(752) مَا هِىَ الْغِيبَةُ وَمَا هُوَ الْبُهْتَانُ.
الْغِيبَةُ هِىَ أَنْ تَذْكُرَ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا بِمَا فِيهِ فِى خَلْفِهِ بِمَا يَكْرَهُ كَأَنْ تَقُولَ فُلانٌ قَصِيرٌ أَوْ أَحْوَلُ أَوْ فُلانٌ سَىّءُ الْخُلُقِ أَوْ قَلِيلُ الأَدَبِ أَوْ كَثِيرُ النَّوْمِ أَوْ كَثِيرُ الأَكْلِ أَوْ قَلِيلُ النَّظَافَةِ أَوْ وَسِخُ الثِّيَابِ أَوْ دَارُهُ رَثَّةٌ أَوْ وَلَدُهُ فُلانٌ قَلِيلُ التَّرْبِيَّةِ أَوْ فُلانٌ تَحْكُمُهُ زَوْجَتُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَالْغِيبَةُ لِأَهْلِ الصَّلاحِ وَالتَّقْوَى كَبِيرَةٌ أَمَّا غِيبَةُ الْمُسْلِمِ الْفَاسِقِ فَهِىَ كَبِيرَةٌ إِذَا بَالَغَ الشَّخْصُ فِى ذِكْرِ مَسَاوِئِهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّحْذِيرِ بَلْ لِمُجَرَّدِ التَّفَكُّهِ أَىِ الِاسْتِمْتَاعِ. أَمَّا الْبُهْتَانُ فَهُوَ أَنْ تَذْكُرَهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فِى خَلْفِهِ بِمَا يَكْرَهُ وَهُوَ أَشَدُّ فِى التَّحْرِيمِ. رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ قَالَ أَفَرَأَيْتَ (أَىْ أَخْبِرْنِى) إِنْ كَانَ فِى أَخِى مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ.
أَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ عَنْ شَخْصٍ فِى خَلْفِهِ بِمَا يَكْرَهُ دُونَ ذِكْرِ اسْمِهِ وَدُونَ أَنْ يَعْرِفَ السَّامِعُونَ مَنِ الْمَقْصُودُ فَلَيْسَ حَرَامًا. وَأَمَّا ذِكْرُ الْمُسْلِمِ فِى وَجْهِهِ بِمَا يَكْرَهُ فَهُوَ إِيذَاءٌ لَهُ وَإِيذَاءُ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ. وَلَيْسَ مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ أَنْ يُقَالَ هَذَا الْفُنْدُقُ أَحْلَى مِنْ هَذَا الْفُنْدُقِ أَوْ هَذَا أَنْظَفُ مِنْ هَذَا أَوْ طَعَامُ هَذَا أَلَذُّ أَوْ سِعْرُهُ أَرْخَصُ أَوِ الثِّيَابُ الَّتِى فِى هَذَا الدُّكَّانِ أَحْلَى مِنَ الثِّيَابِ الَّتِى فِى الدُّكَّانِ الآخَرِ لِأَنَّ الشَّخْصَ لا يَتَأَذَّى مِنْ هَذَا لَوْ سَمِعَ لَكِنْ لا يُحِبُّ فَمُجَرَّدُ الإِخْبَارِ لَيْسَ حَرَامًا.
وَلَيْسَ مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ أَنْ يُقَالَ هَذَا سِعْرُهُ مُرْتَفِعٌ أَكْثَرُ مِنْ سِعْرِ فُلانٍ أَوْ بِضَاعَةُ فُلانٍ أَحْسَنُ مِنْ بِضَاعَةِ فُلانٍ أَوْ حَمْلَةُ فُلانٍ لِلْحَجِّ أَحْسَنُ مِنْ حَمْلَةِ فُلانٍ أَوْ فُلانٌ أَعْلَمُ مِنْ فُلانٍ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا يَكْرَهُهُ ذَوُو الطَّبْعِ السَّلِيمِ. وَكَمَا تَحْرُمُ الْغِيبَةُ يَحْرُمُ السُّكُوتُ عَلَيْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّهْىِ لِأَنَّ إِنْكَارَ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ.
(753) مَتَى تَكُونُ الْغِيبَةُ جَائِزَةً.
تَجُوزُ الْغِيبَةُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَأَنْ ظَلَمَهُ شَخْصٌ فَشَكَاهُ لِمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ حَقَّهُ مِنْهُ أَوِ اسْتَعَانَ بِشَخْصٍ لِيَمْنَعَ غَيْرَهُ مِنْ فِعْلِ الْحَرَامِ أَوْ شَكَا مُسْلِمًا اخْتَلَفَ مَعَهُ فِى قَضِيَّةٍ لِيَأْخُذَ الْفَتْوَى مِنَ عَالِمِ تَقِىٍّ أَوْ حَذَّرَ مِنْ شَخْصٍ يَغُشُّ النَّاسَ فِى دِينِهِمْ أَوْ دُنْيَاهُمْ أَوْ أَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَ شَخْصًا لِيُعْرَفَ فَقَالَ مَثَلًا فُلانٌ الأَعْرَجُ لا بِقَصْدِ ذَمِّهِ وَكَانَ هُوَ لا يَتَأَذَّى لَوْ سَمِعَ. وَمَنْ كَانَ يُجَاهِرُ بِمَعْصِيَتِهِ يَجُوزُ ذِكْرُهُ بِالْمَعْصِيَةِ إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّحْذِيرِ مِنْهُ أَوْ زَجْرِهِ أَمَّا إِذَا تَابَ مِنْ مَعْصِيَتِهِ فَلا يَجُوزُ ذِكْرُهُ بِهَا.
(754) مَا هِىَ النَّمِيمَةُ.
النَّمِيمَةُ هِىَ نَقْلُ كَلامِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ لِافْسَادِ الْعَلاقَةِ بَيْنَهُمْ كَأَنْ يَقُولَ لِلأَوَّلِ فُلانٌ قَالَ فِيكَ كَذَا وَيَقُولَ لِلآخَرِ فُلانٌ قَالَ فِيكَ كَذَا حَتَّى يَتَقَاتَلا أَوْ يَتَعَادَيَا. وَالنَّمِيمَةُ مِنَ الْكَبَائِرِ وَهِىَ أَشَدُّ إِثْمًا مِنَ الْغِيبَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، أَىْ لا يَدْخُلُهَا مَعَ الأَوَّلِينَ إِنَّمَا يَدْخُلُهَا بَعْدَ سَبْقِ عَذَابٍ إِنْ لَمْ يَعْفُ اللَّهُ عَنْهُ. وَالْقَتَّاتُ هُوَ النَّمَّامُ. وَالنَّمِيمَةُ وَالْغِيبَةُ وَعَدَمُ التَّنَزُّهِ مِنَ الْبَوْلِ مِنْ أَكْثَرِ أَسْبَابِ عَذَابِ الْقَبْرِ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهُ.
(755) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أَنَّ الشِرْكَ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الإِفْسَادِ بَيْنَ اثْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَشَدُّ مِنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ ظُلْمًا لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ ظُلْمًا هُوَ أَكْبَرُ الذُّنُوبِ بَعْدَ الْكُفْرِ أَمَّا مَنْ أَنْكَرَ هَذَا وَفَسَّرَ الْفِتْنَةَ فِى الآيَةِ بِالنَّمِيمَةِ فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ لا عُذْرَ لَهُ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَىُّ الذَّنْبِ أَشَدُّ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ (أَىْ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ) قِيلَ ثُمَّ أَىُّ قَالَ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ الْفَقْرِ قِيلَ ثُمَّ أَىُّ قَالَ أَنْ تُزَانِىَ حَلِيلَةَ جَارِكَ.
(756) مَا حُكْمُ التَّحْرِيشِ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ أَوْ بَيْنَ الْبَهَائِمِ.
يَحْرُمُ التَّحْرِيشُ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ وَهُوَ الْحَثُّ عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ لِإِيقَاعِ الْفِتْنَةِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ. وَالتَّحْرِيشُ حَرَامٌ وَلَوْ بَيْنَ الْبَهَائِمِ كَالتَّحْرِيشِ بَيْنَ دِيكَيْنِ أَوْ كَبْشَيْنِ لِيَقْتُلَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ لِأَنَّهُمَا حَيَوَانَانِ مُحْتَرَمَانِ أَىْ لا يَجُوزُ قَتْلُهُمَا بَلْ يَجُوزُ ذَبْحُهُمَا لِأَكْلِهِمَا.
(757) مَا هُوَ الْكَذِبُ وَمَا حُكْمُهُ.
الْكَذِبُ حَرَامٌ إِنْ كَانَ فِى حَالِ الْجِدِّ أَوِ الْمَزْحِ وَهُوَ الإِخْبَارُ بِالشَّىْءِ عَلَى خِلافِ الْوَاقِعِ عَمْدًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَصْلُحُ الْكَذِبُ فِى جِدٍّ وَلا فِى هَزْلٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى شُعَبِ الإِيمَانِ. وَأَمَّا مَا يُسَمِّيهِ بَعْضُهُمْ كَذْبَةً بَيْضَاءَ فَهُوَ بَاطِلٌ يَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْهُ وَهُمْ يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْكَذِبَ لا يُسَبِّبُ ضَرَرًا لِلنَّاسِ. وَيَجِبُ التَّحْذِيرُ مِمَّا يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّاسِ كَذْبَةَ نَيْسَان قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ إِيَّاكَ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ (أَىْ هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى ذَلِكَ) وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ (أَىْ يَسُوقُ النَّاسَ إِلَيْهَا) وَلا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا،
أَىْ تَكْتُبُهُ الْمَلائِكَةُ فِى صُحُفِهِمْ كَذَّابًا مِنْ شِدَّةِ مُلازَمَتِهِ لِلْكَذِبِ. وَالْكَذِبُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِضْرَارٌ بِمُسْلِمٍ وَلا تَكْذِيبٌ لِلشَّرْعِ فَهُوَ مِنَ الصَّغَائِرِ وَإِلَّا فَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَقَدْ يَكُونُ كُفْرًا. رَوَى الْبَيْهَقِىُّ فِى كِتَابِ الآدَابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِى رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِى وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِى أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ.
فَأَفْهَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّهُ ضَامِنٌ وَكَافِلٌ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ بِأَنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْتًا فِى رَبَضِ الْجَنَّةِ أَىْ أَطْرَافِهَا، وَالْمِرَاءُ هُوَ الْجِدَالُ الَّذِى لا يَعُودُ لِمَصْلَحَةٍ فِى الدِّينِ إِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ مُجَادَلَةٍ فِى الأُمُورِ التَّافِهَةِ وَنِزَاعٍ. وَالرَّسُولُ ﷺ ضَامِنٌ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ بِأَنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ بَيْتًا فِى وَسَطِ الْجَنَّةِ وَلِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ بَيْتًا فِى أَعْلَى الْجَنَّةِ. وَحُسْنُ الْخُلُقِ مَعْنَاهُ الإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ وَكَفُّ الأَذَى عَنِ النَّاسِ وَتَحَمُّلُ أَذَى الْغَيْرِ.
(758) مَا حُكْمُ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ.
الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ هِىَ الْحَلِفُ بِاللَّهِ بِذِكْرِ اسْمِهِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ عَلَى شَىْءٍ كَذِبًا كَقَوْلِ وَاللَّهِ أَوْ وَحَيَاةِ اللَّهِ أَوْ وَعِزَّةِ اللَّهِ أَوْ وَالْقُرْءَانِ. فَمَنْ حَلَفَ بِالِلَّهِ كَذِبًا وَقَعَ فِى مَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٍ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِاللَّهِ كَذِبًا تَهَاوُنٌ فِى تَعْظِيمِ اللَّهِ أَمَّا مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ صَادِقًا فَلا مَعْصِيَةَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَقَالَ فِيهِ الإِمَامُ الشَّافِعِىُّ إِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً أَىْ إِنْ لَمْ يُعَظِّمِ الْمَحْلُوفَ بِهِ كَتَعْظِيمِهِ لِلَّهِ فَإِنْ عَظَّمَهُ كَتَعْظِيمِهِ لِلَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ وَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
فَالْحَلِفُ بِالنَّبِىِّ أَوْ بِجِبْرِيلَ أَوْ بِالْكَعْبَةِ مَكْرُوهٌ أَمَّا الْحَلِفُ بِالْقُرْءَانِ فَلَيْسَ مَكْرُوهًا إِذَا قُصِدَ بِهِ الْكَلامُ الذَّاتِىُّ كَأَنْ يَقُولَ وَالْقُرْءَانِ أَوْ أُقْسِمُ بِالْقُرْءَانِ، أَمَّا الْحَلِفُ بِحَيَاةِ الْقُرْءَانِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ وَلَوْ كَانَ الْحَالِفُ يَفْهَمُ مِنْهُ وَكَرَامَةِ الْقُرْءَانِ لِأَنَّ الْقُرْءَانَ لا يُقَالُ لَهُ حَىٌّ وَلا مَيِّتٌ، فَالَّذِى يَقُولُ وَحَيَاةِ الْقُرْءَانِ أَوْ يَقُولُ وَاللَّه بِلا هَاءٍ وَيَكْسِرُ يَمِينَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ لِأَنَّ يَمِينَهُ غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ.
(759) مَا حُكْمُ مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَلَى فِعْلِ شَىْءٍ ثُمَّ فَعَلَ خِلافَهُ.
مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَلَى فِعْلِ شَىْءٍ ثُمَّ فَعَلَ خِلافَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَهِىَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ إِطْعَامُ عَشرَةِ مَسَاكِينَ أَوْ كِسْوَتُهُمْ فَإِنْ عَجَزَ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَاتٍ أَوْ مُتَفَرِّقَاتٍ.
(760) مَا حُكْمُ قَذْفِ الْمُسْلِمَةِ الْعَفِيفَةِ الَّتِى لَمْ يَمَسَّهَا الزِّنَى.
يَحْرُمُ قَذْفُ الْمُسْلِمَةِ أَىْ رَمْيُهَا بِالزِّنَى وَنَحْوِهِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِقَوْلِهِ ﷺ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ (أَىِ الْمُهْلِكَاتِ) قِيلَ وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْمُحْصَنَاتُ الْغَافِلاتُ الْحَرَائِرُ الْعَفِيفَاتُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِى أَحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ أَىْ حَفِظْنَهَا مِنَ الْحَرَامِ. وَيُجْلَدُ الْقَاذِفُ الْحُرُّ ثَمَانِينَ جَلْدَةً بِسَوْطٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾.
(761) مَا حُكْمُ سَبِّ الصَّحَابَةِ.
الصَّحَابَةُ هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَبُّهُمْ جُمْلَةً كُفْرٌ كَالَّذِى يَقُولُ الصَّحَابَةُ خَوَنَةٌ أَوْ كَذَّابُونَ لِأَنَّ الْقُرْءَانَ وَأُمُورَ الدِّينِ الْمَنْقُولَةَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ طَرِيقِهِمْ وَصَلَتْ إِلَيْنَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وَهَؤُلاءِ هُمْ أَوْلِيَاءُ الصَّحَابَةِ كَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِىٍّ وَسَبُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنَ الْكَبَائِرِ إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ لا يُؤَدِّى إِلَى تَكْذِيبِ الشَّرْعِ.
(762) مَا حُكْمُ شَهَادَةِ الزُّورِ.
شَهَادَةُ الزُّورِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالزُّورُ هُوَ الْكَذِبُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ وَأَبُو دَاوُدَ عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الإِشْرَاكَ بِاللَّهِ، أَىْ شُبِّهَتْ بِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تُخْرِجُ فَاعِلَهَا مِنَ الإِسْلامِ. فَمَنْ شَهِدَ زُورًا وَكَذِبًا بِأَنَّ لِفُلانٍ عَلَى فُلانٍ مَالًا إِرْضَاءً لِصَدِيقِهِ أَوْ قَرِيبِهِ وَقَعَ فِى ذَنْبٍ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ.
(763) مَا حُكْمُ مَطْلِ الْغَنِىِّ.
مَطْلُ الْغَنِىِّ مِنَ الْكَبَائِرِ وَهُوَ أَنْ يَقْتَرِضَ مَالًا مِنْ شَخْصٍ وَيُمَاطِلَ فِى دَفْعِ الدَّيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الدَّفْعِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَطْلُ الْغَنِىِّ ظُلْمٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ ﷺ لَىُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ أَىْ أَنَّ مُمَاطَلَةَ الْغَنِىِّ الْقَادِرِ عَلَى الدَّفْعِ يُحِلُّ أَنْ يُذْكَرَ بَيْنَ النَّاسِ بِالْمَطْلِ وَسُوءِ الْمُعَامَلَةِ وَيُحِلُّ عُقُوبَتَهُ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ زَجْرًا لَهُ وَحَثًّا لَهُ وَإِرْغَامًا عَلَى دَفْعِ الْحَقِّ لِصَاحِبِهِ.
(764) مَا حُكْمُ شَتْمِ الْمُسْلِمِ وَلَعْنِهِ.
يَحْرُمُ شَتْمُ الْمُسْلِمِ أَىْ سَبُّهُ وَذَمُّهُ بِغَيْرِ حَقٍّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، أَىْ أَنَّ سَبَّ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَبَائِرِ بِدَلِيلِ تَسْمِيَتِهِ فُسُوقًا وَأَطْلَقَ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى قِتَالِهِ لَفْظَ الْكُفْرِ وَلا يُرِيدُ بِهِ أَنَّ قِتَالَ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ كُفْرٌ يُخْرِجُ مِنَ الدِّينِ إِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ ذَنْبٌ كَبِيرٌ يُشْبِهُ الْكُفْرَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ الْمُتَقَاتِلَتَيْنِ مُؤْمِنِينَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾.
وَيَحْرُمُ لَعْنُ الْمُسْلِمِ أَىْ سَبُّهُ بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ لَعَنَكَ اللَّهُ أَوْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعْنُ الْمُسْلِمِ كَقَتْلِهِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ، أَىْ لَعْنُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَنْبٌ كَبِيرٌ. أَمَّا الْمُسْلِمُ الْفَاسِقُ فَيَجُوزُ لَعْنُهُ لِسَبَبٍ شَرْعِىٍّ كَأَنْ يَكُونَ غَشَّاشًا ظَالِمًا يَأْكُلُ حَقَّ النَّاسِ وَكَانَ لَعْنُهُ بِقَصْدِ رَدْعِهِ وَزَجْرِهِ أَوْ تَحْذِيرِ غَيْرِهِ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ. وَأَمَّا مَنْ لَعَنَ مُسْلِمًا فَاسِقًا كَبَائِعِ خَمْرٍ لا لِزَجْرِهِ وَلا لِزَجْرِ النَّاسِ عَنْ أَنْ يَفْعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْمَعَهُ أَحَدٌ فَلا يَجُوزُ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ إِنْكَارًا لِلْمُنْكَرِ.
(765) مَا حُكْمُ الِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُسْلِمِ.
يَحْرُمُ الِاسْتِهْزَاءُ بِالْمُسْلِمِ أَىْ تَحْقِيرُهُ وَكُلُّ كَلامٍ مُؤْذٍ لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْكَلامُ الَّذِى فِيهِ إِيذَاءٌ لِلْمُسْلِمِ بِحَقٍّ شَرْعِىٍّ فَلا يَحْرُمُ.
(766) مَا حُكْمُ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ ﷺ.
الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْكَبَائِرِ وَهُوَ كَأَنْ يَنْسُبَ إِلَى اللَّهِ كَلامًا لَمْ يَقُلْهُ اللَّهُ مِمَّا لا يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبًا لِلدِّينِ وَمِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ مَا هُوَ كُفْرٌ كَأَنْ يَنْسُبَ إِلَى اللَّهِ الِابْنَ أَوْ يَقُولَ اللَّهُ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ أَوْ سَاكِنٌ فِى السَّمَاءِ أَوْ حَالٌّ فِى جَمِيعِ الأَمَاكِنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُّسْوَدَّةٌ﴾.
أَمَّا الْكَذِبُ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ فَهُوَ كَأَنْ يَنْسُبَ إِلَى الرَّسُولِ مَا لَمْ يَقُلْهُ مِمَّا لا يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبًا لِلدِّينِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَمِنْهُ مَا هُوَ كُفْرٌ كَأَنْ يَنْسُبَ إِلَى الرَّسُولِ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فِى شَرْعِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ كَذِبًا عَلَىَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ فَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(767) مَا هِىَ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةُ.
الدَّعْوَى الْبَاطِلَةُ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ وَهِىَ كَأَنْ يَدَّعِىَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّ لَهُ مَالًا عَلَى شَخْصٍ وَيَعْتَمِدَ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ.
(768) مَا هُوَ الطَّلاقُ الْبِدْعِىُّ.
الطَّلاقُ الْبِدْعِىُّ هُوَ أَنْ يُطَّلِقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فِى حَالِ الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاس أَوْ فِى طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ وَيَقَعُ هَذَا الطَّلاقُ وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا قَالَ تَعَالَى ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أَىْ لا تُطَلِّقُوا فِى الْحَيْضِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَتَأَذَّى بِإِطَالَةِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ إِنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فِى الْحَيْضِ لِأَنَّ مُدَّةَ الْحَيْضِ لا تُحْسَبُ مِنَ الْعِدَّةِ.
(769) مَا هُوَ الظِّهَارُ.
الظِّهَارُ هُوَ أَنْ يُشَبِّهَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ بِأُمِّهِ فِى التَّحْرِيمِ كَأَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَىَّ كَظَهْرِ أُمِّى أَىْ لا أُجَامِعُكِ كَمَا لا أُجَامِعُ أُمِّى أَىْ أَمْنَعُ نَفْسِىَ مِنْ جِمَاعِكِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِمَا فِيهِ مِنْ الإِيذَاءِ لِلزَّوْجَةِ وَفِيهِ كَفَّارَةٌ عَلَى الزَّوْجِ إِنْ لَمْ يُطَلِّقْ بَعْدَ الظِّهَارِ فَوْرًا وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُجَامِعَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ قَالَ تَعَالَى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّـا﴾.
(770) مَا هِىَ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ.
كَفَّارَةُ الظِّهَارِ هِىَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ سَلِيمَةٍ عَمَّا يُخِلُّ بِالْعَمَلِ كَالْعَمَى وَالْفَالِجِ فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإِعْتَاقِ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وُجُوبًا فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الصِّيَامِ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا أَوْ فَقِيرًا سِتِّينَ مُدًّا أَىْ تَمْلِيكُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُدًّا مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ. وَالْقُوتُ هُوَ مَا يَعِيشُ عَلَيْهِ الْبَدَنُ كَالْقَمْحِ.
(771) مَا حُكْمُ اللَّحْنِ فِى الْقُرْءَانِ.
يَحْرُمُ اللَّحْنُ فِى الْقُرْءَانِ أَىِ الْخَطَأُ فِى قِرَاءَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرِ الْمَعْنَى فَيَجِبُ تَصْحِيحُ الْقِرَاءَةِ إِلَى الْحَدِّ الَّذِى يَسْلَمُ فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ الْحَرَكَاتِ وَالْحُرُوفِ. أَمَّا الَّذِى يَقْرَأُ الْقُرْءَانَ قِرَاءَةً صَحِيحَةً مِنْ غَيْرِ تَلَقٍّ مِنْ أَحَدٍ فَلا ثَوَابَ لَهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ وَلا يَضْمَنُ الْقَارِئُ لِلْقُرْءَانِ أَنْ يَتْلُوَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ إِلَّا إِذَا تَلَقَّاهُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْقِرَاءَةِ الثِّقَاتِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أَىْ لا تَخُضْ فِيمَا لا تَعْلَمُ.
(772) مَا حُكْمُ مَنْ يَقُولُ اللَّا عَنِ اللَّهِ.
لا يَجُوزُ هَذَا الْقَوْلُ لِأَنَّهُ تَحْرِيفٌ لِاسْمِ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَائِهِ﴾ أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ الأَسْمَاءُ الَّتِى تَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ أَىْ لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى نَقْصٍ فِى حَقِّ اللَّهِ ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَائِهِ﴾ أَىِ اتْرُكُوا الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ وَيُغَيِّرُونَ فِى أَسْمَاءِ اللَّهِ أَىْ لا تَتَّبِعُوهُمْ فِى ذَلِكَ.
فَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ الأَلِفِ وَالْهَاءِ مِنْ لَفْظِ الْجَلالَةِ الله فَالَّذِى يَقُولُ اللَّا وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ بِذَلِكَ يُحَرِّفُ اسْمَ اللَّهِ فَعَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ. قَالَ الْخَلِيلُ بنُ أَحْمَدَ الْفَرَاهِيدِىُّ لا يَجُوزُ حَذْفُ الأَلِفِ الَّتِى قَبْلَ الْهَاءِ وَالَّتِى تُلْفَظُ وَلا تُكْتَبُ وَلا تَلْتَفِتُوا إِلَى كَثْرَةِ الْمُحَرِّفِينَ وَلَوْ كَانُوا مِنْ أَصْحَابِ اللَّفَّاتِ وَمِنْ أَدْعِيَاءِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ وَمِمَّنْ يُقَالُ لَهُمْ دُكْتُور أَوْ دَاعِيَةٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَالَ الْفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ لا تَسْتَوْحِشْ طُرُقَ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهَا وَلا يَغُرَّنَّكَ كَثْرَةُ الْهَالِكِينَ أَىْ لا تَنْظُرْ إِلَى كَثْرَةِ مَنْ يَتَخَبَّطُ بِالْمَعَاصِى وَالْجَهْلِ وَلا تَتْرُكْ طَرِيقَ السَّلامَةِ وَلَوْ قَلَّ سَالِكُوهَا.
(773) مَا حُكْمُ مَنْ يَقُولُ الْعَبْدُ اللَّه.
هَذِهِ الْكَلِمَةُ فَاسِدَةٌ لِأَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَبْدُ فَالَّذِى يَقُولُ الْعَبْدُ اللَّه يَكُونُ جَعَلَ اللَّهَ عَبْدًا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ وَهُوَ كُفْرٌ أَمَّا مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْمَعْنَى كَحَالِ أَغْلَبِ الْعَوَامِّ فَلا يَكْفُرُ لَكِنَّهُ وَقَعَ فِى ذَنْبٍ كَبِيرٍ. فَالْمُكَلَّفُ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا لا يَعْلَمُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أَىْ لا تَقُلْ قَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ.
فَمَنْ كَانَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ يُقَالُ عَنْ زَوْجَتِهِ فُلانَةُ مِنْ ءَالِ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِى صَارَتْ مُنْتَسِبَةً إِلَى هَذَا الرَّجُلِ بِالزِّوَاجِ وَلا يُقَالُ فُلانَةُ الْعَبْدُ اللَّه. هَذَا اللَّفْظُ حَرَامٌ يَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْهُ.
(774) مَا حُكْمُ السُّؤَالِ لِلْغَنِىِّ بِمَالٍ أَوْ حِرْفَةٍ.
لا يَجُوزُ لِلْغَنِىِّ بِمَالٍ عِنْدَهُ أَوْ حِرْفَةٍ يَعْرِفُهَا وَيَجِدُ بِهَا كِفَايَتَهُ أَنْ يَشْحَذَ لِحَدِيثِ لا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ لِغَنِىٍّ وَلا لِذِى مِرَّةٍ سَوِىٍّ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ وَأَبُو دَاوُدَ، أَىْ لا يَحِلُّ لِلْمُكْتَفِى بِالْمَالِ أَوِ الْحِرْفَةِ أَنْ يَشْحَذَ كَأَنْ كَانَ مَالِكًا مَا يَكْفِيهِ لِحَاجَاتِهِ الأَصْلِيَّةِ أَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ بِكَسْبٍ حَلالٍ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِىَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِى وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ (أَىْ قِطْعَةُ لَحْمٍ صَغِيرَةٌ) رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
وَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْمُكْتَفِيَةِ بِنَفَقَةِ زَوْجِهَا أَنْ تَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يَشْتَرِىَ لَهَا أَشْيَاءَ ثَمِينَةً كَأَسَاوِرِ الذَّهَبِ إِلَّا إِذَا قَالَ لَهَا اطْلُبِى مِنِّى مَا شِئْتِ فَلَهَا أَنْ تَطْلُبَ مِنْهُ أَمَّا الأَشْيَاءُ الْخَفِيفَةُ الْمُتَعَارَفُ عَلَيْهَا فَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَطْلُبَهَا وَكَذَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَطْلُبَ مِنْهُ مَالًا لِتَذْهَبَ بِهِ إِلَى الْحَجِّ لِأَنَّهَا تَطْلُبُهُ لِعَمَلٍ فِيهِ طَاعَةٌ وَلَيْسَ لِلتَّنَعُّمِ.
(775) مَا حُكْمُ النَّذْرِ بِقَصْدِ حِرْمَانِ الْوَارِثِ.
يَحْرُمُ النَّذْرُ بِقَصْدِ حِرْمَانِ الْوَارِثِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ كَأَنْ يَقُولَ نَذَرْتُ مَالِىَ لِلْمَسْجِدِ أَوْ لِلْفُقَرَاءِ بِقَصْدِ أَنْ يَحْرِمَ وَارِثَهُ مِنَ التَّرِكَةِ وَهُوَ نَذْرٌ بَاطِلٌ لا يَصِحُّ. وَكَذَا يَحْرُمُ أَنْ يَهَبَ كُلَّ مَالِهِ بِقَصْدِ حِرْمَانِ الْوَارِثِ.
(776) مَا حُكْمُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ لا يَعْلَمُهُمَا غَيْرُهُ.
مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ إِنْ كَانَ دَيْنًا لِلَّهِ كَزَكَاةٍ أَوْ دَيْنًا لِآدَمِىٍّ أَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ لِغَيْرِهِ وَخَشِىَ ضَيَاعَ الدَّيْنِ أَوِ الأَمَانَةِ بِمَوْتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَ بِهَذَا الدَّيْنِ أَوِ الأَمَانَةِ شَخْصًا ثِقَةً غَيْرَ وَارِثٍ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ أَوْ يَرُدَّهُ حَالًا خَوْفًا مِنْ خِيَانَةِ الْوَارِثِ فَإِنْ تَرَكَ الْوَصِيَّةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى.
(777) مَا حُكْمُ الِانْتِمَاءِ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ.
يَحْرُمُ الِانْتِمَاءُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ كَأَنْ يَقُولَ أَنَا ابْنُ فُلانٍ وَهُوَ لَيْسَ ابْنَهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَى الْبُخَارِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ حَرَامٌ عَلَيْهِ، أَىْ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَعَ الأَوَّلِينَ إِنَّمَا يَدْخُلُهَا بَعْدَ سَبْقِ عَذَابٍ إِنْ لَمْ يَعْفُ اللَّهُ عَنْهُ.
(778) مَا حُكْمُ التَّبَنِّى فِى الإِسْلامِ.
مِنَ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِى يَنْبَغِى أَنْ تُعَلَّمَ لِلنَّاسِ وَتُنْشَرَ أَنَّهُ لا يَجُوزُ التَّبَنِّى فِى الإِسْلامِ. وَمَعْنَى التَّبَنِّى أَنْ يَتَّخِذَ الشَّخْصُ طِفْلًا ابْنًا لَهُ وَهُوَ لَيْسَ ابْنًا لَهُ فِى الأَصْلِ فَلا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَبَنَّى شَخْصًا فَيَنْسُبَهُ إِلَى نَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ وَلَدُهُ. أَمَّا إِذَا نَسَبَ وَلَدًا إِلَى نَفْسِهِ فِى الأَوْرَاقِ لِلضَّرُورَةِ عَلَى صُورَةِ التَّبَنِّى حَتَّى لا يُؤْذَى أَىْ سَجَّلَهُ فِى السِّجِلَّاتِ أَنَّ فُلانًا هُوَ ابْنُ فُلانٍ فَعَلَ ذَلِكَ لِتَخْلِيصِهِ مِنَ الظُّلْمِ حَتَّى لا يَتَأَذَّى وَعَلَّمَهُ أَنَّهُ لَيْسَ أَبَاهُ شَرْعًا وَلا يَرِثُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ وَأَنَّ زَوْجَتَهُ لَيْسَتْ أُمًّا وَلا مَحْرَمًا لَهُ وَأَنَّ بَنَاتِهَا لَيْسُوا مَحَارِمَ لَهُ أَىْ عَلَّمَهُ الأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ فَلا ضَرَرَ عَلَيْهِ.
وَالتَّبَنِّى كَانَ جَائِزًا فِى الإِسْلامِ فَقَدْ تَبَنَّى الرَّسُولُ ﷺ زَيْدًا ثُمَّ نَزَلَ تَحْرِيمُهُ فِى الْقُرْءَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّنْ رِّجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾.
(779) مَا حُكْمُ الخطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ.
يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ أَىْ أَخِيهِ فِى الإِسْلامِ أَىْ أَنْ يَطْلُبَ امْرَأَةً لِلزِّوَاجِ بَعْدَ أَنْ طَلَبَهَا الأَوَّلُ وَوَافَقَ وَلِيُّهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الإِيذَاءِ وَالْقَطِيعَةِ أَمَّا إِذَا أَذِنَ لَهُ فَلا حُرْمَةَ فِى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إِنْ أَعْرَضَ هُوَ أَوْ أَعْرَضَ الْوَلِىُّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
(780) مَا حُكْمُ الْفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ.
تَحْرُمُ الْفَتْوَى فِى أُمُورِ الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَهِىَ إِمَّا كُفْرٌ أَوْ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ أَىْ لا تَقُلْ قَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَثَبَتَ عَنْ الرَّسُولِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ خَيْرِ بِقَاعِ الأَرْضِ وَعَنْ شَرِّ بِقَاعِ الأَرْضِ فَقَالَ لا أَدْرِى أَسْأَلُ أَخِى جِبْرِيلَ فَسَأَلَ جِبْرِيلَ فَقَالَ لا أَدْرِى أَسْأَلُ رَبَّ الْعِزَّةِ فَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فَعَلَّمَهُ اللَّهُ أَنَّ خَيْرَ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ وَشَرَّ الْبِقَاعِ الأَسْوَاقُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ لَعَنَتْهُ مَلائِكَةُ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ.
وَرُوِىَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِىٍّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَىْءٍ فَقَالَ وَا بَرْدَهَا عَلَى الْكَبِدِ أَنْ أُسْأَلَ عَنْ شَىْءٍ لا عِلْمَ لِى بِهِ فَأَقُولَ لا أَدْرِى رَوَاهُ الْحَافِظُ الْعَسْقَلانِىُّ. فَيَنْبَغِى مِنَ الْمُسْلِمِ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ فِى مَسْأَلَةٍ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَكَيْفَ يَكُونُ خَلاصُهُ فِى الآخِرَةِ ثُمَّ يُجِيب.
(781) مَا حُكْمُ تَعَلُّمِ وَتَعْلِيمِ عِلْمٍ مُضِرٍّ.
يَحْرُمُ تَعَلُّمُ وَتَعْلِيمُ عِلْمٍ مُضِرٍّ لِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِىٍّ كَالسِّحْرِ وَالْفَلْسَفَةِ وَهِىَ الْمَوْرُوثَةُ عَنِ الْفَلاسِفَةِ كَإِرَسْطُو الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَأَزَلِيَّتِهِ وَهُوَ كُفْرٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ وَالتَّنْجِيمِ الَّذِى فِيهِ الإِخْبَارُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ اعْتِمَادًا عَلَى النُّجُومِ. فَلا يَجُوزُ الإِخْبَارُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ اعْتِمَادًا عَلَى خَبَرِ الْجِنِّ أَوْ عَلَى النُّجُومِ أَوِ اعْتِمَادًا عَلَى النَّظَرِ فِى الْكَفِّ أَوِ فِنْجَانِ الْبُنِّ أَوِ اعْتِمَادًا عَلَى الأَبْرَاجِ، فَهَذِهِ الأَبْرَاجُ لا تَأْثِيرَ لَهَا عَلَى الإِنْسَانِ وَهِىَ مَجْمُوعَةٌ مِنَ النُّجُومِ كَالْحَمَلِ وَالأَسَدِ وَالثَّوْرِ وَالسَّرَطَانِ وَالْمِيزَانِ.
وَلا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْكَاهِنِ لِيُخْبِرَهُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ إِلَى الْعَرَّافِ لِيَسْأَلَهُ عَنِ الضَّائِعِ وَالْمَسْرُوقِ وَلا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ الْمَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِىُّ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُسْلِمَ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْكَاهِنِ وَيُصَدِّقَهُ خَرَجَ مِنَ الإِسْلامِ إِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا ذَنْبٌ كَبِيرٌ يُشْبِهُ الْكُفْرَ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَىْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَىْ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ شَىْءٍ فَصَدَّقَهُ فَلا ثَوَابَ لَهُ فِى صَلاتِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِنْ لَمْ يَتُبْ، أَمَّا إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الْكَاهِنَ أَوِ الْعَرَّافَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَهُوَ كَافِرٌ.
(782) تَكَلَّمْ عَنِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ.
الْحُكْمُ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ أَىْ بِغَيْرِ شَرْعِهِ الَّذِى أَنْـزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ الْكَبَائِرِ إِجْمَاعًا وَمَنْ جَحَدَ حُكْمَ اللَّهِ أَىْ أَنْكَرَهُ أَوْ فَضَّلَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ أَوْ سَاوَاهُ بِهِ بِأَنْ قَالَ إِنَّ حُكْمَ اللَّهِ لَيْسَ أَفْضَلَ مِنْهُ بَلْ هُمَا مُتَسَاوِيَانِ كَفَرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِيهِ لَيْسَ الَّذِى تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ الْكُفْرَ الَّذِى يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ بَلْ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ أَىْ ذَنْبٌ كَبِيرٌ رَوَى ذَلِكَ الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ وَقَالَ الصَّحَابِىُّ الْجَلِيلُ الْبَرَاءُ بنُ عَازِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِى الْكُفَّارِ فَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ تَكْفِيرَ سَيِّد قُطُب مَنْ يَحْكُمُ بِغَيْرِ الشَّرْعِ تَكْفِيرًا مُطْلَقًا بِلا تَفْصِيلٍ لا يُوَافِقُ مَذْهَبًا مِنَ الْمَذَاهِبِ الإِسْلامِيَّةِ بَلْ هُوَ قَوْلُ الْخَوَارِجِ الْقَائِلِينَ بِتَكْفِيرِ مُرْتَكِبِ الْمَعْصِيَةِ.
(783) مَا حُكْمُ النَّدْبِ وَالنِّيَاحَةِ.
النَّدْبُ وَالنِّيَاحَةُ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالنَّدْبُ هُوَ ذِكْرُ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ عَلَى صُورَةِ الْجَزَعِ أَمَّا النِّيَاحَةُ فَهِىَ الصِّيَاحُ عَلَى صُورَةِ الْجَزَعِ لِمُصِيبَةِ الْمَوْتِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مِزْمَارٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ (أَىْ صَوْتُ الْمِزْمَارِ عِنْدَ حُصُولِ نِعْمَةٍ) وَرَنَّةٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ (أَىِ الصُّرَاخُ عِنْدَ حُصُولِ الْمُصِيبَةِ) رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالْهَيْثَمِىُّ وَصَحَّحَهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِىُّ.
(784) مَا حُكْمُ الْقَوْلِ الَّذِى يَحُثُّ عَلَى مُحَرَّمٍ أَوْ يُفَتِّرُ عَنْ وَاجِبٍ.
كُلُّ كَلامٍ يُشَجِّعُ النَّاسَ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ أَوْ يُفَتِّرُ هِمَمَهُمْ عَنْ فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ فَهُوَ حَرَامٌ. وَالْوَاجِبُ هُوَ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ أَمَّا الْحَرَامُ فَهُوَ مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ.
(785) مَا حُكْمُ مَنْ يَقْدَحُ فِى دِينِ الإِسْلامِ أَوْ فِى أَحَدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ أَوْ فِى الْعُلَمَاءِ أَوِ الْقُرْءَانِ أَوْ فِى شَىْءٍ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ.
مَنْ يَقْدَحُ فِى دِينِ اللَّهِ أَىْ يَطْعَنُ فِيهِ وَيَذُمُّهُ فَهُوَ كَافِرٌ وَكَذَا مَنْ يَقْدَحُ فِى أَحَدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ أَوْ فِى جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ أَوِ الْقُرْءَانِ أَوْ فِى شَىْءٍ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ أَىْ مَعَالِمِ دِينِهِ كَالصَّلاةِ وَالأَذَانِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ.
(786) مَا حُكْمُ التَّزْمِيرِ.
التَّزْمِيرُ حَرَامٌ وَهُوَ النَّفْخُ فِى الْمِزْمَارِ. وَالْمِزْمَارُ ءَالَةٌ مُوسِيقِيَّةٌ مَصْنُوعَةٌ مِنَ الْخَشَبِ أَوِ الْحَدِيدِ يُنْفَخُ فِيهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مِزْمَارٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ وَرَنَّةٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالْهَيْثَمِىُّ وَصَحَّحَهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِىُّ.
(787) مَا حُكْمُ السُّكُوتِ عَنِ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَعَنِ النَّهْىِ عَنِ الْمُنْكَرِ.
اعْلَمْ أَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ أَىْ أَمْرَ الْغَيْرِ بِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَالنَّهْىَ عَنِ الْمُنْكَرِ أَىْ نَهْيَهُ عَنْ فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْ أَفْرَادِ الْمُكَلَّفِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فَلا يَجُوزُ السُّكُوتُ عَنِ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَعَنِ النَّهْىِ عَنِ الْمُنْكَرِ بِلا عُذْرٍ شَرْعِىٍّ لِأَنَّ السُّكُوتَ عَنِ الْبَاطِلِ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ عَلَى الإِنْكَارِ مَفْسَدَةٌ قَالَ أَبُو عَلِىٍّ الدَّقَّاق السَّاكِتُ عَنِ الْحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَس،
فَلا يَجُوزُ السُّكُوتُ عَمَّنْ يَنْتَهِكُ حُدُودَ الشَّرِيعَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الإِنْكَارِ وَخَاصَّةً فِى هَذَا الزَّمَنِ الَّذِى كَثُرَ فِيهِ الْمُفْسِدُونَ كَالْمُشَبِّهَةِ الْوَهَّابِيَّةِ أَدْعِيَاءِ السَّلَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ فَهَؤُلاءِ يَجِبُ الْحَذَرُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْهُمْ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ أَنَّ حُذَيْفَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ الرَّسُولَ ﷺ هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا، قَالَ حُذَيْفَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا فَقَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا.
وَمِمَّنْ يَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْهُ رَجَب دِيب فَإِنَّ لَهُ ضَلالاتٍ كَثِيرَةً مِنْهَا أَنَّهُ يَقُولُ بِلُغَتِهِ الْعَامِيَّةِ اللَّهُ يُدَنْدِلُ رَأْسَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ يَا عِبَادِى رُوحُوا عَلَى الْجَامِع وَيَقُولُ يُوجَدُ إِلَهَانِ الإِلَهُ الْمَعْبُودُ وَهُوَ اللَّهُ وَالإِلَهُ الَّذِى يُشَارِكُ وَهُوَ الْهَوَى وَيَقُولُ إِنَّ الرَّسُولَ أَرَادَ أَنْ يُلْقِىَ بِنَفْسِهِ مِنَ الْجَبَلِ لِيَنْتَحِرَ كَمَا أَنَّهُ يَدَّعِى النُّبُوَّةَ فَيَقُولُ نَحْنُ أَنْبِيَاءُ مُصَغَّرُونَ وَكُلُّ هَذَا كُفْرٌ وَضَلالٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
وَمِنْ كُفْرِهِ وَضَلالِهِ أَنَّهُ يَقُولُ الْفَقِيرُ تَنْبَلَة (أَىْ كَسْلانٌ) هَدَمَ رُكْنَيْنِ مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلامِ الزَّكَاةَ وَالْحَجَّ فَهُوَ مُرْتَدٌّ عَلَى طَوْقَيْنِ، وَفِى هَذَا تَكْفِيرٌ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا ثُمَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ كِفَايَتَهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ وَأَغْلَبُ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ كَانُوا فُقَرَاءَ وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْجَنَّةِ أَغْلَبُهُمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ لِقَوْلِهِ ﷺ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاء رَوَاهُ النَّسَائِىُّ.
وَيَقُولُ رَجَب دِيب فِى شَرِيطٍ لَهُ بِعُنْوَان النِّظَامُ فِى الإِسْلامِ لا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُنَادِىَ زَوْجَتَهُ بِاسْمِهَا وَلا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُنَادِىَ زَوْجَهَا بِاسْمِهِ لا هُوَ مُسْلِمٌ وَلا هِىَ مُسْلِمَةٌ. وَهَذَا كُفْرٌ لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ يُنَادِى زَوْجَاتِهِ بِأَسْمَائِهِنَّ فَقَدْ ثَبَتَ فِى الْبُخَارِىِّ أَنَّهُ قَالَ يَا خَدِيجَةُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِبَيْتٍ فِى الْجَنَّةِ وَقَالَ يَا عَائِشَةُ أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ.
(788) مَا حُكْمُ كَتْمِ الْعِلْمِ الدِّينِىِّ الْوَاجِبِ مَعَ وُجُودِ الطَّالِبِ.
كَتْمُ الْعِلْمِ الدِّينِىِّ الْوَاجِبِ مَعَ وُجُودِ الطَّالِبِ مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِى الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ. وَاللِّجَامُ هُوَ كَالَّذِى يُوضَعُ فِى فَمِ الْفَرَسِ لَكِنَّهُ مِنْ نَارٍ.
وَتَعْلِيمُ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ يَكُونُ فِى حَالٍ فَرْضَ كِفَايَةٍ وَفِى حَالٍ فَرْضَ عَيْنٍ فَإِذَا طَلَبَ شَخْصٌ مِنْ ءَاخَرَ أَنْ يُعَلِّمَهُ الْعِلْمَ الدِّينِىَّ الْوَاجِبَ وَكَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ كَتْمُهُ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحِيلَهُ إِلَى غَيْرِهِ لِيُعَلِّمَهُ إِنْ كَانَ أَهْلًا. فَيَنْبَغِى لِطَالِبِ الْعِلْمِ الَّذِى أَخَذَ الْعِلْمَ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَنْشُرَهُ لِقَوْلِهِ ﷺ بَلِّغُوا عَنِّى وَلَوْ ءَايَةً رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.
(789) ما حُكْمُ الضَّحِكِ لِخُرُوجِ الرِّيحِ مِنْ مُسْلِمٍ.
يَحْرُمُ الضَّحِكُ لِخُرُوجِ الرِّيحِ مِنْ مُسْلِمٍ أَوِ الضَّحِكُ عَلَيْهِ اسْتِحْقَارًا لَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِيذَاءِ.
(790) مَا حُكْمُ كَتْمِ الشَّهَادَةِ.
يَحْرُمُ كَتْمُ الشَّهَادَةِ بِلا عُذْرٍ بَعْدَ أَنْ دَعَاهُ الْحَاكِمُ إِلَيْهَا وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ﴾. أَمَّا إِذَا عَلِمَ اثْنَانِ عَدْلانِ بِأَنَّ فُلانًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يُرْجِعْهَا حَتَّى انْتَهَتْ عِدَّتُهَا أَوْ طَلَّقَهَا طَلاقًا بَائِنًا كَأَنْ طَلَّقَهَا ثَلاثًا وَيُرِيدُ أَنْ يَعُودَ إِلَى مُعَاشَرَتِهَا بِغَيْرِ طَرِيقٍ شَرْعِىٍّ وَجَبَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَشْهَدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُ.
(791) مَا حُكْمُ الْبَدْءِ بِالسَّلامِ ومَتَى يَكُونُ رَدُّ السَّلامِ فَرْضَ عَيْنٍ وَمَتَى يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ.
اعْلَمْ أَنَّ الْبَدْءَ بِالسَّلامِ سُنَّةٌ أَمَّا رَدُّ السَّلامِ فَهُوَ فَرْضٌ فَإِذَا سَلَّمَ مُسْلِمٌ غَيْرُ فَاسِقٍ عَلَى مُسْلِمٍ مُعَيَّنٍ فَرَدُّ السَّلامِ عَلَيْهِ فَرْضُ عَيْنٍ أَمَّا لَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ فَرَدُّ السَّلامِ عَلَيْهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَىْ يَكْفِى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَكَذَا لَوْ قَالَ السَّلامُ عَلَيْكُمْ جَمِيعًا أَوِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ فَرْدًا فَرْدًا فَإِنَّهُ يَكْفِى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ.
أَمَّا مَنْ بَلَغَهُ أَنَّ فُلانًا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ وَعَلَيْهِ السَّلامُ وَكَذَلِكَ إِذَا كَتَبَ إِلَيْهِ شَخْصٌ رِسَالَةً سَلَّمَ عَلَيْهِ فِيهَا. وَإِذَا سَلَّمَ رَجُلٌ أَجْنَبِىٌّ عَلَى مُسْلِمَةٍ وَكَانَتْ وَحْدَهَا فَلا يَجِبُ عَلَيْهَا رَدُّ السَّلامِ عَلَيْهِ وَلا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَرُدَّ السَّلامَ إِذَا قِيلَ لَهَا فُلَانٌ يُسَلِّمُ عَلَيْكِ وَكَانَ أَجْنَبِيًّا وَكَذَلِكَ إِذَا كَتَبَ إِلَيْهَا رِسَالَةً سَلَّمَ عَلَيْهَا فِيهَا.
أَمَّا لَوْ سَلَمَّ رَجُلٌ أَجْنَبِىٌّ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ النِّسَاءِ فَيَجِبُ رَدُّ السَّلامِ عَلَيْهِ وُجُوبًا كِفَائِيًّا. أَمَّا رَدُّ السَّلامِ عَلَى الطِّفْلِ فَالْقَوْلُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجِبُ. وَإِذَا الْتَقَى شَخْصَانِ فَقَالا فِى نَفْسِ اللَّحْظَةِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرُدَّ عَلَى الآخَرِ. وَإِذَا سَلَّمَ شَخْصٌ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ فَلا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ رَدُّ السَّلامِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَاسِدَةٌ.
أَمَّا السَّلامُ عَلَى الْكَافِرِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ حَرَامٌ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَكْرُوهٌ أَىْ لَيْسَ حَرَامًا لَكِنْ تَرْكُهُ مُسْتَحَبٌّ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ لِكَافِرٍ السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَحُكْمُهُ عَلَى حَسَبِ فَهْمِهِ فَإِنْ كَانَ يَفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ وَبَرَكَاتُهُ رِفْعَةَ الشَّأْنِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ أَمَّا إِنْ كَانَ يَفْهَمُ مِنْهَا الرِّزْقَ وَالصِّحَّةَ فَلا يَكْفُرُ. أَمَّا لَوْ سَلَّمَ الْكَافِرُ عَلَى مُسْلِمٍ فَلا يَجُوزُ رَدُّ السَّلامِ عَلَيْهِ لَكِنْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَوْ سَلَّمَ عَلَىَّ مَجُوسِىٌّ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ السَّلامَ وَيَجُوزُ الأَخْذُ بِهَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّهُ عَالِمٌ مُجْتَهِدٌ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ.
(792) مَتَى يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ تَقْبِيلُ زَوْجَتِهِ بِشَهْوَةٍ.
يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ تَقْبِيلُ زَوْجَتِهِ بِشَهْوَةٍ وَيَحْرُمُ عَلَى الصَّائِمِ صَوْمَ فَرْضٍ تَقْبِيلُ زَوْجَتِهِ بِشَهْوَةٍ إِنْ خَشِىَ إِنْزَالَ الْمَنِىِّ بِسَبَبِ الْقُبْلَةِ وَلا يَبْطُلُ صَوْمُهُ إِنْ لَمْ يُنْزِلْ. وَيَحْرُمُ تَقْبِيلُ الأَجْنَبِيَّةِ وَلَوْ بِلا شَهْوَةٍ وَهِىَ مَنْ سِوَى مَحَارِمِهِ وَزَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ الَّتِى تَحِلُّ لَهُ.
