مُقَدِّمَةٌ
اعْلَمْ أَخِى الْمُسْلِم أَنَّ عِلْمَ الدِّينِ هُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ عِلْمُ الدِّينِ حَيَاةُ الإِسْلامِ مَنْ أَهْمَلَهُ كَانَ مِنَ الْخَاسِرِينَ وَمَنْ تَعَلَّمَهُ وَعَمِلَ بِهِ كَانَ مِنَ النَّاجِينَ وَهُوَ أَفْضَلُ مَا تُقْضَى بِهِ نَفَائِسُ الأَوْقَاتِ فَالرَّسُولُ ﷺ الَّذِى هُوَ أَعْلَمُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ اللَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُ بِطَلَبِ الِازْدِيَادِ مِنَ الْعِلْمِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ اللَّهُ تَعَالَى فِى الْقُرْءَانِ الْكَرِيمِ بِطَلَبِ الِازْدِيَادِ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا مِنَ الْعِلْمِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ الْعِلْمِ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ أَىْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ رَبِّ زِدْنِى عِلْمًا.
ثُمَّ الْعَبْدُ يُسْأَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَلْ تَعَلَّمَ عِلْمَ الدِّينِ الَّذِى فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَمَنْ تَعَلَّمَ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ وَعَمِلَ بِهِ سَعِدَ وَنَجَا أَمَّا مَنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ أَوْ أَهْمَلَ الْعَمَلَ بَعْدَ أَنْ تَعَلَّمَ فَهَذَا خَسِرَ وَهَلَكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (أَىْ لا يَنْتَقِلُ عَنْ مَوْقِفِ الْحِسَابِ) حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَ أَبْلاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ.
فَمَنْ أَفْنَى عُمُرَهُ فِى طَاعَةِ اللَّهِ وَأَبْلَى جَسَدَهُ فِيمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَحَفِظَهُ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَأَخَذَ الْمَالَ مِنْ حَلالٍ وَصَرَفَهُ فِى الْحَلالِ وَعَمِلَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ فَهُوَ مِنَ الْفَائِزِينَ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. نَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْهُمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ كِتَابَ بُغْيَةِ الْمُحْتَاجِ كِتَابٌ عَظِيمُ النَّفْعِ فِى الْعَقِيدَةِ وَالأَحْكَامِ فِيهِ بَيَانُ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَبَيَانُ أَحْكَامِ الْعِبَادَاتِ وَفِيهِ ذِكْرُ الْقَوَاعِدِ الَّتِى يُعْرَفُ بِهَا الْكُفْرُ وَفِيهِ بَيَانُ مَعَاصِى الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ وَشَىْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الْمُعَامَلاتِ وَفِيهِ ذِكْرُ السُّنَنِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَفِيهِ شَرْحٌ لِبَعْضِ السُّوَرِ وَالآيَاتِ وَشَرْحٌ لِأَلْفَاظِ الصَّلاةِ وَبَعْضِ مَعَانِى الأَدْعِيَةِ وَالأَذْكَارِ.
كِتَابُ الْعَقِيدَةِ وَالرِّدَّةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ.
(1) مَا هُوَ الْفَرْضُ الْعَيْنِىُّ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ.
الْفَرْضُ الْعَيْنِىُّ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ هُوَ الْقَدْرُ الَّذِى يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ فَإِذَا أَهْمَلَ تَحْصِيلَهُ يَكُونُ عَاصِيًا مُسْتَحِقًّا لِلْعَذَابِ فِى النَّارِ وَهُوَ عِلْمُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّـةُ الإِيمَانِ وَصِحَّـةُ الْعِبَادَاتِ مِنْ وُضُوءٍ وَصَلاةٍ وَصَوْمٍ وَزَكَاةٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَحَجٍ أَرَادَهُ وَعِلْمُ مَا يُبَاشِرُهُ مِنْ مُعَامَلَةٍ كَبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ إِجَارَةٍ وَعِلْمُ مَا يَتَلَبَّسُ بِهِ وَلَوْ نَفْلًا كَذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ لِأَنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَدْخُلَ فِى شَىْءٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنْهُ وَمَا حَرَّمَ وَمَعْرِفَةُ وَاجِبَاتِ الْقَلْبِ وَمَعَاصِى الْجَوَارِحِ أَىِ الأَعْضَاءِ كَاللِّسَانِ وَغَيْرِهِ وَمَعْرِفَةُ الْكُفْرِيَّاتِ لِلْحَذَرِ مِنْهَا وَمَعْرِفَةُ كَيْفِيَّةِ التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ. وَتَحْصِيلُ هَذَا الْعِلْمِ يَكُونُ بِالتَّعَلُّمِ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الثِّقَاتِ لا بِطَرِيقِ الْمُطَالَعَةِ فِى الْكُتُبِ لِلأَمْنِ مِنَ الْغَلَطِ وَالتَّحْرِيفِ لِقَوْلِهِ ﷺ يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَعَلَّمُوا فَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ وَالْفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِىُّ. بَيَّنَ الرَّسُولُ ﷺ فِى هَذَا الْحَدِيثِ طَرِيقَ تَعَلُّمِ عِلْمِ الدِّينِ فَقَالَ فَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ وَإِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ لِلْحَصْرِ مَعْنَاهُ طَرِيقُ تَحْصِيلِ عِلْمِ الدِّينِ هُوَ التَّعَلُّمُ.
وَمَعْنَى التَّعَلُّمِ سَمَاعُ الْعِلْمِ مِنْ أَفْوَاهِ أَهْلِ الْعِلْمِ الثِّقَاتِ. أَمَّا الْجَهْلُ بِعِلْمِ الدِّينِ فَلَيْسَ عُذْرًا، لَوْ كَانَ الْجَهْلُ عُذْرًا لَكَانَ الْجَهْلُ خَيْرًا مِنَ الْعِلْمِ وَهَذَا خِلافُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَلَوْ كَانَ الْجَاهِلُ يُعْذَرُ لِجَهْلِهِ عَلَى الإِطْلاقِ لَكَانَ الْجَهْلُ أَفْضَلَ لِلنَّاسِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
(2) مَنْ هُوَ الْمُكَلَّفُ شَرْعًا.
الْمُكَلَّفُ هُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الَّذِى بَلَغَهُ أَصْلُ دَعْوَةِ الإِسْلامِ أَىْ بَلَغَهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ سَوَاءٌ بَلَغَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ أَوْ بِمَا يُعْطِى مَعْنَاهُ. وَعَلامَاتُ الْبُلُوغِ بِالنِّسْبَةِ لِلذَّكَرِ خُرُوجُ الْمَنِىِّ أَوْ بُلُوغُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً قَمَرِيَّةً وَعَلامَاتُ الْبُلُوغِ بِالنِّسْبَةِ لِلأُنْثَى خُرُوجُ الْمَنِىِّ أَوْ دَمِ الْحَيْضِ أَوْ بُلُوغُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً قَمَرِيَّةً.
وَالْمَنِىُّ لَهُ عَلامَاتٌ خُرُوجُهُ بِلَذَّةٍ يَعْقُبُهَا انْكِسَارُ الشَّهْوَةِ وَخُرُوجُهُ بِتَدَفُّقٍ وَهُوَ الِانْصِبَابُ بِشِدَّةٍ شَيْئًا فَشَيْئًا وَلَهُ رَائِحَةُ الْعَجِينِ حَالَ كَوْنِهِ رَطْبًا وَرَائِحَةُ بَيَاضِ الْبَيْضِ حَالَ كَوْنِهِ جَافًّا وَهَذِهِ عَلامَاتٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَالْمَنِىُّ سَائِلٌ لا رُوحَ فِيهِ وَقَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ إِنَّ الْمَنِىَّ فِيهِ رُوحٌ أَوْ هُوَ حَيَوَانٌ مَنَوِىٌّ بَاطِلٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ أَىْ نُطَفًا لا رُوحَ فِيهَا ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ أَىْ فِى الأَرْحَامِ ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ أَىْ عِنْدَ انْقِضَاءِ ءَاجَالِكُمْ ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أَىْ لِلْبَعْثِ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ (أَىْ مَا يُخْلَقُ مِنْهُ) فِى بَطْنِ أُمِّهِ (أَىْ فِى رَحِمِهَا) أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً (أَىْ مَنِيًّا سَائِلًا يَتَفَرَّقُ ثُمَّ يَجْتَمِعُ فِى مُدَّةِ الأَرْبَعِينَ) ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ (أَىْ يَكُونُ قِطْعَةَ دَمٍ طَرِيَّةً تَعْلَقُ بِالرَّحِمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا) ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ (أَىْ يَكُونُ قِطْعَةَ لَحْمٍ قَدْرَ مَا يُمْضَغُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا) ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ (أَىْ يَنْفُخُ الرُّوحَ فِى الْجَنِينِ بِأَمْرِ اللَّهِ بَعْدَ التَّشَكُّلِ بِشَكْلِ ابْنِ ءَادَمَ فَيَصِيرُ حَيًّا) رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ. فَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَنِىَّ لا رُوحَ فِيهِ لِأَنَّ الرُّوحَ يُنْفَخُ فِى الْجَنِينِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْحَمْلِ.
(3) بَيِّنْ أَهَمِيَّةَ تَعَلُّمِ عِلْمِ الدِّينِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْخَيْرَ كُلَّ الْخَيْرِ بِتَعَلُّمِ عِلْمِ الدِّينِ فَهُوَ دَلِيلُ الْعَمَلِ وَطَرِيقُ تَصْحِيحِهِ فَالْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ قَالَ سَيِّدُنَا عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَلِّمُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمُ الْخَيْرَ، أَىْ عِلْمَ الدِّينِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِىُّ، مَعْنَاهُ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا أَىْ رِفْعَةً فِى الدَّرَجَةِ رَزَقَهُ الْعِلْمَ بِأُمُورِ دِينِهِ.
فَمَنْ تَعَلَّمَ عِلْمَ الدِّينِ وَعَمِلَ بِهِ فَهُوَ عَلَى خَيْرٍ عَظِيمٍ أَمَّا مَنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمَ الدِّينِ فَهُوَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمَ الدِّينِ كَيْفَ يَضْمَنُ صِحَّةَ إِيمَانِهِ وَعِبَادَاتِهِ، إِنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ مَا هُوَ الْكُفْرُ كَيْفَ يَضْمَنُ بَقَاءَهُ عَلَى الإِسْلامِ، إِنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ مَا هِىَ الْمُحَرَّمَاتُ كَيْفَ يَجْتَنِبُهَا وَإِذَا وَقَعَ فِيهَا كَيْفَ يَتُوبُ مِنْهَا. فَهَذَا
سَيِّدُنا عَبْدُ القَادِرِ الْجِيلانِىّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَعبُدُ اللَّهَ فِى خَلْوَةٍ فَجَاءَهُ الشَّيطانُ عَلَى هَيْئَةِ نُورٍ عَظِيمٍ وَقَالَ لَهُ يَا عَبدِى يَا عَبْدَ القَادِر قَدْ أَسْقَطْتُ عَنْكَ الْفَرَائِضَ وَأَحْلَلْتُ لَكَ الْمُحَرَّمَاتِ فَقَالَ لَهُ سَيِّدُنَا عَبْدُ القَادِرِ خَسِئْتَ يَا لَعِين أَىْ فَشِلْتَ وَخَابَ سَعْيُكَ أَىْ مَا تَسْعَى إِلَيْهِ فَاخْتَفَى الضَّوْءُ وَبَقِىَ الصَّوْتُ وَقَالَ لَهُ الشَّيطَانُ لَقَدْ غَلَبْتَنِى بِعِلْمِكَ يَا عَبْدَ الْقَادِرِ وَإِنِّى قَدْ أَغْوَيْتُ أَرْبَعِينَ عَابِدًا بِهَذِهِ الطَّرِيقَة.
سَيِّدُنَا الْعَارِفُ بِاللَّهِ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلانِىّ عَرَفَ بِعِلْمِهِ أَنَّهُ الشَّيْطَان لِأَنَّهُ كَانَ تَعَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء فَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ نُورًا بِمَعْنَى الضَّوْءِ بَلْ هُوَ خَالِقُ النُّورِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ أَىْ خَلَقَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، وَالَّذِى كَلَّمَهُ كَلَّمَهُ بِصَوْتٍ أَمَّا كَلامُ اللَّهِ الَّذِى هُوَ صِفَتُهُ فَلَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً لا يُبْتَدَأُ وَلا يُخْتَتَمُ لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ سُكُوتٌ أَوْ تَقَطُّعٌ لَيْسَ شَيْئًا يَسْبِقُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَيَتَأَخَّرُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ. عَرَفَ الْحَقَّ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلانِىُّ بِعِلْمِ الدِّينِ فَغَلَبَ الشَّيْطَانَ.
(4) اذْكُرْ حَدِيثًا فِى فَضْلِ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ.
رَوَى الْحَافِظُ التِّرْمِذِىُّ فِى جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَجُلانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِى عَلَى أَدْنَاكُمْ (أَىْ فَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ مَنْزِلَةِ الْعَالِمِ وَمَنْزِلَةِ الْعَابِدِ كَمَا أَنَّ بَيْنَ مَنْزِلَةِ الرَّسُولِ وَمَنْزِلَةِ أَدْنَى الصَّحَابَةِ مَنْزِلَةً فَرْقٌ كَبِيرٌ) وَإِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ حَتَّى الْحِيتَانَ فِى الْبَحْرِ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِى النَّاسِ الْخَيْر.
هَذَا الْعَابِدُ كَانَ حَقَّ الْعَابِدِ وَهَذَا الْعَالِمُ كَانَ حَقَّ الْعَالِمِ وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ الرَّسُولُ ﷺ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِى عَلَى أَدْنَاكُمْ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ لِأَنَّ الْعَابِدَ وَإِنْ كَانَ يَعْمَلُ الْعِبَادَةَ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ فَهُوَ يُفِيدُ نَفْسَهُ أَمَّا الْعَالِمُ فَيُفِيدُ نَفْسَهُ وَيُفِيدُ غَيْرَهُ لِذَلِكَ كَانَ لَهُ مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.
فَعَلَيْكُمْ بِتَعَلُّمِ عِلْمِ الدِّينِ فَإِنَّهُ سَبِيلُ النَّجَاةِ فَالإِنْسَانُ الَّذِى يُرِيدُ النَّجَاةَ فِى الآخِرَةِ وَيُرِيدُ النَّجَاةَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ لا بُدَّ أَنْ يَتَعَلَّمَ عِلْمَ الدِّينِ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الثِّقَاتِ فَقَدْ قَالَ الإِمَامُ الْجَلِيلُ مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ. سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِى هُوَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ عَلَّمَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ الرَّسُولُ ﷺ عَلَّمَ الصَّحَابَةَ وَالصَّحَابَةُ عَلَّمُوا التَّابِعِينَ.
فَلا يَنْبَغِى لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَشْبَعَ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لا يَشْبَعُ مُؤْمِنٌ مِنْ خَيْرٍ يَسْمَعُهُ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الْجَنَّة. اللَّهُمَّ فَقِّهْنَا فِى الدِّينِ وَأَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ مَعَ الأَوَّلِينَ.
(5) مَا هِىَ عَاقِبَةُ مَنْ أَهْمَلَ تَعَلُّمَ عِلْمِ الدِّينِ.
مَنْ أَهْمَلَ تَعَلُّمَ عِلْمِ الدِّينِ قَدْ يَقَعُ فِى التَّشْبِيهِ فَيَخْلُدُ فِى نَارِ جَهَنَّمَ إِنْ مَاتَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَنْ يُشَبِّهُ اللَّهَ تَعَالَى بِخَلْقِهِ فَهُوَ كَافِرٌ لا تَصِحُّ عِبَادَتُهُ لِأَنَّهُ يَعْبُدُ شَيْئًا تَخَيَّلَهُ وَتَوَهَّمَهُ فِى مُخَيِّلَتِهِ وَأَوْهَامِهِ قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِىُّ لا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْمَعْبُودِ، أَىْ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ بَلْ يُشَبِّهُهُ بِخَلْقِهِ بِالضَّوْءِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَاكِنٌ فِى السَّمَاءِ أَوْ أَنَّهُ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ أَوْ يَصِفُهُ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ فَهَذَا عِبَادَتُهُ تَكُونُ لِشَىْءٍ تَخَيَّلَهُ فِى مُخَيِّلَتِهِ فَيَكُونُ مُشْرِكًا بِاللَّهِ فَلا تَصِحُّ عِبَادَتُهُ.
(6) مَا هُوَ الْفَرْضُ الْكِفَائِىُّ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ.
الْفَرْضُ الْكِفَائِىُّ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ هُوَ الْقَدْرُ الَّذِى يَجِبُ تَحْصِيلُهُ عَلَى بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ وَلا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ بِعَيْنِهِ كَمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ غَسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ وَمَعْرِفَةِ الأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ فِى إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَمَعْرِفَةِ الأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُحَرِّفِينَ لِلدِّينِ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَيْهِ وَهُمْ لَيْسُوا مِنْهُ وَمَعْرِفَةِ الأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُلْحِدِينَ أَىِ الْمُنْكِرِينَ لِوُجُودِ اللَّهِ الَّذِينَ لا يَنْتَسِبُونَ إِلَى الإِسْلامِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُشَكِّكُوا الْمُسْلِمِينَ فِى صِحَّةِ دِينِهِمْ.
(7) مَا هُوَ أَفْضَلُ الْعُلُومِ.
أَفْضَلُ الْعُلُومِ عَلَى الإِطْلاقِ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِى يُعْرَفُ بِهِ مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ وَمَا لا يَلِيقُ بِهِ وَمَا يَلِيقُ بِأَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَمَا لا يَلِيقُ بِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ قَدَّمَ الأَمْرَ بِمَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ عَلَى الأَمْرِ بِالِاسْتِغْفَارِ وَفِى ذَلِكَ دِلالَةٌ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ هُوَ أَجَلُّ الْعُلُومِ وَأَعْلاهَا وَأَوْجَبُهَا وَقَدْ خَصَّ النَّبِىُّ ﷺ نَفْسَهُ بِالتَّرَقِّى فِى هَذَا الْعِلْمِ فَقَالَ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ،
فَكَانَ هَذَا الْعِلْمُ أَهَمَّ الْعُلُومِ تَحْصِيلًا وَأَحَقَّهَا تَبْجِيلًا وَتَعْظِيمًا وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الْعِلْمُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ رَوَاهُ الإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِىُّ فِى تَفْسِيرِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَحْكَمْنَا ذَاكَ قَبْلَ هَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ، أَىْ أَتْقَنَّا عِلْمَ التَّوْحِيدِ قَبْلَ عِلْمِ فُرُوعِ الْفِقْهِ.
(8) مَا مَعْنَى التَّوْحِيدِ.
التَّوْحِيدُ هُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ فِى ذَاتِهِ وَوَاحِدٌ فِى صِفَاتِهِ وَوَاحِدٌ فِى فِعْلِهِ أَىْ ذَاتُهُ لا يُشْبِهُ ذَوَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ لِأَنَّهُ لَيْسَ جِسْمًا مُؤَلَّفًا مِنْ أَجْزَاءٍ وَصِفَاتُهُ لا تُشْبِهُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ لِأَنَّهَا أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةُ لا بِدَايَةَ وَلا نِهَايَةَ لَهَا وَفِعْلُهُ لا يُشْبِهُ فِعْلَ الْمَخْلُوقَاتِ لِأَنَّ فِعْلَ اللَّهِ أَزَلِىٌّ قَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ أَىْ لِلَّهِ صِفَاتٌ تَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ لا تُشْبِهُ صِفَاتِ غَيْرِهِ وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِعْلُهُ تَعَالَى (أَىْ تَخْلِيقُهُ) صِفَةٌ لَهُ فِى الأَزَلِ وَالْمَفْعُولُ (أَىِ الْمَخْلُوقُ) حَادِثٌ (أَىْ وُجِدَ بَعْدَ عَدَمٍ).
(9) مَا هِىَ أَهَمُّ مَسَائِلِ الْعَقِيدَةِ.
اعْلَمْ أَنَّ أَهَمَّ مَسَائِلِ الْعَقِيدَةِ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ مُشَابَهَةِ الْخَلْقِ وَتَوْحِيدُ اللَّهِ فِى الْفِعْلِ وَإِثْبَاتُ الْكَلامِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِى يَلِيقُ بِهِ. وَتَوْحِيدُ اللَّهِ فِى الْفِعْلِ مَعْنَاهُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَلا خَالِقَ سِوَاهُ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ الْخَلْقَ بِمَعْنَى الإِبْرَازِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ لا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ إِذَا رَجَعَ مِنْ غَزْوٍ يَقُولُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ نَصَرَ عَبْدَهُ وَأَعَزَّ جُنْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ،
أَىْ حَصَلَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ مَعَ أَنَّ الرَّسُولَ وَالصَّحَابَةَ ظَاهِرًا هُمُ الَّذِينَ هَزَمُوا الْكُفَّارَ فِى الْمَعْرَكَةِ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ فَنَفَى اللَّهُ الرَّمْىَ عَنِ الرَّسُولِ مِنْ جِهَةِ الْخَلْقِ وَأَثْبَتَهُ لَهُ مِنْ جِهَةِ الِاكْتِسَابِ فَقَدِ اجْتَمَعَ النَفْىُ وَالإِثْبَاتُ فِى الآيَةِ مِنْ جِهَتَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْخَلْقِ وَمِنْ جِهَةِ الْكَسْبِ.
أَخَذَ الرَّسُولُ ﷺ فِى إِحْدَى الْغَزَوَاتِ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ وَرَمَاهَا فِى وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ فَمَلَأَتْ عُيُونَهُمْ فَنَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ أَىْ وَمَا رَمَيْتَ يَا مُحَمَّدُ خَلْقًا ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ يَا مُحَمَّدُ كَسْبًا ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أَىْ خَلْقًا. وَلَوْلا هَذَا التَّأْوِيلُ لَكَانَ فِى الآيَةِ تَنَاقُضٌ وَكَلامُ اللَّهِ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّنَاقُضِ. وَهَذِهِ الآيَةُ مِنْ أَقْوَى الأَدِلَّةِ فِى إِبْطَالِ عَقِيدَةِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ الِاخْتِيَارِيَّةَ أَىْ يُحْدِثُهَا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَهِىَ مِنْ أَبْشَعِ الْعَقَائِدِ الْكُفْرِيَّةِ.
(10) مَا هِىَ أَعْلَى الْوَاجِبَاتِ وَأَفْضَلُهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
أَعْلَى الْوَاجِبَاتِ وَأَفْضَلُهَا هُوَ الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. أَمَّا حَدِيثُ التِّرْمِذِىِّ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلاةُ فِى أَوَّلِ وَقْتِهَا فَمَعْنَاهُ أَنَّ الصَّلاةَ هِىَ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ بَعْدَ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
(11) مَا هُوَ خَيْرُ مَا يَتَزَوَّدُ بِهِ الْمُسْلِمُ لِآخِرَتِهِ.
اعْلَمْ أَنَّ خَيْرَ مَا يَتَزَوَّدُ بِهِ الْمُسْلِمُ لِآخِرَتِهِ هُوَ التَّقْوَى قَالَ تَعَالَى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ وَالتَّقْوَى هِىَ أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ وَسَبِيلُ التَّقْوَى هُوَ الْعِلْمُ، فَالذَّكِىُّ هُوَ الَّذِى يَأْخُذُ مِنْ دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أَىْ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الزَّادِ لِلآخِرَة وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، أَىِ الذَّكِىُّ الْفَطِنُ هُوَ مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَىْ أَدُّوا الْوَاجِبَاتِ وَاجْتَنِبُوا الْمُحَرَّمَاتِ وَمِنْ جُمْلَةِ الْوَاجِبَاتِ تَعَلُّمُ الْعِلْمِ الشَّرْعِىِّ ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أَىْ لِيَنْظُرِ الْمَرْءُ مَا يُعِدُّ وَيُقَدِّمُ لِآخِرَتِهِ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ فَيَنْبَغِى أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ. قَالَ الإِمَامُ عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا وَهِىَ مُدْبِرَةٌ وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ وَهِىَ مُقْبِلَةٌ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُون فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا الْيَوْمَ الْعَمَلُ وَلا حِسَاب وَغَدًا الْحِسَابُ وَلا عَمَل رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ فِى كِتَابِ الرِّقَاقِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾ أَىْ خَلَقَهُمْ لِيَأْمُرَهُمْ بِعِبَادَتِهِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَاءَ لِلْجَمِيعِ أَنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ. فَاللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ وَقَدَّرَ لَهُمْ ءَاجَالًا فَطُوبَى لِمَنِ اسْتَعَدَّ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَتَزَوَّدَ مِنْ دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ وَخَيْرُ الزَّادِ التَّقْوَى.
(12) مَا هُوَ الدِّينُ الْمَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ.
الدِّينُ الصَّحِيحُ الْمَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ الإِسْلامُ وَهُوَ دِينُ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ مِنْ أَوَّلِهِمْ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إِلَى ءَاخِرِهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ أَىْ أَنَّ الدِّينَ الصَّحِيحَ الَّذِى ارْتَضَاهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِنَ الْبَشَرِ وَالْجِنِّ وَالْمَلائِكَةِ هُوَ الإِسْلامُ وَمَا سِوَاهُ مِنَ الأَدْيَانِ فَهُوَ بَاطِلٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أَىْ مَنِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ دِينًا غَيْرَ دِينِ الإِسْلامِ فَهُوَ خَاسِرٌ فِى الآخِرَةِ وَدِينُهُ بَاطِلٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
(13) تَكَلَّمْ عَنِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ.
اعْلَمْ أَنَّ رَبَّنَا عَزَّ وَجَلَّ مَوْجُودٌ لا كَالْمَوْجُودَاتِ فَلا يُتَصَوَّرُ فِى الْعُقُولِ وَالأَذْهَانِ لَيْسَ جِسْمًا وَلا رُوحًا وَلا ضَوْءًا مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَجْمِ وَالْكَمِيَّةِ وَالْمِقْدَارِ وَالْمِسَاحَةِ وَالْحَدِّ لَيْسَ لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَسَمْكٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ جِسْمًا مُؤَلَّفًا مِنْ أَجْزَاءٍ مُنَزَّهٌ عَنِ اللَّوْنِ وَالشَّكْلِ وَالْهَيْئَةِ وَالصُّورَةِ وَالأَعْضَاءِ لا يَحُلُّ فِى شَىْءٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ لا يَسْكُنُ السَّمَاءَ وَلا الْعَرْشَ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ بِلا جِهَةٍ وَلا مَكَانٍ خَلَقَ الْعَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَلَمْ يَتَّخِذْهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ.
لا مَثِيلَ لَهُ وَلا شَبِيهَ فِى ذَاتِهِ وَلا فِى صِفَاتِهِ وَلا فِى فِعْلِهِ. صِفَاتُهُ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لا تَتَغَيَّرُ، لا يَتَّصِفُ بِصِفَاتِ الأَجْسَامِ كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ وَالدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ. خَلَقَ الْعَالَمَ بِأَسْرِهِ وَلا يَحْتَاجُ إِلَى شَىْءٍ مِنْ خَلْقِهِ وَلا يَدْخُلُ شَىْءٌ فِى الْوُجُودِ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وكُلُّ شَىْءٍ يَحْصُلُ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فَهُوَ الْخَالِقُ وَلا خَالِقَ سِوَاهُ وَلا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ إِلَّا هُوَ.
قَدِيمٌ بِلا ابْتِدَاءٍ دَائِمٌ بِلا انْتِهَاءٍ حَىٌّ لا يَمُوتُ قَيُّومٌ لا يَنَامُ عَالِمٌ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَا يُحْدِثُهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ فَلا يُعْجِزُهُ شَىْءٌ يَسْمَعُ كُلَّ الْمَسْمُوعَاتِ بِسَمْعٍ أَزَلِىٍّ بِلا أُذُنٍ وَلا ءالَةٍ أُخْرَى وَلَيْسَ بِسَمْعٍ يَحْدُثُ فِى ذَاتِهِ عِنْدَ وُجُودِ الْحَادِثَاتِ وَيَرَى كُلَّ الْمَرْئِيَّاتِ بِبَصَرِهِ الأَزَلِىِّ بِلا حَدَقَةٍ وَلا ءَالَةٍ أُخْرَى فَلا يَحْدُثُ فِى ذَاتِهِ بَصَرٌ كَمَا يَحْصُلُ لِلْمَخْلُوقِ. كَلَّمَ نَبِيَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا بِلا لِسَانٍ وَلا شَفَتَيْنِ وَكَلامُهُ لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً لا يُبْتَدَأُ وَلا يُخْتَتَمُ لَيْسَ بِمُتَعَدِّدٍ وَلا مُتَجَزِّئٍ وَإِنَّمَا هُوَ كَلامٌ وَاحِدٌ مَوْجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا.
(14) اذْكُرْ دَلِيلًا مِنَ الْقُرْءَانِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ جِسْمًا كَثِيفًا وَلا لَطِيفًا.
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ جِسْمًا كَثِيفًا كَالسَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَيْسَ جِسْمًا لَطِيفًا كَالظُّلَمَاتِ وَالنُّورِ بَلْ هُوَ خَالِقُ الأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ وَاللَّطِيفَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾. فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ كَثِيفٌ أَوْ لَطِيفٌ فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ. وَالْجِسْمُ الْكَثِيفُ هُوَ الَّذِى يُجَسُ بِالْيَدِ أَمَّا اللَّطِيفُ فَلا يُجَسُّ بِالْيَدِ.
وَأَكْثَرُ الْمُشَبِّهَةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ كَثِيفٌ كَالإِنْسَانِ وَبَعْضُهُمْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ جِسْمٌ لَطِيفٌ كَالْهَوَاءِ فَهَذِهِ الآيَةُ وَحْدَهَا تَكْفِى لِلرَّدِّ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ الْفَرِيقِ الْقَائِلِ بِأَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ كَثِيفٌ وَالْفَرِيقِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ جِسْمٌ لَطِيفٌ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ.
(15) اذْكُرْ قَوْلَ الإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ فِى تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْجِسْمِ.
قَالَ الإِمَامُ أَبُو الْفَضْلِ الْبَغْدَادِىُّ التَّمِيمِىُّ فِى كِتَابِهِ اعْتِقَادُ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِالْجِسْمِ (أَىْ فِى حَقِّ اللَّهِ) وَقَالَ إِنَّ الأَسْمَاءَ (أَىْ أَسْمَاءَ الأَشْيَاءِ) مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ وَاللُّغَةِ وَأَهْلُ اللُّغَةِ وَضَعُوا هَذَا الِاسْمَ (أَىْ أَطْلَقُوا لَفْظَ الْجِسْمِ) عَلَى ذِى طُولٍ وَعَرْضٍ وَسَمْكٍ وَتَرْكِيبٍ وَصُورَةٍ وَتَأْلِيفٍ وَاللَّهُ تَعَالَى خَارِجٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ (أَىْ مُنَزَّهٌ عَنْهُ) فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسَمَّى جِسْمًا لِخُرُوجِهِ عَنْ مَعْنَى الْجِسْمِيَّةِ وَلَمْ يَجِئْ فِى الشَّرِيعَةِ ذَلِكَ (أَىْ لَمْ يَجِئْ فِى الشَّرِيعَةِ إِطْلاقُ الْجِسْمِ عَلَى اللَّهِ) فَبَطَلَ (أَىْ تَسْمِيَتُهُ بِالْجِسْمِ).
(16) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الإِسْلامَ شَرْطٌ لِقَبُولِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ وَجَاءَ فِى صَحِيحِ مُسْلِم عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَان كَانَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ قَالَ لا يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدِّين، مَعْنَاهُ مَا كَانَ يُؤْمِنُ بِالْيَوْمِ الآخِرِ فَاعْتَبَرَ الرَّسُولُ ﷺ عَمَلَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جُدْعَانَ مِنَ التَّصَدُّقِ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ وَصِلَةِ الرَّحِم وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الْخَيْرِ غَيْرَ نَافِعٍ لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ جُدْعَانَ هُوَ مِنْ عَشِيرَةِ سَيِّدِنَا أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ فِى بَدْءِ أَمْرِهِ مُفْسِدًا شِرِّيرًا مُؤْذِيًا حَتَّى إِنَّ أَبَاهُ مِنْ شِدَّةِ مَا كَرِهَهُ وَمَلَّ مِنْهُ قَالَ لَهُ أَمَامَ جَمْعٍ مِنَ النَّاسِ أَنْتَ لَسْتَ ابْنِى ثُمَّ طَرَدَهُ فَكَرِهَ الْحَيَاةَ فَقَالَ أَطْلُبُ الْمَوْتَ فَخَرَجَ خَارِجَ مَكَّةَ فَتَوَجَّهَ إِلَى جَبَلٍ فَوَجَدَ شَقًّا قَالَ أَدْخُلُ هَذَا الشَّقَّ لَعَلَّ فِيهِ مَا يُرِيحُنِى مِنَ الْحَيَاةِ فَدَخَلَ فَوَجَدَ ثُعْبَانًا كَبِيرًا عَيْنَاهُ جَوْهَرَتَانِ مُضِيئَتَانِ فَظَنَّهُ ثُعْبَانًا حَقِيقِيًّا فَاقْتَرَبَ مِنْهُ فَوَجَدَهُ ثُعْبَانًا مَصْنُوعًا مِنْ الذَّهَبِ وَوَجَدَ فِى الشَّقِّ رِجَالًا لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَان وَكَانُوا هَارِبِينَ مِنْ مَلِكٍ قَصَدَ بِلادَهُمْ وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهُ فَأَخَذُوا مَا أَخَذُوا مِنَ الْمَالِ وَالذَّهَبِ وَدَخَلُوا هَذَا الشَّقَّ لِيَعِيشُوا فِيهِ إِلَى أَنْ يَمُوتُوا أَوْ يَأْتِىَ الْفَرَج.
وَوَجَدَ ابْنُ جُدْعَانَ كَوْمًا مِنْ ذَهَبٍ وَكَوْمًا مِنْ فِضَّةٍ فَأَخَذَ مِنَ الذَّهَبِ مَا اسْتَطَاعَ فِى رِدَائِهِ وَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَصَارَ يُوَزِّعُ الذَّهَبَ بَيْنَهُمْ فَأَحَبُّوهُ وَجَعَلُوهُ سَيِّدًا لَهُمْ. صَارَ يُحْسِنُ إِلَى النَّاسِ وَيَقْرِى الضَّيْفَ وَيَصِلُ أَرْحَامَهُ فَكَانَ مَشْهُورًا بِهَذَا بَيْنَ الْعَرَب لَكِنْ بِمَا أَنَّهُ كَانَ عَلَى عِبَادَةِ الْوَثَنِ وَلَمْ يَكُنْ يُؤْمِنُ بِالْيَوْمِ الآخِرِ أَىْ كَانَ كَافِرًا لا يُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ فَلا يَنْفَعُهُ شَىْءٌ مِنْ عَمَلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَجَاءَ فِى صَحِيحِ الْبُخَارِىِّ أَنَّ رَجُلًا مُشْرِكًا أَرَادَ أَنْ يُقَاتِلَ مَعَ قَوْمِهِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُ أَمْ أُسْلِمُ فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ أَسْلِمْ، فَأَسْلَمَ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا، أَىْ لِأَنَّهُ نَالَ الشَّهَادَةَ بَعْدَ أَنْ هَدَمَ الإِسْلامُ كُلَّ ذَنْبٍ قَدَّمَهُ فَالْفَضْلُ لِلإِسْلامِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُسْلِمْ لَمْ يَنْفَعْهُ أَىُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ.
قَالَ الْغَزَالِىُّ لا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْمَعْبُودِ أَىْ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ بَلْ يُشَبِّهُهُ بِخَلْقِهِ أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَاكِنٌ فِى السَّمَاءِ أَوْ أَنَّهُ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ أَوْ يَصِفُهُ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ فَهَذَا عِبَادَتُهُ تَكُونُ لِشَىْءٍ تَخَيَّلَهُ فِى مُخَيِّلَتِهِ فَيَكُونُ مُشْرِكًا بِاللَّهِ فَلا تَصِحُّ عِبَادَتُهُ كَالْوَهَّابِيَّةِ أَدْعِيَاءِ السَّلَفِيَّةِ. هَؤُلاءِ الْوَهَّابِيَّةُ عِنْدَهُمْ إِثْبَاتُ أَصْلِ الْجُلُوسِ لِلَّهِ لَيْسَ تَشْبِيهًا لَهُ بِخَلْقِهِ فَيَقُولُونَ اللَّهُ جَالِسٌ لا كَجُلُوسِنَا فَأَيْنَ عُقُولُهُمْ الْجُلُوسُ كَيْفَمَا كَانَ هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ،
كَيْفَ يُقَالُ اللَّهُ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ هَذَا شَتْمٌ لِلَّهِ، عَلَى زَعْمِهِمْ عَظَّمُوا اللَّهَ، هَذَا لَيْسَ تَعْظِيمًا جَعَلُوهُ كَخَلْقِهِ لَهُ نِصْفٌ أَعْلَى وَنِصْفٌ أَسْفَل خَلْقُهُ يَجْلِسُونَ الْبَقَرُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَالْبَشَرُ وَالْجِنُّ وَالْمَلائِكَةُ يَجْلِسُونَ، جَعَلُوهُ كَخَلْقِهِ مَا مَدَحُوهُ.
فَالَّذِى يَصِفُ اللَّهَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ لا يَكُونُ مُسْلِمًا لِأَنَّهُ شَتَمَ اللَّهَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى شَتَمَنِى ابْنُ ءَادَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَفَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّاىَ فَقَوْلُهُ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. عَظَمَةُ اللَّهِ أَنَّهُ لا يُشْبِهُ شَيْئًا.
(17) مَنْ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ هُمُ الصَّحَابَةُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ فِى الْمُعْتَقَدِ أَىِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا سُنَّةَ النَّبِىِّ ﷺ أَىْ شَرِيعَتَهُ أَىْ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْعَقِيدَةِ وَالأَحْكَامِ وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فَهُمُ الْجُمْهُورُ الْغَالِبُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلَى مِلَّتِهِ ﷺ. وَأَغْلَبُ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الإِسْلامِ عَلَى هَذِهِ الْعَقِيدَةِ فَهِىَ عَقِيدَةُ جُمْهُورِ الأُمَّةِ. أَمَّا الْمُخَالِفُونَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَهُمُ الْمُبْتَدِعَةُ فِى الِاعْتِقَادِ فَإِنَّهُمُ افْتَرَقُوا إِلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كَمَا أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِذَلِكَ فِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِى رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى على اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِى إِلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ فِى النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً وَهِىَ الْجَمَاعَةُ،
أَىِ السَّوَادُ الأَعْظَمُ وَهُمْ جُمْهُورُ الأُمَّةِ الَّذِينَ لَمْ يَخْرُجُوا فِى أُصُولِ الْعَقِيدَةِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ وَأَصْحَابُهُ. وَالْمُبْتَدِعَةُ فِى الِاعْتِقَادِ هُمْ كَالْمُشَبِّهَةِ الَّذِينَ يَصِفُونَ اللَّهَ بِصِفَاتِ الْبَشَرِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ الِاخْتِيَارِيَّةَ أَىْ يُحْدِثُهَا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَالْخَوَارِجِ الْقَائِلِينَ بِتَكْفِيرِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ وَسَائِرِ الْفِرَقِ الَّتِى شَذَّتْ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ وَأَصْحَابُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى حَدِّ الْكُفْرِ.
لَكِنْ هَؤُلاءِ كُلُّهُمْ يَدْخُلُونَ النَّارَ كَمَا أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ فَالْمُنْتَسِبُ إِلَى فِرَقِ الضَّلالَةِ وَإِنْ كَانَ لا يَعْتَقِدُ عَقَائِدَهُمُ الْكُفْرِيَّةَ وَمَاتَ مُسْلِمًا لا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلا ثَوَابَ لَهُ فِى أَعْمَالِهِ حَتَّى يَتْرُكَ بِدْعَتَهُ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّؤُوفِ الْمُنَاوِىُّ وَاسْتَدَلَّ الْمُنَاوِىُّ بِقَوْلِهِ ﷺ أَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ ذِى بِدْعَةٍ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتَهُ رَوَاهُ الْحَافِظُ السُّيُوطِىُّ.
(18) مَنْ هُمُ الأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ.
اعْلَمْ أَنَّ الأَشَاعِرَةَ وَالْمَاتُرِيدِيَّةَ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالأَشَاعِرَةُ هُمْ أَتْبَاعُ الإِمَامِ أَبِى الْحَسَنِ الأَشْعَرِىِّ فِى الْعَقِيدَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ هُمْ أَتْبَاعُ الإِمَامِ أَبِى مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِىِّ وَعَقِيدَتُهُمْ هِىَ عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَقِيدَةُ مِئَاتِ الْمَلايِينِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ فِى شَرْحِ إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ وَحَيْثُ أُطْلِقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَالْمُرَادُ بِهِمُ الأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ.
وَالإِمَامُ الأَشْعَرِىُّ وَالإِمَامُ الْمَاتُرِيدِىُّ هُمَا إِمَامَا أَهْلِ السُّنَّةِ لَخَّصَا عَقِيدَةَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَنَصَبَا عَلَيْهَا الأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ وَالنَّقْلِيَّةَ مِنَ الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ وَنَاظَرَا فِرَقَ الضَّلالِ فَكَسَرُوهُمْ فَفَرِحَ أَهْلُ السُّنَّةِ فِى الدُّنْيَا فَصَارُوا يَنْسُبُونَ أَنْفُسَهُمْ إِلَيْهِمَا. اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَدَحَ أَهْلَ السُّنَّةِ فِى الْقُرْءَانِ الْكَرِيمِ بِقَوْلِهِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فَشَمَلَ هَذَا الْمَدْحُ الأَشَاعِرَةَ وَالْمَاتُرِيدِيَّةَ.
وَمَدْحُ الأَشَاعِرَةِ بِالْخُصُوصِ وَرَدَ فِى الآيَةِ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ الْبُخَارِىُّ وَالْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بنُ عَسَاكِرَ فِى كِتَابِهِ تَبْيِينُ كَذِبِ الْمُفْتَرِى أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أَشَارَ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ وَقَالَ هُمْ قَوْمُ هَذَا. فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ الأَشَاعِرَةَ فِى هَذِهِ الآيَةِ وَمَدَحَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ هُمْ قَوْمُ هَذَا.
فَالإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِىُّ هُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الصَّحَابِىِّ الْجَلِيلِ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ وَالإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ وَأَتْبَاعُهُ هُمْ مِنْ قَوْمِ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ. وَأَمَّا مَدْحُ الْمَاتُرِيدِيَّةِ فَقَدْ وَرَدَ فِى حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ وَلَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ. وَالَّذِى فَتَحَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ (أَىِ اسْطَنْبُول) الْعَالِمُ الْوَلِىُّ مُحَمَّدٌ الْفَاتِحُ أَحَدُ السَّلاطِينِ الْعُثْمَانِيِّينَ وَكَانَ مَاتُرِيدِيًّا وَكَانَ جَيْشُهُ أَشَاعِرَةً وَمَاتُرِيدِيَّةً وَالسُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ الْفَاتِحُ كَانَ يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِىِّ ﷺ وَيَتَبَرَّكُ بِآثَارِهِ الشَّرِيفَةِ كَشَعَرِهِ وَسَيْفِهِ وَجُبَّتِهِ وَعِمَامَتِهِ وَكُلُّ هَذَا شِرْكٌ عِنْدَ الْمُشَبِّهَةِ الْوَهَّابِيَّةِ. فَلَوْ كَانَ الأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ عَلَى ضَلالٍ مَا كَانَ مَدَحَهُمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ تَكْفِيرَ الأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ هُوَ تَكْفِيرٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
(19) مَا هُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ.
أَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ إِنْ كَانَ كَافِرًا الدُّخُولُ فِى دِينِ الإِسْلامِ فَوْرًا بِأَنْ يَتَبَرَّأَ مِنَ الْكُفْرِ وَيَنْطِقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِلِسَانِهِ إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى النُّطْقِ وَلا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ نَفْسَهُ عَنِ الدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ لِأَجْلِ الْغُسْلِ أَوْ غَيْرِهِ وَلا يَكُونُ لَهُ عُذْرًا أَنْ يُؤَخِّرَ نَفْسَهُ عَنِ الدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ لِيُفَكِّرَ فِى حَقِّيَّةِ الإِسْلامِ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَنِ.
وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الإِسْلامِ بِأَنْ يَجْتَنِبَ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ وَابْنُ حِبَّانَ، أَىْ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْعِدَهُ اللَّهُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ فَلْيَثْبُتْ عَلَى الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الْمَمَاتِ. وَيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يُؤَدِّىَ جَمِيعَ الْوَاجِبَاتِ وَأَنْ يَجْتَنِبَ جَمِيعَ الْمُحَرَّمَاتِ.
(20) كَيْفَ يَكُونُ الدُّخُولُ فِى الإِسْلامِ.
الدُّخُولُ فِى الإِسْلامِ يَكُونُ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِاللِّسَانِ مَعَ التَّصْدِيقِ بِمَعْنَاهُمَا بِالْقَلْبِ لِقَوْلِهِ ﷺ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. قَالَ الْحَافِظُ النَّوَوِىُّ مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ كَافِرٌ مُخَلَّدٌ فِى النَّارِ بِالإِجْمَاعِ، كَأَبِى طَالِبٍ عَمِّ النَّبِىِّ ﷺ فَإِنَّ
النَّبِىَّ دَخَلَ عَلَيْهِ فِى مَرَضِ وَفَاتِهِ وَقَالَ لَهُ يَا عَمِّ قُلْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ فَلَمْ يَفْعَلْ بَلْ قَالَ لَوْلا أَنْ تُعَيِّرَنِى بِهَا نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْش لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ (أَىْ لَوْلا أَنِّى أَخَافُ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِىَّ نِسَاءُ قُرَيْشٍ بَعْدَ مَمَاتِى وَأَنْ يَقُولُوا فِىَّ لَقَدْ تَرَكْتُ دِينَ ءَابَائِى لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ أَىْ لَأَفْرَحْتُكَ وَأَفْرَحْتُ عَيْنَيْكَ بِإِسْمَاعِكَ الشَّهَادَتَيْنِ) إِنِّى عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَىْ عَلَى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ.
وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَلِّبِ جَدُّ النَّبِىِّ مُشْرِكًا مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ الَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ الأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ وَلَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا، لَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَمَا سَكَتَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ كَانَ قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَلِّبِ لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِكُمْ، ثُمَّ لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ جَاءَ سَيِّدُنَا عَلِىٌّ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ وَفِى رِوَايَةٍ الشَّيْخَ الْكَافِرَ فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ اذْهَبْ فَوَارِهِ، أَىْ فَادْفِنْهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يَتَرَحَّمْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ.
وَلْيُعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَصَمَ الأَنْبِيَاءَ مِنْ أَنْ تَمِيلَ قُلُوبُهُمْ إِلَى مَحَبَّةِ ذَاتِ كَافِرٍ فَالأَنْبِيَاءُ لا يُحِبُّونَ ذَوَاتِ الْكُفَّارِ. وَالْكَافِرُ إِنِ اعْتَقَدَ الْحَقَّ ولَمْ يَنْطِقْ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِعَجْزٍ فَهُوَ كَمَنْ نَطَقَ.
(21) كَيْفَ نَدْعُو الْكَافِرَ إِلَى الإِسْلامِ.
مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الشَّىْءَ الَّذِى يُمَيِّزُ الإِنْسَانَ عَنِ الْبَهَائِمِ أَنَّ الإِنْسَانَ لَهُ عَقْلٌ. فَلَوْ فَكَّرَ الإِنْسَانُ بِعَقْلِهِ فِى هَذَا الْعَالَمِ لَعَرَفَ أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ حَادِثٌ أَىْ مَخْلُوقٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَتَغَيَّرُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ. فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعَالَمَ مَخْلُوقٌ عَلِمْنَا أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى خَالِقٍ خَلَقَهُ لِأَنَّ الشَّىْءَ لا يَخْلُقُ نَفْسَهُ. فَإِذَا كَانَ لا يُعْقَلُ وُجُودُ كِتَابَةٍ وَبِنَاءٍ مِنْ غَيْرِ فَاعِلٍ فَكَيْفَ يُعْقَل وُجُودُ هَذَا الْعَالَمِ بِلا خَالِقٍ.
فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ لِهَذَا الْعَالَمِ خَالِقًا خَلَقَهُ أَىْ أَبْرَزَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَهَذَا الْخَالِقُ لا يُشْبِهُ الْعَالَمَ بِأَىِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، لا يُتَصَوَّرُ فِى الْعُقُولِ وَالأَذْهَانِ، لا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَتَصَوَّرَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ. فَكَمَا أَنَّ الإِنْسَانَ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَصَوَّرَ وُجُودَ وَقْتٍ لَيْسَ فِيهِ نُورٌ وَلا ظَلامٌ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَا وَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَصَوَّرَ الرُّوحَ الَّتِى فِى جَسَدِهِ فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَصَوَّرَ الْخَالِقَ الَّذِى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ.
كُلُّ مَا يَتَصَوَّرُهُ الإِنْسَانُ بِبَالِهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَالْخَالِقُ لا يُشْبِهُ الْمَخْلُوقَ، لَوْ كَانَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَخْلُقَهَا وَلَجَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهَا مِنَ الْفَنَاءِ وَالتَّغَيُّرِ وَلَصَحَّتِ الأُلُوهِيَّةُ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، فَالْخَالِقُ لَيْسَ جِسْمًا وَلا رُوحًا وَلا رِيحًا وَلا هَوَاءً وَلا غَيْمًا وَلا ضَوْءًا وَلا ظَلامًا مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَجْمِ وَالْكَمِيَّةِ وَاللَّوْنِ وَالشَّكْلِ وَالْهَيْئَةِ وَالأَعْضَاءِ وَالْوَلَدِ لا يَسْكُنُ السَّمَاءَ وَلا الْعَرْشَ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَجْمًا يَمْلَأُ فَرَاغًا فَهُوَ مَوْجُودٌ بِلا مَكَانٍ وَلا جِهَةٍ.
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الإِيمَانِ بِالشَّىْءِ أَنْ يُتَصَوَّرَ بِالْعَقْلِ أَوْ أَنْ يُرَى بِالْعَيْنِ فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِوُجُودِ الْخَالِقِ وَإِنْ كُنَّا لا نَرَاهُ بِأَعْيُنِنَا فِى الدُّنْيَا فَهَذَا الْعَالَمُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَلا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ أَحَدٌ إِلَّا هُوَ لِأَنَّهُ الْخَالِقُ وَلا خَالِقَ سِوَاهُ وَهُوَ وَحْدَهُ الأَزَلِىُّ الَّذِى لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ وَلا أَزَلِىَّ سِوَاهُ وَاسْمُ الْخَالِقِ فِى لُغَةِ الْعَرَبِ هُوَ اللَّهُ.
فَإِذَا ءَامَنَ الإِنْسَانُ بِوُجُودِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَأَنَّهُ لا يُشْبِهُ شَيْئًا ءَامَنَ بِأَنَّهُ أَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى كَافَّةِ الإِنْسِ وَالْجِنِّ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى الإِسْلامِ أَىْ إِلَى عِبَادَةِ الْخَالِقِ وَحْدَهُ وَأَنْ لا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَأْمُرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِشَرِيعَتِهِ وَيَتَّبِعُوهُ فِى كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ فَيَجِبُ الإِيمَانُ أَنَّهُ صَادِقٌ فِى كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ رَبِّهِ لِأَنَّ خَبَرَ مَنْ ثَبَتَتْ رِسَالَتُهُ بالْمُعْجِزَاتِ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا.
فَيُقَالُ لِمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِذَلِكَ كَمَا أَنَّكَ صَدَّقْتَ بِوُجُودِ أُنَاسٍ كَانُوا فِى الزَّمَنِ الْمَاضِى مَعَ أَنَّكَ لَمْ تَرَهُمْ فَنَحْنُ أَيْضًا صَدَّقْنَا بِوُجُودِ هَذَا النَّبِىِّ وَأَنَّهُ دَعَا النَّاسَ إِلَى الإِسْلامِ فَالإِسْلامُ هُوَ الدِّينُ الصَّحِيحُ الْمَقْبُولُ عِنْدَ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَلا دِينَ صَحِيحٌ إِلَّا الإِسْلامُ فَالإِنْسَانُ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الَّذِى بَلَغَهُ أَصْلُ دَعْوَةِ الإِسْلامِ أَىْ بَلَغَهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه إِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ دِينِ الإِسْلامِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ فِى الإِسْلامِ فَوْرًا فَإِنْ أَسْلَمَ وَمَاتَ عَلَى الإِسْلامِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيُنَعَّمُ فِيهَا أَمَّا إِذَا بَقِىَ عَلَى غَيْرِ الإِسْلامِ إِلَى أَنْ مَاتَ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ فِى نَارِ جَهَّنَمَ عَذَابًا أَبَدِيًّا.
وَالدُّخُولُ فِى الإِسْلامِ يَكُونُ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِاللِّسَانِ لِلْقَادِرِ عَلَى الإِتْيَانِ بِهَا مَعَ اعْتِقَادِ مَعْنَاهُمَا بِالْقَلْبِ وَالتَّخَلِّى عَنْ كُلِّ مَا يُبْطِلُ الإِسْلامَ كَأَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه أَوْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه أَوْ مَا يُعْطِى مَعْنَاهُمَا وَلَوْ بِغَيْرِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ. وَمَنْ عَجَزَ عَنِ النُّطْقِ بِحَرْفِ الْحَاءِ فَقَالَ مُهَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ بِالْهَاءِ يُقَالُ لَهُ قُلْ أَبُو الْقَاسِمِ رَسُولُ اللَّهِ وَيَصِحُّ أَنْ يَقُولَ أَبُو الْقَاسِمِ رَسُولُ اللَّه بِقَافٍ مَعْقُودَةٍ كَمَا يَلْفِظُهَا أَهْلُ الْيَمَنِ.
(22) مَاذَا تَفْعَلُ إِنْ جَاءَكَ كَافِرٌ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِى الإِسْلامِ.
مَنْ عَرَفَ أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ لا كَالْمَوْجُودَاتِ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ أَنْ يُعْبَدَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وأَنَّهُ صَادِقٌ فِى كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ وَنَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَهُوَ مُسْلِمٌ مُؤْمِنٌ أَمَّا إِنْ كَانَ اعْتِقَادُهُ يُخَالِفُ الشَّهَادَتَيْنِ فَهُوَ كَافِرٌ. فَإِذَا جَاءَكَ كَافِرٌ أَصْلِىٌّ كَبُوذِىٍّ أَوْ يَهُودِىٍّ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِى الإِسْلامِ فَإِنْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لا يَعْرِفُ الْعَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ تُعَلِّمُهُ الْقَدْرَ الَّذِى لا بُدَّ مِنْهُ لِيَكُونَ عَلَى عَقِيدَةٍ صَحِيحَةٍ ثُمَّ تُطَالِبُهُ بِالتَّشَهُّدِ لِلدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ أَمَّا إِنْ عَلِمْتَ أَنَّهُ عَرَفَ الْحَقَّ وَتَخَلَّى عَنِ الْكُفْرِ فَتَأْمُرُهُ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَأَمَّا إِنْ كُنْتَ لا تَعْلَمُ حَالَهُ فَتَأْمُرُهُ فَوْرًا بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ كَأَنْ تَقُولَ لَهُ مَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِى الإِسْلامِ يَقُولُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه ثُمَّ تُبَيِّنُ لَهُ عَقِيدَةَ الإِسْلامِ.
(23) هَلْ يُشْتَرَطُ لِلدُّخُولِ فِى دِينِ الإِسْلامِ لَفْظُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
لا يُشْتَرَطُ هَذَا اللَّفْظُ بِعَيْنِهِ بَلْ يَكْفِى لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَوْ مَا يُعْطِى مَعْنَاهُ كَقَوْلِ لا رَبَّ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ نَبِىُّ اللَّهِ. وَمَنْ عَجَزَ عَنِ النُّطْقِ بِحَرْفِ الْحَاءِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُهَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ بِالْهَاءِ يُقَالُ لَهُ قُلْ أَشْهَدُ أَنَّ أَبَا الْقَاسِمِ رَسُولُ اللَّهِ. أَمَّا الَّذِى يَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُ لِعَدَمِ إِقْرَارِهِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ فَإِنَّهُ كَلامٌ مَبْتُورٌ كَمَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ زَيْدًا وَسَكَتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْتِىَ بِالْخَبَرِ.
(24) كَيْفَ يُعَلَّمُ الصَّغِيرُ النُّطْقَ بِالشَّهَادَةِ الأُولَى.
إِذَا أَرَادَ الشَّخْصُ أَنْ يُعَلِّمَ الصَّغِيرَ النُّطْقَ بِالشَّهَادَةِ يَقُولُ لَهُ قُلْ لا، فَإِذَا أَتْقَنَهَا يَقُولُ لَهُ قُلْ إِلَهَ إِلَّا، فَإِذَا أَتْقَنَهَا يَقُولُ لَهُ قُلْ اللَّه، فَإِذَا أَتْقَنَهَا يَقُولُ لَهُ قُلْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَلا يَقُولُ لَهُ قُلْ لا إِلَهَ وَيَسْكُتُ لِأَنَّ كَلِمَةَ لا إِلَهَ وَحْدَهَا كُفْرٌ فِيهَا نَفْىٌ لِوُجُودِ اللَّهِ أَمَّا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَفِيهَا إِثْبَاتُ الأُلُوهِيَّةِ لِلَّهِ وَنَفْىُ الأُلُوهِيَّةِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ. فَالَّذِى يُلَقِّنُ الصَّغِيرَ كَلِمَةَ لا إِلَهَ وَلا يَعْرِفُ هَذَا الصَّغِيرُ أَنَّ لَهَا تِتِمَّةً فَإِنَّمَا يُلَقِّنُهُ الْكُفْرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
(25) مَا الْمُرَادُ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
الْمُرَادُ بِالشَّهَادَتَيْنِ نَفْىُ الأُلُوهِيَّةِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ أَىْ نَفْىُ أَنْ يَكُونَ شَىْءٌ سِوَى اللَّهِ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ وَإِثْبَاتُهَا لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ مَعَ الإِقْرَارِ أَىِ الِاعْتِرَافِ وَالإِيمَانِ بِرِسَالَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَىْ فِى كَوْنِهِ مُرْسَلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِأَنَّ الإِيمَانَ بِمُحِمَّدٍ لا بُدَّ مِنْهُ لِيَكُونَ الْعَبْدُ مُؤْمِنًا عِنْدَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَّمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾
أَىْ هَيَّأْنَا لَهُمْ نَارَ جَهَنَّمَ لِكُفْرِهِمْ فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ فَهُوَ كَافِرٌ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمُنْتَسِبِينَ لِلتَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ فَإِنَّ الْقُرْءَانَ سَمَّاهُمْ أَهْلَ الْكِتَابِ وَسَمَّاهُمْ كَافِرِينَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْ يَهُودِىٍّ أَوْ نَصْرَانِىٍّ يَسْمَعُ بِى ثُمَّ لا يُؤْمِنُ بِى وَبِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(26) مَا هِىَ الشَّهَادَةُ الْخَاصَّةُ.
رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَالْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ، أَىْ وَفَّقَهُ اللَّهُ إِذَا دَاوَمَ عَلَى هَذِهِ الشَّهَادَةِ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ بِحَيْثُ يَحْسُنُ حَالُهُ وَخِتَامُهُ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِلا عَذَابٍ.
وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ أَىْ أَنَّ عِيسَى بِشَارَةُ اللَّهِ لِمَرْيَمَ الَّتِى بَشَّرَتْهَا بِهَا الْمَلائِكَةُ بِأَمْرِهِ قَبْلَ أَنْ تَحْمِلَ بِهِ، وَرُوحٌ مِنْهُ أَىْ أَنَّ رُوحَ عِيسَى رُوحٌ مُشَرَّفٌ أَىْ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ صَادِرٌ مِنَ اللَّهِ خَلْقًا وَتَكْوِينًا، وَالْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ أَىْ أَنَّهُمَا مَوْجُودَتَانِ وَبَاقِيَتَانِ وَأَنَّهُمَا دَارَا جَزَاءٍ فَالْجَنَّةُ دَارُ نَعِيمٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالنَّارُ دَارُ عِقَابٍ لِلْكَافِرِينَ.
(27) مَا هُوَ الدِّينُ السَّمَاوِىُّ.
اعْلَمْ أَنَّ الدِّينَ السَّمَاوِىَّ الَّذِى نَزَلَ بِهِ سَيِّدُنَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ هُوَ الإِسْلامُ وَهُوَ الدِّينُ الَّذِى رَضِيَهُ اللَّهُ أَىْ أَحَبَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِنَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلائِكَةِ وَأَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾. وَالإِسْلامُ هُوَ الدِّينُ الصَّحِيحُ الْمَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ وَلا دِينَ صَحِيحٌ إِلَّا الإِسْلامُ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أَىْ أَنَّ مَنِ اتَّخَذَ دِينًا غَيْرَ دِينِ الإِسْلامِ فَهُوَ خَاسِرٌ فِى الآخِرَةِ وَدِينُهُ بَاطِلٌ فَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ عَنْهُ إِنَّهُ دِينٌ سَمَاوِىٌّ لِأَنَّ الدِّينَ السَّمَاوِىَّ أَىِ الدِّينَ الْمُنْزَلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ الإِسْلامُ فَقَطْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ دِينُهُمْ وَاحِدٌ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ.
شَبَّهَ الرَّسُولُ الأَنْبِيَاءَ بِالإِخْوَةِ لِعَلَّاتٍ أَىْ كَمَا أَنَّ الإِخْوَةَ لِعَلَّاتٍ أَبُوهُمْ وَاحِدٌ وَأُمَّهَاتُهُمْ مُخْتَلِفَاتٌ كَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ فِى الدِّينِ دِينُهُمْ وَاحِدٌ أَىْ عَقِيدَتُهُمْ وَاحِدَةٌ وَشَرَائِعُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، فَيَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ الأَدْيَانُ السَّمَاوِيَّةُ وَأَحْيَانًا يَقُولُونَ الأَدْيَانُ السَّمَاوِيَّةُ الثَّلاثَةُ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ دِينَ الإِسْلامِ وَدِينَ النَّصَارَى وَدِينَ الْيَهُودِ وَهَذَا بَاطِلٌ.
لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ شَرَائِعُ سَمَاوِيَّةٌ أَوْ كُتُبٌ سَمَاوِيَّةٌ. وَالشَّرَائِعُ هِىَ الأَحْكَامُ الَّتِى تَنْزِلُ بِالْوَحْىِ وَشَرَائِعُ الأَنْبِيَاءِ مُخْتَلِفَةٌ أَمَّا الْكُتُبُ الَّتِى أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ كَالْقُرْءَانِ وَالإِنْجِيلِ الأَصْلِىِّ وَالتَّوْرَاةِ الأَصْلِيَّةِ وَالزَّبُورِ فَهِىَ جَمِيعُهَا تَدْعُو إِلَى الإِسْلامِ.
