قال رضي الله عنه: "والاعتناء بهذا الركن حتمٌ؛ فإنّ إثباتَ الغرض منه يزعزع جملةَ مذاهب الملحدة، فأصل معظمهم:
أنّ العالـم لـم يزل على ما هو عليه الآن، ولـم تزل دورةُ الفلك قبل دوره إلى غير أوّل، ثم لـم تزل الحوادثُ في عالـم الكون والفساد تتعاقب كذلك إلى غير مُفتتح، فكلُّ ولدٍ مسبوقٌ بوالد، وكلُّ زرعٍ مسبوقٌ ببَذْرٍ، وكلُّ بيضة مسبوقة بدجاجة.
فنقول: موجبُ أصلِكم يقضي بثبوتِ حوادث لا نهايةَ لأعدادها ولا غايةَ لآحادها على التعاقب في الوجود، وذلك معلومٌ بطلانه بأوائل العقول، فإنّا نفرض الكلام في الدورة التي نحن فيها، فنقول: مِن أصلِكم أنّه انقضت قبل هذه الدورة التي نحن فيها دوراتٌ لا نهاية لها، وما انتفت (ق30أ) عنه النهايةُ يستحيل أن ينصرم بالواحدِ على إثر الواحد، فإذا انصرمت التي قبل هذه الدورة آذَنَ انقضاؤها وانتهاؤها بتناهيها"(195).
ومحصولُ هذا القول أنّ ما لا نهاية له لا عددَ يحصرُه ولا مبلغَ لضبطِه، ويستحيل أن تمضي الآحادُ على إثر الآحاد على التوالي، وأقربُ الأمور فيه الجمعُ بين [نفي](196) النهاية والمصير إلى التناهي، وذلك تناقض؛ فإنّ التناهيَ مُشْعِرٌ بالنهاية، وترتُّبَ الأعدادِ بعضِها على بعض مؤذنٌ بثبوت الأوليّة، وما لـم يُفتتح عن أوّلٍ لا ينتهي إلى آخر.
يحقّق ما قلناه: أنّ شرطَ كلِّ حادث حتى يدخل في الوجود وتنتهي النوبةُ إليه على مقتضى دعوى الخصم أن ينقضي قبلَه آحادٌ لا نهايةَ لها، ومآل ذلك عند التحقيق إلى أنّه لا يحدث حادِثٌ إلّا بعد أن ينقضي ما لا ينقضي، وكلّ ما عُلّقَ ثبوتُه بمحال أو على محالٍ كان مُحالًا، وعند الخصم يتوقّف وجودُ كلّ حادثٍ من الزرع والبيضة والدجاجة والوالد والولد على وجودِ ما قبله وعلى انقضائه حتى يترتب عليه وجودُ الثاني، وإذا لـم يكن لهذه الآحاد أوّلٌ يفتتح منه كيف تنتهي النوبة إلى هذا اليوم، وإلى هذا الولد، وإلى هذه الدجاجة؟
ومما تمسّك به الأصحابُ أنْ قالوا: مَن أثبت الحوادثَ ونفى الأوليّة عنها فقد جمع بين نقيضين، فيُقال له: نفي الأوليّة يرجع إلى ماذا؟ فإمّا أنْ يرجع إلى موجودٍ واحدٍ، وإمّا أن يرجعَ إلى موجودات، فإنْ رجعَ إلى موجودٍ واحدٍ أثبتوه في الأزل ونفوا عنه الأوليّة فقد أثبتوا قديمًا لا أوّل له، وأثبتوا حوادثَ متناهية لها أوّل.
وإن زعم الخصمُ أنّ نفي الأوليّة يرجع إلى الحوادث ولا يتخصّص بموجودٍ واحدٍ، كان ذلك واضحُ البطلان فإنّ كلّ حادثٍ له أوّل. وإن عارضونا باستمرار وجودِ الإلـٰه سبحانه وتعالى وامتداده فليس لوجوده تعالى استمرارٌ ولا امتدادٌ ولا تحينُ عليه الآجالُ ولا تتعاقب عليه الأزمنة، ولا كذلك الحوادث فإنّ الدورةَ التي نحن فيها على زعمهم منفصلةٌ عمّا قبلها، وما لـم ينقضِ في الأدوار مما لا يتناهى لا ينتهي اليوم إلى هذه الدورة ولا إلى هذا اليوم أو الليلة، ولا مُفتتح لآحادِها وابتدائها فتنتهي النوبةُ إلى التي بعدها.
وأمّا الإلـٰه سبحانه فوجوده الآن بالإضافة إلينا وجوده الأزلي، فإنّه جلّ عن التقدير قَدْرُه، وجلّ عن التكيفِ نعتُه تبارك اسمُه وتعالى جَدُّه(197).
ثم نقول: حقيقة الحادث الواحد ما له أوّل، فإذا كان هذا حقيقة الحادث الواحد فحقيقة الحوادث هي التي لها أوّل؛ إذ الحقائق لا تختلف بانضمام أفراد الآحاد بعضها إلى بعض، فإن رامَ بعضُ الأغبياء فرقًا بين حالة الاجتماع وبين حالة الانفراد بالاستشهاد بخبر الواحد الذي لا يفيد العلمَ، والأخبار المتواترة المفيدة للعلـم، ونحو ذلك من الأمور المتلقاة إمّا مِن مجاري العادات وإمّا من عُرْفِ الشريعة فلا يلزم؛ لأنّ ذلك ليس مِن قبيل ما نحن فيه. على أنّا نقول: الأخبار المتواترة ليست موجبةً للعلـم بحقيقة ترجع إلى أجناس المخْبِرين أو إلى أجناس أخبارِهم، ولكنها منوطةٌ باطراد العادات، [ويجوز في](198) المعقول خرق العادة حتى يفيدَ الخبرُ الواحدُ العلـم، ولا يفيدَ الخبُر المتواترُ العلمَ.
وإذا كان كلُّ واحد مِن الحوادث له أوّل استحال أنْ لا يكون للحوادثِ أوّل؛ لأنّ(199) كلَّ واحدٍ مسبوق بعدمٍ، كما أنّه لـما استحال أن يكون كلُّ جوهر متحيّزًا ولا تكون جملتُها متحيّزة، واستحال أنْ يكون كلّ واحدٍ مِن الزنج أسود ولا يكون جملتُهم سودًا كذلك ما نحن فيه.
فإن قالوا: بَنَيْتُم هذه التشنيعات والاستبعادات على ما تخيّلتموه مِن الأعدادِ المتغايرة المختلفة في هذا العالَـم، وليس ذلك كما تخيّلتموه وإنّما هي كالخصلةِ الواحدةِ التي لا اختلاف فيها؛ فيُتخَيّلُ تَرتّبُ بعضِها على بعض. قلنا: مَن أنكر المغايرة بين اليوم وأمس، وبين الدورة الماضية والدورة التي نحن فيها، وبين الابن والأب فقد جحد البديهةَ (ق30ب) وأنكر الحِسّ، ونحن إنّما نقيمُ الدلالةَ على حدث هذه الأجسام التي نشاهدُها وما يشاكلها مِن الأجسام التي غابَتْ عنا وهي مختلفةٌ متغايرةٌ مترتّبةٌ بعضها على بعض.
فإن قالوا: إنما تمتنع حوادثُ لا نهاية لها في أزمنة بلا نهاية. قلنا: سنعقد فصلًا في الزمان ونحلّ هذه العقدةَ فيه إن شاء الله.
فإن قالوا: إذا لـم يمتنع حادثٌ بعد حادثٍ بلا آخر، كذلك لا يمتنعُ حادثٌ قبلَه حادث بلا أوّل، يشيرون بهذا إلى حركات أهل الخُلْديْن(200) وأنّها مؤبدّة لا آخر لها.
قلنا: إنّما المستحيل أن يدخلَ في الوجود ما لا يتناهى أحادًا على التوالي، وليس في توقع الوجود في الاستقبال والمآل قضاء موجودٍ ما لا يتناهى، ولا يستحيل أن يدخل في الوجود من مقدورات الباري تعالى ما لا يحصره عدد ولا يحصيه أَمَدٌ، والذي يُحَقِّقُ ذلك: أنّ حقيقةَ الحادث ما له أوّلٌ، وإثباتُ الحوادث مع نفي الأوليّة تناقضٌ، وليس مِن حقيقة الحادث أن يكون له آخر.
ثم إنّ أصحابَنا ذكروا مِثالين في الوجهين فقالوا:
مثالُ حوادث لا أوّل لها بعضُها قبل بعض مثالُ قول القائل لمن يخاطبه: "لا أعطيكَ درهمًا إلّا أعطيكَ قبلَه دينارًا، ولا أعطيك ذلك الدينار حتى أعطيكَ قبلَه درهمًا"(201)، وليس لهذا أوّل فلا يُتصوّر أن يُعطيَ على حُكمِ شرطه دينارًا ولا درهمًا.
ومثال ما ألزمونا أن يقول القائل: "لا أعطيك دينارًا إلّا أعطيك بعده درهمًا ولا أعطيك درهمًا إلّا أعطيك بعده دينارًا" فيتصوّر أن يجري على حكم شرطه.
وكذلك إذا قال: "لا أدخل هذه الدار إلّا وأدخل بعدها أخرى، ولا أدخل تيك إلّا وأدخل بعدها أخرى" فذلك صحيح. وإذا قال: "لا أدخل هذه الدار إلّا وقد دخلت قبلها أخرى، ولا أدخل تيك إلّا وقد دخلت قبلَها أخرى بلا أوّل" كان مُحالًا وسَفْسَطَة.
فإذا ثبتت الأعراضُ وترتّب عليه حدوثُها، واستحالةُ عروّ الجواهر عنها، واستبان أنّ للحوادث أوّلًا، فيخرج من مضمون هذه الأصول أنّ الجواهرَ لا تخلو عمّا له أوّل، وإذا لـم تخلُ عنه لـم يسبقه، إذ لو سبقته لكانت عاريةً عنه، وما لـم يسبق ما له أوّل فله أوّل.
فإن قالوا: الحوادثُ التي نراها متعاقبة على الأجسام في وقتنا لا تدلّ على حدوث الأجسام، فالحوادث التي قبلها مثلها فإذا لـم يزل بعضُها لـم يزل سائرها. قلنا: الحوادث التي في وقتنا وقعت الجواهر قبلها فلـم تدلّ على حدوثها، وأول الحوادث لـم يسبقه الجواهر فدلّ على حدوثها.
فإن قيل: ما قلتموه لا يدلّ على تعيين أوّلٍ للجواهر تخصّصًا بوقتٍ، وإذا لـم يدلّ على تعيين وقت الحدوث فينبغي أن لا يدلّ على أصل الحدوث. قلنا: هذا ركيكٌ مِن الكلام، فإنّ الذي قلناه يستند إلى العِلـم الضروريّ فإنّه إذا ثبتَ استحالةُ تقدير حوادثَ متعاقبةٍ لا أوّل لها، وثبت استحالةُ وجود الجواهر عارية عنها، استبان على الضرورة استحالةُ سبقِها لها، فإذا لـم تسبق الجواهرُ الحادثَ شاركته في الحدوث وثبوت الأوليّة، فإنّ ما صاحب الحادث فهو حادِثٌ، على أنّا نقول: ليس مِن شرطِ معرفةِ الشىء تعيينُ وقتِه، فإنّ الكتابةَ تدلّ على الكاتب، والبناءَ يدلّ على الباني مع الذهاب عن الوقت الذي اتفق فيه الكتابة والبناء وكذلك في مسئلتنا.
فإن قيل: إذا قلتم ما لا(202) يعرى عن الحوادث حادثٌ، يلزم على قضيّةِ هذا القول أنّ ما لا يعرى عن اللون وجب أن يكون لونًا، وما لا يخلو عن العَرض وجب أن يكون عرضًا. قلنا: نحن(203) لـم نقل إنّ ما لا يخلو عن الحوادث يجب أن يكون حادثًا على الإطلاق لصورة اللفظ حتى تورد عليه التُرهات، لكنّا قلنا: إنّ ما لا يسبق الحادثَ حادثٌ وليس بأزليّ كما قدمناه، فليس نُلزَمُ على هذه العبارة شىءٌ مما يُلزمون، على أنّا وإن أطلقنا ذلك توسّعًا فهو ظاهرٌ، فإنّ الجوهرَ شارك الحادثَ في الحدوث والأوليّة وفيما له كان حادثًا، ولـم يشارك العرضَ فيما له كان عرضًا ولا اللون فيما كان له لونًا.
ولو قال قائل: "لـم يكن زيدٌ إلّا مع عمرو، ولـم يكن عمرو إلّا مع زيد"، فلزيد عشر سنين فوجب أن يكون لعمرو(ق31أ) عشر سنين لمشاركته إيّاه في هذه القضيّة، ولو قال: "لـم يكن زيد إلّا مع عمرو ولا عمرو إلّا مع زيد، وعلى رأس زيد قلنسوة حمراء" لـم يلزم مشاركةُ عمرو إيّاه في هذه القضيّة ولبس القلنسوة، ثم نقول: نحن أسندنا ما ادّعيناه مع تسليم الأصول الأربعة إلى البديهة فلا يُقبل عليه المعارضة والاعتراض بوجهٍ من الوجوه.
وقد تمسّك شيخُنا أبو الحسن رحمه الله بطريقةٍ وجيزةٍ جامعة لهذه الأصول فقال: "لو قدّرنا قِدَمَ الأجسام لـم تخلُ مِن خمسة أقسام: إمّا أن تكون مجتمعةً ثم افترقت، أو تكونَ مفترقةً ثم اجتمعت، أو تكونَ مجتمعةً مفترقةً معًا، أو تكونَ لا مجتمعةً ولا مفترقةً، أو تجتمعُ تارةً وتفترق أخرى لا إلى أوّل.
وبضرورة العقل يعلـم استحالة كونها مجتمعةً مفترقةً معًا، وكذلك يستحيل ثبوتها لا مجتمعةً ولا مفترقةً، ولا ساكنةً قارّةً ولا زائلةً عن أحيازها قارّة، ويستحيلُ كونُها مجتمعةً أو مفترقةً أزلًا، إذ لو كانت موصوفةً بأحدِ الوصفين لكانت موصوفةً به إمّا لأنفسها فيستحيل خروجُها عن الوصف النفسيّ مع بقاء النفس، وإمّا أن تكون موصوفةً لمعنى قديمٍ والعدمُ مستحيلٌ على القديم.
ولما رأينا تبدّلَ الأوصاف على الاختصاص واختلاف الأحكام عليها إذ وجدنا بعضَها مجتمعًا وبعضَها مفترقًا علمنا استحالةَ تقديرِ أزليّة هذه الأحكام، ويستحيلُ ثبوتُ بعضِ هذه الأوصاف لا للنفس ولا لمعنى إذ النفي المحضُ لا يوجب اختصاصًا ببعضِ الأحكام دونَ بعضٍ مع قبول الجواهر لها(204) على البدل، ومع العلـم بأنّ ذلك لا يثبت اتفاقًا، وقد أبطلنا قولَ مَن قال: لـم تزل تجتمعُ مرّةً وتفترق أخرى لا إلى أوّل، فإنّ ما عُلِّقَ وجودُه بمستحيلٍ كان مستحيلًا، وإذا بطلت هذه الأقسامُ استبان نفيُ الجواهر أزلًا"(205).
قال الأستاذ أبو إسحاق: "لا يُعقل وجودُ الأجسام لو قُدّر وجودُها أزلًا إلّا على وصفٍ ما مِن الحركةِ أو السكونِ أو الاجتماعِ أو الافتراقِ أو هيئةٍ مخصوصة، وفي وُجْداننا إيّاها الآن مختلفةَ الأحكام ما يدلّ على استحالةِ قِدَمِها". ه(206)
(195) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/81).
(196) سقطت من (أ) و(ب)، وهي هكذا في "الشامل" و"الغنية". انظر الجويني، الشامل، (ص/215). والأنصاري، الغنية، (1/317).
(197) 0() ؟؟
(198) هكذا في "الشامل"، ووقع في (أ) و(ب): "ونحوه من"، وما أثبته أوفق سياقًا. انظر الجويني، الشامل، (ص/217).
(199) سقطت من (ب).
(200) أراد المصنف الجنة والنار وأهلهما.
(201) وهذا مثال التسلسل المحال، وما يؤدي إلى المحال فهو محال.
(202) سقطت من (ب).
(203) سقطت من (ب).
(204) في (ب): "إنما".
(205) عزا الأنصاري في "الغنية" نصّ الإمام الأشعري هذا إلى كتابه "اللمع". انظر الأنصاري، الغنية، (1/324). والإمام الأشعري له ثلاثة كتب مسماة بهذا الاسم: "اللمع الصغير" و"اللمع الكبير" و"اللمع في الرد على أهل الزيغ" وهذا الأخير طبع، أما الأولان فمقودان، ولم أجد هذا النص في الكتاب المطبوع. انظر ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، (ص/130).
(206)