتظم له عبارةٌ حاويةٌ لجنس التحديد كاشفةٌ عن المعنى، وربما كان يميلُ شيخنا الإمام إليه ويقول: "إنما يُتوصّل إلى حدّ العلم بطريق السبر والبحث ونقض الحواشي عنه وإخراج ما عداه عن حيّزه(360)"(361).
قلتُ: ولم يَصِرْ أحدٌ مِن أئمّتنا إلى أنّ العلم لا يتميّزُ عن غيره بحقيقتِه، وإنْ توقّف بعضُهم(362) عن تحديدِه(363)؛ فذلك يؤول إلى تقاعده عن الإتيان بعبارةٍ ناصّة على المقصود.
والصحيح أنّ للعلم حدًّا وحقيقةً جامعةً لجنسه مانعة غيرَها مِن الأجناس عن الدخول في تلك الحقيقة، والعلومُ وإن اختلفت في القِدَم والحدوث أو تَعَدّدِ المعلوم واتحادِه، أو كونها ضروريةً أو كسبيةً(364) فإنّها لا تختلف فيما له تكون عِلمًا مِن كونها معرفةً للمعلوم، أو كونها تبيّنًا، أو إحاطةً أو اعتقادًا على مذهب مَن يَحدُّ العِلم به.
وقال الإمام: "إنْ رأينا تحديدَ العلم فالحدُّ الذي ذكره القاضي مستجمعٌ لشرائط الصحّة فإنّه مُطّرِدٌ مُنْعكِسٌ، متعلّقٌ بمقصودِ الحدّ، غيرُ متركّب في المعنى، وهو مذكورٌ بعبارةٍ لا تردّد فيها، بلْ هي مفيدة مع ما ذكرناه من الكشف والبيان"(365).
فإن قيل: تحديدُ العلم بالمعرفة إنّما هو تفسيرُ الشىء بلفظة أخرى مساويةٍ له في الإيضاح، وليس تحديدُه بالمعرفة أولى مِن تحديده بالخُبْر أو بالإحاطة؛ لا سيّما وقد ورد التنزيلُ بهما(366) ولم يَرِد بالمعرفة. وربما يخفى على السائل(367) معنى المعرفة كما خَفِي عليه حقيقةُ العِلم ومعناه.
قلنا: قد ورد الخَبَرُ بالمعرفة فإنّ في الحديث عن النبيّ ﷺ: «تَعَرّفْ إلى اللهِ في الرخَاءِ يَعْرِفْكَ في الشدةِ»(368). ثم إنْ لم (ق12ب) يَرِدْ في إطلاقِ ذلك إذنٌ لم يَرِدْ منعٌ، وعدمُ المنعِ والاتفاقُ على عدم توبيخِ مُطْلِق اللفظ سَمْعٌ، فإنّ الإجماعَ أَحَدُ أدلّةِ السمع. ثم عدم ورودِ الإذْنِ في ذلك لا يُخرجه عن أن يكون في معناه كالسخي والجواد، وردَ الشرعُ بأحدهما دون الآخر(369) كذلك العِلم والمعرفة.
وقوله: "هذا تفسيرُ لفظٍ بلفظ".
قلنا: المقصود مِن التحديد الكشفُ والإيضاحُ، وإذا حصل الغرضُ بتفسيرِ لفظٍ بلفظٍ فذلك كافٍ، كما قلنا في تحديد الشىء بالوجود، وتحديد الحركة بالانتقال.
وأمّا التبيّن والاستبانة فهما من الظهور والوضوح(370)، وتستعمل في الأجسام والمعاني كما قلنا في الإحاطة والإدراك، وفي لفظ التبين نوعٌ من التكلّف؛ فإنه يُشعِرٌ نسبتي استبهام واشتراك، وإطلاقُ لفظٍ مُوهمٍ في العلم القديم ممتنع. والحدُّ وُضِعَ للكشف، فمهما ظهر وجهٌ في اللبس والاشتراك فلا يحصل به المقصود.
واعلم أنّ مثل هذه الأسئلة(371) والمناقشة تتطرّق إلى كلّ لفظٍ يُحدّ به العِلم.
وللأستاذ أبي إسحاق أن يجيب عن هذا فيقول: "إن أشعر التبينُ باستبهامٍ واستحداثِ أمرٍ، فذلك يرجع إلى متعلّقاتِ العِلم القديم مِن الحدوث والظهورِ وتجددِ الأحوال لا إلى نفس العِلم، ولا إلى كونه عالِـمًا، وهكذا تأويل قوله(372): ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ﴾(373)، و: ﴿حَتَّىٰ نَعْلَمَ﴾ (374)، وقولِه تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾(375) ونظائرِها (376).
وأمّا ما ذكره الأستاذُ أبو بكرٍ فقد يَرِدُ عليه نقضٌ، فإنّ العِلمَ بالواجبات والمحالات والقديمِ سبحانه علومٌ لا يتأتّى بها إحكامُ الفعل، فالتحديد به تعرّض لتحديد بعض العلوم.
ويمكن أنْ يجاب عن هذا فيُقال: لعلّه رضي الله عنه تعرّض لوصف يختصّ به العلمُ ولا يشاركه فيه غيرُه من المعاني المشروطةِ بالحياة مِن القدرة والإرادة، فإنّ الإحكامَ وإتقان الفعل إنّما يدلّ على العِلم، والعلمُ نفسه مدلولُ الإحكام لا مدلولُ غيرِه. ولم يقصد الأستاذُ بما ذكرَهُ تحديدًا على رسمِ أهل الصناعة وإنّما قصد به التفصيلَ، فإنّ العقلاء إذا التبس عليهم أنّ زيدًا هل هو عالـم بالكتابة أم لا؟ فإنّهم يفزعون إلى كتابتِه وصَنعته فإنْ وجدُوها بصفةِ الإتقان استدلّوا بذلك على علمِه بها، ثم المدلولُ نفسُ العلم أو العالـميّة مطلقًا مِن غير تفصيل.
فأمّا عبارات أبي الحسن فإنّها مستجمعةٌ لشرائط الصحّة في الاضطراد والانعكاس والتعرض في الخاصيّة التي يشترك فيها آحاد المحدود.
قال(377) الأستاذ أبو إسحاق في كتاب "الأسماء والصفات": "اتفق أهلُ الحقّ على أنّ ما يخصّ العِلمَ بكونه عِلمًا هو الذي يكون العالِـمُ به عالِـمًا أو المعلوم به معلومًا، أو لأنه تبينُ المعلومِ على ما هو به". أشار بهذا إلى أنّ العلّةَ هي المعلولُ على ما سيأتي بيانُه.
واختار الأستاذ(378) الإمامُ أبو القاسم الإسفراييني(379) العبارةَ الثانيةَ وكان يقول: "العِلم ما يُعلم به"(380) فإنّه بهذا الوصف يتميّزُ عن غيره مِن صفات الحيّ.
وقال شيخنا الإمام إمام الحرمين: "هذه العبارةُ لا تخلو عن إبهامٍ وإجمالٍ وإحالةِ مُشْكِلٍ على مُشْكِل؛ فإنّه [يجري](381) عروضه ومثله في كلّ ما يُسأل عنه".
فيُقال: حدّ الكلام ما يكون المتكلّمُ به مُتكلّمًا، وحدُّ القدرة ما يكون القادرُ به قادرًا إلى غير ذلك"(382).
قلتُ: مَن أنصفَ وتأمّلَ عرفَ أنْ لا إجمالَ فيما قال شيخُنا أبو الحسن مِن الوجه الذي جعله حدًّا، فإنّ قولَه: "العِلمُ ما يُعلم به" تعرّضٌ لخاصيّة العلم التي لا يشاركُه فيها غيره، وكذلك قوله: "ما يكون العالِـم به عالـمًا" فإنّ العالـميّةَ خاصيّة العلمِ(383) بل هي نفسُه لا غير، وكلّ عاقلٍ يجدُ في نفسِه تفرقةً بين حال عالميّته وبين حالِ قادريّته وغيرها مِن أحوال(384) الحيّ وصفاتِه.
فإذا سأل عن حدّ العلم مع وجدانِه الأحوالَ، وتميُّز بعضها عن بعض في عقلِه فكأنه تعَرّض للوقوف على المعنى الموجِب لهذا الحكم، والمفيد لهذه الحالة، وما يشارك فيه العلمُ جنسَه ويتميّز به عن غيره.
فإذا قيل: حدُّه الذي يخصّه ويُشارك فيه جنسَه ما يوجب عالميّتَه وكونَه عالـمًا، أو كونَ المعلوم به معلومًا، كان مفيدًا للغرض مُنبئًا عن حقيقته، فإنّ الأوصاف التي يجوز تعلّقُها بالغير(385) كثيرةٌ، وليس شىءٌ منها يُعلم به المعلوم (ق13أ)، ويُوجب كونَ العالِـم عالـمًا غيرَ العلم. فثبت أنّه لا إجمالَ في هذا الحدّ ولا إبهامَ يمنع عن فهم المقصود.
فإذا قال القائل: أثبتوا حقيقةَ العلم الذي به يُعلم المعلوم، ويُوجب كونَ المحلّ عالِـمًا، فنبيّن ذلك ونوضحه بالمعرفة والتبيين أو الإحاطة أو بما في معناها مِن شعور النفس والخُبْر، فيُعتبر بعض هذه الألفاظ بالبعض. على أنّا نقول: إنّما قصد أبو الحسن بما ذكره مِن الحدّ الردَّ على نفاة الصفات، فإنّهم يوافقونا على أنّه سبحانه عالِـمٌ وله معلومٌ، غيرَ أنّهم نفوا ما يكون المعلوم به معلومًا، وكذلك لا سبيلَ إلى إثبات كونه عالِـمًا مع نفي ما يكونُ به عالِـمًا، فقال: "العلم ما يُعلم به، وما يكون العالِـم به عالـمًا"، فإذا نفيتم ذلك فلا سبيلَ إلى إثبات العالـميّة له سبحانه، ولا أن يكون له معلوم.
وقال شيخنا الإمام رحمه الله: "حقيقةُ العلم لا تلتبس بما يُضادُّه مِن الجهل والظنّ والشكّ، فإنّ كلّ ما ليس بنفي للعِلم ليس بنفي للاعتقادِ السديد مع العِلم، وإذا أوضحنا مغايرتهما هانَ على الباحث دَرْكُ حقيقةَ العِلم"(386).
وأما حدود المعتزلة:
فقال الأوائل منهم: "العلم اعتقادُ الشىء على ما هو به"(387).
فأُبطلَ ذلك عليهم باعتقادِ المقلّد حدوثَ العالـم وثبوتَ الصانع، فإنّه اعتقادٌ متعلِّق بمعتقد على ما هو به وليس بعلمٍ. وقد نُقل عن الكعبيّ(388) أنّه قال: "إنّه عِلمٌ"(389)، ونُقل عنه: "إنّه ليس بعلم، وقد صار إلى ذلك بعضُ أصحابنا وسنوضح فسادَ ذلك.
ثم زاد المتأخّرون من المعتزلة: "مع سكون النفس"(390).
وهذا التقييد غير عاصمٍ، فإنّ الغِرّ الغبيّ الراكن إلى محضِ التقليد ساكنُ النفس إلى معتقَدِه وليس بعالـمٍ؛ لأنّه إذا لاح له الدليلُ يتبيّن إذ ذاك أنّه لم يكن عالِـمًا. فثبت أنّه لم يتعرّض لخاصيّة العِلم بهذه الزيادة، ثم استعمالُ لفظ "السكون" في العِلم مجازٌ. و"الاعتقاد" افتعال من العَقْد وهو الشد(391)، وإطلاق ذلك في المعاني مجازٌ، ثم يلزم هذه المعاني مِن "سكون النفس والاعتقاد" في عَالِـمِيَّة الإلـٰه سبحانه.
وزاد بعضهم: "إذا كان عن ضرورةٍ أو نظر أو تذكّر نظر"(392).
وهذا تركيبٌ في الحدّ مستغن عنه، بل هو تفصيلٌ وتقسيمٌ وليس بتحديدٍ.
ثم تخصيصهم الحدَّ بالشىء باطلٌ، فإنّ المعدومَ عندنا معلومٌ وليس بشىء(393).
ثم يبطل على أصلهم بالمحالات فإنّ العلمَ يتعلّق بها وليست بأشياء، إذ الشىء عندهم هو الموجودُ أو المعدوم الذي يَصحُّ وجوده(394)، والمحالُّ معدوم لا يصحُّ وجوده، والعلم مع ذلك يتعلّق به. فقال ابن الجبّائيّ: "المحالُّ ليس بمعلومٍ"(395).
قلنا: فقل: "إنّه لا يُعلم"، والجمع بين قولك: "لا يُعلم" وبين قولك: "ليس بمعلوم" جمعٌ بين نقيضيْن. ولو قال قائل: المحال معلوم وليس يُعلم كان متناقضًا، كذلك هذا. ه.
فصل
اختلف العلماءُ في أنّ الاعتقادَ السديدَ مع التصميم هل هو عِلمٌ أم لا؟
فذهب جماعةٌ مِن المتقدّمين إلى أنّه عِلمٌ، وإلى هذا ميلُ الأستاذ أبي إسحاق في معظم كتبه(396)، وهو مذهب المعتزلة ثم صار معظمُهم إلى أنّ اعتقادَ المقلّد ليس بعلمٍ؛ لِـخُلُوّه عن الدليل وسكون النفس.
والذي صار إليه القاضي أنّ الاعتقادَ المجرّد عن الدليل ليس بعِلمٍ(397)، وهو اختيار الإمام، وكان صَغْوه(398) إلى القول الأول ثم رجع عنه.
والدليل على أنّه مخالِفٌ للعلم أنّ مَن اعتقدَ الشىء على ما هو به، وصمّم عقدُه عليه، ثم تتبّع الدليلَ وحصل له التبيّن، فيُدرك التفرقةَ بين حالتيه حسب إدراكه التفرقةَ بين العلمِ والرؤية، فإنّه إذا عَلِمَ شيئًا ثم رآه وأبصره فإنّه يَجدُ تفرقةً بين حالتَيْه.
فإن قالوا: التفرقةُ راجعةٌ إلى عثوره على الدليل وإلى اقتران قرائن بالاعتقاد.
قلنا: انفصلوا ممن يقول الإدراكُ هو العلم فقط، والتفرقة آيلةٌ إلى القرائن مِن انطباع الحاسّة بالمحسوس واتصال الشعاع وغيرِ ذلك، ثم العالِـم بالشىء يحسّ مِن نفسه تبدّل حالٍ بعد العثور على الدليل، ويعلم أنّ ذلك الاستبان والوضوح لعثوره على الدليل.
ثم الفرق بين العلم والاعتقاد أوضحُ مِن الفرق بين الإدراك والعلم، فإنّ العالِـمَ بالشىء قبل رؤيته على بصيرةٍ وليس المعتقدُ على بصيرة، وإذا حصل له العلمُ استبان أنّه لم يكن قبل ذلك عالـمًا.
والذي يُحقّق ما قُلناه: أنّ حقَّ ذي العِلم أنْ لا يتأتّى تشكيكُه، وإنْ تناهى في الإصغاءِ إلى جهة التشكيك، مهما كان ذاكرًا للدليل، ومِن حكم الشاكّ أنْ يترددَ. والمقلّدُ سابقٌ إلى أحدِ المعتقديْن من غير ثقةٍ، ومستمرٌّ عليه (ق13ب) عن وِفاق أو عن سبب يقتضيه مِن اتباع الأولين أو غيره، ومِن حُكْمِه أنّه إذا أصغى إلى جهة التشكيك وتأمّل فيه تَشَكّك لا محالة، كالذي يَتِيهُ وهو مُتحيّرٌ متوقّف.
ومما يُتمسّك به أنّ العلمَ يجب أن يتميّز بحقيقته عن الجهل، ومَن صار إلى أنّ اعتقادَ المقلّد مماثل لاعتقادِ العالِـم فيلزمه التسويةُ بين اعتقاد الجهل وبين اعتقاد المقلّد الذي هو عِلمٌ عنده، وقد صرح أبو هاشم بهذا فقال: "العقدُ الصحيح مماثلٌ للجهل"(399).
ونحن نقول: من جهل شيئًا ثم عَلِمَه، فإنّه يَفصل بين حالتيه في جهلِه وعِلمِه، ومن اعتقد كونَ زيدٍ في الدار ولم يكن فيها فاعتقاده جهل لا محالة، فلو دام له هذا الاعتقادُ على تقدير بقاء الاعتقاد أو تجدّد مثله على أصلنا إلى أنْ دخلَ زيدٌ الدار فاعتقادُه هذا مِن جنس اعتقاده الذي سمّيناه جهلًا.
وكلُّ أصل يجُرّ إلى التسوية بين العلم والجهل فهو فاسدٌ قطعًا، فإنّ مِن ضرورة العلم أنْ يتميّزَ بحقيقته عن الجهل الذي هو ضِدّه، ويجب أن يخالف حكمُه حكمَه بحيث يدركه.
فإن قالوا: العلمُ يتميّز عن الجهل وعن اعتقاد المقلِّد بسكون النفس. قلنا: المقلِّدُ ساكنُ النفس وكذلك الجاهل ساكنُ النفس على القطع.
فإنْ قالوا: كلّ ما ذكرتموه يتوجّه على مَن يقول: "اعتقادُ المقلّد عِلمٌ"، وليس يتوجّه على مَن يقول: "إنّما يكون عِلمًا إذا صدر عن ضرورةٍ أو عن دليل". قلنا: إذا استند إلى الضرورة أو الدليل فقد صار معرفةً وعِلمًا وتبيّنًا، وخرجَ عن صور الاعتقاد.
فإن قالوا: كما انفصل العلمُ عندكم عن الاعتقاد بانشراح الصدر والثقة والوضوح كذلك يمتاز بسكون النفس.
قلنا: الجاهلُ بالشىء ساكنُ النفس وهو يعتقدُ أنّه عالـمٌ، فإذا لاح له الدليلُ حصلَ له العلمُ المخالف لِـمَا سبق له مِن الاعتقاد، وما يُشيرون إليه من ثَلْجِ الصدر(400) وانشراح القلب فإنّما ذلك مِن قرائن تُباين العلم، والعلمُ يتميّز عن الاعتقاد بنفسِه لا بالقرائن.
فإن قالوا: لا معنى للعلم إلّا أنّه اعتقادٌ يتعلّق بالمعتقَد على ما هو به مع التصميم، واعتقادُ المقلّد بهذه المثابة وقد اتحد المتعلَّق فيجب التماثل، وإذا ماثله في صفة النفس وفي اتحاد المتعلَّق فقد ماثله في اسم العلم فهو هو.
قلنا: أمّا اطلاق الاسم فلا مناكرة فيه وهو على سبيل التوسّع لا لاتحادِ المتعلَّق، وأمّا التساوي في صفة النفس فليس كذلك؛ فإنّ مَن عَلِمَ الشىء ضرورة أو دليلًا بعد أن كان يعتقدُه تقليدًا فيُدرِك تفرقةً ضروريّةً بين المعنيين كما ذكرناه، ومَن عَلِمَ شيئًا ثم دام أو أراده وعَلمه فقد اتحد المتعلِّق، والمتعلَّقان مختلفان. ه.
فصل
العِلم ينقسم إلى: القديم والحادث.
فالعِلم القديم صفةُ البارئ سبحانه وتعالى.
والعِلم الحادث ينقسم إلى الضروريّ [والبديهي](401) والكسبيّ وهو النظريّ(402)، والعِلم القديم لا يوصف بالضروريّ والنظريّ.
ثم هذه العلوم الثلاثة التي وصفناها غيرُ مختلفة فيما له يكون (ق14أ) [في المطبوع: بكون) الشىء عِلمًا.
وسلك بعضُ أصحابنا طريقة أخرى في تقسيم العلوم الحادثة فقال: إنّها تنقسمُ إلى الضروريّ والكسبيّ، ثم كلُّ كسبيّ نظريٌّ؛ لأنّ مِن شرط الكسبيّ أنْ يكون مسبوقًا بالنظر(403).
ومن صار إلى أنّ الاعتقاد المجرّد عن الدليل عِلمٌ فيقول: إنّها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ضروريّ ونظريّ وكسبيّ ليس بنظريّ(404).
فالضروريّ في اصطلاح المتكلّمين: هو العلم الحادثُ غير المقدور بالقدرةِ الحادثة، ثم مِن حُكمه أن يتوالى ولا يتأتّى الانفكاكُ عنه ولا التشكّك فيه(405).
وقال القاضي في بعض كتبه: "العلمُ الضروريّ في اصطلاحهم: هو عِلمٌ يلزم ذات المخلوق لزومًا لا تراخ له منه، ولا يتهيّأ له الشكّ في متعلّقه والارتياب"(406).
واعلم أنّ الضرورة في اللغة تنقسم: فقد تَرِد بمعنى الإلجاء والإكراه(407)، يقال: "اضطره السلطانُ إلى كذا" أي أكرهه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ﴾(408) .
وقد تَرِدُ بمعنى الحاجة الظاهرة(409)، ومن ذلك يُسمّى ذو المخمصة والمجاعة مُضطرًّا، قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ (410) أي أُحْوِج(411).
والمعنيان متقاربان فإنّ كلَّ محتاجٍ إلى شىء فهو(412) كالمكره على طلب ما يحتاج إليه، وكلَّ مُكْره على الشىء فهو كالمحتاج إلى فعل ما أُكره عليه.
وقد يطلق الاضطرار على مَن سُلب منه الاختيار(413)، فيُقال للذي يرتعد مِن غير اختيار:ٍ هو مضطرٌ في حركاته، وهذا القسم (ق14أ) الأخير هو المبتغى في الحدّ الذي ذكره الإمام(414).
وعلى القول الآخر: إنما يُسمّى هذا النوع في العلم ضروريًّا تشبيهًا للعالِـم بالمضطرّ إلى الشىء الذي لا يجد لنفسه منه خلاصًا، وهذا مُطّردٌ في الحدّ الأول أيضًا.
وللشيخ أبي الحسن طريقةٌ أخرى في حدّ العلم الضروريّ، فقال: "كلّ علمٍ حدثَ قارنه ضرب من الضرر والكراهية فهو الذي يُسمّى ضروريًّا كالعلمِ بالأوجاع والغموم ونحوِها"، قال: "وكلّ علمٍ حدث غيرُ مقدورٍ للعبد ولم يقارنه ضررٌ ولا كراهيةٌ فلا يُسمّى ضروريًّا بل يُسمّى بَديهيًّا"(415)، فإذًا العلمُ ثلاثة ضروريٌّ وكسبيٌّ وبديهيٌّ.
وقياس قوله جوازُ ثبوت علمٍ ضروريّ مكتسبٍ مثلُ: شرب الدواء يكرهه الشارب ويكتسب شربَه، ولا يلزم هذا على ما حكاه الإمام على قول شيخنا أبي الحسن. فإنه قال: "قال أبو الحسن: كلُّ علمٍ(416) حادثٍ غيرِ مقدورٍ للعالِـم به وقارنه ضربٌ مِن الضررِ والكراهيةِ فهو العلم الضروريُّ، وكلُّ علمٍ حدثَ غيرُ مقدورٍ للعالِـم به ولم يقارنْه ضررٌ فهو البديهيّ".
وإنما رأى أبو الحسن بهذا التقسيم إثباتَ ضربٍ من العلوم خارجٍ عن الضرورة والكسب، وقصد به الردَّ على المعتزلة((417)) حيث قالوا: "لو كان لله تعالى عِلمٌ لكان إمّا ضروريًّا أو كسبيًّا، إذ لا يُعقل عِلْمٌ خارجٌ عن القسمين"(418).
وأمّا العلم الكسبيّ: فهو العلم الحادثُ المقدورُ بالقدرة الحادثةِ، وشرطُه أنْ يكون مسبوقًا بنظرٍ صحيحٍ إلّا على ما حكيناه عن الأستاذ أبي إسحاق وغيرِه.
قال الإمام: "وفي مقدور الله تعالى إحداثُ علمٍ مع القدرة عليه مِن غير تقدّم النظر إلّا أنّه أجرى العادةَ بأنّ كلَّ كسبيّ نظريّ"(419).
فإذا سُئلنا عن العلم النظريّ فهو كلّ علمٍ يقع (عقيب استدلال وفِكر)(420) في حال المنظور فيه. وإذا سئلنا عن العلم الكسبيّ فهو العلم الحادث المقدور بالقدرة الحادثة.
قال الإمام: "وأحسنُ العبارات على مذاهب الأصحاب أن يقال: العلمُ النظريّ هو العلم المقدورُ بالمنظور فيه نظرًا صحيحًا".
وكلّ مَن أرادَ تخصيص بعض العلوم بحدٍّ فهو مضطرٌ إلى التركيب، فخرج مِن هذا أنّ العلوم الحادثة تنقسم أقسامًا فمنها: البديهيةُ والضروريةُ والنظريةُ الكسبيّة، ومنها الاعتقاداتُ المكتسبةُ التي لم يتقدّمْها النظر.
قال الإمام: "وقصارى الكلام في هذه العبارات التي ذكرناها يرجع إلى تشاجر في تسمية(421) وتنازع في عبارة".
فإن قال قائل: فعلى كم وجهٍ يقع العلمُ بالمعلوم إذا كان ضرورة؟
قيل له: في ستّة طرق:
فمنها: الحواسّ الخمس وهي: حاسّة البصر، وحاسّة السمع، وحاسّة الشمّ، وحاسّة الذوق، وحاسّة اللمس. وقصدُنا بذكر الحاسّة: الإدراكُ الموجودُ بها لا الجارحةُ المركّبةُ على الصورة التي إذا حصلت عليها تُسمى عينًا وأذنًا وفمًا ويدًا(422).
وكلّ علمٍ حصل عند إدراك حاسّة مِن هذه الحواسّ فهو علمُ ضرورةٍ يلزم النفسَ لزومًا لا يمكن معه الشكُ في الـمُدرَك ولا الارتيابُ فيه. وكلُّ حاسّة مِن هذه الحواسّ تختصّ في وقتنا هذا على عادةٍ جارية بإدراك جنسٍ أو أجناس، فحاسّة الرؤية يُدرك بها اليوم الألوان والأكوان والأجسام، وحاسّة السمع يُدرك به الكلامُ والأصوات، وحاسّة الشمّ يُدرك بها الروائح، وحاسّة الذوق يُدرك بها الطعوم، وحاسّة اللمس يُدرك بها الحرارة والبرودة واللين والخشونة والصَلابة والرخاوة على قول مَن يقول: إنّ اللين والخشونة والصلابة معانٍ توجدُ بالجواهر زائدة على أكوانها كالحرارة والبرودة(423).
الضرب السادس منها: علوم ضروريّة تُخْتَرع في النفس ابتداءً من غير أن تكون موجودة ببعض هذه الحواسّ كعلم الإنسان بنفسِه، وما يجده فيها مِن السقم والصحّة والألـم واللذّة والغمّ والفرح والقدرة والعجز والكراهة والإرادة والتمنّي والاعتقادات وغير ذلك مما يُدركه الحيّ إذا وُجِد به.
ومنها: العلمُ الواقع بقصد المتكلّم إلى مَن يقصدُه بخطابِه دون غيره، وما يَقصد إلى اكتساب ما يُوجد به مِن مقدوراته مِن الكلام وغيره.
ومنها: العلم بأنّ الأجسامَ لا توجد إلّا مجتمعة أو مفترقة، وأنّ الخبرَ عن وجود الشىء وأنّه على وصفٍ من الأوصاف (ق14ب) لا بُدّ مِن أن يكون صِدقًا أو كذبًا، وأنّ الخبريْن المتضادّيْن مُخبَرُهما لا يجوز أن يكونا جميعًا صِدقًا وكذبًا، وما يجري مجرى ذلك مِن الأمور المنقسمة في العقل إلى أمرين لا واسطةَ بينهما، كالعِلم بأنْ لا واسطةَ بين الوجود والعدم، والحدوث والقِدَم، والحياة والموت، والحركةِ والسكون إلى غير ذلك.
ومنه أيضًا: العِلمُ بخجل الخَجِل، ووجلِ الوَجل، والعلمُ بالشجاعة والجُبن، والبرّ والعقوق، والتحيّة والاستهزاء.
وألحق أصحابُنا بهذا الضرب العلومَ الحاصلةَ عن مجاري العادات كالعلم بأنّ الأنهار جاريةٌ كما عهِدناها، وأنّ الجبال ثابتة كما وجدناها بالأمس، وأنّ(424) الخبزَ يُشبِعُ، والماءَ يُروي ونحوَ ذلك.
ومن هذا الضرب أيضًا: العلمُ المخترَعُ في النفس بما تواتر الخبرُ عن كونه، نحوُ العلمِ بالبلاد النائية عنا، والوقائع والدول الخالية، وغيرِ ذلك من الأمور التي تواترت الأخبارُ عنها.
وكلّ(425) هذه العلوم الواقعةِ لنا بالمعلومات التي وصفناها(426) تُوجَد مخترَعةً في النفس سواءٌ وجِدَت هذه الحواسُّ وما فيها من الإدراكات أو لم توجد، سوى العِلم الواقع عند الخبر المتواتر، والعِلم بالخجل والوَجل وقصد المخاطب، فإنّه وما جرى مجراه في وقتنا هذا مضمَّنٌ لوجود [في المطبوع: بوجود] الإدراك ومشاهدة الأمارات. وقد يَصحّ أنْ يخلق اللهُ تعالى العلمَ بوجود الـمُخْبَرِ عنه مِن غير استماعِ خبر منه خرْقًا للعادة.
وقد يُسمّي المتكلّمون هذه العلومَ التي أشرنا إليها وعددناها من الضرب السادس علومًا بديهيّة أوليّة على معنى أنّ الإنسانَ يُبدأ عليه ويُخلق على هذه العلوم ابتدأ، إذا كان ذاكرًا غير غافل.
والهاء في البديهيّة [في المطبوع: البدهية] بدلٌ من الهمزة، كما يُقال: "أرَقْتُ الماءَ وهَرَقْتُ"، كذلك "البديهة [في المطبوع: البدهية] والبدئيّة"(427)بالنسبة لكتابتهاسطر 16 (ق15أ). ويجوز أن يكون من بَدَهه الشىءُ إذا فاجأه(428).
ثم رتّبوا ترتيبًا آخر فقالوا: العلم ينقسم إلى علمٍ يحصل مِن غير سبب ومُدْرك، وإلى علمٍ يحصل عقيبَ سببٍ أو مدرك.
فالعلوم الحاصلة مِن غير أسباب هي: العلوم البديهيّة، وهي التي تحدث في النفس ابتداءً.
والعلوم المرتّبة على الأسباب والمدارك هي: العلومُ الصادرة عن الحواسّ والنظر. ومدارك العلوم ثلاثة: حسٌّ وخبرٌ ونظرٌ.
ولم يريدوا بالأسباب الأسباب الموجبةَ أو(429) المولّدة كما صار إليه الطبائعيّون، وإنّما عَنَوا بذلك أسبابًا يخلق اللهُ تعالى هذه العلومَ عقيبَها أو عندها، إمّا على حكم العادة أو على حكم الوجوب كما قدّمنا تفاصيلها.
والنظر له تعلّق عقليّ بالمنظور فيه إذا كان صحيحًا، والخبرُ الواحد إذا كان مقرونًا بدلالة الصِدق فإنّه يُفيد عِلمًا استدلاليًا لمن ينظر ويستدلّ.
وكان الإمام رضي الله عنه يقول: "العلمُ ينقسم إلى علم مهجوم عليه كالبديهيّات وإلى علم مبحوثٍ عنه وهو ما سوى البديهيّ"(430) ه.
فصل
صار صائرون إلى أنّ المعارف كلَّها ضروريّةٌ، ثم افترق هؤلاء:
فصار بعضهم إلى أنّ العِلمَ بالحِرَف والصنائع والهندسة والنجوم ونحوِها لا بُدّ فيها مِن النظر والاستدلال إلّا أنّ الله تعالى يخلق لهم العلمَ عقيب النظر. وأما العِلم بالله تعالى وبالأنبياء والشرائع فإنَّ الله تعالى يُحْدِثُه في قلوب البالغين ابتداءً مِن غير نظر(431).
وقال صالح قُبّة(432): "العلومُ كلُّها ضروريّةٌ يبتدئ اللهُ تعالى بخلقها مِن غير سبق نظر"(433).
وقال بعض هؤلاء: "إنّ الله تعالى يُحدث هذه العلومَ بعد إرادتهم طِباعًا، وإنّ الله تعالى هيّأهم لاكتساب الإرادة"(434)، ويُعزى هذا المذهب إلى النظّام(435) ومُعَمّر(436).
وصار آخرون إلى أنّ العلومَ كلَّها كسبيّةٌ اختياريّةٌ، ويُعزى هذا المذهب إلى جهم(437) ومن نحا نحوَه(438).
ومذهب معظم المتكلّمين: أنّ العلومَ منقسمةٌ فمنها ما يقع مُكتسبًا لهم، ومنها ما يقع (ق15أ) ضروريًّا.
والذي صار إليه معظمُ أصحابنا: أنّ العلومَ الحاصلةَ عقيب النظر تقعُ كسبًا للعباد ومقدورة لهم بقدرة يُحدِثها اللهُ تعالى لهم عند تصرّم النظر(439).
ونُقِل عن أبي الحسن قولٌ آخر: "أنّها تقع ضروريّةً عقيب النظر"، وهذا اختيار شيخنا الإمام، وهو أيضًا مذهب الكرّاميّة(440)، وللأستاذ أبي إسحاق صغو(441) إليه.
وكان الإمام يقول: "قد يطول الفكرُ والاستدلال وقد يقصر، فكلّ ما يتّجه فيه تقسيمٌ مضبوطٌ وينقدح تعين بعض الأقسام فهو الذي يتطرّق إليه العقل، وما لا ينضبط فيه التقسيم أو ينضبط غير أنّ العقل لا يهتدي مع الفكر الطويل إلى تعيين أحد الأقسام فذلك مِن المجاراة(442) (المحارات هكذا في المطبوع ق15ب /س7).
ثم قال أصحابُنا: "العلومُ النظريّة يجوز تقديرُ وقوعها ابتداءً مِن غير تقدّم نظر بأن يخلقَها الله تعالى في القلوب".
فأمّا العلوم الضروريّة فصار بعضهم إلى أنّ الاستدلال في جميعها مستحيلٌ فلا يجوز وقوع جميعِها نظريّةً.
وصار بعضهم إلى تجويز وقوعِها مقدورةً نظريّةً.
وفصل فاصلون فصاروا إلى أنّ كلَّ علمٍ كان مِن شرطه كمالُ العقل فلا يسوغ تقديرُه نظريًّا إذ مِن شرط إنشاء النظر كمالُ العقل(443).
وادّعى الأستاذ أبو إسحاق اتفاقًا مِن الأصحاب في ذلك فقال: "اتفق الأصحاب على أنّ كلَّ علمٍ هو شرطٌ في صحّة الاستدلال: أنّه يستحيل أن يكون ذلك استدلاليًّا، وقال شرذمة منهم بجوازه مع اتفاقهم على أنّه يجوز أنْ يكون كسبيًّا.
قال: وكلّ ذلك في العلوم التي هي اعتقاداتٌ لا في الإدراكات، فأما الإدراكات فقد اختلفوا فيها، فقال قائلون: "إنّها علومٌ مختلفة"، وقال آخرون: "إنها لا تدخل في جملة العلوم". واتفقوا على أنّها لا تصحّ أن تكون مقدورةً للجسم"، هذا كلامُه.
والدليل على أنّ مِن العلوم ما هو مكتسب للعباد ومنها ما يقع ضرورةً: أنّ الإنسان قد تحصل له علومٌ لم يتكلّفها ولم يتسبّب إلى اكتسابها حتى يكون كالمحمول عليها بحيث لا يَجدُ إلى دفعها سبيلًا. ويجد أيضًا علومًا تقعُ مكتسبةً له فتكونُ مقصورة على حسب إرادته، وتنتفي عند الكراهية، والإنسانُ يَجِدُ مِن نفسه الفرقَ بين الحالتيْن والتمييزَ بين العِلميْن.
فدلّ ذلك على أنّ جميعَ العلوم ليست ضروريّةً، وليس كلّها أيضًا تقع كسبيّة، وإنْ كان منها ما هو ضروريٌّ وهو ما لا يمكنُه دفعُه عن نفسه، ومنها ما هو كسبيٌّ وهو مما يمكنه دفعُه عن نفسه، ويكون حصولُه وانتفاؤه على حسب إرادته وكراهته. وهذا هو الفرق بين الضروريّ والكسبيّ. واستشهدوا في العلوم بالحركات الضروريّة كحركة المرتعِش التي تحصل مِن غير اختيارٍ، وبالحركات الإراديّة التي تتوقّف على الاختيار.
ويقال لهؤلاء: قد علمتم اختلافَ الناس في العقائد فإنْ حكمتم بأنّ جملة الاعتقادات علومٌ ضروريّةٌ جرّكم ذلك إلى جحد الضرورات، فإنّ العلم إنما يُتصوّر بالشىء على ما هو به. وإنْ حكمتم بأنّ معتقِدَ نفي الشىء عالـمٌ كمعتقد إثباته لزم(444) مِن ذلك ثبوتُه ونفيه فقد جرّ مساق القول بادّعاء الضرورة إلى جحد الضرورة.
وإن زعموا: أنّ بعضَ الاعتقادات ليس من قبيل العلوم. فيُقال لهم: أوضحوا العلومَ ولا سبيل إلى ذلك ولا يرجعون إلّا إلى التحكّم(445) المحض.
ثم نقول: نحن نعلم على اضطرارٍ فصلَ العاقل بين عِلمِه بنفسه وصفاتها التي يُشترط في ثبوتها الحياةُ، وبين عِلمه بالجزءِ الفرد، ودقائق الأكوان، والانفصال عن أسئلة النظّام، فمن زعم أن الجميعَ في حقّه بمثابةٍ واحدةٍ ويضطرّ إلى مداركِها على وجهٍ واحدٍ (ق15ب) فقد جحد البديهةَ.
وأما الذين قالوا: النظر يتضمّن العلم ضروريًّا. فيقال لهم: عِلمُكم بأنّ هذا العِلم يقع ضروريًّا ضروريٌّ أم كسبيٌّ؟ فإنْ زعموا أنّه ضروريٌّ فيقال لهم: الضروريّ عندكم على قسمين: أحدُهما: ما يتضمّنه النظر، والثاني: ما لا يتضمّنه النظر، فمِن أيّ القبيليْن هذا العلم؟ فإن ادّعوا أنّه من الضروريّ الذي لا يتقدّمُه (في المطبوع لا يتضمنه) النظر، فقد باهتوا وادّعوا الضرورةَ في غير موضِعها، وإنْ زعموا أنّه مما يتضمّنه النظر سُئلوا عنه.
فإن قالوا: الدليلُ عليه أنّ الناظرَ إذا تمّ نظرُه وانتفت الآفاتُ عنه فلا بُدّ من حصول العلم حتى لو أرادَ أن يدفعَ العلمَ مع النظر لم يجد إليه سبيلًا، قالوا: والنظر إنّما يتضمّن العِلمَ لارتباطِ كلِّ واحدٍ بالآخر وليس يتضمّن القدرةَ على العلم.
قلنا: قد عرفتم من قضيّة أصلِنا أنّ الشىء إذا وقع مقدورًا للعبد فلا يتحقّقُ منه دفعُ مقدوره، فإنّه لو حاول الفعلَ قبل أن تُخلقَ له القدرةُ لم يجدْ إليه سبيلًا، وإذا اشتدّ الرجلُ في عدْوه فلو أراد ضبطَ نفسِه في وقت مُعيّن ومقدار معيّن بحيث لا يَحدث بعده حَراكٌ لم يتمكّن منه، وإنما يضبط نفسه قليلًا قليلًا، وكذلك الفارّ مِن بين يدي السبُع إلى غير ذلك مِن الأمثلة، وكلّ ذلك مقدورٌ له ولا سبيلَ له إلى دفعها.
ثم نقول: مَن تمّ نظرُه وحصل له العلمُ فلو فكّر في علمِه بالمنظور فيه، وعِلْمِه بنفسه، وآلامه ولذّاتِه استبان له الفرقُ بينهما على القطع، فلو كان العِلم عقيب النظر ضروريًّا؛ لنُزِّل ذلك منزلةَ سائر العلوم الضروريّة.
فإن قالوا: إنّما يجدُ الفرقَ؛ لارتباط علمِه بنظره، ونظرُه مقدور له، والإضراب عنه إلى اختياره، وليس كذلك سائرُ العلوم الضروريّة، فإنّها تنقسم إلى علومٍ بديهيّة وإلى علوم تستند إلى أسباب غير مقدورة.
قلنا: هذا لا يُنَجّيكُم؛ فإنّه مع إدامةِ ذِكرِ النظر واستصحابه يقطع بالفصل بين علمِه بالجزء الفرد ودقائق الأكوان، وبين علمِه بنفسِه وبأنّ الاثنين أكثرُ مِن الواحد.
فإن قالوا: العلمُ وإن كان مقدورًا فهو مِن جنسِه إذا كان ضروريًّا، فلا معنى لادعاء فرقٍ بين صفتي العِلميْن، فإنّ المتماثليْن يستحيل اختلافُهما في صفة النفس فلا معنى لصرْف التفرقةِ التي ذكرتموها إلى العِلميْن، فلم يبقَ إلّا صرفُهما إلى تقديرٍ قدرة في إحدى الحالتيْن، وتقديرِ انتفائها في الحالة الأخرى. وإذا كان كذلك فبم تُنْكِرون على مَن يصرفُ القدرةَ إلى السبب المتضمّن للعلم ابتداءً ودوامًا دون العلم؟
قال أصحابنا: "هذا غيرُ سديد"؛ فإنّ العاقل ليس يَجد فَرْقًا بين قدرتِه على نظرِه وبين عدم قدرتِه على علمه، وإنّما يجد التفرقةَ متعلّقةً بين العِلميْن؛ فلم يبقَ إلّا صرفُ التفرقة إلى تعلّق القدرة بنفس العلم.
قال الإمام: "الجواب سديد، والسؤال على الجملة مُخيل(446).
وقد تمسّك الأصحابُ أيضًا بأنّ الإجماع مُنعقدٌ على أنّ العبدَ مأمورٌ بالمعرفة(447) ومُثاب عليها ومعاقبٌ على تركها، وإنما يُؤمر العبد بما يدخل تحت قدرته، وكذلك إنّما يُثاب ويعاقب على ما هو مقدورٌ له؛ ولذلك وجدنا الناسَ يجتهدون في تحصيل العلومِ واكتسابها ويُسلِّمون أولادَهم إلى المعلّمين وإلى أصحاب الحِرَف والصناعات لتحصيل العلوم.
قال الإمام: "الأمر المتعلّق بالمعارف إنّما هو أمرٌ بالتسبب إليها، والنظرُ مِن الأسباب الـمُفْضية إلى العلم وهو المقدور دون العلم. وهكذا الكلام في الثواب والعقاب والمدح والذمّ. والتفرقة التي ذكرها الأصحابُ إنّما هي راجعة إلى ما ذكرنا (ق16أ) مِن حصول بعض العلوم ابتداءً مِن غير سبب ولا تكلّف، ومن وقوع بعضها مرتّبٌ [في المطبوع: مرتبًا] على أسباب.
قالوا: فالعلوم لا تختلف في صفات أنفسها باستناد بعضِها إلى سبب واستغناء بعضها عنه، والنظر ترددٌ في أنحاء العلوم الضروريّة بتقسيماتٍ منحصرةٍ في النفي والإثبات، فإذا انقدح للناظر إحدى الجهتيْن إمّا بالثبوت وإمّا بالنفي تعيّن له الجهةُ الثانية [في المطبوع: الثابتة] على الضرورة.
قال: "وسبيلُ تضمّن العِلم(448) كسبيل تضمّن الإبصار وسائر الإدراكات العِلمَ، والعاقلُ لا يجد تفرقةً بين علمِه الحاصلِ عقيب الإدراكات وبين علمِه الواقع عقيب النظر الصحيح، فَلئنْ ساغَ أن يكون [أحدُ](449) العِلميْن مُكتسبًا ساغ في الآخر ذلك، والجامع بينهما أنّ كلّ واحدٍ منهما ليس واقعًا على حكم إيثارِه واختيارِه، وإذا وقع فلا سبيل إلى دفعِه، وإنما القدرةُ والاختيارُ يتعلّقان بالأسباب مِن النظر وفتح الأجفان والتحديق إلى جهة المرئيّ والإصغاء إلى كلام المخاطِب. والإنسانُ يجتهد في تعلّم الحِرَف والصناعات وتعلّم القرءان، وإنّما قدرته تتعلّق بالأسباب المفضية إلى العلوم أو بضبط نظمِ الألفاظ وتأليفها، ولا يتعلّق بأنفس العلوم".
ومَن أنصف عَلِمَ أنّ حالَه في حصول العلم بعد النظر كحَالِه في حصول العِلم بعد الإدراك المتضمّن له، وليس يُحِسّ في نفسه قدرةً على عِلْمه في الموضعيْن، وإنما يُحِسّ القدرةَ على الأسباب المفضيةِ إليها في مجاري العادات، ولو جاز المصيرُ إلى أنّ العلمَ الواقع عقيب النظر مكتسبٌ مع أنّه لا يُحِسّ اقتدارًا عليه ولا سبيل له إلى دفعه، لجاز المصيرُ إلى أنّ الأفعالَ الواقعةَ عقيبَ الأسباب مكتسبةٌ له، وذلك كالشِّبع عقيب الطعام، والفهم عقيب الإفهام، والتعب عقيب المشي، والألم عقيب الضرب ونحوها.
على أنّ للنظر تعلّقًا عقليًّا قطعيًّا لا سبيل إلى التماري فيه كما قدّمناه، وليس بين هذه الأسباب وبين مسبّباتها تعلّقٌ عقليّ بوجهٍ مِن الوجوه، ثم لا يمتنعُ ورودُ الأمر بهذه الأفعال بالتسبّب إليها، وكذلك التعصية والذمّ لتاركها مِن حيث تركُ التسبّب إليها كذلك في مسئلتنا.
فصل
للعلوم أضدّادٌ عامّة وأضدّادٌ خاصّة، والـمَعْنِيّ بالعموم فيها: أنّها لا تختصّ بمضادّتِها، بل تُضادّها وتضادُّ غيرَها كالموت والغَشْية والنوم، فإنّها كما تُضادّ العلومَ تضادّ الإدراكاتِ وأضدّادَها.
والأضداد الخاصّة منها: الجهلُ وهو اعتقادٌ يتعلّق بالمعتقَد على خلاف ما هو به في اصطلاح المحقِّقين. وقد يُطْلق الجهلُ في وضع أهل اللسان على انتفاءِ العِلم بثبوت بعض أضدّاده مِن الغفلة والشكّ ونحوِهما وفي ذلك تجوّز؛ لأنّه لو جاز أنْ يُسمّى الذاهِل عن الشىءٍ جاهلًا به على التحقيق؛ لجاز أنْ يُسمّى الجمادُ جاهلًا؛ لانتفاء العِلم عنه.
ثم قد يكون الجهلُ مُكتسبًا للجاهل، وقد لا يكون مكتسبًا له، وهو أنْ يخلقَ الله تعالى اعتقادَ الجهل ضرورةً.
وخالف في ذلك القدريّةُ، وشُبهتهم في ذلك أنّ العالِـم بالشىءِ يستحيل أنْ يفعل الجهل،َ وهذا الذي قالوه تمويهٌ؛ فإنّه(450) لا يمتنع أن يفعلَ الجهلَ لغيرِه ليصير الغيرُ به جاهلًا، وإنّما يمتنع أن يصيرَ العالِـمُ جاهلًا بما هو عالـمٌ به، وكما لا يمتنع أن يَخْلُقَ السهوَ والغفلةَ للعبادِ، لا يمتنع أن يَخلُقَ الجهلَ لهم، والواحدُ مِنّا إذا اكتسب الجهلَ لنفسِه فيعتقد أنّ ذلك (ق16ب) الاعتقاد الذي اكتسبه عِلْمٌ.
ومن الأضدّاد الخاصّة للعلم: الشكّ وهو معنى، قال القاضي: "هو استرابة في معتقديْن نفيًا وإثباتًا مِن غير ترجيح لأحدهما، والظنّ كالشكّ إلّا أنّه يتميّزُ عنه بترجيح".
واختلف قول ابنُ الجبّائيّ فمرّة يجعله مِن المعاني المفرد [هكذا في المخطوط، وفي المطبوع: المفردة، من غير إشارة لذلك] كما ذكرنا، ومرّة يجعله عبارةً عن انتفاءِ العلم، ومرّةً يجعله عبارةً عن اعتقاديْن متناقضيْن يتعاقبان على التوالي يُسمّى شكًّا(451).
ومن الأضداد الخاصّة السهو والغفلة(452). وقد أثبت القاضي والأستاذُ في جملة الأضدّاد الخاصّة الإضرابَ، وذكر أنّه زائدٌ على الغفلة، والله أعلم. ه.
(349) انظر الباقلاني، الإنصاف، (ص/120). والباقلاني، التقريب والإرشاد، (ص/88).
(350) انظر الشيرازي، شرح اللمع، (1/146). والآمدي، أبكار الأفكار، (1/76).
(351) انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/92). والجويني، البرهان، (1/116).
(352) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/10-11).
(353) انظر الباقلاني، التقريب والإرشاد، (ص/88). والآمدي، أبكار الأفكار، (1/76).
(354) انظر البغدادي، عيار النظر، (ص/305). وانظر الشيرازي، شرح اللمع، (1/145-146).
(355) انظر الجرجاني، التعريفات، (ص/89). والزبيدي، تاج العروس، مادة (ح ق ق) (25/171).
(356) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/10).
(357) انظر عبد الجبار المعتزلي، المغني، (12/36).
(358) انظر الباقلاني، التقريب والإرشاد، (ص/102). والباقلاني، تمهيد الأوائل، (ص/25).
(359) منهم الغزالي. انظر الغزالي، المستصفى، (ص/21). والغزالي، المنخول في تعليقات الأصول، (ص/98).
(360) في (ب): "غيره".
(361) انظر الجويني، البرهان، (1/119-120).
(362) سقطت من (ب).
(363) خلاصة أقوال العلماء في تحديد العلم: اختلف العلماء في العلم هل يُحَدّ أم لا، فذهب بعضهم إلى أنه لا يُحَدّ، ثم افترق هؤلاء إلى فرقتين: منهم من قال: إنه لا يُحدّ لعُسْرِه، وهو الظاهر من كلام إمام الحرمين في البرهان، وإليه ذهب الغزالي في المستصفى. انظر الجويني، البرهان، (1/119-120). والغزالي، المستصفى، (ص/21). والغزالي، المنخول في تعليقات الأصول، (ص/98). ومنهم من قال: لا يُحدّ لأنه ضروري، وبه قال الرازي. انظر الرازي، المحصول، (ص/85). والرازي، معالم أصول الدين، (ص/22).
(364) العِلْـم الـمُكْتسَب: هو العِلْم الواقع عن نَظرٍ واستدلال،كالعِلْـم بحدوث العالَـم وإثبات الصانع. انظر الجوينيّ، الورقات في أصول الفقه، (ص/5). والسمعانيّ، قواطع الأدلة في الأصول، (1/23).
(365) انظر الجويني، الشامل، (ص/81)، طبعة إيران.
(366) كقوله تعالى: ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)﴾ [سورة التحريم: ٣]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ [سورة الأنفال: 47].
(367) سقطت من (ب).
(368) روى الحاكم في مستدركه حديث (6303): عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أهدي إلى النبي ﷺ بغلةً أهداها له كسرى، فركبها بحبلٍ من شعر، ثم أردفني خلفَهُ، ثم سارَ بي مليًّا، ثم التفت فقال: «يا غلام» قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامَك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد مضى القلمُ بما هو كائن، فلو جهد الناسُ أن ينفعوك بما لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه، ولو جهد الناسُ أن يضروك بما لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فاصبر، فإنّ في الصبر على ما تكرهه خيرًا كثيرًا، واعلم أنّ مع الصبر النصر، واعلم أنّ مع الكرب الفرج، واعلم أنّ مع العسر اليسر». قال الحافظ الحاكم: "هذا حديث كبير عالٍ من حديث عبد الملك بن عمير عن ابن عباس رضي الله عنهما، إلا أنّ الشيخين رضي الله عنهما لم يُخرجا = =شهاب بن خراش، ولا القداح في الصحيحين، وقد رُوي الحديث بأسانيد عن ابن عباس غير هذا ". الحاكم، المستدرك على الصحيحين، (3/623). قال ابن رسلان المقدسي في قوله ﷺ: «تَعَرّف إلى الله في الرخاء يَعْرِفْك في الشدة»: "أي: أطِعْهُ في حالة الرخاء يُجازك عليه في حال شدتِك واحتياجك إلى الإحسان". ابن رسلان المقدسي، شرح سنن أبي داود، (11/622).
(369) انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/355). قال ابن القطان: "وأجمعوا على وصف الله سبحانه بأنّه جواد، ثم أجمعوا على منع وصفه بأنه سخي، فعُلِمَ أنهما يفترقان، لا من جهة المعنى بل من جهة اللفظ، وأن أحدهما مما أطلقته الأمةُ وأجمعت عليه دون الآخر، فلذلك ساغ هذا دون ذلك، ولا يمكن الفصل بين الأمرين، إلا أن أحدهما مما أجمعت عليه الأمة دون الآخر، وأن أحدهما قد استأثر الله بتسميته نفسه بذلك دون صاحبه، فعلم بهذا أن أسماء الله وأوصافه مأخوذة من طريق التوقيف الوارد بالكتاب والسنة والإجماع". ابن القطان، الإقناع، (1/36-37).
(370) في (ب): "الوضوع".
(371) في (أ) و(ب): "الأسولة". هكذا رسمت.
(372) سقطت من (ب).
(373) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٧٠)﴾ [سورة الأنفال: ٧٠]. قال الإمام الرازي: "لما دل الدليلُ على أنّ علمَ الله يمتنع أن يكون مُحدثًا؛ وجب أن يقال: ذكرَ العلمَ وأراد به المعلوم من حيث إنّه يدل حصول العلم على حصول المعلوم". الرازي، التفسير الكبير، (15/514).
(374) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٧٠)﴾ [سورة الأنفال: ٧٠]. قال الإمام الرازي: "لما دل الدليلُ على أنّ علمَ الله يمتنع أن يكون مُحدثًا؛ وجب أن يقال: ذكرَ العلمَ وأراد به المعلوم من حيث إنّه يدل حصول العلم على حصول المعلوم". الرازي، التفسير الكبير، (15/514).
(375) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [سورة العنكبوت: ٣]. قال الإمام الطبري: "والله عالـمٌ بذلك منهم قبل الاختبار، وفي حال الاختبار، وبعد الاختبار، ولكن معنى ذلك: وليظهرن اللهُ صدقَ الصادق منهم في قيله "آمنا بالله" من كذب الكاذب منهم بابتلائه إياه بعدوه، ليعلم صدقَه من كذبِه أولياؤه". الطبري، جامع البيان في تأويل القرءان، (19/8).
(376) كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ﴾ [سورة البقرة: ١٤٣]. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ﴾ [سورة المائدة: ٩٤].
(377) في (ب): "وقال".
(378) سقطت من (ب).
(379) هو الأستاذ المتكلم أبو القاسم، عبد الجبار بن علي بن محمد الإسفراييني المعروف بالإسكاف. قال فيه عبد الغافر: "شيخ جليل كبير من أفاضل العصر، ورءوس الفقهاء والمتكلّمين، من أصْحَاب الأَشْعَرِيّ إِمام دويرة البَيْهَقِيّ لَهُ اللّسَان فِي النظر والتدريس والتقدم في الفَتْوَى مع لُزُوم طريقة السلف من الزهد والفقر والورع" عاش عالـمًا عاملًا. قَرَأَ عليه إِمام الحرميْن الأصول وتخرّج بطريقته. توفي سنة (452ه=1060م). انظر ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، (ص/265). وابن السبكي، طبقات الشافعية، (5/99).
(380) انظر الجويني، الشامل، (ص/75)، طبعة إيران.
(381) في (أ): "يجر وصمه" وصُحِّحَ في هامش (أ): "فإنه يجيء عروضه"، وفي (ب): "يجب وصمه". وما أثبتنه من الإرشاد. الجويني، الإرشاد، (ص/66).
(382) انظر الجويني، الشامل، (ص/78)، طبعة إيران.
(383) من قوله: "التي لا يشاركه ....العلم" سقط من (ب).
(384) سقطت من (ب).
(385) في (ب): "بالغير".
(386) انظر الجويني، البرهان، (1/120).
(387) وهو قول الكعبي. انظر النيسابوري المعتزلي، المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين، (ص/302). والعسكري المعتزلي، الفروق اللغوية، (ص/81).
(388) هو أبو القاسم، عبد الله بن أحمد بن محمود البَلْخيّ الخُراسانيّ الـمعروف بالكَعْبيّ، ولد سنة (273هـ=886م). مِن رؤوس معتزلة بغداد، وإليه تُنْسَبُ الطائفةُ الكعبيّة. أخذ عن أبي الحسين الخيّاط ومُعَمّر. له مقالات في الكلام انفرد بها، وكان حاطِبَ ليل يَدَّعي في أنواع العلوم على الخصوص والعموم ولـم يحْظَ في شىء منها بأسراره. مِن مُصنّفاته "عيون المسائل" وكتاب في التفسير. توفّي ببلخ سنة (317هـ=929م). انظر ابن خِلِّكان، وفيات الأعيان، (3/45). وابن المرتضى المعتزلي، طبقات المعتزلة، (ص/88).
(389) انظر النيسابوري المعتزلي، المسائل في الخلاف، (ص/302).
(390) وهو قول أبي هاشم بن الجبائي. انظر عبد الجبار المعتزلي، المغني، (12/36-37).
(391) انظر ابن فارس، مقاييس اللغة، (4/86). والزبيدي، تاج العروس، مادة (ع ق د) (8/403).
(392) وهو قول أبي علي الجبائي. انظر عبد الجبار المعتزلي، المغني، (12/103).
(393) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/252). والبغدادي، عيار النظر، (ص/313).
(394) انظر النيسابوري المعتزلي، المسائل في الخلاف، (ص/37).
(395) انظر النيسابوري المعتزلي، المسائل في الخلاف، (ص/316-317).
(396) انظر الأنصاري، الغنية، (1/223).
(397)
(398) صغا: أي مَالَ. انظر الجوهري، تاج اللغة، مادة (ص غ ا) (6/2400). والرازي، مختار الصحاح، مادة (ص غ ا) (ص/176).
(399) انظر عبد الجبار المعتزلي، المغني، (12/48).
(400) في هامش (ب): "ثلجت نفسٌ تثلج ثلوجًا إذا اطمئنّت. الصحاح". انظر الجوهري، تاج اللغة، مادة (ث ل ج) (1/302).
(401) سقطت من النسخ (أ) و(ب)، وهي هكذا في متن الإرشاد. الجويني، الإرشاد، (ص/68).
(402) العلم النظري: هو كل علم وقع عن نظر واستدلال. وسمي مكتسبًا لأنه يُكتسب بالنظر ويتوصل إليه بالاستدلال. الشيرازي، شرح اللمع، (1/149). انظر الباقلاني، التقريب والإرشاد، (ص/93).
(403) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/12-13).
(404) انظر الآمدي، أبكار الأفكار، (1/83).
(405) انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/103). والجويني، الشامل، (ص/111).
(406) انظر الباقلاني، التقريب والإرشاد، (ص/92-93). وتمهيد الأوائل، (ص/26).
(407) انظر الفيومي، المصباح المنير، مادة (ض ر ر) (ص/136). والزبيدي، تاج العروس، مادة (ض ر ر) (12/387).
(408) [سورة البقرة: ١٢٦]. انظر الطبري، جامع البيان، (2/56).والرازي، التفسير الكبير، (4/50).
(409) الرازي، مختار الصحاح، مادة (ض ر ر) (ص/183). ابن منظور، لسان العرب، مادة (ض ر ر) (4/483).
(410) [سورة المائدة: ٣].
(411) انظر الزجاج، معاني القرءان، (2/148). والسمرقندي، بحر العلوم، (1/369-370).
(412) ) سقطت من (ب).
(413) ) ؟؟
(414) ) انظر الجويني، البرهان، (1/126).
(415) ) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/15).
(416) ) سقطت من (ب).
(417) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/12).
(418) مراجعة كتب المعتزلة؟؟0
(419) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/68). والجويني، الشامل، (ص/92) طبعة إيران.
(420) في (ب): "استدلاله وفكره".
(421) في (ب): "تسميته".
(422) انظر الباقلاني، تمهيد الأوائل، (ص/28). والكفوي، الكليات، (ص/66).
(423) انظر الباقلاني، تمهيد الأوائل، (ص/29).
(424) سقطت من (ب).
(425) في (ب): "على".
(426) في (ب): "أوصفناها".
(427)
(428) انظر الأزهري، تهذيب اللغة، مادة (ب د ه) (6/122). والجوهري، تاج اللغة، مادة (ب د ه) (6/2226).
(429) سقطت من (ب).
(430) ) الجويني، البرهان، (1/140).
(431) انظر البغدادي، الأسماء والبغدادي، (2/477).
(432) هو أبو جعفر، محمّد بن عبد الرحمـٰـن قبّة الرازيّ، كان في أواخر القرن الثالث الهجريّ. كان معتزليًّا ثم أصبح شيعيًّا إماميًّا، توفّي قبل الكعبيّ. انظر ابن المرتضى المعتزلي، طبقات المعتزلة، (ص/73).
(433) البغدادي، أصول الدين، (ص/166).
(434) انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/169-185)
(435) هو المعتزلي أبو إسحاق، إبراهيم بنُ سيَّار الـمعروف بالنظَّام، إليه تُنسب الطائفة النظّاميّة. عاشر فى شبابِه قوْمًا مِن الثنويّة وقوْمًا مِن السُّمَنِيّة، وخالط بعد كِبَرِهِ قوْمًا مِن مُلْحدة الفلاسفة، ثم خالط هشام بن الحكم الرافضيّ، فأخذ عن هشام وعن مُلْحدة الفلاسفة قولَه بإبطالِ الجُزء الذى لا يتجزّأ، وأكثرُ الـمعتزلة مُتّفِقون على تكفيرِه. وإنـّما تَبِعه فى ضلالته شِرذمةٌ مِن القدريِّة كالأسواري وابن خابِط والجاحِظ. كان يغدو على مُسكِر ويروحُ على مسكِر حتى إنّه سقط مِن غرفةٍ وهو سكران فهلك سنة (231ه=845م). انظر السمعانيّ، الأنساب، (13/139). وابن المرتضى المعتزلي، طبقات المعتزلة، (ص/49-52).
(436) هو أبو الـمُعْتمر، معمر بن عبَّاد السُلـميّ، إليه تُنسَبُ الفرقة الـمعمريّة مِن الـمعتزلة، مِن طبقة أبي الهُذيْل، ومِن تلامذتِه بِشر بن الـمُعْتمِر وهشام الفُوطيّ. كان رأسًا للـمُلْحِدَة وذَنَبًا للقدريّة، وفضائحُه كثيرة منها زعْمُهُ أنّ الأجسام أحدثَت الأَعْراض، وانفرد بمسائل عن القدريّة. توفّي سنة (215ه=830م). انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/183). والعسقلانيّ، لسان الـميزان، (6/71).
(437) هو جهم بن صفوان أبو محرز السمرقندي الضالُّ المبتدع رأس الجهميّة، من موالي بني راسب، ظهرت بدعته بترمذ. ذهب إلى أن الإنسان لا يوصف بالاستطاعة على الفعل بل هو مجبور بما يخلقه الله تعالى من الأفعال على حسب ما يخلقه في سائر الجمادات وأن نسبة الفعل إليه إنما هو بطريق المجاز كما يقال جرى الماء وطلعت الشمس وتغيمت السماء إلى غير ذلك. وافق المعتزلة في نفي صفات الله الأزلية وزاد عليهم بأشياء منها أنه نفى كونه حيا عالما وأثبت كونه عالما قادرا ومنها أنه أثبت للباري تعالى علومًا حادثة لا في محل. قتله سالم بن أحوز المازني في آخر ملك بني أميّة. انظر العسقلاني، لسان الميزان، (2/142). والصفدي، الوافي بالوفيات، (11/160)
(438) انظر الجويني، الشامل، (ص/86). طبعة إيران.
(439)
(440) الكرامية: هم أكبر فرق الـمُشبِّهة الذين شبّهوا اللهَ تعالى بخلقِه في ذاته، أصحابُ محمد بن كرَّام، كان مطرودًا من سِجستان إلى غرجستان وكان أَتْبَاعه أوغادَ شورمين وأَفْشين، وهم ثلاثُ فِرق لا يُكَفّرُ بعضُها بعضًا وإن أكفرَها سائرُ الفِرق. دعا ابنُ كرّام أتباعَه إلى تجسيم معبودِه وزعم أنّه جسمٌ له حَدٌّ ونهايةٌ، وأطلق عليه اسمَ الجوهر، وجوَّز عليه الانتقالَ والتحوّلَ والنزولَ. وفضائح الكرّاميّة على الأعداد كثيرة الأمداد. تعالى اللهُ عمّا يقول الظالمون عُلُوًّا كبيرًا. انظر البغداديّ، الفَرق بين الفِرق، (ص/243-244). والشهرستانيّ. الـمِلَل والنِّحل. (1/108-113).
(441) في هامش (ب): "الصغو الميل في اللغة، صحاح". انظر الجوهري، تاج اللغة، (6/2400).
(442) وقعت في (أ) و(ب) بتاء مبسوطة، وهو خطأ لأنها تاء المفاعلة.
(443) انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/124-125). والجويني، الشامل، (ص/111-112).
(444) في (ب): "له في"
(445) في (ب): "التحكيم".
(446) مُخيل: مُشكل. الأزهري، تهذيب اللغة، مادة (خ ل) (7/232). ابن منظور، لسان العرب، مادة (خ ل) (11/227).
(447) ابن القطان، الإقناع، (1/14).
(448) وتقدير الكلام: "وسبيل تضمن النظر العلم".
(449) وقع في (أ): "إحدى"، ولا وجه له؛ لأنّ العَلمَ مذكرٌ فلا بد من التذكير.
(450) في (ب): "عام".
(451) كتب معتزلة؟؟؟
(452) انظر ابن فورك، مجرد مقالات الأشعري، (ص/13). والجويني، الإرشاد، (ص/69).