قال رضي الله عنه: "صرّحت طوائفُ مِن الكرّاميّة بتسمية الربّ تعالى عن قولهم جسمًا، وقد اختلف الناس في معنى الجسم وحقيقته"(378).

فقالت الـمعتزلة: "الجسمُ هو الطويل العريض العميق"(379).

وهذا مذهبُ كثير من الأوائل، فيقولون: "الجسم ذو الأبعاد الثلاثة" يعنون بها الطول والعرض والعُمق(380).

وهذا أيضًا قولُ بعض الكرّاميّة، وقال الأكثرون منهم: "الجسم هو القائم بالنفس"، ومنهم من يقول: "هو القابِل للصفات". وأجمعوا على أنّ معنى كونه سبحانه جسمًا أنّه قائم بنفسه، وأنّه الذي لا يحتاجُ إلى محلٍّ يحلّه كالعرض. وقال بعضهم: "الجسم هو ما يُماسّ غيرَه من إحدى جهاته". ومنهم من منع إطلاقَ القول بأنّه سبحانه جسمٌ مع اعتقاد أنّه على حقيقة الجسم(381).

وأمّا أصحابنا: فاختلفت عباراتهم عن حقيقة الجسم، فصار بعضُهم إلى أنّ الجسم: هو الـمُجتمع الـمؤتلف أو ما فيه التأليف. وقال بعضهم: "الجسم هو الـمؤتلفان، وأقلُّ التأليف بين جوهريْن فإذا ائتلفا فهما(382) جسمٌ واحدٌ أو جسمان"(383).

فمن صائر إلى أنّه جسم واحد كأنه من أسماء الألقاب كالإنسان وما شاكله. ومِن صائر إلى أنّه جسمان؛ لأنّ في كلّ واحدٍ اجتماعًا وتأليفًا، وهو به مؤتلِفٌ ومجتمعٌ، وهذا القائل يبني كلامَه على قياس الاشتقاق(384).

والدليل على أنّ الجسم ما فيه التأليف هو أنّ عند زيادة التأليف وكثرة الأجزاء يجري عليه بناء الـمبالغة، فيقال: "جسمٌ وأجسمُ" ولا وجه لحمل الـمبالغة إلّا على تألّف الأجزاء، فإذا أنبأ بناءُ الـمبالغة الـمأخوذ من الجسم عن زيادة التأليف، فاسم الجسم يجب أن يدلّ على التأليف؛ إذ الأعلـمُ لـمّا دلّ على مَزيّةٍ في العِلـم دلّ العالِـم على أصله.

يُحقّق ما قلناه أنّ الأسماء على ثلاثة أضرب: أسماءُ الأجناس: كالجوهر والعَرض والسواد والبياض. وأسماءُ الألقاب: نحو ما يسمّى به الأسود كافورًا، ومثل زيد وعمرو. والأسماء الـمشتقّة عن الـمعاني.

فإن كان الجسم مِن الأسماء الـمشتقّة فليس يصحّ معنى أُسْنِدَ إليه اشتقاقه إلّا التأليف للـمعنى الذي ذكرناه، وهو إجراءُ بناء الـمبالغة عند زيادة التأليف. وباطلٌ أنْ يكون (ق52ب) مِن أسماء الأجناس والألقاب لهذا الـمعنى أيضًا، فإنّ أسماء الأجناس لا تقبل التزايد على أنّه لا يجوز أن يُسمّى الله تعالى بأسماء الألقاب.

فإن قيل: بم تنكرون على مَن يقول: إنّ التسمية للشىء بأنّه جسم تُفيد التحسينَ (في ط: التجنيس) ولا يصحّ أن يقال: "جسمٌ أجسم من جِسم"، وأما "جسيمٌ" فإنه يفيد زيادة التأليف؛ لأنّه مِن الـجَسامة بخلاف الجسم، قالوا: وهذا كقولهم: "نفس نفيس" فإنّ نفيسًا من النفاسة لا من النفس فتفيد ما لا تفيد النفس. قلنا: هذا غلط، فإنّ أجسم و[الجسيم](385) لا أصل لهما إلّا [الجسم](386) ،كما أنّ شبيه وأشبه، وعديل وأعدل، ومِثل وأمثل لا أصل لهما إلّا مِثلٌ وشِبْهٌ. ولو لـم يكن جسيمٌ وأجسم مبالغة من الجسم، لَـمَا قيل: "هذا [جسيم](387) وهذا أجسم"؛ فوجب إذًا أن يفيد الجسمُ تأليفًا كما يفيده الجسيم.

وأمّا نفيس فإنّه من النَّفس، ويجوز أن يكون من النَّفَاسة، فيقال: "ليس لفلان نفسٌ" و"لفلان نفس شريفٌ" يعنون به وصفه بالنفاسة وعلوّ الهمة، وقد يُطلق بمعنى الخبر عن ثبوته أو نفيه، فإنّ قول القائل: "فلان لا نَفَس له" يعني به أنّه كالـمعدوم مِن حيث لا فائدة فيه، وعلى هذا الـمعنى سّمى اللهُ تعالى الكفارَ صُمًّا بُكمًا عُميًا(388) أو مواتًا(389) مِن حيث أنّهم لا ينتفعون بحياتهم وسمعهم وبصرهم نفعًا حقيقيًّا يكون سببًا لنجاتهم في الآخرة(390). وإذا قيل: "لفلانٍ نفس" يُراد تعظيمُه لـما فيه من الفوائد، وكذلك النفيس يجري في ذلك مجرى النفس(391).

وليس لهم أن يقولوا إطلاقُ اسمِ الجسم يفيد التأليف تارة والقيامَ بالنفس تارة، فإنّ الجسم عندهم يختصّ بالقيام بالنفس دون التأليف.

فإن قيل: لِـمَ لا يجوز أن يقال في جسم وأجسم مثلُه؟ وهو أنّ يكون(392) الـموصوف بأنّه أجسم لتضمّنه فوائد معنى الجسم بزيادةٍ، لا على زيادة التأليف، بل على معنى الـمدح في وصفه بالقيام بالنفس والاستغناء عن الـمحلّ، كما يُقال: "مِنَّةٌ جسيمة" و"له عندي أيادي جسيمة".

قيل: هذا باطل؛ لأنّ كلَّ أوصافه سوى التأليف إذا حُصِّل لا يُكسبه هذا الوصف، ومعنى القيام حاصل فيه انفرد أو اجتمع. نعم إنّه يختصّ حال الاجتماع بهذا الاسم لأجل الاجتماع لا غير، وإنّه يجري مجرى قولهم: "طويل وأطول" في أنه يفيد التأليفَ أو زيادة التأليف على وجه مخصوص. وأما قول القائل: "مِنّةٌ جسيمةٌ" فإنّه توسّعٌ ومجازٌ، فإنّ العرض لا يوصف بأوصاف الجسم إلّا على التجوّز. ثم يلزمهم على مساق هذا الكلام إطلاقُ الجسيم والأجسم على الله تعالى بهذا الـمعنى.

فإن قيل: معوّلكم فيما ذكرتموه على الأجسم وليس ذلك من اللغة، فإن صاحب الجمهرة(393)/(394) أنكره(395).

قلنا: قال أهل اللغة: إنّ الجسمَ كلّ شخصٍ يُدرك، مأخوذٌ من جَسُم الشىء جسامة فهو جسيمٌ مثلُ: "كَرُم فهو كريم" و"ظَرُف فهو ظريف"، فيصحّ في القياس بناءُ أفعلَ منه(396)، وإن أماتوه في الاستعمال ولـم يدفعوه في مجاري الكلام.

ثم إن نَاقَشَ مُنَاقِشٌ في الأجسم فلا مُناقشة(397) في الجسيم، ولا شكّ أنّه للـمبالغة، ثم تلك الـمبالغةُ لا ترجع إلّا إلى كثرة الأجزاء وتأليفها.

وقال الأستاذ أبو إسحاق: "الجسم هو الـمتجسّم الـمجسَّم، كما هو الـمتألّف الـمؤلّف، يقال: "جَسَّمته فتَجَسّم فهو جسمٌ"، كما يقال "أَلّفْتُهُ فتَألّفَ فهو إلْفٌ".

فإنْ قالوا: إنّ بناء "أفعل" قد يَرِدُ على غير إرادة الـمبالغة كقول القائل: "الله أكبر" فإنّه بمعنى الكبير، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ﴾(398) بمعنى هيّن(ق53أ) عليه(399).

قلنا: هذا خروج عن مَقْصِدنا، فإنّا لـم نقل: إن أجسم يُنْبِئ عن التفاضل لذاته ولبنائه على التجرّد، لكنّا نقول: إنّهم يطلقونه على إرادة الـمبالغة؛ فإنّهم إذا رأوا(400) شخصين أحدهما يختصّ بالعَبالة يقولون: "هذا أجسمُ من ذاك"، وهذا ما لا سبيلَ إلى إنكاره، ولا مخلص للخصم منه، فتصويرُه بناء في غير الـمبالغة بعد ما وضح إرادةُ الـمبالغة فيما نحن فيه لا ينفعُه ولا يضرّنا.

على أنّا لو رددنا إلى قياس الأبنية لَـمَا كان ما قالوه مناظرًا لِـمَا أبديناه، فإن "أفعل" إذا استُعمل مع "مِن" أنبأ عن الـمبالغة لا محالة، ولو قُدّر مفصولًا عن "مِن" لانقسم بعد ذلك مذاهبه، والأغلب عليه الـمبالغة، والذي استدللنا به مقرونٌ بـ "مِن".

فإن قالوا: لو صحّ ما قلتموه لصحّ إطلاقُ الجسم في الجماداتِ صحّته في الحيوانات.

قلنا: لو أطلقه مُطْلِقٌ في الجمادات لـم يكن مُبْعدًا. على أنّا نقول: أصولُ الاشتقاقات لا يجب طردُها، وقد يشذّ منها بعضُ الـمسمّيات، وهذا كما أنّ الدابّة مشتقّةٌ من الدبيب(401)، فموضوع الاشتقاقُ يتضمّن تسميةَ كلِّ مَن دَبّ ودرج دابّةً، ولكن غلب استعمالُ ذلك في بعض الأشياء.

على أنّ الذي قالوه ينعكس عليهم في اعتبار الطول والعرض والعُمق، فإنّ هذه الصفات لا تختصّ بالحيوانات بل يتحقّق فيها وفي الجمادات. ثمّ لو قال قائل: "هذا الجبل أجسمُ من ذلك الجبل" كما يقولون: "أعظم منه" لـم يكن بعيدًا في الاستعمال.

فإنْ قيل: لو كان التعويلُ على التأليف وكثرة الأجزاء لكانت الزُّبْرَة(402) مِن الحديد أعني رُمّانةَ القَبّان(403) وغيرها أجسم من الخشبة العريضة الـمتحلّلة، ونحن نعلـم أنّ الزُّبْرَة مِن الحديد لو عُرِضَت مع الخشبة العريضة على العرب لقالوا: إنّ الخشبة أجسم من الحديد. قلنا: لو علـموا أنّ التأليف في الحديد أكثر لقالوا إنّه أجسم، ثم هذا يناقض قولَهم إن الأجسم لا يطلق في الجمادات.

فإن قالوا: لو عرضنا جوهرين وثلاثة جواهر مُتآلفة على أهل اللسان لَـمَا سمّوها جسمًا إذ الجسامة تُنبئ عن الكثافة. قلنا: ولو عرضنا ثمانيةَ أجزاء مُتآلفة عليهم لَـمَا سمّوها أيضًا جسمًا.

وعند كثيرٍ مِن الـمعتزلة أقلُّ الجسم ثمانية أجزاء، وعند بعضهم أقلّه أربعةَ أجزاء.

ثم نقول: نحن نتلقّى مِن العرب(404) معانيَ كلامها، ولا نحكّمهم(405) في التعيين والتفصيل وفيما يدقّ مَدركُه، وإذا ثبت إنباءُ الجسم عن التأليف حقّقناه في كلّ مُتألّف فهِمتْه العرب أو جهِلتْه.

والذي يُحقّق ذلك أنّ الطولَ لا بُدّ منه في الجسم على مذهب الخصم، ثم نكتفي في تصوير الطويل بتركّب الجوهريْن من كل قُطرٍ، ونحن نعلـم أنّ ذلك لو عُرِض على العرب لـما سَمّوْه طولًا(406). وكذلك الجسمُ هو القائم بالنفس على مذهب الكرّاميّة، والجوهر قائم بالنفس ولا يُسمّيه أهلُ اللسان جسمًا.

ونقول لهم: الجسم ما يسوغ التزايد في معناه، وليس كذلك القائم بالنفس.

فإن قالوا: قد يُطلق الأجسم على القائمات بأنفسها. قلنا: إنما يطلق ذلك في حال تألُّفها وتركّبها ولو كان التعويل على القيام بالنفس دون التأليف لأطلق ذلك عليها في حال افتراقها.

ونقول للـمعتزلة أيضًا: لو استحقّ الجسم هذا الاسم بالأبعاد الثلاثة لـما استحقّ الأجسم إلّا بالزيادات الثلاث فيها.

فأمّا الكلام على الـمجسّمة فمما نُفاتحهم به أن نقول: إنّ تسميتكم البارئ تعالى جِسمًا وأثبتّم له حقائق الأجسام مِن التركيب والتأليف والاختصاص ببعض الأشكال والأقدار فقد تعرّضتم لأمرين:

إمّا أن تَنْقُضُوا دلالة حدث الأجسام فإنّ مبناها على قبولها التأليف والـمباينة ونحوها، وإما أن تطردوها وتقضوا بقيام دلالة الحدث على كلّ جسم متألّف، وكِلا الأمرين خروج عن الدين.

ومَن زعم منهم أنّه لا يُثبت لله تعالى أحكام الأجسام، والـمعنى بتسميته جسمًا الدلالة على وجوده وقيامه بالنفس وقبوله الصفات فهو في ذلك متحكّم. ونستدلّ على فساد هذا القول فيما بعد إن شاء الله.

فأما الردّ على مَن وافق في الـمعنى، وأثبت لله تعالى حقائق الأجسام ففيما أشرنا إليه مقنع.

وإن أردّت بسط القول فيه فقل: لو تركّب القديمُ مِن جُزئيْن فصاعدًا لـم تخلُ القدرةُ والعِلـم والحياة وسائر الصفات إما أنْ تقوم بكلّ جزءٍ، وإمّا أن تقوم بواحدٍ من الأجزاء الـمتألّفة، وإما أنّ تقوم كلُّ صفةٍ بجميع الأجزاء.

ونفرض الكلام في الصفة الواحدة فإن قال الخصم: تقومُ بكل جزء قدرةٌ فيلزم منه أن يكون كلُّ جزء مُخْتَرِعًا وفيه تصريحٌ بإثبات إلـٰهيْن أو آلـهة فإنّ الذي يحيلُ إثبات قديميْن مخترعيْن منفصليْن يمنع ويحيل ذلك، ويقوم واضح الدليل على استحالته لو كانا متّصليْن ودلالة التمانع تَطّرِدُ في البابيْن.

وإن زعم أنّ القدرةَ تقومُ ببعض الأجزاء فيلزم منه تخصيصُ ذلك الجزء بكونه مقتدرًا خالقًا، ثم إذا خلا باقي الأجزاء عن القدرة وجب أن يتّصف بضدّها، وفي ذلك إثباتُ قديمٍ قادرٍ مع إثبات قدماء غيرِ قادرين، وغير صفات للقادر القديم وذلك تحكّم لا دليلَ عليه. ثم ليس بعضُ الأجزاء باختصاص القدرةِ به أولى مِن بعض.

وإن قال الخصم: تقومُ القدرة وحدها بجميع الأجزاء كان مُحالًا، فإنّ الواحد لا ينقسم على ذواتٍ قائماتٍ بأنفسها، ولو قام الواحد باثنين والذي قام بأحدهما هو الذي قام بالآخر لَلَزِمَ اتحاد الاثنين أو تعدّد الواحد.

وإن قال الخصم: ما الـمانع مِن قيام القدرة ببعض الأجزاء ورجوع الحكم منها إلى جميع الأجزاء؟ قلنا:لا معنى للحكم الحقيقيّ لذاتٍ من(407) معنى إلّا اختصاص الـمعنى به، وقد ذكرنا استحالةَ قيام الواحد باثنين فلا معنى لإطلاق الاسم على الجملة إلّا توسّعًا ومجازًا.

وممّا نتمسّك به أن نقول لو جاز أن يكون القديمُ محدودًا فلا يخلو أنْ يثبت له جميعُ الحدود على تناقضها وذلك محالٌ، فإنّ منها القِصَر والطولَ والتربيعَ والتسطيحَ وغيرَ ذلك وليس بعضُ الحدود أولى مِن بعض، وبمثل هذه الطريقة نوضح استحالةَ اللون والكون والصوت عليه سبحانه، إذ كلُّ واحدٍ من هذه الأجناس يشتمل على أنواعٍ لها حكم الاختلاف وليس بعضُها أولى من بعض، وتجري هذه الطريقة في جملة الأعراض.

فإنْ قالوا: ما ذكرتموه(408)ينعكس عليكم في صفات الإلـٰه سبحانه، فإنّ الحيّ يجوزُ أن يختصّ بالقدرةِ وضدِّها، وبالعلـم وضدّه، وفي الاختصاص بأحدِ الضدّين افتقارٌ إلى الـمخَصِّص.

قلنا: صفات الإلـٰه سبحانه واجبةُ الثبوت وتقتضيها الأفعال فلَـم يتقابل في آحادها الجائزان، وليس كذلك الحدود والأقدار والأشكال فإنّ الفِعلَ لا يدلّ عليها ولا على واحدٍ منها على الخصوص، بل لا شىء منها إلّا ويجوز انتفاؤه ببدلٍ، ولو كان واجبًا لاستحال انتفاؤه ببدلٍ، وكذلك ليس في تقدير انتفائه ثبوت نقيصه للقديم سبحانه، أو ردًّا لنصٍّ مقطوع به من جهة السمع، فاستبان الفرقُ بين الصفات الواجبة للقديم سبحانه وبين الحدود الجائزة والأعراض الطارئة(409) كالأكوان ونحوِها.

فإن فرضوا الكلام في متعلّقات الصفات واختصاص (ق54أ) بعضِها بالوقوع دون بعض مع أنّ الجوازَ شاملٌ للآحاد على البدل فالكلام فيه يطول، وقد استقصيناه في كتاب التلخيص.

ويؤول حاصل القول فيه إلى أنّه لا فرق بين قول القائل: "لِـمَ كان العِلـم الأزليّ عِلـمًا بوجود العالـم في وقت وجوده" وبين قوله: "لـم كان وجودُ الإلـٰه سبحانه أولى مِن عدمه"؟ ولـم كان الله تعالى موجودًا؟ فهذا وأمثاله مما لا يُطلب له علّـة، قال ﷺ: «ما أصابك لـم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لـم يكن ليصيبك، قُضِي القضاء وجفّ الأقلام»(410).

وقد استدلّ بعض الأصحاب بأن قال: كلّ وصفٍ صحّ أصلُه وفيه مبالغةٌ مستعملة وجبت الـمبالغةُ فيه للقديم تعالى كما وجب أصله كما قلنا في القادر والعالِـم، ولا يَرِدُ عليهما الـموجود والحيّ؛ إذ ليس منهما لفظةٌ مستعملة في الـمبالغة، ومِن الجسم لفظ مستعمل في الـمبالغة كالجسيم والأجسم. وأجمعوا على أن القديم لا يجوز وصفه بالجسيم والأجسم.

فإن قالوا: معنى الـمبالغة في هذا الاسم لله تعالى أنّه يلاقي أجسامًا كثيرة مِن جهة واحدة بخلاف الأجسام الصغار. قلنا: فعلى هذا لا جسيم ولا أجسم إلّا الله سبحانه.

وهذان قولان متناقضان فمن قال: إنّه جسم، ولا يجوز وصفه بالجسيم والأجسم فقد خالف أهلَ اللسان.

فإن قالوا: لـم نجد في الشاهد فاعِلًا إلّا جسمًا، كما لـم نجد فاعلًا إلّا موجودًا حيًّا، ثم بحثنا عن أوصاف الفاعلين فلـم نجد مقتضيًا لذلك إلّا كونُه فاعلًا فقضينا بذلك وطردناه في كلّ فاعل، والربّ تعالى فاعلٌ فيجب أن يكون جسمًا، كما يجب كونُه حيًّا وموجودًا.

قلنا: إنْ عنيتم بكون الفاعل جسمًا: كونه موجودًا أو قائمًا بالنفس أو موصوفًا بالصفات، فأنتم مساعَدُون من خصومكم على الـمعنى دون إطلاق اللفظ. وإن عنيتم بكونه جسمًا: أن يكون متألّفًا متركّبًا فهذا مما لا يقتضيه الفعل قطعًا. وإذا حرّك الـمحرِّك يدَه على اقتدار(411) فلسنا نقول: إنّ الحركات صدرت مِن جملة اليد، بل صدرت مِن كلّ جزءٍ من أجزائها حركةً اختصّ ذلك باكتسابها، فاستبان بذلك أنّ ما ادّعوه في الشاهد فهم عنه ممنوعون.

على أنّا نقول: لا فاعل مخترع إلّا الله تعالى.

وإن سلّـمنا لهم جدلًا ما ادّعوه شاهدًا، مِن أنهم لـم يشاهدوا فاعلًا إلّا جسمًا فلا مستروح لهم فيه، بل عليهم إقامةُ الدليل على أنّه إنما كان جسمًا من حيث كان فاعلًا، ولا سبيل لهم إلى ذلك، وأقصى ما تمسّكوا به ردّ الغائب إلى الشاهد مِن غير تحقيق جمع بينهما.

والـمتمسّكُ بهذه الطريقة تُجْبِره إلى الدهر والإلحاد. ولو قال قائل: لـم نعقل فاعلًا إلّا حادثًا ذكرًا أو أنثى، أو قال: لـم نشاهد بشرًا إلّا من نطفة ولا نطفة إلّا مِن بشرٍ(412).

ثم كلّ ما ألزمونا في الجسم نُلزمهم في الجسد والشخص؛ من حيث لـم يشاهدوا فاعلًا مكتسبًا يفعل بأداةٍ وآلة وجوارح واعتماد إلّا جسمًا أو شخصًا.

وأما استشهادهم بالوجود والحيّ فباطل؛ فإنّا لـم نتوصّل إلى العِلـم بوجود الإلـٰه تعالى مِن حيث وجب للفاعل مِنّا الوجود، بل أثبتنا ذلك بطرقٍ أوضحناها وسنوضحها إنْ شاء الله تعالى في الصفات من حيث أنّ الصُنع كما يدلّ على الصانع يدلّ على وجوده؛ إذ العدمُ نفيٌ محضٌ، وحكم الشرط والعلّة والحقيقة والدليل لا يختلف شاهدًا وغائبًا.

ومما يجب التنبّه له: أنّا لا نسلّـم للـمخالفين أنّا إنما (في المطبوع: إنما، وفي الغنية: لم) نتوصّل إلى العِلـم بكون القديم فاعلًا بكوننا فاعلين، بل إذا ثبت جواز الفعل واستبان استحالة وقوعه بنفسه ثبت(413) افتقاره إلى فاعل مخصّص.

ومما تمسّكوا به أن قالوا: إذا قلتم إنّ القديم سبحانه أحديّ الذات بلا انقسام، فيلزم منه أن يكون أصغرُ الأشياء وأقلّها وذلك هو الجوهر.

قلنا: لو كان ذا حجمٍ وجثّةٍ واختصاصٍ بجهة مع استحالة (ق54ب) التجزّء لَلَزِم ما قلتم وهو عين مذهبكم، ثم إنّكم حاولتم دفع الإلزامات والـمطالبات ورمتم فصلًا بينه وبين الأجزاء الصغار بعذرٍ واهٍي(414) حيث قلتم: إنّه عظيم على معنى أنّه يلاقي مع وحْدته جملة العرش، وقد أبطلنا عليكم ذلك.

ونحن نقول: لو كان القديم سبحانه جسمًا لكان لطيفًا رقيقًا أو كثيفًا، والجسم لا يخرج عن أحد الأمرين، ولوجب أن يشغل حيّزًا واحدًا أو أكثر منه أو يكون ذاهبًا في الجهات.

وقد زعم بعض الـمجسمة: أنّ القديم سبحانه جسمٌ واحدٌ هو أكبر مِن غيره من الأجسام وقد امتلأ العرشُ به.

وقال هشام بن الحَكم: "إنّه سبحانه نورٌ على هيئة البلّور الصافي"، وله مقالاتٌ في الجسم فقال مرّة: "إنّه كالسبيكة البيضاء، وإنه سبعة أشبار بشبر نفسه وله صورة"، وقال مرّة: "إنّه جسم لا كالأجسام"(415)

وقال كثير منهم: "إنه على صورة الإنسان له جوارحَ وأعضاء"(416).

تعالى الله عن هذه الـمقالات علوًّا كبيرًا.

وقد أوضحنا فيما تقدّم أن الذي لا حدّ له ولا نهاية يستحيل تصوّره في الوهم، والذي لا مِثل له لا يتمثّل في الفِكر، وقد قال ﷺ: «لا فكرة في الرب»(417)، والذي هو مدلول العقل لا يتطرّق إلى ذاته تقدير الأوهام.

وروى الضحَّاكُ عن ابن عباس قال في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾(418): "حيث وصفوه بالأصابع والأعضاء والصورة وهم اليهود"(419). وروي عن الحسن أنّه قال في تأويل قول النبيّ ﷺ: «أشدّ الناس عذابًا الـمصوِّرون»(420) قال: "هم الذين صوّروا الله تعالى بقلوبهم"(421).

فهذه جملٌ مُقنِعة على مَن أثبت لله تعالى حقائق الأجسام.

فأمّا الكلام على من زعم أنّ معنى كونه جسمًا: قيامُه بالنفس، أو وجوده، وقبوله للصفات فنقول لهم: إن عنيتم بالقيام بالنفس: اختصاصُه ببعض الجهات فقد أبطلناه. وإن عنيتم به وجودَه واتصافَه بالصفات فلِـمَ تحكّمتم بتسمية القديم بصفةٍ أو باسمٍ يُنبنئ عمّا يستحيل في حقّه مِن غير توقيف مِن الشارع؟ وما الفصل بين تسميتِه جسمًا وبين تسميتِه جسدًا وشخصًا على معنى أنّه موجودٌ مستغنٍ عن الـمحل موصوفٌ بالصفات؟

فإن قالوا: ورد الشرع بتسميته نفسًا في قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ﴾(422)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ﴾(423) فلا يبعد أيضًا تسميته جسمًا.

قلنا: لا يسوغ القياس في أسماء الله تعالى ولو ساغَ ذلك لساغ مثله في الجسد، وقد علِـمنا أنّ "السخيّ" بمعنى "الجواد" ثم لا يجوز أنْ يُسمّى سخيًّا قياسًا على الجواد(424). ثم النفس قد يراد به الوجود والحقيقة فيقال: "نفس العَرَض، ونفس العِلـم، والعِلـم نفسه"، ولا يقال: "جسم العَرَض، وجسم العِلـم". ثم الأصل اتباع الشرع.

واعلـم أنّ حاصل مذهب الكرّاميّة في تسميتهم القديم سبحانه "جسمًا" يرجع إلى إثبات الحجم والجثّة فإنّهم قالوا: "لا موجود إلّا جسمٌ وعرض"، ثم فسّروا الجسمَ بالقائم بالنفس القابل للصفات ثم قالوا: "القائم بالنفس مِن ضرورته أن يكون منفردًا ومختصًّا بجهةٍ ثم لا يختصّ بالجهة وقبول الصفات والحوادث إلّا حجم"، ثم منهم مَن أثبت له حدًّا واحدًا، ومنهم مَن أثبت له الحدود.

ولـمّا عظُم عليهم هذه الالزامات راموا لأنفسهم مَخلصًا فقالوا: "إنّه عظيم" ثم فسّروا عظمتَه بما لا يُعقل.

وكلّ ذلك خبْط وتخليط، وكلّ ما له حجم فلا يُعقل وجوده إلّا في مكانٍ أو تقدير مكان، وكلّ مَن كان في مكان أو جهة فإنّه في حكم الـمماسّ لـمكانه وجهته، والتقدير كالتحقيق، وكلّ ما يشارك الجوهرَ في خاصّ وصفِه شاركه في حُكمه، فهذا سرّ الباب، ونعوذ بالله من الحيرة (ق55أ).

فأما نحن فأقصى ما يطالبوننا في هذا الباب أن يقولوا: إذا لـم يمكنكم الإشارة إلى ذاته وإلى جهته فقد خرج عن كونه معقولًا.

قلنا: لـم يخرج عن كونه معقولًا بالدليل، ولكنه يخرج عن كونه متصوّرًا في الأوهام، وهذا ما نعتقده وندين اللهَ تعالى به، فإنّا إنما نتوصّل إلى معرفتِه سبحانه بأفعاله وآياته التي أقامَها على إلـٰهيّته كما تلوناها في صدرِ الكتاب ونبّهنا عليه، ونجعل قدوتنا في ذلك الخليلَ وموسى وغيرَهما من الأنبياء عليهم السلام.

وقد قال الخليل: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾(425)، وأَمر نبيّنا ﷺ أن نفتتح الصلاة بذلك، ثم قال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ﴾ (426).

وقال موسى عليه السلام: ﴿أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ (427)، وقال له فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (428) الآيات.

وإذا كان الـموصِل إلى معرفته سبحانه أفعالَه، فكلّ ما يدلّ الفِعلُ لأجله على الإلـٰه سبحانه من التقدير والاختصاص بالصفات الجائزة يجب تقديس الربّ سبحانه عنه، فيتعيّن كونُه مخالفًا لأفعاله وهي الجواهر والأعراض، فانفرد بجلاله وعِزّته عن خصائص الجواهر والأعراض، وإذا كان كذلك فلا تتطرّق إليه الأوهام والأفكار.

فإن قيل: الإلـٰه سبحانه هل يُدرك بالعقل؟ فإن قلتم: لا فكيف يُعبد مَن لا يُدرك بالعقل؟ وإن قلتم: إنّه مُدرَك، فإنما يُدرك الشىء بحدِّه وما لا يُعرف له حدٌّ يُدرك به فهو معدوم.

قلنا: إنما يدرك بالحدّ الأجسام، والربّ تعالى ليس بجسم ولا يوصف بكيفيّة ولا مائيّة ولا كميَّة، وهو مشارٌ(429) إليه بالـهُوِيَّة(430) التي باين بها سائر الـهُويّات.

هذا جواب الفلاسفة عن هذا السؤال، وجوابنا عنه أنّه يُدرك بأدلّة العقول، وأنّه مُبدِع الكائنات، ليس كمثله شىء. ه ه ه


(378) ) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/؟؟).

(379) )

(380) ) انظر ابن متويه المعتزلي، التذكرة، (ص/48).

(381) ) انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/؟؟). والشهرستاني، الملل والنحل، (1/109).

(382) ) في (ب): "فَهُم".

(383) ) انظر الباقلاني، تمهيد الأوائل، (ص/220). والمتولي، الغنية، (ص/81).

(384) )

(385) ) هكذا في (ب)، ووقع في (أ): "الجسم".

(386) ) هكذا في (ب)، ووقع في (أ): "الجسيم".

(387) ) هكذا في (ب)، ووقع في (أ): "جسم".

(388) ) قال الله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [سورة البقرة: ١٨]

(389) ) قال الله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ [سورة النحل: ٢١].

(390) ) انظر الماتريدي، تأويلات أهل السنة، (1/528). والقرطبي، الهداية إلى بلوغ النهاية، (1/173).

(391) ) انظر الأزهري، تهذيب اللغة، مادة (ن ف س) (13/8). والفيروزآبادي، القاموس المحيط، مادة (ن ف س) (ص/577-578).

(392) ) سقطت من (ب).

(393) ) في (ب): "الجمرة".

(394) ) هو العلّامة شيخ الأدب أبو بكر، محمّد بن الحسن بن دُرَيْد الأَزْدي. ولد سنة (223ه=837م). كان رأس أهل العلم ومُقدّمًا في حِفْظ اللغة والأنساب وأشعار العرب انتهت إليه لغة البصريّين. روى عن أبي حاتم السجسْتاني وأبي الفضل الرياشيّ وغيرهما، وروى عنه أبو سعيد السِيْرَافيّ وابن شاذان وغيرهما، له تصانيف منها "الجمهرة في اللغة" و"الأمالي" وغيرهما. توفّي سنة (322ه=933م) ودفن في مقبرة الخيزرانية. انظر الخطيب البغداديّ، تاريخ بغداد، (2/594). والسيوطيّ، بُغية الوعاة، (1/76-82).

(395) ( أراد الإشارة لما ذكره الإمام في "الشامل"من اعتراض الخصوم فذكر بعض إيراداتهم: "فيقولون: سئل ابن دريد عن الأجسم فقال: لا أعرفه". الجويني، الشامل، (ص/402).

(396) ) انظر ابن دريد، جمهرة اللغة، مادة (ج س م) (1/475). والجوهري، تاج اللغة، مادة (ج س م) (5/1887).

(397) ) من قوله: "الأجسم .." إلى هنا ساقط في (ب).

(398) ) [سورة الروم: ٢٧].

(399) ) انظر الزجاج، معاني القرءان، (4/183). والماتريدي، تأويلات أهل السنة، (8/266).

(400) ) سقطت من (ب).

(401) ) انظر الجوهري، تاج اللغة، مادة (د ب ب) (1/124). وابن منظور، لسان العرب، مادة (د ب ب) (1/369-370).

(402) ) الزبرة: القطعة من الحديد الضخمة. الفيومي، المصباح المنير، مادة (ز ب ر) (ص/؟؟). والزبيدي، تاج العروس، مادة (ز ب ر) (11/400).

(403) )

(404) ) في (ب): "العرف".

(405) ) استاذ احمد

(406) ) في (ب): "طويلًا".

(407) ) في (ب): "في".

(408) ) في (ب) زيادة: "و".

(409) ) بياض في (ب).

(410) ) روى البيهقي في "شعب الإيمان" بالإسناد المتصل إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال:" كنت رديف رسول الله ﷺ، فقال: «يا غلام أو يا غليم، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشىء، لم يكتبه الله لك لم يقدروا على ذلك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشىء، لم يكتبه الله عليك لم يقدروا على ذلك، قُضي القضاء، وجفت الأقلام، وطويت الصحف». البيهقي، شعب الإيمان، (1/374).

(411) ) في (ب): "على أقدر أثر". ص/66

(412) ) هكذا هي العبارة في الأصل من غير ذكرٍ لجواب الشرط، وكلامه مأخوذ من "الشامل" للإمام: "فيلزم القضاء بذلك إلى غير أول، فلا يكون الـمُجسّم فيما ذكره أسعد حالًا ممن سلك هذه الطرق التي أشرنا إليها". الجويني، الشامل، (ص/420).

(413) ) في (ب) زيادة: "من".

(414) ) هكذا في (أ).

(415) ) انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/؟؟). والشهرستاني، الملل والنحل، (؟؟؟).

(416) ) وهي مقالة داود الجواربي. انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، (ص/؟؟؟؟). و

(417) ) سبق تخريجه ص 241.

(418) ( [سورة الزمر: 68].

(419) ) لم أقف على هذه الرواية كما ذكرها المصنف، لكن ذُكر في كتب التفاسير ما في معناها. قال الإمام الماتريدي في "تأويلات أهل السنة": "ذكر أهل التأويل أنّ اليهود أتوا رسول الله ﷺ فقالوا له: إنّ ربك كذا وكذا، وإن السماوات على كذا منه، والأرض على كذا، ذكروه له ووصفوه كما يُوصف الخلق، فنزل قوله عز وجل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قيل: ما عرفوا الله حقّ معرفته، ولا عظّموه حق عظمته". الماتريدي، تأويلات أهل السنة، (8/703). وقال أبو حيان في "البحر المحيط": "قال ابن عباس: في كفار قريش، كانت هذه الآية كلها محاورة لهم وردًا عليهم. وقيل: نزلت في قوم من اليهود تكلموا في صفات الله وجلاله، فألحدوا وجسموا وجاءوا بكل تخليط". أبو حيان، البحر المحيط في التفسير، (9/219).

(420) ) روى البخاريّ في صحيحه حديث (5950): كتاب اللباس: باب عذاب المصورين يوم القيامة: من حديث عبد الله بن مسعود قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إنّ أشدَّ الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون». ومثله روى مسلم في صحيحه حديث 98 - (2109).

(421) ) قال القاضي عياض في "إكمال المعلم": "قوله: «من أشد الناس عذابًا» في عمل ذلك على القصد لعبادتها ونحت الأصنام فهي في الكفار؛ إذ لا يكون مذنب أشد عذابًا من كافر، وقيل: بل ذلك فيمن قصد المعنى الذى جاء فى الحديث من مضاهاة خلق الله واعتقد ذلك، فهو كافر بقصده، فله مِن أشد العذاب ما للكفار". القاضي عياض، إكمال المعلم، (6/638). قال ابن حجر في "فتح الباري": "واستدل به أبو علي الفارسي في التذكرة على تكفير المشبهة فحمل الحديث عليهم وأنهم المراد بقوله: «المصورون» أي الذين يعتقدون أنّ لله صورة". وورد في الحديث تفاسير أخرى تُٰراجع من مظانها. العسقلاني، فتح الباري، (10/384).

(422) ) [سورة آل عمران: ٢٨]. قال الواحدي: "يخوفكم الله على موالاة الكفار عذاب نفسه، قال الزجاج: "معنى نفسه: إياه"، كأنّه قال: وحذركم الله إياه". الواحدي، الوسيط، (1/428). وقال الرازي في تفسيره في الباب الرابع "في البحث عن الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية": "نفس الشيء ذاته وحقيقته، واعلم أنّ النفس عبارة عن ذات الشىء وحقيقته وهويته، وليس عبارة عن الجسم المركب من الأجزاء؛ لأن كلّ جسم مركب، وكلّ مركب ممكن، وكلّ ممكن مُحدث، وذلك على الله محال، فوجب حمل لفظ النفس على ما ذكرناه". الرازي، التفسير الكبير، (1/116). وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ﴾: "وفيه قولان، الأول: أنّ فيه محذوفًا، والتقدير: ويحذركم الله عقاب نفسه، وقال أبو مسلم: المعنى ويحذركم الله نفسه أن تعصوه فتستحقوا عقابه، والفائدة في ذكر النفس أنّه لو قال: "ويحذركم الله" فهذا لا يفيد أنّ الذي أريد التحذير منه هو عقاب يصدر من الله أو من غيره، فلما ذكر النفس زال هذا الاشتباه، ومعلوم أنّ العقاب الصادر عنه يكون أعظم أنواع العقاب؛ لكونه قادرًا على ما لا نهاية له، وأنّه لا قدرة لأحدٍ على دفعه ومنعه مما أراد. والقول الثاني: أنّ النفس هاهنا تعود إلى اتخاذ الأولياء من الكفار، أي ينهاهم الله عن نفس هذا الفعل". انظر الرازي، التفسير الكبير، (8/194).

(423) ) [سورة الـمائدة: ١١٦]. قال الزجاج في "معاني القرءان": "هذا موضع أعني: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ﴾ يلبس به أهلُ الإلحاد على مَنْ ضَعُفَ علمُه باللغة، ولا تُعلم حقيقة هذا إلا من اللغة، قال أهل اللغة: النفس في كلام العرب تجري على ضربين، أحدهما: قولك "خرجت نفس فلان" و"في نفس فلان أن يفعل كذا وكذا". والضرب الآخر: معنى النفس فيه معنى جملة الشىء، ومعنى حقيقة الشىء، قتل فلان نفسه، وأهلك فلان نفسه، فليس معناه أن الإهلاك وقع ببعضه، إنما الإهلاك وقع بذاته كلها، ووقع بحقيقته. ومعنى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ ، أي تعلم ما أُضمره، ولا أَعلم ما في نفسك، لا أَعلم ما في حقيقتك وما عندي علمه، فالتأويل: أنّك تَعْلمُ ما أَعلمُ، ولا أَعلم ما تَعْلم، ويدل عليه: ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ، فإنما هو راجعٌ إلى الفائدة في المعلوم، والتوكيد أنّ الغيب لا يعلمه إلا الله جل ثناؤه" ومثله قال القرطبي في تفسير الآية أيضًا. الرازي، التفسير الكبير، (2/223). انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرءان، (4/58).

(424) ) انظر البغدادي، أصول الدين، (ص/355).

(425) ) قال تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [ سورة الأنعام: ٧٩]

(426) ) [سورة الأنعام: ٨٣].

(427) ) قال تعالى: ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ (٥٠)﴾ [سورة طه: 49-5٠].

(428) ) قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ (٢٤)﴾ [سورة الشعراء: ٢٣ – ٢٤].

(429) ) سقطت من (ب).

(430) ) قال الجرجانيّ في "التعريفات": "الهوية: الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق". الجرجاني، التعريفات، (ص/257).