قال رضي الله عنه: "إذا أحاط العاقلُ بحدَثِ العالَـمِ، واستبان أنّ له صانعًا فيتعيّن عليه بعد ذلك النظرُ في ثلاثة أصول:

أحدها: يشتمل على ذِكرِ ما يجب لله تعالى مِن الصفات.

والثاني: يشتمل على ذِكرِ ما يستحيل عليه.

والثالث: ينطوي على ذِكرِ ما يجوز مِن أحكامه تعالى"(12).

وفيما ذكرناه آنفًا مِن افتقار الحوادث إلى مُقتضٍ فاطرٍ مختارٍ، وفي إبطال قول مَن قال: إن المقتضي جارٍ مجرى العِلل الموجِبَة معلولاتها تنبيهٌ على تعيين الصانع على الجملة، وأمّا العِلم بالتفصيل فيُتلّقى من الأصول الثلاثة التي ذكرناها".

وقد أشار الأستاذ أبو إسحاق رحمه الله إلى هذه الأصول فقال: "قال أهل الحقّ: إنّ الله تعالى موجودٌ حيٌّ عالـمٌ قادرٌ مريدٌ سميعٌ بصيرٌ متكلّمٌ، ليس بجسمٍ ولا جوهرٍ ولا يَشغلُ الحيّز، ولا يُتصوّر في الوهم، وليس له حدٌّ ولا جانب ولا يجوز عليه المحاذاة، ولم يزل ولا يزال بهذه الأوصاف لا يتغيّر عنها ولا شىءَ يشاركُه فيها".

قال: "وما ذكرناه من الصفات يختصّ هو بها واستحقّ مِن أجلها الإلـٰهيّة، وهي أنّ العبادة تصحّ له على الاختصاص إذ مَن له الخلْقُ والأمر، أو مَن إذا وُجِدَ الخلقُ كان منه، أو مَن نفذت مشيئته على وصفها، فهذه معاني الإلـٰهيّة"(13).

فإن قال قائلٌ: كيف يُدرك ما لا يتناهى بأوهامٍ متناهية؟ فقد اختلف في هذا السؤال جوابُ أهل الحقّ.

فقال قوم: إنّ البارئ سبحانه معلومٌ لنا على الحقيقة فيُعلم وجودُه، ويُعلم أنّا متى توهّمنا وجودَه وإن طالت الفكرةُ فيه كان سابقًا لِـمَا توهّمناه فلا غايةَ له، وكذلك صفاتُه معلومةٌ، ووجهُ عِلمِنَا بعلمِه وقدرته أن نعلم أنّ لهما في الجملة مِن المعلوم والمقدور ما لا نهاية له، وكذلك سائر صفاتِه.

ومنهم من يقول: أنّا وإنْ كُنّا نعلمُه فلا يَعلمه على الحقيقة إلّا هو.

قال الأستاذ: "والقولان متقاربان، فإنّ الذين قالوا: إنّا لا نعرفه على الحقيقة فمعْناهُم بذلك أنّ علومنا لا تتعرّف وجوده؛ إذ ليس للذات نهاية، والأزلُ لا يُدرك، ولا يستوفى ما يتعلّق بصفاته على التفصيل، فإنّها غيرُ متناهية في العدد، فهذا هو حقيقةُ العلم به"(14).

وقال الإمام: "ذهب قدماءُ المعتزلة إلى أن حقيقة الإلـٰه قِدَمُه وذلك خاصّ وصفه، وقال بعضُهم: "حقيقته وجوب وجوده". وقال أبو هاشم: "أخص وصف الإلـٰه حال هو عليها وهي توجب له كونَه حيًّا عالِـمًا قادرًا"، وهذا قولٌ مُبهمٌ لا بيان فيه.

وأمّا أصحابنا فقال بعضُهم: "حقيقتُه تَقَدّسُه عن مناسبة الحوادث في جهات الاتصالات".

وقال بعضهم: "حقيقته غناه".

وقال بعضهم: "حقيقته قيامُه بنفسه بلا نهاية".

وهذه العبارات تشير إلى نفي الحاجة.

وقال الأستاذ: "حقيقةُ الإلـٰه صفةٌ ثابتةٌ اقتضت له التنزّهَ عن مناسبة الحدثان (ق37أ)"(15).

قال الإمام: "وهو أيضًا فيه إيهام؛ ولأنّه تلقّى(16) مِن صفة النفي إثباتًا".

وحكى القاضي أبو جعفر السِّمَنَاني(17) عن القاضي أبي بكر رحمهما الله: "أنّ حقيقةَ الإلـٰه لا سبيل إلى إدراكها هذا الأوان"، وسنعود إلى هذا في كتاب الإدراكات.

وكان شيخنا أبو القاسم القشيريّ(18) يقول: "هو الظاهر بآياته الباطن فلا سبيل إلى إدراك حقيقته"(19).

قال الإمام: "لا شكّ في ثبوت وجودِه سبحانه، فأمّا الموجود المرسل مِن غير اختصاص بصفةٍ تميّزه عن غيرِه محالٌ"، قال: "ولكن ليس تتطرّق إليها العقولُ، فلا هي علمٌ هجميّ ولا عِلمٌ مبحوثٌ عنه، غير أنّا لا نقول: إنّ حقيقةَ الإلـٰه لا يَصحُّ العلم بها، فإنّه سبحانه يعلم حقيقةَ نفسِه، وليس للمقدور الممكن من مزايا العقول عندنا موقف ينتهي إليه، ولا يمتنع في قضيّة العقل مزيّة لو وجدت لاقتضت العِلمَ بحقيقة الإلـٰه تعالى"(20). ه.

القول فيما يجب لله تعالى مِن الصفات

قال الإمام رحمه الله: "اعلم أنّ صفاتِه تعالى منها نفسيّةٌ ومنها معنويّة، وحقيقة صفة النفس كلّ صفةِ إثباتٍ لذاتٍ لازمةٍ، ما تُثبِتُ النفسَ غير معلّلة. والصفات المعنويّة هي الأحكام الثابتة للموصوف بها المعلّلة بعِلَل قائمةٍ بالموصوف"(21).

اعلم أنّ الإمام جرى في هذا الباب على منهج القاضي في إثبات الأحوال، وبنى عليها المسائلَ المتعلّقةَ بها، فجعل تحيّزَ الجوهرِ صفةً ثابتةً له زائدةً على وجوده، وكذلك لونيّة العَرَض وسواديّته، وكون العرض عِلمًا وقدرةً وحياةً إلى غير ذلك مِن خصائص الأعراض، فجعلها كلَّها صفاتٍ نفسيّةً زائدةً على وجودها.

وأما نفاةُ الأحوال فإنّهم يطلقون صفةَ النفس ويعنون بها النفسَ لا غير، فيقولون: "صفة النفس ما يفيد النفس، وكلّ ما يَصحُّ وصفُ الشىء به فذلك صفتُه"، ثم يوصف الجوهر بأنّه جوهرٌ وذاتٌ ونفسٌ وثابتٌ وجرمٌ متحيّزٌ قائمُ بالنفس قابلٌ للعرض، وكذلك يُوصَفُ العَرضُ بأنّه مُحدَث وذاتٌ وعرضٌ وشىءٌ ونفسٌ وعينٌ ولونٌ وسوادٌ وعِلمٌ وقدرةٌ وحركةٌ وغيرُ ذلك، فهذه وأمثالُها مما توصف الأعراض بها صفات أنفس الأعراض وليست زائدةً على وجودها، فيُقال: موجُود ومحدَث لنفسِه، وجوهرٌ لنفسه، وعرضٌ لنفسه، وسوادٌ لنفسه، وعِلمٌ لنفسه، وقدرةٌ لنفسها، وحياةٌ لنفسها، وربما قالوا في حقيقة صفة النفس ما لا يُعقل النفسُ دونه.

فإن قيل: عِلم الإلـٰه سبحانه لا يُعقل وجوده دونه فاجعلوه مِن صفات النفس. قلنا: إنّما لا يعقل وجودُ الإلـٰه سبحانه دون العلم لأزليّةِ العلم، ووجوبِ وجوده لا لكونه صفةَ النفس، فإنّ العلمَ بوجوده سبحانه لا يتوقّف على العِلم بعلمه، والجهل بالعلم القديم ليس جهلًا بوجود الإلـٰه سبحانه، ثم مُثبتوا الأحوال ناقضوا في هذا الباب فجعلوا تحيّزَ الجوهر صفةً ثابتةً للجوهر زائدةً على وجوده، ولم يجعلوا قيامَه بالنفس صفةً ثابتةً له ولا حالًا مع أنّ الجوهرَ موصوفٌ به، وكذلك تردّدوا في أنّ قبولَه للعَرض هل هو مِن الصفات الثابتة أمْ لا؟ وقد أوضحنا أنّ الجوهرَ يُوصف بكثيرٍ من الأوصاف وليس ذلك أحوالًا له، وكذلك كون العِلم علّةً للعالِـم به، وكونُه ضِدًّا لـما يُضادّه ليس مِن الأحوال مع كونِه موصوفًا بهما.

وقوله: "وأمّا الصفات المعنويّة فهي الأحكامُ الثابتةُ للموصوف بها المعلّلةُ بعِللٍ قائمةٍ بالموصوف" وذلك نحوُ كون العالِـم عالِـمًا فإنّه مُعَلّلٌ بالعِلم القائم به (ق37ب)، فهو كما قال غير أنّا نذكرُ بعد هذا أنّ على مذهب نفاةِ الأحوال ليس مِن شرط العلّة قيامُها بذات من له الحكم منها.

ثم قال رحمه الله: "وسبيلنا أنْ نتعرّض في هذا المعتد لإثبات العِلم بالصفات النفسيّة الثابتة لله تعالى ونفتتحها بالنظر في ثبوت وجوده سبحانه".

فإن قال قائل: بم تنكرون على من يعتقد الصانعَ عدمًا. قلنا: العدم عندنا نفيٌ محضٌ وليس المعدومُ على صفةٍ مِن صفات الإثبات، ولا فرقَ بين نفي الصانع وبين تقديرِ صانعٍ منفيّ مِن كلّ وجه، بل نفيُ الصانع وإن كان باطلًا بالدليل القاطع فالقول به غيرُ متناقضٍ في نفسه والمصيرُ إلى إثبات صانعٍ منفيّ متناقضٌ.

وإنّما يلزم القولُ بالصانع المعدوم المعتزلةَ من حيث أثبتوا للمعدوم صفاتِ الإثبات، وقضوا بأنّ المعدومَ على خصائص الصفات.

قال: فالوجه أن لا يُعدّ الوجود مِن الصفات فإن الوجودَ نفسُ الذات، وليس بمثابةِ التحيّز للجوهرِ فإنّه صفةٌ زائدةٌ على ذات الجوهر، ووجودُ الجوهر عندنا نفسه مِن غير تقدير مزيد.

قال: "والأئمّة رضي الله عنهم مُتوسّعون في عدّ "الوجود" مِن الصفات، والعِلم به عِلمٌ بالذات" هذا ما ذكره الإمام في هذا الكتاب.

واعلم أنّ القاضي وإن أثبت الأحوال فلم يجعل الوجودَ حالًا، فإنّ العِلمَ به عِلمٌ بالذات.

وعند أبي هاشم ومتّبعيه "الوجود" مِن الأحوال وهو مِن أثر كون الفاعل قادرًا. وما قال الإمام مِن أنّ الأئمّةَ متوسّعون في عدّ "الوجود" مِن الصفات فإنّما قالوا ذلك لـما بيّنّاه مِن أنّ صفةَ النفس عندهم ما يُفيد النفسَ فلا فرق عندهم بين وجودِ الجوهر وبين تحيّزه. ه.

ومن الدليل على وجود الصانع سبحانه وتعالى أنّه موصوفٌ بالصفات القائمةِ به كالحياةِ والقدرةِ والعلمِ ونحوها وهذه الصفات مشروطةٌ بوجود محلّها، وقد يكون الشىءُ موجودًا ولا يكون مختصًّا بهذه الصفات، ويستحيل الاختصاصُ بهذه الصفات مِن غير تحقّقِ الوجود، ومما يحقّق ما قلناه قيامُ الدليل القاطع على أنّه فاعلٌ ومِن شرط الفاعل أن يكون موجودًا.


(12) ) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/؟؟).

(13) ) انظر الأنصاري، الغنية، (1/345).

(14) ) انظر الأنصاري، الغنية، (1/346).

(15) ) انظر الأنصاري، الغنية، (1/346).

(16) ) استاذ احمد

(17) ) هو القاضي أبو جعفر، محمد بن أحمد بن محمد السِّمَنَانيّ، ولد سنة (361ه/971ر). كان ثقة عالـمًا فاضلًا سخيّا حسن الكلام، عراقيّ المذهب ويعتقد في الأصول مذهب الأشعريّ، كان له في داره مجلس نظر يحضره الفقهاء ويتكلمون. حدث عن علي بن عمر السكري والدارقطني. مات بالموصل وهو على القضاء بها، وكانت وفاته في يوم الاثنين السادس من شهر ربيع الأول من سنة (444ه/1052ر). انظر الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، (2/217). والسمعاني، الأنساب، (7/240).

(18) ) هو الإمام الأستاذ زين الإسلام أبو القاسم، عبد الكريم بن هوزان بن عبد الملك القشيريّ النيسابوريّ. ولد سنة (376ه/986ر). كان أصوليًّا فقيهًا حافظًا مفسّرًا نحويًا. درس الأصول على ابن فورك والإسفراييني، وأخذ الفقه عن أبي بكر الطوسيّ، وأخذ التصوّف عن أبي عليّ الدقاق فأصبح رأسًا في الكلام والتصوّف على طريقة الإمام الأشعريّ رضي الله عنه. سمع الحديث من أبي الحسين الخفاف والحاكم وغيرهما. روى عنه الخطيب البغداديّ وأبو عبد الله الفراوي وخلق كثير غيرهما. له مصنّفات منها تفسير القرءان "لطائف الإشارات" و"الرسالة القشيريّة" التي وصفها السبكيّ بأنها طارت مغربًا ومشرقًا. توفي سنة (465ه/1072ر). انظر الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، (12/366). وابن السبكيّ، طبقات الشافعيّة، (5/153-159).

(19) ) انظر القشيري، لطائف الإشارات، (3/531-532).

(20) )

(21) ) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/؟؟؟).