(891) مَا هِىَ أَرْكَانُ التَّوْبَةِ.
أَرْكَانُ التَّوْبَةِ هِىَ الإِقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ أَىْ تَرْكُ الذَّنْبِ فَوْرًا وَالنَّدَمُ عَلَى وُقُوعِهِ فِيهِ كَأَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ يَا لَيْتَنِى مَا فَعَلْتُ ذَلِكَ وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لا يَعُودَ إِلَيْهِ أَمَّا لَوْ كَانَ نَدَمُهُ لِأَجْلِ الْفَضِيحَةِ بَيْنَ النَّاسِ أَوْ خَسَارَةِ مَالِهِ فِى الْقِمَارِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَوْبَةً. وَلا يُشْتَرَطُ لِلتَّوْبَةِ اسْتِغْفَارٌ كَقَوْلِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. وَمَعْرِفَةُ الْمَعَاصِى شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّوْبَةِ مِنْهَا لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا وَقَعَ فِى ذَنْبٍ كَيْفَ يَتْرُكُهُ وَينْدَمُ علَى فِعْلِهِ ويَعْزِمُ علَى أَنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ وهُوَ لا يَعْرِفُ أَنَّهُ ذَنْبٌ.
فَإِذَا أَتَى بِهَذِهِ الأُمُورِ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ وَمُحِىَ عَنْهُ ذَنْبُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَتَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْ كُلِّ الذُّنُوبِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا فَإِنْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ تَرْكَ فَرْضٍ كَصَلاةٍ قَضَاهُ أَوْ كَانَ فِيهَا تَبِعَةٌ لِآدَمِىٍّ اسْتَسْمَحَهُ أَوْ كَانَ فِيهَا حَقٌّ لِآدَمِىٍّ رَدَّ لَهُ حَقَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ لِأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِى عِرْضٍ أَوْ مَالٍ فَلْيَسْتَحِلَّهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، أَىْ مَنْ كَانَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِى عِرْضٍ أَوْ مَالٍ كَأَنْ سَبَّهُ أَوْ أَكَلَ لَهُ مَالَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلْيُبَرِّئْ ذِمَّتَهُ الْيَوْمَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُبَرِّئْ ذِمَّتَهُ فِى الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ لا تَرُدُّ عَنْهُ الدَّرَاهِمُ وَلا الدَّنَانِيرُ شَيْئًا،
فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُبَرِّئْ ذِمَّتَهُ مِنْ هَذِهِ الْمَظْلَمَةِ فَإِنْ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٌ أَخَذَ صَاحِبُ الْحَقِّ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ فَإِنْ لَمْ تَكْفِ حَسَنَاتُهُ لِذَلِكَ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ فَحُمِلَتْ عَلَى الظَّالِمِ. وَإِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ ثُمَّ تَابَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ وَلَوْ أَذْنَبَ مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ فَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدُنَا يُذْنِبُ الذَّنْبَ قَالَ يُكْتَبُ عَلَيْهِ قَالَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ وَيَتُوبُ قَالَ يُغْفَرُ لَهُ وَيُثَابُ عَلَيْهِ (لِأَنَّهُ فَعَلَ وَاجِبًا وَهُوَ التَّوْبَةُ مِنَ الذَّنْبِ) قَالَ ثُمَّ يَعُودُ فَيُذْنِبُ قَالَ يُكْتَبُ عَلَيْهِ قَالَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ وَيَتُوبُ قَالَ يُغْفَرُ لَهُ وَيُثَابُ عَلَيْهِ وَلا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا،
مَعْنَاهُ مَهْمَا تَكَرَّرَ الذَّنْبُ مِنَ الْعَبْدِ ثُمَّ تَابَ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَتَّصِفُ بِالْمَلَلِ الَّذِى هُوَ ضَعْفُ الْهِمَّةِ كَمَا يَقُولُ الْوَهَّابِىُّ ابْنُ الْعُثَيْمِينَ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فَتَاوَى الْعَقِيدَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ صِفَةُ الْمَخْلُوقِ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ.
(892) هَلْ تَصِحُّ تَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ مِنْ ذُنُوبِهِ.
التَّوْبَةُ عِبَادَةٌ لِأَنَّهَا فَرْضٌ وَالْعِبَادَةُ لا تَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ فَلا تَصِحُّ تَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ مِنْ ذُنُوبِهِ إِنَّمَا تَصِحُّ بَعْدَ إِسْلامِهِ لَكِنْ ذُنُوبُهُ الَّتِى عَمِلَهَا أَثْنَاءَ الرِّدَّةِ وَقَبْلَ ذَلِكَ لا تُمْحَى عَنْهُ بِرُجُوعِهِ إِلَى الإِسْلامِ إِنَّمَا الَّذِى يُغْفَرُ لَهُ بِذَلِكَ هُوَ الْكُفْرُ فَقَطْ بِخِلافِ الْكَافِرِ الأَصْلِىِّ فَإِنَّ ذُنُوبَهُ تُمْحَى بِإِسْلامِهِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ الإِسْلامُ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ أَىْ يَمْحُو مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ السَّيِّئَاتِ الْكُفْرِ وَمَا سِوَاهُ. وَالْكَافِرُ الأَصْلِىُّ هُوَ الَّذِى وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ وَبَلَغَ عَلَى الْكُفْرِ.
ءَادَابٌ إِسْلامِيَّةٌ وَنَصَائِحُ
(893) مَاذَا يَنْبَغِى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْمَلَ فِى لَيْلِهِ.
اعْلَمْ أَنَّهُ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ يَبْتَدِرُهُ مَلَكٌ وَشَيْطَانٌ، الْمَلَكُ يَقُولُ لَهُ اخْتِمْ يَقَظَتَكَ بِخَيْرٍ وَالشَّيْطَانُ يَقُولُ لَهُ اخْتِمْ يَقَظَتَكَ بِشَرٍّ فَإِنْ خَتَمَهَا بِخَيْرٍ يَحْرُسُهُ الْمَلَكُ طُولَ اللَّيْلِ، يَحْرُسُهُ مِنْ أَذَى الْجِنِّ وَنَحْوِهِ لِذَلِكَ تَوَضَّأْ أَخِى الْمُسْلِم ثُمَّ نَمْ عَلَى جَنْبِكَ الأَيْمَنِ وَأَخْلِصْ نِيَّتَكَ لِلَّهِ وَقُلْ اللَّهُمَّ قِنِى عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَك ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّ مِنْ أَسْرَارِ هَذَا الدُّعَاءِ أَنَّكَ بِإِذْنِ اللَّهِ تُحْفَظُ مِنَ الْعَذَابِ فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِىُّ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْقُدَ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ قِنِى عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ.
ثُمَّ اقْرَأْ عِنْدَ النَّوْمِ فِى كُلِّ لَيْلَةٍ سُورَةَ الْكَافِرُونَ فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ لَكَ مِنَ الشِّرْكِ. ثُمَّ قُلْ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِى لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِىُّ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِى إِلَى فِرَاشِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِى لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ النُّجُومِ وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ وَإنْ كَانَتْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا.
وَعَالِج مَوْضِعٌ بِالشَّامِ رَمْلُهُ كَثِيرٌ. وَإِذَا اسْتَيْقَظْتَ بِاللَّيْلِ فَقُلْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ قَدْ يَغْفِرُ اللَّهُ لَك كُلَّ ذُنُوبِكَ حَتَّى الْكَبَائِر. وَاعْلَمْ أَنَّ النَّوْمَ قَبْلَ انْتِصَافِ اللَّيْلِ فِيهِ بَرَكَةٌ، مَنْ يَنَامُ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ يَنَالُ خَيْرًا كَثِيرًا لِأَنَّهُ يَقُومُ قَبْلَ الْفَجْرِ يُصَلِّى وَيَدْعُو اللَّهَ وَيَذْكُرُهُ وَيَقْرَأُ الْقُرْءَانَ ثُمَّ يُصَلِّى سُنَّةَ الصُّبْحِ بَعْدَ دُخُولِ الْفَجْرِ ثُمَّ يُصَلِّى فَرْضَ الصُّبْحِ فِى وَقْتِهِ.
ثُمَّ يَقُولُ عَقِبَ صَلاتِهِ وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامِ النَّاسِ أَوْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَكَانِهِ وَقَبْلَ أَنْ يَمُدَّ رِجْلَهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِى وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ تُكْتَبُ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ مُوجِبَاتٍ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَتُمْحَى عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ مِنَ الْكَبَائِرِ وَيُحْفَظُ مِنَ السِّحْرِ وَالشَّيَاطِينِ وَالْمَكْرُوهِ أَىْ مَا يَكْرَهُهُ وَيَكُونُ مُطْمَئِنَّ الْبَالِ وَهَذَا لِمَنْ صَلَّى الصَّلاةَ فِى وَقْتِهَا.
ثُمَّ إِنْ قَالَ سَبْعَ مَرَّاتٍ اللَّهُمَّ أَجِرْنِى مِنَ النَّار قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامِ النَّاسِ وَمَاتَ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ تَمَسَّهُ نَارُ جَهَنَّمَ. ثُمَّ إِنْ قَالَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ اللَّهُمَّ أَدْخِلْنِى الْجَنَّةَ تَقُولُ الْجَنَّةُ اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ أَىْ تَدْعُو لَهُ أَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ إِيَّاهَا.
ثُمَّ اقْرَأْ أَوْرَادَ التَّحْصِينِ مِنْ أَذَى الْجِنِّ ثُمَّ امْضِ لِحَاجَاتِكَ وَفِى ذَلِكَ بَرَكَةٌ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ بُورِكَ لِأُمَّتِى فِى بُكُورِهَا. وَالرَّسُولُ ﷺ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ يَنَامُ بَعْدَ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثُمَّ لَمَّا يَصِيحُ الدِّيكُ عِنْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ يَسْتَيْقِظُ فَيَقُومُ وَيُصَلِّى ثُمَّ يَنَامُ قَلِيلًا ثُمَّ يَقُومُ قَبْلَ الْفَجْرِ يُصَلِّى ثُمَّ يَنَامُ ثُمَّ يُوقِظُهُ الْمُؤْذِّنُ لِصَلاةِ الْفَجْرِ وَيَبْقَى مُسْتَيْقِظًا وَكَانُوا يُؤَذِّنُونَ أَذَانًا قَبْلَ الْفَجْرِ بِوَقْتٍ قَلِيلٍ وَأَذَانًا بَعْدَ الْفَجْرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُكْرَهُ الْحَدِيثُ بَعْدَ الْعِشَاءِ إِلَّا فِى خَيْرٍ كَإِينَاسِ غَرِيبٍ أَوْ تَعْلِيمِ النَّاسِ مَا يَنْفَعُهُمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنْ أَخَّرَ النَّوْمَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ نَامَ قَدْ يَعْمَلُ مَعْصِيَةً فَيَكُونُ خَتَمَ يَقَظَتَهُ بِشَرٍّ لِأَنَّ تَرْكَ النَّوْمِ بَعْدَ وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى وَقْتٍ وَاسِعٍ قَدْ يُسَبِّبُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ فِيهِ مَعْصِيَةٌ أَوْ يَعْمَلَ عَمَلًا فِيهِ مَعْصِيَةٌ أَمَّا إِذَا بَكَّرَ بِالنَّوْمِ يَكُونُ خَتَمَ يَقَظَتَهُ بِمَا لا مَعْصِيَةَ فِيهِ.
(894) مَاذَا يَنْبَغِى لِلْمُسْلِمِ الْمُتَيَقِّظِ أَنْ يَعْمَلَ فِى نَهَارِهِ.
اعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِيقَاظَ بَاكِرًا أَمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ شَرْعًا لِقَوْلِهِ ﷺ بُورِكَ لِأُمَّتِى فِى بُكُورِهَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَيُسَنُّ لِلْمُسْلِمِ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُور مَعْنَاهُ نَحْمَدُ اللَّهَ أَنْ جَعَلَنَا نَسْتَيْقِظُ مِنْ نَوْمِنَا وَنَعِيشُ وَلَمْ يُمِتْنَا وَنَحْنُ نَائِمُونَ وَهُوَ الَّذِى يُحْيِينَا بَعْدَ مَوْتِنَا لِلْبَعْثِ.
وَيُسَنُّ أَنْ يَسْتَعْمِلَ السِّوَاكَ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ وَأَنْ يَنْوِىَ فِعْلَ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابَ الْمُحَرَّمَاتِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ. وَإِذَا أَرَادَ الدُّخُولَ إِلَى بَيْتِ الْخَلاءِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ ثُمَّ يَدْخُلُ بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى وَيَقْضِى حَاجَتَهُ ثُمَّ يَنْوِى أَنَّهُ يَسْتَنْجِى وَيَفْعَلُ السُّنَنَ وَيَتْرُكُ الْمَكْرُوهَاتِ ابْتِغَاءَ الأَجْرِ مِنَ اللَّهِ وَلا يَسْتَنْجِى بِيَمِينِهِ وَلا يَذْكُرُ اللَّهَ فِى بَيْتِ الْخَلاءِ بِلِسَانِهِ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ ثُمَّ يَخْرُجُ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ غُفْرَانَكَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنِّىَ الأَذَى وَعَافَانِى.
ثُمَّ يَتَّجِهُ إِلَى الْقِبْلَةِ بَعْدَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَرْفَعُ بَصَرَهُ وَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَـهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَخْفِضُ بَصَرَهُ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِى مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِى مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
ثُمَّ يَتَّجِهُ إِلَى الْقِبْلَةِ وَيُؤَذِّنُ وَيُصَلِّى عَلَى النَّبِىِّ ﷺ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاةِ الْقَائِمَةِ ءَاتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِى وَعَدْتَهُ. ثُمَّ يُصَلِّى سُنَّةَ الصُّبْحِ ثُمَّ يُقِيمُ الصَّلاةَ وَيُصَلِّى الصُّبْحَ جَمَاعَةً مَعَ أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ وَيَنْبَغِى أَنْ يَخْشَعَ فِى صَلاتِهِ لِيَنَالَ الثَّوَابَ مِنَ اللَّهِ. وَيَنْبَغِى أَنْ يُصَلِّىَ بِثَوْبَيْنِ قَمِيصٍ طَوِيلٍ وَرِدَاءٍ وَأَنْ يَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ قَلَنْسُوَةً وَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يَسْتَاكَ وَأَنْ يَتَّخِذَ سُتْرَةً وَأَنْ يُفَرِّجَ بَيْنَ قَدَمَيْهِ شِبْرًا.
وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِى الصَّلاةِ اللَّهُمَّ ءَاتِنَا أَفْضَلَ مَا تُؤْتِى عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ. فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى أَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلانَ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.
وَيَنْبَغِى أَنْ يَقْرَأَ ءَايَةَ الْكُرْسِىِّ بَعْدَ كُلِّ صَلاةٍ فَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ قَرَأَ ءَايَةَ الْكُرْسِىِّ فِى دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا الْمَوْتُ، مَعْنَاهُ يَصْعَدُ رُوحُهُ إِلَى الْجَنَّةِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَوْرًا ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الْجَسَدِ.
وَيَنْبَغِى أَنْ يَقْرَأَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ بَعْدَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ عَقِبَ كُلِّ صَلاةٍ شَىْءٌ عَظِيمٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا تَعَوَّذَ الْمُتَعَوِّذُونَ بِمِثْلِهِمَا، فَلا يُوجَدُ مِثْلُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فِى الْقُرْءَانِ فِى التَّعْوِيذِ. ثُمَّ يَبْدَأُ بِقِرَاءَةِ أَوْرَادِ التَّحْصِينِ فَيَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِى لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَىْءٌ فِى الأَرْضِ وَلا فِى السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَيَقُولُ حَسْبِىَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُولُ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِى لا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلا فَاجِر مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَمِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ فِى الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْـرٍ يَا رَّحْمٰن.
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا رَأَى وَجْهَهُ فِى الْمِرْءَاةِ أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِى فَحَسِّنْ خُلُقِى وَأَنْ يَقُولَ إِذَا لَبِسَ ثَوْبًا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى كَسَانِى هَذَا الثَّوْبَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّى وَلا قُوَّة وَأَنْ يَقُولَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ بِسْمِ اللَّهِ فَإِذَا نَسِىَ يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَءَاخِرَه. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ بِنِيَّةِ التَّقَوِّى عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَأَنْ يَقُولَ بَعْدَ الِانْتِهَاءِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ.
وَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ لِقَضَاءِ حَاجَاتِهِ أَوْ لِعَمَلِهِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ يُقَالَ لَهُ كُفِيتَ وَوُقِيتَ وَهُدِيتَ وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ أَىْ مَالَ عَنْهُ مَعْنَاهُ إِنْ قَالَ ذَلِكَ اللَّهُ يَحْفَظُهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ يَسْرَحُونَ فِى الطُّرُقَاتِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ التَّعَرُّضَ لَهُ.
وَإِذَا أَرَادَ اسْتِيدَاعَ بَيْتِهِ وَأَهْلِهِ عِنْدَ الْخُرُوجِ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْتَوْدِعُكَ بَيْتِىَ هَذَا وَمَنْ فِيهِ وَمَا فِيهِ وَلَيْسَ شَرْطًا أَنْ يُشِيرَ إِلَيْهِ فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِىُّ وَالْبَيْهَقِىُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ إِذَا اسْتُودِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ إِذَا رَأَى فِى طَرِيقِهِ مُبْتَلًى فِى دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى عَافَانِى مِمَّا ابْتَلاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِى عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلا وَأَنْ يَقُولَ إِذَا رَأَى مَا يَسُرُّهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَات وَأَنْ يَقُولَ إِذَا رَأَى مَا يَسُوؤُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَإِذَا الْتَقَى بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَيَبْتَسِمُ فِى وَجْهِهِ وَيُصَافِحُهُ وَيُصَلِّى عَلَى النَّبِىِّ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى وَلِأَخِى هَذَا فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَفَعَلَ أَخُوهُ مِثْلَهُ يُغْفَرُ لَهُمَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِهِمَا مِنَ الصَّغَائِرِ وَقَدْ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمَا الْكَبَائِرَ فَعَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ وَيُصَلِّيَانِ عَلَى النَّبِىِّ إِلَّا لَمْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يُغْفَرَ لَهُمَا ذُنُوبُهُمَا مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا وَمَا تَأَخَّرَ رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلانِىُّ.
فَيَنْبَغِى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُكْثِرَ مِنَ الصَّلاةِ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ وَخَاصَّةً فِى عَصْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَأَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ كَثِيرًا وَأَنْ يُصَلِّىَ نَوَافِلَ الصَّلَوَاتِ وَأَنْ يَشْتَغِلَ بِعِلْمِ الدِّينِ تَعَلُّمًا وَتَعْلِيمًا بَعْدَ الِانْتِهَاءِ مِنَ الْعَمَلِ وَأَنْ يَصُومَ يَوْمَىِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ مِنْ كُلِّ أُسْبُوعٍ. وَالرَّجُلُ يَنْوِى بِعَمَلِهِ الإِنْفَاقَ عَلَى أَهْلِهِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَالْمَرْأَةُ تَنْوِى بِتَحْضِيرِ الطَّعَامِ وَغَسْلِ الثِّيَابِ الإِحْسَانَ إِلَى الزَّوْجِ وَالأَوْلادِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَالْوَلَدُ يَنْوِى الإِحْسَانَ إِلَى الْوَالِدَيْنِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ.
وَيَنْبَغِى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَذَكَّرَ دَائِمًا أَنْ يَنْوِىَ النِّيَّةَ الْحَسَنَةَ فِى كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ حَتَّى يَنَالَ الأَجْرَ وَالثَّوَابَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَقَالَ إِنَّكَ مَا تَصَدَّقْتَ مِنْ صَدَقَةٍ تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ حَتَّى اللُّقْمَةَ تَضَعُهَا فِى فِى امْرَأَتِكَ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا.
(895) اذْكُرِ الأُمُورَ الْخَمْسَةَ الَّتِى هِىَ مِنَ الْفِطْرَةِ.
اعْلَمْ أَنَّهُ يُسَنُّ تَقْلِيمُ الأَظْفَارِ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَقَصُّ الشَّارِبِ لِحَدِيثِ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ (أَىْ فِطْرَةِ الإِسْلامِ أَىْ أَنَّهَا مِنْ سُنَنِ الأَنْبِيَاءِ) الْخِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَقَصُّ الشَّارِبِ رَوَاهُ النَّسَائِىُّ. وَالْخِتَانُ وَاجِبٌ عِنْدَ الشَّافِعِىِّ وَوَقْتُ وُجُوبِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ. أَمَّا الِاسْتِحْدَادُ فَمَعْنَاهُ حَلْقُ الْعَانَةِ وَالْمُرَادُ بِالْعَانَةِ الشَّعَرُ النَّابِتُ فَوْقَ ذَكَرِ الرَّجُلِ وَحَوَالَيْهِ وَالشَّعَرُ النَّابِتُ حَوَالَىْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، أَمَّا الشَّارِبُ فَيُسَنُّ تَقْصِيرُهُ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أَنَّهُ حَلَقَ شَارِبَهُ بِالْمُوسَى إِنَّمَا صَحَّ عَنْهُ الأَمْرُ بِالْمُبَالَغَةِ فِى تَخْفِيفِهِ.
وَيُسَنُّ إِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَلا يَحْرُمُ حَلْقُهَا عِنْدَ الشَّافِعِىِّ بَلْ يُكْرَهُ وَيَحْرُمُ عِنْدَ أَبِى حَنِيفَةَ. وَيُسَنُّ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الِاكْتِحَالُ بِالإِثْمِدِ لِحَدِيثِ اكْتَحِلُوا بِالإِثْمِدِ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ (أَىْ يُقَوِّى الْبَصَرَ وَشَعَرَ الْجُفُونِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ فِى الشَّمَائِلِ وَرُوِىَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَكْتَحِلُ بِالإِثْمِدِ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ ثَلاثًا فِى كُلِّ عَيْنٍ.
(896) تَكَلَّمْ عَنْ فَضْلِ الصَّبْرِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّنْ رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أَىْ فِى الدُّنْيَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ﴿بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ وَنُثِيبُ الصَّابِرِينَ مِنْكُمْ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ أَىْ نَحْنُ مِلْكٌ لِلَّهِ وَخَلْقٌ لَهُ يَفْعَلُ بِنَا مَا يَشَاءُ ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أَىْ لِلْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّنْ رَّبِّهِمْ﴾ أَىْ تَنَالُهُمْ صَلَوَاتٌ مِنَ اللَّهِ أَىْ رَحَمَاتٌ مَقْرُونَةٌ بِالتَّعْظِيمِ أَىِ الرَّحَمَاتُ الْخَاصَّةُ الَّتِى لا يَنَالُهَا إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ الصَّابِرُونَ الْمُسَلِّمُونَ لِلَّهِ تَسْلِيمًا أَمَّا الرَّحَمَاتُ الْعَامَّةُ فِى الدُّنْيَا فَيَنَالُهَا كُلُّ أَحَدٍ كَالِانْتِفَاعِ بِالْهَوَاءِ الْعَلِيلِ وَالصِّحَّةِ وَالْمَالِ الْوَافِرِ. فَيَنْبَغِى لِلْمُؤْمِنِ إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ أَنْ يَقُولَ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِى فِى مُصِيبَتِى وَأَخْلِفْ لِى خَيْرًا مِنْهَا فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لا يُصِيبُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ فَيَسْتَرْجِعَ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ ثُمَّ يَقُول اللَّهُمَّ أْجُرْنِى فِى مُصِيبَتِى وَأَخْلِفْ لِى خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ،
أَىْ مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَصَبَرَ ثُمَّ قَالَ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فَإِنَّ جَزَاءَهُ أَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِأَفْضَلَ مِمَّا فَقَدَهُ فِى مُصِيبَتِهِ وَكَتَبَ لَهُ الأَجْرَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا حَصَلَ مَعَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ فَإِنَّهَا فَقَدَتْ زَوْجَهَا أَبَا سَلَمَةَ فَأَخْلَفَ اللَّهُ لَهَا خَيْرًا مِنْهُ وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَالصَّبْرُ مَعَ الإِيمَانِ دَرَجَةٌ عَالِيَةٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ أَىْ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ خَيْرًا أَىْ رِفْعَةً فِى الدَّرَجَةِ يَبْتَلِيهِ بِمَصَائِبِ الدُّنْيَا وَيَحْفَظُهُ مِنْ مَصَائِبِ الدِّينِ.
وَالْمُسْلِمُ الَّذِى تَكْثُرُ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ مَعَ سَلامَةِ الدِّينِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْمُسْلِمِ الَّذِى يَعِيشُ مُتَقَلِّبًا فِى الرَّاحَةِ وَلا تُصِيبُهُ الْمَصَائِبُ إِلَّا قَلِيلًا. وَقَدْ جَاءَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَالْمُؤْمِنُ فِى الْحَالَيْنِ عَلَى خَيْرٍ إِنْ أَصَابَتْهُ نِعْمَةٌ أَىْ بَسْطٌ وَرَخَاءٌ فِى الرِّزْقِ يَشْكُرُ اللَّهَ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ أَىْ بَلِيَّةٌ وَمُصِيبَةٌ يَصْبِرُ وَلا يَتَسَخَّطُ عَلَى رَبِّهِ بَلْ يَرضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُ أَجْرٌ بِهَذِهِ الْمُصِيبَةِ وَالَّذِى يُسَاعِدُ عَلَى الصَّبْرِ كَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَكَثْرَةُ ذِكْرِ أَحْوَالِ الآخِرَةِ. وَحُكِىَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الصَّالِحِينَ كَانَ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ مُصَابًا بِالْعَمَى وَكَانَ شَدِيدَ الْفَقْرِ لا أَحَدَ يَهْتَمُّ بِهِ حَتَّى رَءَاهُ النَّاسُ عَلَى الطَّرِيقِ وَالدَّبَابِيرُ تَأْكُلُ مِنْ رَأْسِهِ فَهُوَ مَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ لا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهَا عَنْهُ وَمَقْطُوعُ الرِّجْلَيْنِ لا يَقْدِرُ عَلَى الْهَرَبِ مِنْهَا فَقَالُوا سُبْحَانَ اللَّهِ كَمْ يَتَحَمَّلُ هَذَا الرَّجُلُ فَسَمِعَهُمْ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى جَعَلَ قَلْبِىَ خَاشِعًا وَلِسَانِىَ ذَاكِرًا وَبَدَنِى عَلَى الْبَلاءِ صَابِرًا إِلَهِى لَوْ صَبَبْتَ عَلَىَّ الْبَلاءَ صَبًّا مَا ازْدَدْتُ فِيكَ إِلَّا حُبًّا. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الصَّابِرِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
(897) تَكَلَّمْ عَنْ مَسَاوِئِ الْغَضَبِ وَعِلاجِهِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْغَضَبَ هَلاكٌ كَبِيرٌ يُفْسِدُ عَلَى الشَّخْصِ دِينَهُ وَدُنْيَاهُ يُخْرِجُ الإِنْسَانَ مِنْ دِينِهِ أَحْيَانًا، وَأَحْيَانًا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَمْرَ مَعِيشَتِهِ. كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَكْفُرُونَ عِنْدَ الْغَضَبِ يَسُبُّونَ خَالِقَهُمْ أَوْ يَسُبُّونَ شَعَائِرَ الإِسْلامِ كَالصَّلاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ يُوصِلُ الْغَضَبُ إِلَى الْقَتْلِ ظُلْمًا أَوْ إِلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُشَاجَرَاتِ بَيْنَ الأَهْلِ وَبَيْنَ الأَصْدِقَاءِ تَحْصُلُ فِى حَالِ الْغَضَبِ.
مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الِاسْتِشْعَارِ بِالْغَضَبِ سَلِمَ وَنَجَا مِنَ الْهَلاكِ سَلِمَ مِنْ مَهَالِكِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ أَمَّا مَنِ اتَّبَعَ الْغَضَبَ لا بُدَّ أَنْ يَهْلِكَ وَالشَّدِيدُ هُوَ الَّذِى يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ النَّاسَ وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ وَقَالَ مُوصِيًا مَنِ اسْتَوْصَاهُ لا تَغْضَبْ ثَلاثًا. فَلا يَنْبَغِى لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَنْسَاقَ وَرَاءَ الْغَضَبِ بَلْ يُعَوِّدُ نَفْسَهُ عَلَى تَرْكِ الْغَضَبِ فَيَنْبَغِى أَنْ يَكُونَ بَطِىءَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الرِّضَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ.
وَتَرْكُ الْغَضَبِ يَحْتَاجُ إِلَى مُخَالَفَةِ النَّفْسِ لِأَنَّ النَّفْسَ تُحِبُّ أَنْ تَعْلُوَ عَلَى الْغَيْرِ بِحَيْثُ إِذَا إِنْسَانٌ سَبَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَبَّهُ أَوْ بَدَلَ السَّبِّ يَضْرِبُهُ أَوْ يَقْتُلُهُ. الإِنْسَانُ فِى حَالِ الْغَضَبِ لِيَشْفِىَ غَيْظَهُ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَضُرُّهُ فِى دِينِهِ وَدُنْيَاهُ أَوْ فِى دِينِهِ فَقَطْ. فَضَبْطُ النَّفْسِ عِنْدَ الْغَضَبِ مِنْ أَكْبَرِ الْوَسَائِلِ لِلنَّجَاةِ، فِيهِ حِفْظُ الدِّينِ وَحِفْظُ الْبَدَنِ.
لَوْ كُنَّا نَعْمَلُ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا تَغْضَبْ كُنَّا سَلِمْنَا مِنْ مَهَالِكَ كَثِيرَةٍ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْغَضَبَ لَيْسَ عُذْرًا. إِذَا وَاحِدٌ غَضْبَانُ سَبَّ لَهُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ هَلْ يَقُولُ هَذَا مَعْذُورٌ، أَكْثَرُ النَّاسِ كَيْفَ يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ ظُلْمًا وَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ ظُلْمًا أَلَيْسَ بِسَبَبِ الْغَضَبِ هَلْ يَكُونُ عُذْرًا. وَعِلاجُ الْغَضَبِ كَمَا بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَرَوَى ابْنُ السُّنِّىِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِىُّ ﷺ وَأَنَا غَضْبَى ثُمَّ قَالَ يَا عُوَيْشُ قُولِى اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى ذَنْبِى وَأَذْهِبْ غَيْظَ قَلْبِى وَأَجِرْنِى مِنَ الشَّيْطَانِ. وَرَوَى الْبُخَارِىُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ صُرَدٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ وَرَجُلانِ يَسْتَبَّانِ فَأَحَدُهُمَا احْمَرَّ وَجْهُهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ إِنِّى لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ.
(898) تَكَلَّمْ عَنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَفَضْلِهِ.
رَوَى الْبَيْهَقِىُّ فِى كِتَابِ الآدَابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِى رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِى وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِى أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ. فَأَفْهَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّهُ ضَامِنٌ وَكَافِلٌ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ بَيْتًا فِى أَعْلَى الْجَنَّةِ. وَحُسْنُ الْخُلُقِ مَعْنَاهُ الإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ وَكَفُّ الأَذَى عَنِ النَّاسِ وَتَحَمُّلُ أَذَى الْغَيْرِ فَمَنْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْوَصَايَا فَهُوَ مِنَ الأَعْلَيْنَ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ لَوْ كَانَ لا يَصُومُ إِلَّا رَمَضَانَ وَلا يُصَلِّى إِلَّا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَهُوَ كَالرَّجُلِ الَّذِى يَقُومُ اللَّيْلَ يُصَلِّى وَالنَّاسُ نِيَامٌ وَيَصُومُ صِيَامًا مُتَتَابِعًا أَىْ يَصُومُ الدَّهْرَ،
هَذَا وَهَذَا دَرَجَتُهُمَا سَوَاءٌ هَذَا بِحُسْنِ خُلُقِهِ وَذَاكَ بِكَثْرَةِ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَصْلَتَانِ مَا إِنْ تَجَمَّلَ الْخَلائِقُ بِمِثْلِهِمَا حُسْنُ الْخُلُقِ وَطُولُ الصَّمْتِ رَوَاهُ ابْنُ أَبِى الدُّنْيَا الْقُرَشِىُّ فِى كِتَابِ الصَّمْتِ، مَعْنَاهُ هَاتَانِ الْخَصْلَتَانِ فِيهِمَا خَيْرٌ كَبِيرٌ فَالَّذِى يَنَالُ حُسْنَ الخُلُقِ يَنَالُ مَقَامًا عَالِيًا وَدَرَجَةً عَالِيَةً عِنْدَ اللَّهِ لِأَنَّ فِى حُسْنِ الْخُلُقِ مُخَالَفَةً شَدِيدَةً لِلنَّفْسِ وَالْهَوَى وَحُسْنُ الْخُلُقِ يَتَطَلَّبُ تَرْكَ الْغَضَبِ انْتِصَارًا لِلنَّفْسِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحَاسِنُهُمْ أَخْلاقًا وَفِى رِوَايَةٍ أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ هُمْ صَفْوَةُ الْخَلْقِ وَأَخْلاقَهُمْ أَحْسَنُ الأَخْلاقِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى مَدْحِ نَبِيِّنَا ﷺ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا عِنْدَمَا سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ خُلُقَهُ الْقُرْءَان رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، مَعْنَاهُ كَانَ يَتَخَلَّقُ بِالأَخْلاقِ الَّتِى أَمَرَ بِهَا الْقُرْءَانُ.
وَالْقُرْءَانُ يَأْمُرُ بِالْعَفْوِ وَالإِحْسَانِ وَبِكَفِّ الأَذَى عَنِ النَّاسِ وَبِتَحَمُّلِ أَذَى الْغَيْرِ. سَيِّدُنَا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمَّا الْتَقَى بِإِخْوَتِهِ الَّذِينَ ءَاذَوْهُ أَذًى شَدِيدًا أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ مَا عَامَلَهُمْ بِالْمِثْلِ كَانَ بِاسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يَرْمِيَهُمْ فِى السِّجْنِ لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ بَلْ قَالَ لَهُمْ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّى مَعْنَاهُ أَنْتُمُ الْيَوْمَ حَسِّنُوا عَمَلَكُمْ وَأَنَا أَدْعُو اللَّهَ لَكُمْ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الإِيمَانَ الْكَامِلَ وَحَسِّنْ أَخْلاقَنَا.
(899) تَكَلَّمْ عَنْ فَائِدَةِ تَقْلِيلِ الْكَلامِ.
اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الإِنْسَانُ إِنْ كَانَ فِى حَالِ الْجِدِّ أَوِ الْهَزْلِ أَوْ فِى حَالِ الرِّضَى أَوِ الْغَضَبِ يُسَجِّلُهُ الْمَلَكَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ أَىِ الْمَلَكَانِ الْكَاتِبَانِ أَحَدُهُمَا قَاعِدٌ عَنِ الْيَمِينِ وَهُوَ رَقِيبٌ وَالآخَرُ عَنِ الشِّمَالِ وَهُوَ عَتِيدٌ.
رَقِيبٌ يُسَجِّلُ الْحَسَنَاتِ وَعَتِيدٌ يُسَجِّلُ السَّيِّئَاتِ وَأَحَدُهُمَا يُسَجِّلُ الْمُبَاحَاتِ ثُمَّ تُمْحَى الْمُبَاحَاتُ وَتَبْقَى الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ الَّتِى لَمْ يَتُبْ مِنْهَا. فَهَلْ يَسُرُّ الْعَاقِلَ أَنْ يَرَى فِى كِتَابِهِ الَّذِى يَتَنَاوَلُهُ مِنْ أَيْدِى الْمَلائِكَةِ حِينَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ فِى الْقِيَامَةِ الْكَلِمَاتِ الَّتِى تَكَلَّمَ بِهَا فِى الدُّنْيَا مِنْ كُفْرٍ أَوْ مَعَاصٍ بَلْ يَسُوؤُهُ ذَلِكَ وَيُحْزِنُهُ حِينَ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ فَإِنَّ مَنِ اسْتَعْمَلَ لِسَانَهُ فِيمَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ وَلَمْ يَشْكُرْ رَبَّهُ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِىُّ عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَإِنَّا مُؤَاخَذُونَ بِمَا نَنْطِقُ بِهِ فَقَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ.
فَاللِّسَانُ إِذَا لَمْ يَحْفَظْهُ صَاحِبُهُ يُوقِعُهُ فِى الْمَهَالِكِ إِمَّا فِى الْكُفْرِ وَإِمَّا فِى الْمَعْصِيَةِ وَإِمَّا فِى الْكَلامِ الَّذِى لا فَائِدَةَ فِيهِ لِذَلِكَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطُولِ الصَّمْتِ فَإِنَّهُ قَالَ لِأَبِى ذَرٍّ الْغِفَارِىِّ عَلَيْكَ بِطُولِ الصَّمْتِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّهُ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيْطَانِ عَنْكَ وَعَوْنٌ لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ صَمَتَ نَجَا رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ.
وَطُولُ الصَّمْتِ مَعْنَاهُ تَقْلِيلُ الْكَلامِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ كَذِكْرٍ أَوْ قِرَاءَةِ قُرْءَانٍ أَوْ تَعْلِيمِ النَّاسِ عِلْمَ الدِّينِ. فَطُولُ الصَّمْتِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ مَطْلُوبٌ لِأَنَّهُ يُعِينُ الشَّخْصَ عَلَى أَمْرِ الدِّينِ وَيُنْجِى صَاحِبَهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمَهَالِكِ فَأَكْثَرُ الْكُفْرِ يَكُونُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْكَلامِ. الشَّيْطَانُ إِذَا رَأَى الْمُسْلِمَ قَلِيلَ الْكَلامِ يَتْرُكُهُ أَمَّا إِذَا رَءَاهُ كَثِيرَ الْكَلامِ يَشْتَغِلُ بِهِ حَتَّى يُوقِعَهُ فِى كُفْرٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ فَمَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ فَلا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِخَيْرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّكَ مَا تَزَالُ سَالِمًا مَا سَكَتَّ فَإِذَا تَكَلَّمْتَ كُتِبَ عَلَيْكَ أَوْ لَكَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِى الدُّنْيَا فِى كِتَابِ الصَّمْتِ وَمَعْنَاهُ مَا دَامَ الإِنْسَانُ سَاكِتًا عَنِ الْكَلامِ فَهُوَ سَالِمٌ فَإِذَا تَكَلَّمَ بِخَيْرٍ كُتِبَ لَهُ وَإِذَا تَكَلَّمَ بِشَرٍّ كُتِبَ عَلَيْهِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَصْلَتَانِ مَا إِنْ تَجَمَّلَ الْخَلائِقُ بِمِثْلِهِمَا حُسْنُ الْخُلُقِ وَطُولُ الصَّمْتِ، مَعْنَاهُ هَاتَانِ الْخَصْلَتَانِ فِيهِمَا خَيْرٌ كَبِيرٌ فَيَنْبَغِى لِلإِنْسَانِ أَنْ يَتَحَلَّى بِهِمَا. وَحُسْنُ الْخُلُقِ مَعْنَاهُ الإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ وَكَفُّ الأَذَى عَنِ النَّاسِ وَتَحَمُّلُ أَذَى الْغَيْرِ.
(900) تَكَلَّمْ عَنِ التَّوَاضُعِ.
التَّوَاضُعُ هُوَ تَرْكُ التَّرَفُّعِ عَلَى الْغَيْرِ وَهُوَ مَطْلُوبٌ مَعَ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَالأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ لِوَجْهِ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَيْسَ فِيهِمُ الأَكَابِرُ كَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِىٍّ إِنَّكُمْ لَتَغْفُلُونَ عَنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَةِ التَّوَاضُع، أَىْ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْمَلُونَ بِهَذَا الأَمْرِ الَّذِى هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ أَىْ مِنْ أَفْضَلِ الْحَسَنَاتِ عِنْدَ اللَّهِ وَقَالَ ﷺ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةً رَفَعَهُ اللَّهُ دَرَجَةً حَتَّى يَكُونَ فِى أَعْلَى عِلِّيِّينَ.
وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ سَيِّدَ الْمُتَوَاضِعِينَ وَأَوْصَى أُمَّتَهُ بِالتَّوَاضُعِ وَتَرْكِ التَّرَفُّعِ لِأَنَّ التَّوَاضُعَ يَجْلِبُ التَّآلُفَ وَالتَّحَابَّ أَمَّا تَرْكُهُ فَإِنَّهُ يُسَبِّبُ خِلافَ ذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ لِعِبَادِهِ أَنْ يَكُونُوا مُتَوَاضِعِينَ وَلا يُحِبُّ أَهْلَ الْفَخْرِ وَالْعُجْبِ وَالْكِبْرِيَاءِ. وَالتَّوَاضُعُ سَبَبٌ لِلتَّحَابِّ بَيْنَ الإِخْوَةِ وَسَبَبٌ لِلتَّوَاصُلِ وَالتَّزَاوُرِ وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَى النَّاسِ.
وَالدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَحْتَاجُ إِلَى التَّوَاضُعِ وَالتَّوَافُقِ وَالتَّحَابِّ أَمَّا الِاسْتِبْدَادُ وَالتَّرَفُّعُ فَلا يُنَاسِبُ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ فَيَنْبَغِى لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاضِعًا حَتَّى يَتَرَقَّى عِنْدَ اللَّهِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْمُتَوَاضِعِينَ.
(901) مَا هِىَ النَّصِيحَةُ الَّتِى يَنْبَغِى أَنْ يَعْمَلَ بِهَا الطُّلَّابُ قَبْل دُخُولِهِمُ الِامْتِحَانَاتِ.
يَنْبَغِى لِلطَّالِبِ عِنْدَ الدُّخُولِ إِلَى الِامْتِحَانِ أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ وَيَقُولَ اللَّهُمَّ لا سَهْلَ إِلَّا مَا جَعَلْتَهُ سَهْلا وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْحَزْنَ إِذَا شِئْتَ سَهْلا ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ وَ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لِى أَمْرِى وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لّسَانِى يَفْقَهُوا قَوْلِى﴾ وَأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ يَا مُيَسِّرًا كُلَّ أَمْرٍ عَسِير سَهِّلْ مُرَادِى بِفَضْلِكَ الْوَاسِع، اللَّهُمَّ أَنْجِحْنِى فِى امْتِحَانِى هَذَا.
(902) مَا مَعْنَى سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ جُوَيْرِيَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِىَ فِى مَسْجِدِهَا ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِىَ جَالِسَةٌ فَقَالَ مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِى فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا قَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمَ لَوَزَنَتْهُنَّ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ.
وَمَعْنَى سُبْحَانَ اللَّهِ أُنَزِّهُ اللَّهَ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ أَىْ عَنْ كُلِّ مَا لا يَلِيقُ بِهِ. وَمَعْنَى سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ أُسَبِّحُ اللَّهَ كَثِيرًا بِعَدَدِ مَخْلُوقَاتِهِ تَسْبِيحًا يَرْضَاهُ رَبُّنَا وَهَذَا التَّسْبِيحُ شَىْءٌ عَظِيمٌ كَمَا أَنَّ زِنَةَ الْعَرْشِ شَىْءٌ عَظِيمٌ. وَمَعْنَى سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ أُسَبِّحُ اللَّهَ تَسْبِيحًا كَثِيرًا يَلِيقُ بِعَظَمَةِ كَلامِهِ كَمَا أَنَّهُ لَوْ كُتِبَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ لَكَانَ شَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا.
إِنَّمَا قَالَ كَلِمَاتِهِ تَعْظِيمًا لِكَلامِ اللَّهِ الَّذِى هُوَ صِفَتُهُ كَمَا عَبَّرَ اللَّهُ بِلَفْظِ إِنَّا وَنَحْنُ لِتَعْظِيمِ نَفْسِهِ لا لِأَنَّهُ مُتَعَدِّدٌ بَلْ هُوَ وَاحِدٌ وَكَلامُهُ وَاحِدٌ أَىْ لَيْسَ شَيْئًا مُتَجَزِّءًا لَيْسَ شَيْئًا مُرَكَّبًا وَقَدْ قَالَ بِوَحْدَةِ كَلامِ اللَّهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَالْحَافِظِ الْبَيْهَقِىِّ وَمِنْ عُلَمَاءِ الْمَغْرِبِ أَبُو عَلِىٍّ السَّكُونِىُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
(903) مَاذَا يَكْسِبُ مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا.
رَوَى الطَّبَرَانِىُّ فِى الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا فَأَنَا الزَّعِيمُ لَآخُذَنَّ بِيَدِهِ حَتَّى أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَىْ مَنْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى الدَّوَام. رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا أَىْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ رَبِّى وَالإِسْلامُ دِينِى وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّى، وَأَنَا الزَّعِيمُ أَىْ أَنَا الْكَافِلُ الضَّامِنُ.
وَالصَّبَاحُ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى نَحْوِ ثَلاثِ سَاعَاتٍ وَنِصْفٍ. وَوَرَدَتْ رِوَايَةٌ مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى فَنَحْطَاطُ وَنَقُولُهَا فِى الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَوَرَدَتْ رِوَايَةٌ فِيهَا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا فَلِذَلِكَ نَقُولُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا ثُمَّ نَقُولُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا.
(904) مَا مَعْنَى وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ لِأَبِى ذَرٍّ وَلا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكَ وَانْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَكَ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِى ذَرٍّ الْغِفَارِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ لَهُ أَشْيَاءَ أَوْصَاهُ بِهَا وَلا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكَ وَانْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَكَ، مَعْنَاه يَنْبَغِى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فِى الْمَالِ وَالرِّزْقِ وَصِحَّةِ الْجِسْمِ لِأَنَّهُ إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فِى الْمَالِ وَالْغِنَى يَزِيدُهُ طَمَعًا فِى الدُّنْيَا وَبُعْدًا عَنِ الآخِرَةِ وَنِسْيَانًا لَهَا لِأَنَّ قَلْبَهُ يَنْشَغِلُ بِالسَّعْىِ لِيَكُونَ مِثْلَهُ فَيَنْسَى شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ يَجُرُّهُ ذَلِكَ إِلَى السَّعْىِ فِى تَكْثِيرِ الْمَالِ بِطَرِيقِ حَرَامٍ فَيَهْلِك.
أَمَّا فِى أُمُورِ الدِّينِ فَيَنْبَغِى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ فِى الدِّينِ حَتَّى يَتَرَقَّى عِنْدَ اللَّهِ وَيَكُونَ لَهُ دَرَجَةٌ عَالِيَةٌ. كَانَ فِى بَنِى إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ غَنِىٌّ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ وَلَهُ ابْنُ أَخٍ، وَابْنُ أَخِيهِ هَذَا كَانَ مُتَعَلِّقَ الْقَلْبِ بِالْمَالِ فَأَرَادَ أَنْ يَصِلَ إِلَى مَالِ عَمِّهِ لِيَتَنَعَّمَ بِهِ فَقَتَلَهُ ثُمَّ وَضَعَهُ عَلَى بَابِ أُنَاسٍ لَيْسَ لَهُمْ عَلاقَةٌ بِهَذهِ الْجَرِيمَةِ وَقَالَ هَؤُلاءِ قَتَلُوا عَمِّى فَثَارُوا وَعَشِيرَتُهُ أَيْضًا ثَارُوا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا بِحَالِهِ فَحَصَلَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ فِينَا نَبِىُّ اللَّهِ مُوسَى نَرْجِعُ إِلَيْهِ وَلا نَتَقَاتَلُ فَأَخْبَرُوا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالْقِصَّةِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ،
قَالَ لَهُمْ تَذْبَحُونَ هَذِهِ الْبَقَرَةَ فَتَضْرِبُونَ هَذَا الْقَتِيلَ بِجُزْءٍ مِنْهَا فَفَعَلُوا فَأَحْيَا اللَّهُ هَذَا الْقَتِيلَ الْمَيِّتَ فَنَطَقَ قَالَ قَتَلَنِى ابْنُ أَخِى. إِلَى هَذَا الْحَدِّ يُوصِلُ حُبُّ الْمَالِ لِذَلِكَ الرَّسُولُ ﷺ أَوْصَى بِأَنْ يَنْظُرَ الْمُسْلِمُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فِى أُمُورِ الْمَعِيشَةِ وَأَنْ لا يَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ. الأَنْبِيَاءُ وَالأَوْلِيَاءُ لا يَتَنَعَّمُونَ لِأَنَّ تَرْكَ التَّنَعُّمِ يُسَاعِدُ عَلَى الِاسْتِعْدَادِ لِلآخِرَةِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْعَامِلِينَ بِوَصَايَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
(905) تَكَلَّمْ عَنْ فَضْلِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا مُمْسِيًا إِلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِى الْجَنَّةِ وَمَنْ أَتَاهُ مُصْبِحًا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِىَ وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِى الْجَنَّةِ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَأَبُو دَاوُدَ. فَمَنْ خَرَجَ فِى الْمَسَاءِ لِزِيَارَةِ مَرِيضٍ مُسْلِمٍ لِوَجْهِ اللَّهِ خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ وَيَكُونُ لَهُ مَخْرَفَةٌ فِى الْجَنَّةِ أَىْ بُسْتَانٌ وَمَنْ خَرَجَ فِى الصَّبَاحِ لِزِيَارَةِ مَرِيضٍ خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِىَ وَيَكُونُ لَهُ بُسْتَانٌ فِى الْجَنَّةِ.
فَمَنْ بَكَّرَ فِى عِيَادَةِ مَرِيضٍ كَانَ ثَوَابُهُ أَعْظَمَ فَإِنْ عَادَهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ فَائِدَةً وَنَفْعًا لَهُ مِمَّا لَوْ زَارَهُ بَعْدَ الظُّهْرِ لِأَنَّ الْمَلائِكَةَ يَخْرُجُونَ مَعَهُ مِنْ وَقْتِ خُرُوجِهِ لِعِيَادَةِ هَذَا الْمَرِيضِ الْمُسْلِمِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ إِلَى ءَاخِرِ النَّهَارِ وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ مَرِيضًا بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ إِنْ بَكَّرَ يَكُونُ أَكْثَرَ ثَوَابًا مِمَّا لَوْ خَرَجَ بَعْدَ سَاعَتَيْنِ أَوْ ثَلاثِ سَاعَاتٍ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وَمِمَّا يَكْسِبُهُ الْمُسْلِمُ بِعِيَادَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ الْمَرِيضِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَجْعَلُ لَهُ بُسْتَانًا فِى الْجَنَّةِ وَالْبُسْتَانُ فِى الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا فَمَا مِنْ شَجَرَةٍ فِى الْجَنَّةِ إِلَّا وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ. وَيُسَنُّ لِلزَّائِرِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَةِ الْمَرِيضِ أَوْ عَلَى يَدِهِ وَيَسْأَلُهُ كَيْفَ هُوَ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَمَامُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ أَنْ يَضَعَ أَحَدُكُمْ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ عَلَى يَدِهِ فَيَسْأَلُهُ كَيْفَ هُوَ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ.
وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لِلْمَرِيضِ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ إِلَّا عَافَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ رَوَاهُ التِّرمِذِىُّ وَأَبُو دَاوُدَ. وَرَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا عَادَ مَرِيضًا (أَىْ زَارَهُ) قَالَ أَذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِى لا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا.
أَذْهِبِ الْبَأْسَ أَىْ أَذْهِبِ الْمَرَضَ، أَنْتَ الشَّافِى أَىْ خَالِقُ الشِّفَاءِ، لا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ أَىْ لا أَحَدَ يَخْلُقُ الشِّفَاءَ سِوَاكَ، لا يُغَادِرُ سَقَمًا مَعْنَاهُ شِفَاءً تَامًّا. وَمِمَّا يُسَاعِدُ عَلَى الشِّفَاءِ بِإِذْنِ اللَّهِ كَثْرَةُ الِاسْتِغْفَارِ وَالصَّدَقَةُ عَلَى فَقِيرٍ مُنْكَسِرِ الْخَاطِرِ وَالدُّعَاءُ فِى صَلاةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَوْ بِرُبْعِ سَاعَةٍ فِى السُّجُودِ. وَوَرَدَ فِى حَدِيثٍ صَحِيحٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ وَالطَّبَرَانِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ قَالَ فِى مَرَضِهِ الَّذِى يَمُوتُ فِيهِ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَر، لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْد، لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه لَمْ تَمَسَّهُ نَارُ جَهَنَّم.
(906) مَا حُكْمُ التَّنَعُّمِ وَمَا هِىَ فَوَائِدُ تَرْكِ التَّنَعُّمِ.
اعْلَمْ أَنَّ التَّنَعُّمَ مِنْهُ مَا هُوَ جَائِزٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ وَالْجَائِزُ هُوَ التَّوَسُّعُ فِى الْمَلَذَّاتِ مِنَ الْمَطْعُومَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ وَلُبْسِ الثِّيابِ الْفَاخِرَةِ وَاتِّخَاذِ الأَثَاثِ الْجَمِيلِ لِغَيْرِ الْفَخْرِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ. أَمَّا أَكْلُ الطَّعَامِ اللَّذِيذِ أَوْ لُبْسُ اللِّبَاسِ الْجَمِيلِ فِى بَعْضِ الأَوْقَاتِ فَلا يَكُونُ تَنَعُّمًا وَكَذَلِكَ أَكْلُ اللَّحْمِ فِى بَعْضِ الأَحْيَانِ لِحِفْظِ الْبَدَنِ لا يُعْتَبَرُ تَنَعُّمًا.
وَأَكْلُ الْخُبْزِ مَعَ الزَّيْتِ وَأَكْلُ الْمَعْكَرُونَةِ مَعَ اللَّبَنِ لَيْسَ تَنَعُّمًا. وَشُرْبُ الْمَاءِ الْبَارِدِ وَالْحَلِيبِ الْبَارِدِ لَيْسَ تَنَعُّمًا بَلْ هُوَ نَعِيمٌ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْنَا وَالرَّسُولُ ﷺ كَانَ يَشْرَبُ الْمَاءَ الْبَارِدَ فَلا يُعَدُّ تَنَعُّمًا. أَمَّا الْمُدَاوَمَةُ عَلَى أَكْلِ الْبَطَاطَا الْمَسْلُوقَةِ مَعَ الْبَيْضِ الْمَسْلُوقِ وَالزَّيْتِ فَهُوَ تَنَعُّمٌ أَمَّا إِذَا أَكَلَهُ قَلِيلًا فَلا يُعَدُّ تَنَعُّمًا.
أَمَّا الْبَيْتُ الْوَاسِعُ فَلا يُعْتَبَرُ تَنَعُّمًا بَلْ فِيهِ ثَوَابٌ إِذَا كَانَ لِمَقْصِدٍ حَسَنٍ كَأَنْ كَانَ عَالِمًا وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَ لِتَدْرِيسِ النَّاسِ عِلْمَ الدِّينِ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِىءُ يَسْتَعْمِلُهُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَيْسَ تَنَعُّمًا. أَمَّا الْمُحَرَّمُ فَهُوَ التَّنَعُّمُ الَّذِى يُؤَدِّى إِلَى تَضْيِيعِ وَاجِبٍ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالأَوْلادِ الَّذِينَ هُمْ دُونَ الْبُلُوغِ وَالْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ أَوْ يُؤَدِّى إِلَى التَّقْصِيرِ فِى سَدِّ الضَّرُورَاتِ وَالضَّرُورَاتُ لَيْسَ الْجُوعَ وَالْعُرْىَ وَفَقْدَ الْمَأْوَى فَقَطْ بَلْ مِنْ أَهَمِّ الضَّرُورَاتِ تَعْلِيمُ عَقَائِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمُكَافَحَةُ مُخَالِفِيهَا بِالتَّعْلِيمِ وَالْبَيَانِ وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى مَالٍ.
فَالتَّنَعُّمُ يُؤَدِّى إِلَى تَرْكِ مُوَاسَاةِ الْمُحْتَاجِينَ وَقَدْ يُؤَدِّى إِلَى مَدِّ الْيَدِ إِلَى الْمَالِ الْحَرَامِ أَوْ تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ. أَمَّا تَرْكُ التَّنَعُّمِ فَإِنَّهُ يُسَاعِدُ عَلَى الِاسْتِعْدَادِ لِلآخِرَةِ وَيُقَوِّى الْقَلْبَ لِلْعَطْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ لِذَلِكَ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ بِتَرْكِ التَّنَعُّمِ قَالَ لَهُ إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ (أَىِ الصَّالِحِينَ) لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِىُّ وَرَوَى التِّرْمِذِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ،
أَىْ لا بُدَّ أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِى الْحَرَامِ حَتَّى يَصِيرَ مِنَ الأَتْقِيَاءِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ فَمَعْنَاهُ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الزَّادِ لِلآخِرَة. فَالَّذِى لا يُقَلِّلُ مِنَ التَّنَعُّمِ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِى أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا فِى الْحَرَامِ وَإِمَّا فِى الْغَفْلَةِ وَأَمَّا الْغَفْلَةُ فَهِىَ عَدَمُ إِشْغَالِ الْوَقْتِ بِمَا هُوَ نَافِعٌ وَهِىَ سَبَبُ الْمَعَاصِى وَالْمَكْرُوهَاتِ.
فَيَنْبَغِى لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكْتَفِىَ بِالْقَلِيلِ مِنَ الرِّزْقِ فَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ. فَالرِّزْقُ الْقَلِيلُ الْحَلالُ خَيْرٌ مِنَ الرِّزْقِ الْكَثِيرِ الَّذِى يُلْهِى عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ كَثْرَةَ الأَكْلِ لَيْسَ أَمْرًا مَسْتَحَبًّا فَقَدْ كَانَ الأَنْبِيَاءُ يَحْرِصُونَ عَلَى قِلَّةِ الأَكْلِ أَىْ بِحَيْثُ لا تَنْضَرُّ أَجْسَادُهُمْ لِأَنَّ قِلَّةَ الأَكْلِ الْمُؤَدِّيَةَ إِلَى ضَرَرِ الْجِسْمِ حَرَامٌ أَمَّا الْقَدْرُ الَّذِى لا يُؤَدِّى إِلَى ضَرَرِ الْجِسْمِ فَهُوَ مَحْمُودٌ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَسْبِ ابْنِ ءَادَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ وَلا بُدَّ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ.
فَيَنْبَغِى تَعْوِيدُ الْوَلَدِ عَلَى تَقْلِيلِ الأَكْلِ وَلا يَنْبَغِى الإِكْثَارُ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ إِلَّا إِذَا أَكْثَرَ الأَصْنَافَ لِضَيْفٍ دَعَاهُ لِيَأْكُلَ عِنْدَهُ لِيُدْخِلَ السُّرُورَ إِلَى قَلْبِهِ أَوْ كَانَ ضَيْفًا فَأَكْثَرُوا لَهُ الأَصْنَافَ فَأَكَلَ لِيُدْخِلَ السُّرُورَ إِلَى قُلُوبِهِمْ فَلَهُ ثَوَابٌ أَوْ طَلَبَتْ مِنْهُ أُمُّهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَصْنَافٍ كَثِيرَةٍ لِإِدْخَالِ السُّرُورِ إِلَى قَلْبِهَا.
وَالرَّسُولُ ﷺ كَانَ يَمْضِى عَلَيْهِ الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ وَلا يُوقَدُ فِى بَيْتِهِ نَارٌ إِنَّمَا كَانَ يَأْكُلُ التَّمْرَ وَالْمَاءَ وَسَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ بُقُولِ الأَرْضِ كَالْمُلُوخِيَّةِ وَالْهِنْدِبَاءِ وَالْخُبَيْزَةِ مِنْ دُونِ أَنْ تُطْبَخَ وَيَلْبَسُ الشَّعَرَ أَىِ الصُّوفَ الَّذِى يَخْرُجُ مِنَ الْغَنَمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْسَجَ وَيَبِيتُ حَيْثُ يُدْرِكُهُ الْمَسَاءُ فِى الْمَسْجِدِ أَوْ فِى الْبَرِّيَّةِ. فَتَرْكُ التَّنَعُّمِ مِنْ خِصَالِ الأَنْبِيَاءِ فَيَنْبَغِى الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فَإِنَّهُمْ سَادَاتُ الْخَلْقِ وَعَادَاتُهُمْ سَادَاتُ الْعَادَاتِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الصَّالِحِينَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الزَّاهِدِينَ.
(907) تَكَلَّمْ عَنِ التَّحَابِّ فِى اللَّهِ وَالتَّمَسُّكِ بِشَرِيعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُتَحَابُّونَ بِجَلالِى أُظِلُّهُمْ فِى ظِلِّى (أَىْ فِى ظِلِّ الْعَرْشِ) يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ رَوَاهُ الإِمَامُ مَالِكٌ فِى الْمُوَطَّإِ. فَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَكْتَسِبُهُ الإِنْسَانُ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَأَنْفَعِهِ فِى الآخِرَةِ مَحَبَّةُ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ، الْمَحَبَّةُ الَّتِى فِيهَا التَّعَاوُنُ عَلَى مَا يُرْضِى اللَّهَ. هَذِهِ الْمَحَبَّةُ هِىَ الَّتِى تَجْعَلُ صَاحِبَهَا فِى الآخِرَةِ فِى ظِلِّ الْعَرْشِ لا يُصِيبُهُ حَرُّ الشَّمْسِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، حَرُّ الشَّمْسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَشَدُّ بِكَثِيرٍ مِنْ حَرِّهَا فِى الدُّنْيَا لِأَنَّهَا تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ النَّاسِ قَدْرَ مِيلٍ،
ذَلِكَ الْيَوْمَ لا يَكُونُ فِيهِ بَيْتٌ وَلا جَبَلٌ وَلا شَجَرٌ وَلا كَهْفٌ. فَمِنْ أَنْفَعِ مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ لِلسَّلامَةِ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ التَّحَابُّ فِى اللَّهِ. وَمَعْنَى التَّحَابِّ فِى اللَّهِ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَتَعَاوَنُ مَعَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ عَلَى مَا يُحِبُّ اللَّهُ وَلا يَغُشُّ أَحَدُهُمَا الآخَرَ أَىْ لا يُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ وَلا يَغُشُّهُ فِى الْمُعَامَلَةِ بَلْ يَبْذُلُ لَهُ النُّصْحَ، يُحِبُّ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَيَكْرَهُ لَهُ مِنَ الشَّرِّ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ وَهَذَا الأَمْرُ هُوَ الْكَمَالُ لِلْمُسْلِمِ، الْمُسْلِمُ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا كَامِلًا أَىْ فِى الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا إِلَّا إِذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا وَأَحْبَابَنَا مِنَ الْمُتَحَابِّينَ فِيكَ.
