قال الإمام: "إذا تبيّن حدثُ العالَـم، وثبت أنّه مُفتتحُ الوجود، فالحادِث جائزٌ وجودُه، وكلّ وقتٍ صادف وقوعُه كان مِن الممكن تقدّمُه عليه بأوقاتٍ، ومن الجائز استئخار وجودِه عن وقته لساعات، فإذا وقع الوجودُ الجائزُ بدلًا عن استمرار العدم المجوَّز، قَضَت العقولُ ببدائهها بافتقاره إلى مُخصّصٍ خصّصه بالوقوع، وذلك مستبينٌ على الضرورة ولا حاجةَ فيه إلى التمسّكِ بسبيل النظر"(1)، هذا ما قاله رحمه الله.

وأمّا الأصحاب فإنّهم سلكوا مسلكيْن في التوصّل إلى العِلم بالصانع، فسلك بعضهم طريق الاستدلال، وسلك آخرون طريقَ إسناد العِلم بالمحِدِث إلى ضرورة العقل مع تقدير العِلم بحدَث العالَـم. فيقولون: "بعدما ثبت حدَثُ العالَـم، المحدَثُ لا يقع بنفسه قَطْعًا بل لا بدّ له مِن مُحْدِثٍ على الجُملة".

والذي اعتمده الإمام رحمه الله في إثبات مَقْصِدِه فهو ضربٌ مِن الاستدلال غيرَ أنّه يقول: "العلم الحاصلُ عَقِيب النظر الصحيح يقع ضرورةً"، والنظرُ الصحيح عنده هو أن يكون التقسيم دائرًا بين النفي والإثبات، ونحن نرى الـمحدثاتِ يتقدّم بعضُها في الوجود على البعض، ويتأخّر بعضُها عن بعضٍ، فلولا تعلّقُها بقصدِ قاصدٍ إلى تقديم ما تقدّم، وتأخير ما تأخّر، لم يكن تقدُّمُ ما تقدّم أولى مِن تأخّرِه، وتأخّر ما تأخّر أولى مِن تقدّمِه. ولأنّ حقيقةَ الـمُحْدَث ما ابْتُدأ عن أوّلٍ، فلولا تعلّقُه بمحدثِه ومُبدئِه لم يكن بأن يحدث أولى بأن لا يحدث، فوجب إذا اختصّ بالثبوت أن يكون مُتَعلِّقًا بقصد مُحْدِثِه، ولأنها وقعت على صفاتٍ تصحّ أن تقع على خلافِها،

فلولا تعلّقها بـموقِعها الذي أوقعَها كذلك لم يكن وقوعُها على بعض الصفات أولى مِن وقوعِها على خلافِها وكان الذي بعد أنْ لم يكن واختصّ كونُه بوقتٍ أو تقدير وقت، فلا يخلو إمّا أن يُقَدّر وجودُه في الوقت المخصوص الـمُعَيّن واجبًا أو يُقدّر جائزًا، والقسم الأول باطلٌ، فإنّه لو وجب(2) له الوجودُ في الوقت المخصوص لَـمَا كان هو بوجوب الوجود له أولى مِن سائر ما يُماثلُه، إذ مِن حُكم المتماثلات استواءها في الواجبات والجائزات، فلو وجب الوجودُ لجوهرٍ في وقتٍ لَلزِمَ ذلك في كلّ جوهرٍ حتى تُوجَدَ الجواهرُ دفعة واحدة، وكذلك القول في الأعراض المتماثلةِ المتجانسةِ. فلمّا وجدنا التماثلات يتقدّم بعضُها على بعضٍ ويتأخّر بعضُها عن بعض استبان بذلك أنّ الوجودَ غيرُ واجب لشىء منها.

ومما يوضِحُ ذلك أنّ تقديرَ وجوبِ الوجود في وقتٍ كتقديره في وقت آخر إمّا قبلَه وإمّا بعده إذ الأوقاتُ فيما تبغيه في حكم المتماثلات، ووجه ادعاء الوجوب في بعضها كوجه إدعائه في سائرها، ووجوب الوجود ليس يتقاربُ في نفسه ولا معنى لاختصاص وجوبِ الوجود لوقتٍ دون وقت.

والذي يحقّق ما قلناه: أن المصير إلى وجوب وجود الحادث يقضي إلى القول باستحالةِ ما عُلِمَ جوازُه بضرورةِ العقل، ومَن زعم أنّ الذي يتحقّق عدمُه سابقًا إلى غير أوّل ثم فرضَ الكلامَ في وقت يماثلُ ما قبله من الأوقات ويُشاكل ما بعده مِن الأوقات (ق35ب) وقال: كان العدمُ جائزًا في الوقت الذي قبل هذا الوقت، ثم استحال العدمُ في هذا الوقت مع تماثل الوقتيْن وعدم تأثيرهما، فما يتحقّق فيهما من عدمٍ ووجودٍ ولم يثبت موجب ولا مقتضٍ لم يكن ثابتًا قبلُ، ومع هذه القواعد يستحيلُ استمرارُ العدم في الوقت الـمُعَيّن فقد خرج عن ضرورة العقل، والمصير إلى وجوب وجود ما ثبت عدمُه كالمصير إلى وجوبِ عَدَمِ القديم في وقت مخصوص.

فإن قيل: ما أنكرتم على مَن يقول: المحدَث واجب الوجود في حال حدوثه، وواجب العدم في حال عدمِه. قلنا: هذا محال؛ فإنّ الواجب ما استحال نقيضُه، والذي وُجِدَ الآن كان جائزًا أن يوجدَ قبلَه بوقتٍ، وبالضرورة يُعلم إضافةُ وجودِ الحادِث إلى هذا الوقت جوازًا وصحّةً كإضافته إلى ما قبلَه مِن الأوقات أو إلى ما بعده منها، ثم الوجودُ والعدمُ كالمتمانعيْن ولا يجوز أن تكون عِلّتُهما شيئًا واحدًا وهو الجواز ه؛ لاستوائهما في هذه القضيّة فلا سبيل إلى وقوعِهما معًا لتمانعهما، ولا يترجّح أحدُهما على الآخر مِن غير مقتضٍ ومخصّص.

فإن قيل: ما أنكرتم أنّ الوجود إنّما تُحقّق بدلًا من الانتفاء المجوَّز لنفسه. قلنا: إنّ الوجودَ لو تحقّق لنفس الحادث لَـمَا اختصّ بذلك آحادٌ من جنس، ولوجب اضطرادُ هذا الحكم في جميع الجنس لتساوي أنفس المتماثلات في الصفات، ألا ترى أنّ الجوهر لـمّا تحيّز بنفسه وجب أنْ يتحيّز كلُّ جوهر،ٍ فلمّا عَلِمْنَا تقدّمَ بعضِ الجواهر وتأخّرَ بعضِها وَضَح بذلك بطلان المصير إلى أنّ ما يُوجد منها يُوجد لنفسه.

فإن قيل: إنّما حدث لمعنى أوجب حدوثه. قلنا: أهو مِن الأعراض أم عَبّرتَ به عن مُخصّص؟ٍ فإنْ زعم أنّه عبارةٌ عن التخصيص فقد ارتفعَ الخِلاف في المعنى، وإنْ زعم أنّه عرضٌ فإنْ كان قديمًا وَجبَ قِدَمُ مُقتضاه، وإنْ كان حادثًا أفضى إلى معنى آخر ثم يتسلسل.

فإنْ قيل: إنّما حدث لجوازه. فقد أجبنا عنه: فإنّ استمرارَ العدم في حقّه جائزٌ أيضًا، وكذلك ثبوته في وقتٍ آخر أو بوصف آخر.

وإن قيل: حدث لا لنفسِه ولا لمعنى. قلنا: هذا محال، فإنّه مهما سُلّم جوازُ الوجود وجواز العدم بدلًا منه مع الإعتراف بتماثل الأوقات وعدم تأثيرها في الوجود والعدم ثم قال مع ذلك بثبوت الوجود في وقت مخصوص مِن غير مُخصّصٍ ومِن غير تأثير مؤثّرٍ(3) فقد جَحَد الضرورة.

وقال الأستاذ أبو إسحاق: "كلّ ما يثبت مِن غير علّة ولم يتحقّق منعٌ في سائر الأوقات وجب أن يقعَ لا محالة عند ارتفاع الموانع وكان واجبَ الثبوت كالقديم، لأنّ نسبته في خاصيّة الوجود إلى كافّة الأحوال نسبةٌ واحدة"(4).

قال: "ثم لا يجوز أن يكون ذات الشىء هو المحدِثُ نفسَه؛ لأنّه لو أحدثها في حالة العدم كان مُحالًا؛ لأنّ المعدومَ لا يجوز أن يكون فاعلًا، وقد عُلِمَ أنّ الشىء متى حصل موجودًا فقد استغنى بنفسِه عن السبب الموجِد له".

فإن قيل: لو وجب افتقارُ الحدوث إلى المحدِث وجب افتقارُ العدم إلى الـمُعدِم. قلنا: لِـمَ قلتم ذلك ونحن قد خصّصنا كلامَنا بالأوقات والأوصاف فلا يلزمنا ما قلتموه لفظًا ولا معنى، على أنّا لو قلنا: الـمحدَث جائزُ الوجود والعدم، فإذا اختصّ بالوجود بدلًا مِن الانتفاء(5) المجوّز اقتضى مُخَصِّصًا، ولا يلزم على هذا افتقارُ العدم إلى مُعْدِم، لأنّ العدم نفيٌ محضٌ مِن كلّ وجهٍ وليس بموصوف في نفسِه ولا صفة لغيره، فإذا لم يتحقّق فيه وجهُ ثبوتٍ فلا معنى لتعلّق التخصيص به، إذ التخصيص لا بُد له مِن مُخصّص والمخصِّص ثابت، والعدم منتفٍ والنفي المحض لا يجوز أن يكون مِن أثر القدرة فإنّ أثر القدرة ما كان فِعلًا، والعدم ليس بفعل أصلًا، لكن يجوز أن يكون متعلَّقًا للعلم والإرادة على ما سنذكره في كتاب الإرادة.

فإن قيل: كيف يستقيم منكم إثباتُ المحدِث غائبًا مع نفيكم الإحداث (ق36أ) والمحدَث شاهدًا، إذ سبيل إثباتُ الحكم غائبًا ردُّه إلى الشاهد، وما أثبتّموه شاهدًا مِن الاكتساب(6) أحلتموه غائبًا، وما أثبتّموه غائبًا أحلتموه شاهدًا. قلنا: عندنا لا يجوز الحكم في الغائب بأمرٍ يكون في الشاهد قياسًا، بل إنْ قام دليلٌ على أمر حَكمْنا به شاهدًا كان أو غائبًا، وتعلّق الحادث بالمحدِث مِن الوجه الذي قدمّناه متحقّقٌ مِن غير تعرّضٍ لشاهدٍ وغائبٍ، إذ الحدوثُ الجائزُ يفتقر مِن وجهِ جوازِه إلى مُخصّصٍ مِن غير أن يخطرَ للناظر المستدِلّ تثبيت فعلٍ شاهدًا، ثم لو صحّ ما قالوه لَلَزِم نفي مخترع للجواهر غائبًا مِن حيث لم نجد في الشاهد مخترعًا للأجسام.

فإن قالوا: ثبوت الاختراع في الأعراض يدلّ على ثبوته في الأجسام. قلنا: إنْ جاز لكم الاستدلال بخلْق الأعراض على خلْق الأجسام مع اختلاف الأجناس فلا يبعد الاستدلالُ أيضًا بتعلّق قدرتنا على تعلّق قدرة البارئ سبحانه، وإن اختلف وجهُ تعلّق القدرتيْن، ثم الذي قالوه يجرّ إلى الدهر والإلحاد فإنّ قائلًا لو قال: لم نجد إلـٰهًا شاهدًا فلا سبيل إلى إثباتِه غائبًا أصلًا،كذلك إذا قالت المجسّمةُ لم نجدْ في الشاهد فاعلًا إلّا جسمًا محدودًا ذكرًا أو أنثى لَزم القضاءُ بذلك غائبًا.

وقد استدلّ شيخنا أبو الحسن على إثبات العِلم بالصانع بطريقة لا بأس بها فقال: "النُطفة إذا انقلبت عن حالها فصارت عَلَقةً ثم مُضغةً وذكر أطوار الخلق ثم قال: لا يخلو والحالةُ هذه إمّا أن تكون النُطفةُ هي التي(7) تقلِب نفسَها مِن حال إلى حالٍ، وإمّا أنْ يكون الأبوان يقلِّبانها، وإمّا أن يُقال: انقلبت هي بنفسِها من غير مُقتضٍ، أو يقال لا بُدّ لها مِن فاطر ينقلُها ويغيرُها مِن حالٍ إلى حال، وبطل أنْ يُقالَ النُطفةُ هي التي تقلِّب نفسَها مِن حالٍ إلى حال.

فإنّ الإنسانَ بعد ما استكمل قِواه لا يَقْدِرُ على نقْل نفسِه مِن حالٍ إلى حال ولا على زيادةٍ ونُقصان، وإذا عجز عنه في حال كمالِه كان عنه في حال قُصُورِه أعجز، كيف والأحوال تتعاقب عليه ومعظمُها مما يكرهُه ولا سبيلَ له إلى دفعِ ذلك، وكذلك الأبوان قد يتمنّيان الولدَ فلا يكون ويكرهانه فيكون، ويتمنّيان الذكرَ فيكون أنثى، وأن يكون تامّ الخِلْقة فيكون ناقصَ الخِلْقة فبطل إسنادُ التغيّر إليهما.

وباطلٌ أن يُقال: النُطفةُ تكوّنت كذلك، إذ لو ساغ ذلك لساغ للعاقل أن ينتظرَ حتى يصير الترابُ لَبِنَةً، ثم يتركّب مِن اللَبِنَات بناءٌ مُحْكمًا وقصرًا مَشيدًا مِن غير بانٍ ولا مخصِّص قاصد.

قال: ومَن جوّز ذلك كان في تيه الجهل والِـجًا وعن المعقول خارجًا، ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾ (8)"(9)

وقد تمسّك شيخنُا بطريقة وجيزة عجيبة فقال: "كرةُ الأرض محفوفة بالماء والهواء والنّار، وجملتها محفوفة بجرم الفلك على زعم الخصم، فهي إذًا أجرامٌ متحيّزةٌ شاغلة جزءًا، ثم باضطرارٍ يُعْلم أن فرْض هذه الأجرام متيامنة عن مقرّها أو مُتياسرة أو غير ذلك مِن الجهات ليس مِن مستحيلات العقول، ومن أبدى مِراءً في استواء هذه الأحياز وطمع في إثبات قضيّةٍ عقليّة تُوجب اختصاص الأجرام بالخلاءِ الذي هي شاغلةٌ له دون فرْض خلاءٍ في الجهات الأربع التي ذكرناها فقد أبدى صفحةَ العِناد. وإذا تبيّن ذلك فكلّ مختصٍّ بوجهٍ مِن وجوه الجوازِ مُفتقرٌ إلى مُختصٍّ بضرورات العقول، مستوون في العلم الضروريّ بافتقارِ الواقع على وجهٍ مِن وجوه الجواز إلى مقتضٍ، وإنّما الكلامُ في تعيين المقتضي"(10).

قال: وإذا تمهّد ما أردناه لم يخلُ المقتضي الموجب اختصاصَ الأجرام بحيّزها إمّا أن يكون مُقتضيًا على حكم الإيجاب كالطبع عند مُثبتة الموجب أثره، أو كالعلّة عند القائلين بها الموجبة معلولها مِن غير فرض إيثارٍ واختيار، وهذا إن صار إليه صائرٌ باطل.

فإنّ الموجب إن كان قديمًا يجب قِدَمُ موجبِه لاستحالة استئخار المعلول عن العلّة، أو التأثير عن الطبع المؤثّر إذا لم يكن مانع وقد دللنا على حدوث الآثار.

وإن كان المقتضي محدَثًا فالكلام في افتقاره إلى مقتضٍ آخر كالكلامِ في افتقار (ق36ب) العالَـم إلى المحدِث ويتسلسل. وأيضًا فإنّ ما ثبت موجبًا عن موجب فسبيل ثبوته ألّا ينقدح في العقل غيرُ ثبوته على الوجه الذي ثبت عليه.

وإذا أوضحنا استواء الأحياز فلو فرضنا المقتضي علّة فما لها اقتضت تخصّص الأجرام بهذه الأحياز دون أمثالها، فإنّ الموجِب لا يتحيّزُ بين مثليْن. وإذا بطل ذلك وثبت الافتقارُ إلى مقتضٍ فلا وجه إلّا المصير إلى مؤثّرٍ(11) مختارٍ، وهذا قاطعٌ إذا تأمّلتَه فاستبان أنّ مأخذ حدثِ العالَـم جوازه، وانبنى عليه أنّ مأخذ العِلم بالـمُحدِث افتقارُ الجواز إليه، وهذه طريقةٌ متينةٌ حسنةٌ وعليها أسئلة فمن أراد الإحاطة بها فليُطالع كتاب التلخيص.


(1) ) انظر الجويني، الإرشاد، (ص/؟؟).

(2) ) في (ب): "وقت".

(3) ) في (ب): "مريد".

(4) ) انظر الجويني، الشامل، (ص/267).

(5) ) في (ب): "الافتقار".

(6) ) استاذ احمد، في "أ" وما أثبتوه شاهدا من لاكتساب".

(7) ) سقطت من (ب).

(8) ) [الواقعة: ٥٨ – ٥٩].

(9) ) الأشعري، اللمع، (ص/؟؟).

(10) )

(11) ) في (ب): "مريد".