(159) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ سُورَةَ الْمُلْكِ تُنْجِى مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ بِإِذْنِ اللَّهِ.

رَوَى التِّرْمِذِىُّ فِى جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ خَيْمَةً أَىْ نَصَبَ خَيْمَةً عَلَى قَبْرٍ فَصَارَ يَسْمَعُ مِنَ الْقَبْرِ قِرَاءَةَ تَبَارَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ حَتَّى خَتَمَهَا فَذَهَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِمَا حَصَلَ فَقَالَ مُصَدِّقًا لَهُ هِىَ الْمَانِعَةُ هِىَ الْمُنْجِيَةُ أَىْ تَمْنَعُ عَنْ صَاحِبِهَا عَذَابَ الْقَبْرِ وَتُنْجِيهِ مِنْ أَهْوَالِهِ. وَرَوَى الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِىُّ عَنْ أَنَسٍ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّ فِى الْقُرْءَانِ ثَلاثِينَ ءَايَةً تَسْتَغْفِرُ لِصَاحِبِهَا حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ تَبَارَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ.

فَالَّذِى يَثْبُتُ عَلَى قِرَاءَتِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ قِرَاءَةً صَحِيحَةً لِلَّهِ تَعَالَى لا يُعَذَّبُ فِى قَبْرِهِ وَلا فِى الآخِرَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ. وَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِى تُدَاوِمُ عَلَى قِرَاءَتِهَا إِلَّا فِى حَالِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ لا يَمْنَعُهَا مِنْ حُصُولِ السِّرِّ لَهَا.

(160) هَلِ الشَّهَادَةُ سَبَبٌ لِلنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.

اعْلَمْ أَنَّ مَنْ نَالَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الشَّهَادَةِ لا يُعَذَّبُ فِى قَبْرِهِ وَلا فِى الآخِرَةِ وَالشَّهَادَةُ مِنْ خَصَائِصِ الْمُسْلِمِ فَالشَّهِيدُ هُوَ مَنْ شَهِدَ اللَّهُ لَهُ بِالْجَنَّةِ وَمَنْ شَهِدَتْ لَهُ الْمَلائِكَةُ بِالْجَنَّةِ. وَالشُّهَدَاءُ أَنْوَاعٌ فَمَنْ قُتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فِى الْمَعْرَكَةِ فَهُوَ شَهِيدُ مَعْرَكَةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّيْفُ مَحَّاءُ الْخَطَايَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ وَابْنُ حِبَّانَ.

وَقَالَ ﷺ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ وَأَبُو دَاوُدَ فَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ أَىْ دَافَعَ عَنْ مَالِهِ لِرَدِّ مُعْتَدٍ يُرِيدُ أَخْذَهُ ظُلْمًا فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ أَىْ دَافَعَ عَنْ نَفْسِهِ لِرَدِّ ظَالِمٍ أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ أَىْ قُتِلَ لِدِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ كَأَنْ دَافَعَ عَنْ زَوْجَتِهِ لِيَمْنَعَ الِاعْتِدَاءَ عَلَيْهَا بِالزِّنَا فَقَتَلَهُ الْمُعْتَدِى فَهُوَ شَهِيدٌ.

وَمَنْ مَاتَ بِغَرَقٍ أَوْ بِحَرْقٍ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ كَأَنْ مَاتَ بِسَبَبِ إِسْهَالٍ أَوِ احْتِبَاسٍ لا يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ وَلا غَائِطٌ فَهُوَ شَهِيدٌ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِىِّ مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ لَمْ يُعَذَّبْ فِى قَبْرِهِ. وَمَنْ مَاتَ غَرِيبًا عَنْ بَلَدِهِ وَأَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ مَوْتُ الْغَرِيبِ شَهَادَةٌ. وَمَنْ قَتَلَهُ الطَّاعُونُ أَوْ مَاتَ بِمَرَضِ ذَاتِ الْجَنْبِ أَوْ مَاتَ تَحْتَ الْهَدْمِ أَوْ بِالتَّرَدِّى مِنْ عُلْوٍ إِلَى سُفْلٍ فَهُوَ شَهِيدٌ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الَّتِى مَاتَتْ بِجُمْعٍ أَىْ بِسَبَبِ أَلَمِ الْوِلادَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ وَالَّذِى يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ.

(161) تَكَلَّمْ عَنْ نَعِيمِ الْقَبْرِ.

يَجِبُ الإِيمَانُ بِنَعِيمِ الْقَبْرِ كَتَوْسِيعِ الْقَبْرِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا طُولًا فِى سَبْعِينَ ذِرَاعًا عَرْضًا لِلْمُؤْمِنِ التَّقِىِّ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ الأَتْقِيَاءِ وَتَنْوِيرِهِ بِنُورٍ يُشْبِهُ نُورَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَرُؤْيَةِ مَقْعَدِهِ فِى الْجَنَّةِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً أَوَّلَ النَّهَارِ وَمَرَّةً ءَاخِرَ النَّهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَشَمِّ رَائِحَةِ الْجَنَّةِ الَّتِى تَكُونُ لَهُ أَلَذَّ

مِنْ كُلِّ لَذَّاتِ الدُّنْيَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَوِ الإِنْسَانُ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ (أَىْ لَوْنُهُمَا أَسْوَدُ مَمْزُوجٌ بِزُرْقَةٍ) يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا مُنْكَرٌ وَلِلآخَرِ نَكِيرٌ فَيَقُولانِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِى هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ فَهُوَ قَائِلٌ (أَىْ فِى الْجَوَابِ لَهُمَا) مَا كَانَ يَقُولُ (قَبْلَ الْمَوْتِ) فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا (كَامِلًا) قَالَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ

أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولانِ لَهُ إِنْ كُنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّكَ لَتَقُولُ ذَلِكَ (أَىْ كُنَّا نَعْلَمُ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ أَنَّكَ كُنْتَ عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ) ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِى قَبْرِهِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فِى سَبْعِينَ ذِرَاعًا (أَىْ يُوَسَّعُ لَهُ قَبْرُهُ سَبْعِينَ ذِرَاعًا طُولًا فِى سَبْعِينَ ذِرَاعًا عَرْضًا) وَيُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ فَيُقَالُ لَهُ نَمْ فَيَنَامُ كَنَوْمِ الْعَرُوسِ الَّذِى لا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ (إِلَيْهِ أَىْ يَنَامُ نَوْمَةً هَنِيئَةً كَنَوْمِ الرَّجُلِ الْعَرُوسِ لا يُحِسُّ بِقَلَقٍ وَلا وَحْشَةٍ) حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ.

وَبَعْضُ النَّاسِ يَتَسِّعُ قَبْرُهُمْ مَدَّ الْبَصَرِ كَمَا حَصَلَ مَعَ الصَّحَابِىِّ الْجَلِيلِ الْعَلاءِ بنِ الْحَضْرَمِىِّ الَّذِى كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الأَوْلِيَاءِ فَإِنَّهُ خَرَجَ لِلْجِهَادِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَكَانَ قَائِدًا لِلْجَيْشِ فَأَرَادَ أَنْ يَلْحَقَ بِالْكُفَّارِ فَلَمْ يَجِدْ سَفِينَةً لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا السُّفُنَ وَهَرَبُوا بِهَا فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ يَا عَلِىُّ يَا كَرِيمُ وَخَاضَ الْبَحْرَ فَلَمْ تَبْتَلَّ رُكَبُهُ، اللَّهُ

تَعَالَى جَعَلَ لَهُ الْبَحْرَ كَالأَرْضِ الْيَابِسَةِ ثُمَّ قَالَ لِلْجَيْشِ خُوضُوا فَخَاضُوا فَقَطَعُوا مِنْ دُونِ أَنْ يَلْحَقَهُمْ تَعَبٌ فَلَحِقُوا بِالْعَدُوِّ فَظَفِرُوا بِهِمْ وَكَسَرُوهُمْ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِى أَثْنَاءِ السَّفَرِ تُوُفِّىَ هَذَا الْقَائِدُ فِى أَرْضٍ بَرِّيَّةٍ فَحَفَرُوا لَهُ لِأَنَّ إِكْرَامَ الْمَيِّتِ التَّعْجِيلُ بِدَفْنِهِ حَفَرُوا لَهُ فَدَفَنُوهُ ثُمَّ بَعْدَ أَنْ تَجَاوَزُوا مَحَلَّ الدَّفْنِ لَقُوا شَخْصًا مِنْ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ قَالَ لَهُمْ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ قَامُوا عَنْ دَفْنِهِ مَنْ هَذَا الَّذِى دَفَنْتُمُوهُ قَالُوا هَذَا الْعَلاءُ بنُ الْحَضْرَمِىِّ فَقَالَ مَا جَزَاءُ صَاحِبِكُمْ أَنْ تَتْرُكُوهُ بِهَذِهِ الأَرْضِ،

هَذِهِ الأَرْضُ فِيهَا سِبَاعٌ السِّبَاعُ تَحْفُرُ لِتَأْكُلَ الْجُثَّةَ فَقَالُوا لا نَتْرُكُهُ هُنَا بِهَذِهِ الأَرْضِ فَرَجَعُوا فَحَفَرُوا فَلَمْ يَجِدُوهُ إِنَّمَا وَجَدُوا الْقَبْرَ مُمْتَدًّا مَدَّ الْبَصَرِ وَكُلَّهُ أَنْوَارٌ أَمَّا جَسَدُهُ فَلَمْ يَرَوْهُ رُفِعَ إِلَى حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ.

(162) تَكَلَّمْ عَنْ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ.

يَجِبُ الإِيمَانُ بِسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ. وَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ لا يَلْحَقُهُ فَزَعٌ وَلا انْزِعَاجٌ مِنْ سُؤَالِهِمَا لِأَنَّ اللَّهَ يُثَبِّتُ قَلْبَهُ وَهُمَا لا يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ نَظْرَةَ غَضَبٍ فَلا يَخَافُ مِنْ مَنْظَرِهِمَا الْمُخِيفِ فَإِنَّهُمَا كَمَا جَاءَ فِى الْحَدِيثِ الَّذِى رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ، وَهَوَ أَخْوَفُ مَا يَكُونُ مِنَ الأَلْوَانِ وَلَهُمَا أَعْيُنٌ حُمْرٌ كَقُدُورِ النُّحَاسِ وَصَوْتُهُمَا كَالرَّعْدِ الْقَاصِفِ.

وَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ يَفْرَحُ بِرُؤْيَتِهِمَا وَسُؤَالِهِمَا يَسْأَلانِهِ مَنْ رَبُّكَ وَمَنْ نَبِيُّكَ وَمَا دِينُكَ فَيَقُولُ اللَّهُ رَبِّى وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّى وَالإِسْلامُ دِينِى أَمَّا الْمُسْلِمُ الْعَاصِى فَيُجِيبُ الْمَلَكَيْنِ كَمَا يُجِيبُ الْمُسْلِمُ التَّقِىُّ لَكِنْ يَخَافُ مِنْ مَنَظَرِهِمَا وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَقُولُ لا أَدْرِى فَتَضْرِبُهُ الْمَلائِكَةُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ بَيْنَ أُذُنَيْهِ لَوْ ضُرِبَ بِهَا الْجَبَلُ

لَتَحَطَّمَ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ وَهُمُ الإِنْسُ وَالْجِنُّ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ (أَىِ انْصَرَفُوا عَنْهُ) وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ (أَىْ يَسْمَعُ صَوْتَ طَرْقِ نِعَالِهِمْ) إِذَا انْصَرَفُوا أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولانِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ

فِى هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ (الْكَامِلُ) فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ (أَىْ لَوْ مِتَّ عَلَى الْكُفْرِ) أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا (فَيَعْرِفُ حِينَئِذٍ فَضْلَ الإِسْلامِ مَعْرِفَةً عِيَانِيَّةً كَمَا كَانَ يَعْرِفُ فِى الدُّنْيَا مَعْرِفَةً قَلْبِيَّةً) وَأَمَّا الْكَافِرُ (الْمُعْلِنُ) أَوِ (الْكَافِرُ) الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ لا أَدْرِى كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِ فَيُقَالُ لَهُ (أَىْ تَقُولُ لَهُ الْمَلائِكَةُ إِهَانَةً لَهُ) لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ (وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ أَىْ لا عَرَفْتَ) ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ (أَىْ مَنْ كَانَ بِقُرْبِهِ مِنْ بَهَائِمَ وَطُيُورٍ) إِلَّا الثَّقَلَيْنِ (وَهُمُ الإِنْسُ وَالْجِنُّ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَجَبَ تِلْكَ الصَّيْحَةَ عَنْ أَسْمَاعِهِمْ).

وَتَسِيخُ بِهِ الأَرْضُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الأَرْضِ السَّابِعَةِ ثُمَّ تَلْفِظُهُ الأَرْضُ فَيَرْجِعُ إِلَى الْقَبْرِ. وَيُسْتَثْنَى مِنَ السُّؤَالِ النَّبِىُّ ﷺ لِشَرَفِهِ أَىْ لِعَظِيمِ قَدْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ وَالطِّفْلُ أَىِ الَّذِى مَاتَ دُونَ الْبُلُوغِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا وَشَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ لِأَنَّ رُوحَهُ تَصْعَدُ مُبَاشَرَةً إِلَى الْجَنَّةِ. وَوَرَدَ أَنَّ مَنْ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَتَهُ وَكَانَ عَاصِيًا لا يُسْأَلُ فِى قَبْرِهِ لِحَدِيثِ مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَتَهُ أَمِنَ الْفَتَّانَيْنِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ.

(163) تَكَلَّمْ عَنِ الْبَعْثِ.

يَجِبُ الإِيمَانُ بِالْبَعْثِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ وَالْبَعْثُ هُوَ خُرُوجُ الْمَوْتَى مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ إِحْيَائِهِمْ أَىْ بَعْدَ إِعَادَةِ الْجَسَدِ الَّذِى أَكَلَهُ التُّرَابُ إِنْ كَانَ مِنَ الأَجْسَادِ الَّتِى يَأْكُلُهَا التُّرَابُ فَيُعَادُ تَرْكِيبُ الْجَسَدِ عَلَى عَظْمٍ صَغِيرٍ قَدْرَ حَبَّةِ خَرْدَلَةٍ وَاحِدَةٍ يُسَمَّى عَجْبَ الذَّنَبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ أَىْ يَخْتَلِطُ هَذَا الْمَاءُ بِالتُّرَابِ وَبِعَجْبِ الذَّنَبِ فَيُعِيدُ اللَّهُ الأَجْسَادَ الَّتِى أَكَلَهَا التُّرَابُ.

وَهَذَا الْعَظْمُ لا يَبْلَى وَلَوْ سُلِّطَ عَلَيْهِ نَارٌ شَدِيدَةٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَىْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِى رِوَايَةٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ يَأْكُلُ التُّرَابُ كُلَّ شَىْءٍ مِنَ الإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبَ ذَنَبِهِ قِيلَ وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ يَنْشَأُ، أَىْ أَنَّ عَجْبَ الذَّنَبِ هُوَ أَوَّلُ عَظْمٍ يَتَكَوَّنُ فِى الْجَنِينِ وَعَلَيْهِ يُرَكَّبُ سَائِرُ جَسَدِ الإِنْسَانِ.

أَمَّا الأَنْبِيَاءُ فَلا تَبْلَى أَجْسَادُهُمْ لِقَوْلِهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، فَالأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِى قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ تَلَذُّذًا بِعِبَادَةِ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِى قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ. وَكَذَلِكَ شُهَدَاءُ الْمَعْرَكَةِ وَبَعْضُ الأَوْلِيَاءِ لا تَبْلَى أَجْسَادُهُمْ لِمَا تَوَاتَرَ مِنْ مُشَاهَدَةِ بَعْضِ الأَوْلِيَاءِ وَمِنْهُمُ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرِو بنُ الصَّلاحِ الَّذِى شُوهِدَتْ جُثَّتُهُ صَحِيحَةً لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهَا شَىْءٌ وَقَدْ مَضَى عَلَى وَفَاتِهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ.

وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ هُوَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ ثُمَّ بَعْدَهُ الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ. وَأَهْلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ مِنْ أَوَّلِ مَنْ يُبْعَثُ وَيَحْصُلُ الْبَعْثُ بَعْدَ أَنْ يَنْفُخَ الْمَلَكُ إِسْرَافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ فَيَقُومُ الأَمْوَاتُ مِنْ قُبُورِهِمْ بَعْدَ عَوْدِ الأَرْوَاحِ إِلَى أَجْسَادِهِمْ.

(164) مَا هُوَ الرُّوحُ وَأَيْنَ يَكُونُ بَعْدَ بِلَى الْجَسَدِ.

اعْلَمْ أَنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لَطِيفٌ لا يٌقبَضُ بِالْيَدِ وَلا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ إِلَّا اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتِيتُمْ مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وَلا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ بِالرُّوحِ فَإِنَّ بَعضَ جَهَلَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ يُسَمُّونَ اللَّهَ رُوحًا وَهَذَا إِلْحَادٌ وَكُفْرٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ أَنْ تَسْتَمِرَّ الْحَيَاةُ فِى أَجْسَامِ الْمَلائِكَةِ وَالإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْبَهَائِمِ مَا دَامَتِ الأَرْوَاحُ مُجْتَمِعَةً مَعَهَا وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ مُحَمَّدُ مُتَوَلِّى الشَّعْرَاوِىُّ فَقَالَ فِى كِتَابَيْهِ التَّفْسِيرِ وَالْفَتَاوَى إِنَّ الْبَهَائِمَ لا أَرْوَاحَ لَهَا فَكَذَّبَ بِذَلِكَ الْقُرْءَانَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أَىْ رَجَعَتِ الأَرْوَاحُ إِلَيْهَا فَبُعِثَتْ ثُمَّ حُشِرَتْ.

وَالْمُؤْمِنُ التَّقِىُّ إِذَا مَاتَ وَبَلِىَ جَسَدُهُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا عَجْبُ الذَّنَبِ يَكُونُ رُوحُهُ فِى الْجَنَّةِ أَمَّا شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ فَيَصْعَدُ رُوحُهُ فَوْرًا إِلَى الْجَنَّةِ. وَتَكُونُ أَرْوَاحُ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ أَىْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا بِلا تَوْبَةٍ بَعْدَ بِلَى الْجَسَدِ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَبَعْضُهُمْ فِى السَّمَاءِ الأُولَى أَمَّا الشَّهِيدُ الْعَاصِى أَىْ شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ فَيَصْعَدُ رُوحُهُ فَوْرًا إِلَى الْجَنَّةِ. وَتَكُونُ أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ بَعْدَ أَنْ تَبْلَى أَجْسَادُهُمْ فِى سِجِّينٍ وَهُوَ مَكَانٌ مُظْلِمٌ وَمُوحِشٌ فِى الأَرْضِ السَّابِعَةِ وَتَبْقَى فِى سِجِّينٍ تُعَذَّبُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

(165) تَكَلَّمْ عَنِ الْحَشْرِ.

يَجِبُ الإِيمَانُ بِالْحَشْرِ وَهُوَ أَنْ يُسَاقُوا بَعْدَ الْبَعْثِ إِلَى مَكَانٍ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ الشَّامُ لَكِنَّهُ يُوَسَّعُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لِيَسَعَ الْجَمِيعَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ أَىْ مَلَكٌ يَسُوقُهُ إِلَى مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ وَمَلَكٌ ءَاخَرُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُنْقَلُونَ عِنْدَ دَكِّ الأَرْضِ إِلَى ظُلْمَةٍ عِنْدَ الصِّرَاطِ. هَذِهِ الأَرْضُ تُدَكُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَىْ تُزَلْزَلُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَيَنْهَدِمُ كُلُّ بِنَاءٍ عَلَيْهَا وَيَنْعَدِمُ ثُمَّ بَعْدَ أَنْ تُبَدَّلَ الأَرْضُ غَيْرَهَا يُعِيدُ اللَّهُ الْبَشَرَ إِلَيْهَا وَيَقْضِى بَيْنَهُمْ.

وَيَكُونُ الْحَشْرُ عَلَى الأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ وَهِىَ أَرْضٌ مُسْتَوِيَةٌ كَالْجِلْدِ الْمَشْدُودِ لا جِبَالَ فِيهَا وَلا وِدْيَانَ أَكْبَرُ وَأَوْسَعُ مِنْ أَرْضِنَا هَذِهِ بَيْضَاءُ كَالْفِضَّةِ وَيَكُونُ النَّاسُ فِى الْحَشْرِ عَلَى ثَلاثَةِ أَحْوَالٍ فَقِسْمٌ مِنْهُمْ طَاعِمُونَ كَاسُونَ رَاكِبُونَ عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا أَىْ سُرُوجُهَا مِنْ ذَهَبٍ وَهُمُ الأَتْقِيَاءُ وَقِسْمٌ يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً وَهُمْ بَعْضُ فَسَقَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقِسْمٌ يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً وَيُجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَىْ تَسْحَبُهُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَهُمُ الْكُفَّارُ فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يُبْعَثُ النَّاسُ (أَىْ أَغْلَبُ النَّاسِ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا (أَىْ غَيْرَ مَخْتُونِينَ) فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ قَالَ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أَىْ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَالٌ يَشْغَلُهُ عَنِ النَّظَرِ فِى حَالِ غَيْرِهِ.

وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ وَالأَوْلِيَاءَ وَالأَتْقِيَاءَ وَالأَطْفَالَ وَالشُّهَدَاءَ لا يُحْشَرُونَ عُرَاةً. وَالْكَافِرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِى بَعْضِ الأَوْقَاتِ يَمْشِى عَلَى وَجْهِهِ، كَمَا أَمْشَاهُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا عَلَى رِجْلَيْهِ يُمْشِيهِ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى يُظْهِرَ أَنَّهُ حَقِيرٌ وَتُسَلَّطُ الشَّمْسُ عَلَى الْكُفَّارِ الَّتِى تَكُونُ وَاقِفَةً فِى الْفَضَاءِ بِلا غُرُوبٍ وَلا شُرُوقٍ فَيَغْرَقُونَ فِى الْعَرَقِ حَتَّى يَصِلَ عَرَقُ أَحَدِهِمْ إِلَى فَمِهِ وَلا يَتَجَاوَزُ إِلَى شَخْصٍ ءَاخَرَ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُولَ الْكَافِرُ مِنْ شِدَّةِ مَا يُقَاسِى مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ رَبِّ أَرِحْنِى (أَىْ مِنْ هَذَا الْعَذَابِ) وَلَوْ إِلَى النَّارِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الْكَافِرَ لَيُلْجِمُهُ الْعَرَقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ أَرِحْنِى وَلَوْ إِلَى النَّارِ.

لَكِنْ بَعْدَ دُخُولِهِ جَهَنَّمَ يَجِدُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. أَمَّا التَّقِىُّ فَلا يُصِيبُهُ أَدْنَى انْزِعَاجٍ. فَالإِنْسُ يُحْشَرُونَ وَكَذَلِكَ الْجِنُّ وَالْبَهَائِمُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أَىْ بُعِثَتْ لِلْقِصَاصِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْخُذُ الْحُقُوقَ لِأَهْلِهَا حَتَّى يُؤْخَذَ حَقُّ الشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ الَّتِى ضَرَبَتْهَا فِى الدُّنْيَا وَالشَّاةُ الْجَلْحَاءُ هِىَ الشَّاةُ الَّتِى لَيْسَ لَهَا قَرْنٌ أَمَّا الْقَرْنَاءُ فَلَهَا قَرْنٌ وَلَكِنْ لَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تُؤْخَذَ الْقَرْنَاءُ الَّتِى ضَرَبَتِ الأُخْرَى إِلَى النَّارِ إِنَّمَا هَذِهِ تَضْرِبُ هَذِهِ كَمَا ضَرَبَتْهَا فِى الدُّنْيَا ثُمَّ تَمُوتُ وَلا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلا النَّارَ إِنَّمَا تَعُودُ تُرَابًا.

(166) تَكَلَّمْ عَنِ الْقِيَامَةِ.

الْقِيَامَةُ هِىَ قِيَامُ الْمَوْتَى لِلْحِسَابِ وَأَوَّلُهَا مِنْ خُرُوجِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَى اسْتِقْرَارِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِى الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ فِى النَّارِ. وَمِقْدَارُ الْقِيَامَةِ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وَالتَّقِىُّ لا يُحِسُّ بِطُولِ الْوَقْتِ لِأَنَّ اللَّهَ يَمْلَأُ قَلْبَهُ سُرُورًا فَيَكُونُ لَهُ كَتَدَلِّى الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ قَدْرَ سَاعَةٍ تَقْرِيبًا.

وَبَعْضُ وَقْتِ الْقِيَامَةِ لا يُسْأَلُ فِيهِ أَحَدٌ عَنْ ذَنْبِهِ إِنَّمَا يَكُونُونَ وُقُوفًا بِلا كَلامٍ حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ وَهَذَا الْوَقْتُ قَدْرُ أَلْفِ سَنَةٍ. وَوَجْبَةُ الْقِيَامَةِ أَىْ وَقْتُ وُقُوعِهَا لا يَعْلَمُهُ عَلَى التَّحْدِيدِ إِلَّا اللَّهُ. وَالْقِيَامَةُ تَقُومُ عَلَى الْكُفَّارِ بَعْدَ أَنْ يَنْفُخَ الْمَلَكُ إِسْرَافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِى الْبُوقِ فَيَمُوتُونَ وَلا يَبْقَى بَشَرٌ وَلا جِنٌّ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ إِلَّا وَقَدْ مَاتَ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَمُوتُونَ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ بِمِائَةِ عَامٍ.

ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِ الْبَشَرِ وَالْجِنِّ يَمُوتُ الْمَلائِكَةُ وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْمَلائِكَةِ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ وَخَزَنَةُ جَهَنَّمَ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ فَلا يَمُوتُونَ. ثُمَّ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ النَّفْخَةِ الأُولَى يَنْفُخُ إِسْرَافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ فَيَقُومُ الأَمْوَاتُ مِنْ قُبُورِهِمْ لِلسُّؤَالِ وَالْحِسَابِ. وَتُزَلْزَلُ الأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَتَتَحَطَّمُ جِبَالُهَا وَأَشْجَارُهَا وَالأَبْنِيَةُ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهَا، الْجِبَالُ تَصِيرُ غُبَارًا نَاعِمًا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ فَإِنَّهُ يُنْقَلُ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَسَاجِدُ كَذَلِكَ تُزَفُّ إِلَى الْجَنَّةِ وَالسَّمَوَاتُ تَتَشَقَّقُ ثُمَّ تُوضَعُ فِى الْجَنَّةِ وَالْبِحَارُ تَشْتَعِلُ نَارًا.

وَالْكُفَّارُ فِى حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَخْتِمُ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ أَىْ يَمْنَعُ أَفْوَاهَهُمْ مِنَ الْكَلامِ لِأَنَّهُمْ يُسْأَلُونَ فَيُنْكِرُونَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ فَتَنْطِقُ جَوَارِحُهُمْ وَجُلُودُهُمْ فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِمَا عَمِلُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِى أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾. وَالأَرْضُ الَّتِى فَعَلَ عَلَيْهَا الإِنْسَانُ مَعْصِيَةً فِى هَذِهِ الدُّنْيَا يُعِيدُهَا اللَّهُ فَتَشْهَدُ عَلَيْهِ وَتَقُولُ فُلانٌ فَعَلَ عَلَىَّ كَذَا وَكَذَا فِى وَقْتِ كَذَا وَكَذَا.

(167) اذْكُرْ أَشْرَاطَ السَّاعَةِ الْكُبْرَى.

أَشْرَاطُ السَّاعَةِ الْكُبْرَى أَىْ عَلامَاتُ الْقِيَامَةِ عَشَرَةٌ خُرُوجُ الدَّجَّالِ وَنُزُولُ الْمَسِيحِ مِنَ السَّمَاءِ وَخُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَخُرُوجُ دَابَّةِ الأَرْضِ وَهِىَ تُكَلِّمُ النَّاسَ وَتُمَيِّزُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ وَدُخَانٌ يَنْتَشِرُ فِى الأَرْضِ يَكَادُ الْكَافِرُونَ يَمُوتُونَ مِنْ شِدَّةِ هَذَا الدُّخَانِ وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَن تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى الْمَغْرِبِ وَثَلاثَةُ خُسُوفٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَهِىَ تَقَعُ فِى أَوْقَاتٍ مُتَقَارِبَةٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَقَعَ فِى ءَانٍ وَاحِدٍ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ وَنُزُولِ الْمَسِيحِ مِنَ السَّمَاءِ. وَالْخُسُوفُ مَعْنَاهُ انْشِقَاقُ الأَرْضِ وَبَلْعُ مَنْ عَلَيْهَا.

(168) مَنْ هُمْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ.

يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ قَبِيلَتَانِ مِنَ الْبَشَرِ كُفَّارٌ وَمَكَانُهُمْ فِى الأَرْضِ مَحْجُوبٌ عَنِ النَّاسِ حَجَزَهُمُ الصَّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَنْ قَوْمِ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ بِطَلَبٍ مِنْهُمْ لِيَمْنَعَ عَنْهُمْ عُدْوَانَهُمْ. وَالصَّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الأَوْلِيَاءِ بَنَى سَدًّا أَىْ حَاجِزًا مِنْ حَدِيدٍ ثُمَّ أُذِيبَ عَلَيْهِ النُّحَاسُ فَصَارَ أَمْتَنَ فَلا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يَتَرَقَّاهُ بِطَرِيقِ الْعَادَةِ.

وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ يُحَاوِلُونَ كُلَّ يَوْمٍ أَنْ يَخْتَرِقُوهُ كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ فَلا يَسْتَطِيعُونَ وَيَقُولُونَ كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ طُولِ عَمَلٍ وَجُهْدٍ غَدًا نُكْمِلُ فَيَعُودُونَ فِى الْيَوْمِ التَّالِى فَيَجِدُونَ مَا فَتَحُوهُ قَدْ سُدَّ إِلَى أَنْ يَقُولُوا غَدًا نُكْمِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَيَعُودُونَ فِى الْيَوْمِ التَّالِى فَيَجِدُونَ مَا بَدَؤُوا بِهِ قَدْ بَقِىَ عَلَى حَالِهِ فَيُكْمِلُونَ الْحَفْرَ وَيَخْرُجُونَ.

وَيَحْصُلُ هَذَا بَعْدَ نُزُولِ سَيِّدِنَا عِيسَى الْمَسِيحِ مِنَ السَّمَاءِ بِمُدَّةٍ. وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ لا يَمُوتُ أَحَدُهُمْ حَتَّى يَلِدَ أَلْفًا مِنْ صُلْبِهِ أَوْ أَكْثَرَ كَمَا ذَكَرَ الرَّسُولُ ﷺ فَيَصِيرُ عَدَدُهُمْ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ كَبِيرًا جِدًّا حَتَّى إِنَّ بَقِيَّةَ الْبَشَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ كَوَاحِدٍ مِنْ مِائَةٍ. وَلا يَتَجَرَّأُ الْمُسْلِمُونَ لِحَرْبِهِمْ فَيَذْهَبُ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَمَعَهُ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى جَبَلِ الطُّورِ يَدْعُونَ اللَّهَ أَنْ يُهْلِكَهُمْ وَيَسْتَغِيثُونَ بِهِ مِنْهُمْ فَيُنْزِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ دُودًا يَدْخُلُ فِى رَقَبَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَيَسْقُطُ مَيْتًا ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ تَعَالَى طُيُورًا فَتَحْمِلُهُمْ وَتَرْمِيهِمْ فِى الْبَحْرِ ثُمَّ يَنْزِلُ مَطَرٌ يَجْرِفُ ءَاثَارَهُمْ إِلَى الْبَحْرِ.

(169) مَنْ هُوَ الأَعْوَرُ الدَّجَالُ.

الأَعْوَرُ الدَّجَّالُ هُوَ رَجُلٌ كَافِرٌ عَظِيمُ الْجَسَدِ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ إِحْدَى عَيْنَيْهِ طَافِيَةٌ كَالْعِنَبَةِ وَالأُخْرَى مَمْسُوحَةٌ. وَهُوَ الآنَ مَحْبُوسٌ فِى جَزِيرَةٍ فِى الْبَحْرِ لَيْسَتْ مَعْرُوفَةً. وَيُقَالُ لَهُ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ لِكَثْرَةِ سِيَاحَتِهِ أَىْ تَنَقُّلِهِ فِى الأَرْضِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُسَهِّلُ لَهُ التَّنَقُّلَ فِى الأَرْضِ بِطَرِيقٍ غَرِيبٍ فَيُضلُّ خَلْقًا كَثِيرًا لِأَنَّهُ يَقُولُ لِلنَّاسِ أَنَا رَبُّكُمْ وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الإِيمَانِ بِهِ لَكِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ وَلا الْمَدِينَةَ لِقَوْلِهِ ﷺ إِنَّ الدَّجَّالَ لا يَدْخُلُ مَكَّةَ وَثَبَتَ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ الدَّجَّالَ يَأْتِى إِلَى الْمَدِينَةِ فَيَجِدُ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْ أَنْقَابِهَا مَلَكًا مَعَهُ سَيْفٌ مُسْلَط فَيَفِرُّ.

وَعِنْدَ ظُهُورِهِ يَكُونُ مَعَهُ نَهْرَانِ وَاحِدٌ مِنْ نَارٍ يَكُونُ بَرْدًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَوَاحِدٌ مِنْ مَاءٍ يَكُونُ نَارًا. اللَّهُ تَعَالَى ابْتِلاءً مِنْهُ يُظْهِرُ عَلَى يَدَيْهِ خَوَارِقَ مِنْهَا أَنَّهُ يَقُولُ لِلسَّمَاءِ أَمْطِرِى فَتُمْطِرُ وَيَقُولُ لِلأَرْضِ أَخْرِجِى زَرْعَكِ فَتُخْرِجُهُ وَيَشُقُّ رَجُلًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُكَذِّبُهُ فِى وَجْهِهِ نِصْفَيْنِ ثُمَّ يُحْيِيهِ بِإِذْنِ اللَّهِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ لَمْ أَزْدَدْ بِهَذَا إِلَّا تَكْذِيبًا لَكَ.

وَقَبْلَ ظُهُورِهِ بِثَلاثِ سَنَوَاتٍ تُمْسِكُ السَّمَاءُ ثُلُثَ مَائِهَا ثُمَّ فِى السَّنَةِ الَّتِى بَعْدَهَا تُمْسِكُ ثُلُثَىْ مَائِهَا ثُمَّ قَبْلَ ظُهُورِهِ بِسَنَةٍ تُمْسِكُ كُلَّ مَائِهَا. وَيُقْتَلُ الأَعْوَرُ الدَّجَّالُ بِبَابِ لُدٍّ فِى فِلَسْطِينَ يَقْتُلُهُ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ.

(170) مَا الدَّلِيلُ عَلَى نُزُولِ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّمَاءِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَاعَةِ﴾ أَىْ أَنَّ نُزُولَ سَيِّدِنَا عِيسَى مِنَ السَّمَاءِ عَلامَةٌ مِنَ الْعَلامَاتِ الْكُبْرَى لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا وَلَيَسْلُكَنَّ فَجًّا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا وَلَيَأْتِيَنَّ قَبْرِى حَتَّى يُسَلِّمَ عَلَىَّ وَلَأَرُدَنَّ عَلَيْهِ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ. فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ

سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ إِلَى الأَرْضِ وَيَحْكُمُ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَعِنْدَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ يَكُونُ وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ وَيَكُونُ الْمَهْدِىُّ فِى شَرْقِ دِمَشْقَ قَدْ تَهَيَّأَ لِصَلاةِ الْفَجْرِ فَلَمَّا يَصِلُ سَيِّدُنَا عِيسَى إِلَى الأَرْضِ يَتَأَخَّرُ الْمَهْدِىُّ فَيَقُولُ لَهُ سَيِّدُنَا عِيسَى تَقَدَّمْ لَكَ أُقِيمَتْ فَيُصَلِّى سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ خَلْفَ الْمَهْدِىِّ إِعْلامًا لِلنَّاسِ أَنَّهُ نَزَلَ لِيَحْكُمَ بِالإِسْلامِ وَيَعْمَلَ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ وَبَعْدَ تِلْكَ الْمَرَّةِ يُصَلِّى سَيِّدُنَا عِيسَى بِالنَّاسِ إِمَامًا لِأَنَّهُ نَبِىٌّ رَسُولٌ أَمَّا الْمَهْدِىُّ فَهُوَ وَلِىٌّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَالنَّبِىُّ أَفْضَلُ مِنَ الْوَلِىِّ. وَفِى زَمَانِ عِيسَى تَحْصُلُ مُعْجِزَةٌ بَاهِرَةٌ فِى تَأْيِيدِ الإِسْلامِ، كُلُّ مَوْضِعٍ يَصِلُ إِلَيْهِ نَظَرُ عِيسَى يَصِلُ إِلَيْهِ نَفَسُهُ فَيَمُوتُ الْكُفَّارُ مِنْ نَفَسِ عِيسَى وَلا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ كَافِرٌ.

(171) تَكَلَّمْ عَنْ دَعْوَةِ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَعَنْ صِفَاتِهِ الْخِلْقِيَّةِ وَالْخُلُقِيَّةِ.

سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ هُوَ ءَاخِرُ أَنْبِيَاءِ بَنِى إِسْرَائِيلَ. خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ أَبٍ كَمَا خَلَقَ ءَادَمَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَأُمٍّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾. وَلَمَّا بَلَغَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ الثَّلاثِينَ مِنَ الْعُمُرِ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى الإِسْلامِ فَدَعَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَأَنْ لا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَإِلَى الإِيمَانِ بِهِ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ مُؤَيَّدًا بِالْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّتِهِ فَآمَنَ بِهِ اثْنَا عَشَرَ شَخْصًا يُسَمَّوْنَ الْحَوَارِيِّينَ ثُمَّ صَارُوا هُمْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ دِينَ الإِسْلامِ.

عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى التَّوْرَاةَ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا سَمَاوِيًّا هُوَ الإِنْجِيلُ فِيهِ الأَمْرُ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إِذَا ظَهَرَ وَفِيهِ الأَمْرُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَأَنْ لا يُشْرَكَ بِهِ شَىْءٌ وَفِيهِ بَيَانُ أَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ كَتَحْرِيمِ شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَفِيهِ الأَمْرُ بِالصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ. وَكَانَ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ جَمِيلَ الشَّكْلِ حَسَنَ الصَّوْتِ مَرْبُوعَ الْقَامَةِ أَىْ طُولُهُ مُعْتَدِلٌ، ءَادَمَ اللَّوْنِ أَىْ ذَا سُمْرَةٍ خَفِيفَةٍ مَعَ شَىْءٍ مِنَ الْحُمْرَةِ وَبَيَاضٍ خَفِيفَيْنِ،

سَبِطَ الشَّعَرِ أَىْ شَعْرُهُ مُسْتَرْسِلٌ نَاعِمٌ. وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ زَاهِدًا لا يُبَالِى بِنَعِيمِ الدُّنْيَا وَمَلَذَّاتِهَا الْفَانِيَةِ بَلْ كَانَ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقًا بِطَاعَةِ رَبِّهِ وَالْعَمَلِ لِلآخِرَةِ فَكَانَ يَأْكُلُ مِنْ بُقُولِ الأَرْضِ كَالْمُلُوخِيَّةِ وَالْهِنْدِبَاءِ مِنْ دُونِ أَنْ تُطْبَخَ وَيَلْبَسُ الصُّوفَ الَّذِى يَخْرُجُ مِنَ الْغَنَمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْسَجَ وَلَمْ يَتَّخِذْ مَنْزِلًا يَأْوِى إِلَيْهِ بَلْ كَانَ بَيْتُهُ الْمَسَاجِدَ. وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُنْفِقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَلا يَدَّخِرُ عِنْدَهُ شَيْئًا. وَكَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ شَدِيدَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

(172) مَا هُوَ الدِّينُ الَّذِى دَعَا إِلَيْهِ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَعَلَّمَهُ لِأَتْبَاعِهِ.

اعْلَمْ أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَهُوَ ءَاخِرُ أَنْبِيَاءِ بَنِى إِسْرَائِيلَ خَلَقَهُ اللَّهُ فِى رَحِمِ أُمِّهِ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ عَلَيْهَا السَّلامُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ كَمَا خَلَقَ ءَادَمَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَأُمِّ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِى أَمْرِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ هُوَ اللَّهُ وَقَالَ بَعْضٌ هُوَ ابْنُ اللَّهِ وَهَؤُلاءِ كُفَّارٌ لِأَنَّهُمْ شَتَمُوا اللَّهَ بِنِسْبَةِ الْوَلَدِ إِلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى شَتَمَنِى ابْنُ ءَادَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَفَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّاىَ فَقَوْلُهُ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.

أَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَقَالُوا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ. وَسَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِىٌّ مُسْلِمٌ كَغَيْرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ دَعَا النَّاسَ إِلَى الإِسْلامِ وَعَلَمَّ النَّاسَ شَرِيعَةَ الإِسْلامِ وَأَتْبَاعُهُ كَانُوا عَلَى الإِسْلامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِى إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أَىْ أَنْصَارُ دِينِ اللَّهِ ﴿ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.

وَلْيُعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ عِيسَى كِتَابًا سَمَاوِيًّا هُوَ الإِنْجِيلُ فِيهِ الأَمْرُ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إِذَا ظَهَرَ. وَسُمِّىَ عِيسَى بِالْمَسِيحِ لِكَثْرَةِ سِيَاحَتِهِ أَىْ تَنَقُّلِهِ فِى الأَرْضِ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَ اللَّهِ وَيَدْعُوَهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَقِيلَ سُمِّىَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ عَلَى الأَبْرَصِ وَالأَكْمَهِ أَىِ الَّذِى يُولَدُ أَعْمَى فَيُشْفَى بِإِذْنِ اللَّهِ. وَسَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُقْتَلْ وَلَمْ يُصْلَبْ إِنَّمَا رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾.

(173) تَكَلَّمْ عَنْ رَفْعِ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلام إِلَى السَّمَاءِ.

اعْلَمْ أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُقْتَلْ وَلَمْ يُصْلَبْ إِنَّمَا رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أَىْ إِلَى مَحَلِّ كَرَامَتِهِ أَىْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِى هُوَ مُشَرَّفٌ عِنْدَهُ وَهُوَ السَّمَاءُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَسْكُنُ السَّمَاءَ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ بِلا مَكَانٍ وَلا جِهَةٍ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَىْ رَافِعُكَ إِلَى السَّمَاءِ وَمُتَوَفِّيكَ بَعْدَ إِنْزَالِكَ إِلَى الأَرْضِ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ تَرْجُمَانِ الْقُرْءَانِ.

﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَىْ مُخَلِّصُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَهُمُ الْيَهُودُ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ الْيَهُودَ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِى حَاتـِمٍ وَالنَّسَائِىُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ عِيسَى مَعَ اثْنَىْ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِهِ فِى بَيْتٍ فَقَالَ أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِى وَيُقْتَلُ مَكَانِى فَيَكُونُ رَفِيقِىَ فِى الْجَنَّةِ فَقَامَ شَابٌّ أَحَدَثُهُمْ سِنًّا فَقَالَ أَنَا قَالَ اجْلِسْ ثُمَّ عَادَ فَعَادَ فَقَالَ اجْلِسْ ثُمَّ عَادَ فَعَادَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ أَنْتَ هُوَ فَأُلْقِىَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ فَأُخِذَ الشَّابُّ فَصُلِبَ بَعْدَ أَنْ رُفِعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنْ رَوْزَنَةٍ فِى الْبَيْتِ.

وَالرَّوْزَنَةُ نَافِذَةٌ فِى السَّطْحِ يُصْعَدُ إِلَيْهَا تَكُونُ فِى زَاوِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ. وَبَعْدَ أَنْ يَنْزِلَ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ إِلَى الأَرْضِ يَمْكُثُ فِيهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُدْفَنُ فِى الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ بِجِوَارِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

(174) مَنْ هُوَ الْوَلِىُّ.

اعْلَمْ أَنَّ الْوَلِىَّ هُوَ الْمُؤْمِنُ الْمُسْتَقِيمُ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَلَّمَ مِنْ عُلُومِ الدِّينِ مَا هُوَ فَرْضٌ ضَرُورِىٌّ أَىْ حَصَّلَ الْقَدْرَ الَّذِى لا بُدَّ مِنْهُ لِصِحَّةِ الْعَقِيدَةِ وَالْعِبَادَاتِ وَعَرَفَ الْكُفْرَ وَمَا دُونَهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ فَأَدَّى جَمِيعَ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتَنَبَ جَمِيعَ الْمُحَرَّمَاتِ وَأَكْثَرَ مِنَ نَوَافِلِ الطَّاعَاتِ كَأَنْ كَانَ يُهَلِّلُ فِى الْيَوْمِ اثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَلْفَ تَهْلِيلَة وَيَكْفِى لِلْوُصُولِ لِلْوِلايَةِ أَنْ يُؤَدِّىَ جَمِيعَ الْوَاجِبَاتِ وَيَجْتَنِبَ جَمِيعَ الْمُحَرَّمَاتِ وَيُصَلِّىَ رَوَاتِبَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَىِ السُّنَنَ وَيُكْثِرَ مِنَ الذِّكْرِ.

وَهَذَا يُفْهَمُ مِنَ الْحَدِيثِ الْقُدْسِىِّ الَّذِى رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ مَنْ عَادَى لِى وَلِيًّا فَقَدْ ءَاذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ (أَىْ أَعْلَمْتُهُ أَنِّى مُحَارِبُهُ وَمَنْ كَانَ اللَّهُ مُحَارِبَهُ هَلَكَ) وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَلا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ (أَىْ حَتَّى يَصِيرَ مِنَ الأَوْلِيَاءِ). وَلا يَصِلُ الشَّخْصُ إِلَى الْوِلايَةِ إِلَّا إِذَا كَانَ خَالِيًا مِنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِى الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ كَسَنَةٍ فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْوَلِىَّ لا يَكُونُ جَاهِلًا بِعِلْمِ الدِّينِ قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلِيًّا جَاهِلًا.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى وَصْفِ أَوْلِيَاءِهِ ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أَىْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ عِقَابٌ فِى الْقَبْرِ وَلا فِى الآخِرَةِ وَلا نَكَدٍ وَلا يَحْزَنُونَ عَلَى مَا مَضَى بَعْدَ مُفَارَقَتِهِمْ لِلدُّنْيَا فَهُمْ ءَامِنُونَ ﴿الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ أَىْ يُؤَدُّونَ الْوَاجِبَاتِ وَيَجْتَنِبُونَ الْمُحَرَّمَاتِ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِى الآخِرَةِ﴾ وَبُشْرَاهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أَنَّهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مَلائِكَةٌ قَبْلَ مَوْتِهِمْ مَنْظَرُهُمْ حَسَنٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ يُبَشِّرُونَهُمْ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ فَيَذْهَبُ عَنْهُمُ الْخَوْفُ مِنَ الْمَوْتِ.

وَهَؤُلاءِ الْمَلائِكَةُ هُمْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ يَأْتُونَ إِلَى الْوَلِىِّ قَبْلَ مَجِىءِ سَيِّدِنَا عَزْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَقْعُدُونَ مِنْهُ عَلَى مَدَى أَىْ عَلَى مَسَافَةٍ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ بِاحْتِرَامٍ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فَيَمْتَلِئُ قَلْبُهُ سُرُورًا وَيَذْهَبُ عَنْهُ الْخَوْفُ مِنَ الْمَوْتِ ثُمَّ يَأْتِى سَيِّدُنَا عَزْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَيْئَةٍ جَمِيلَةٍ فَلا يَفْزَعُ مِنْهُ الْوَلِىُّ فَيُبَشِّرُهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَيَقُولُ لَهُ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا وَلِىَّ اللَّهِ أَبْشِرْ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ فِى إِدْبَارٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ أَتَتْهُ مَلائِكَةٌ وُجُوهُهُمْ كَالشَّمْسِ فَيَقْعُدُونَ مِنْهُ عَلَى مَدَى.

ثُمَّ بَعْدَ أَنْ يُبَشِّرَهُ عَزْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ يَنْزِعُ مِنْهُ الرُّوحَ وَيُسَلِّمُهُ لِمَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ فَيَصْعَدُونَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ يَزِفُّونَهُ فَيَقُولُ مَلائِكَةُ السَّمَاءِ مَنْ هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ فَيَسْمَعُهُمْ رُوحُ الْوَلِىِّ فَيَفْرَحُ فَرَحًا عَظِيمًا فَيَقُولُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ هَذَا رُوحُ فُلانِ بنِ فُلانٍ ثُمَّ يَصْعَدُونَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ حَتَّى يَصِلُوا إِلَى مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ عِلِّيُّيونَ يُسَجَّلُ فِيهِ أَسْمَاءُ الصَّالِحِينَ ثُمَّ يَنْزِلُونَ بِهِ إِلَى الأَرْضِ.

وَأَمَّا بُشْرَاهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ فَهُوَ أَنَّ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَأْتِيَانِ إِلَى الْوَلِىِّ فِى الْقَبْرِ فَيَسْأَلانِهِ فَيُثَبِّتُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَوَابِ بِسُهُولَةٍ بِلا فَزَعٍ ثُمَّ يُبَشِّرَانِهِ فَيَقُولانِ لَهُ نَمْ نَوْمَةَ الْعَرُوسِ الَّذِى لا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ الأَهْلِ إِلَيْهِ فَيَنَامُ.

وَالْوَلِىُّ مَعْصُومٌ أَىْ مَحْفُوظٌ مِنَ الْكُفْرِ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ أَحْبَابِ اللَّهِ فَلا يَنْقَلِبُ بَعْدَ ذَلِكَ عَدُوًّا لَهُ فَلا يَصْدُرُ مِنْهُ كُفْرٌ فِى حَالِ حُضُورِ عَقْلِهِ إِلَّا أَنْ يَسْبِقَ لِسَانُهُ بِخِلافِ الْمَعْصِيَةِ الْكَبِيرَةِ أَوِ الصَّغِيرَةِ فَإِنَّهَا تَجُوزُ عَلَيْهِ لَكِنْ لا يَسْتَمِرُّ عَلَيْهَا بَلْ يَتُوبُ عَنْ قُرْبٍ. أَمَّا إِذَا نَطَقَ الْوَلِىُّ بِكَلامٍ كُفْرِىٍّ فِى حَالِ غَيْبَةِ عَقْلِهِ فَلا يُكْتَبُ عَلَيْهِ لِارْتِفَاعِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ.

(175) مَنْ هُوَ الْمَهْدِىُّ.

اعْلَمْ أَنَّ الْقِيَامَةَ لا تَقُومُ حَتَّى تَحْصُلَ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى أَمَّا الْعَلامَاتُ الصُّغْرَى فَمِنْهَا قِلَّةُ الْعِلْمِ وَكَثْرَةُ الْجَهْلِ أَىِ الْجَهْلِ بِعِلْمِ الدِّينِ وَكَثْرَةُ الْقَتْلِ وَالظُّلْمِ وَكَثْرَةُ الزَّلازِلِ وَكَثْرَةُ الأَمْرَاضِ الَّتِى مَا كَانَ يَعْرِفُهَا النَّاسُ سَابِقًا وَكَثْرَةُ الدَّجَّالِينَ وَخُطَبَاءِ السُّوءِ وَادِّعَاءُ أُنَاسٍ النُّبُوَّةَ وَتَدَاعِى الأُمَمِ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَتَدَاعِيهِمْ عَلَى قَصْعَةِ الطَّعَامِ يُحِيطُونَ بِهِمْ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ وَهَذَا كُلُّهُ حَصَلَ.

وَمِنْ ءَاخِرِهَا ظُهُورُ الْمَهْدِىِّ وَهُوَ ثَابِتٌ فِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِى رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ وَالتِّرْمِذِىُّ فِى جَامِعِهِ وَالْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمْلِكَ النَّاسَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِى يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِى وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِى فَيَمْلَأُهَا (أَىِ الأَرْضَ) قِسْطًا وَعَدْلًا.

وَالْمَهْدِىُّ عَلَيْهِ السَّلامُ هُوَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ حَسَنِىٌّ أَوْ حُسَيْنِىٌّ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا وَهُوَ رَجُلٌ طَوِيلُ الْقَامَةِ ءَادَمُ أَىْ أَسْمَرُ وَجْهُهُ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّىِّ فِى الْحُسْنِ وَالْوَضَاءَةِ أَجْلَى الْجَبْهَةِ أَقْنَى الأَنْفِ أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ وَاسِعُهُمَا دَقِيقُ الْحَاجِبَيْنِ طَوِيلُهُمَا مَفْرُوقُ الْحَاجِبَيْنِ غَيْرُ مَقْرُونِهِمَا فِى خَدِّهِ الأَيْمَنِ خَالٌ أَسْوَدُ كَثُّ اللِّحْيَةِ بَرَّاقُ الثَّنَايَا يُولَدُ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ وَيَنْشَأُ بِهَا فَهُوَ مَدَنِىٌّ وَأَبَوَاهُ مَدَنِيَّانِ وَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ ثُمَّ يَأْتِى إِلَى مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ فَيُبَايِعُهُ الأَوْلِيَاءُ.

وَقَدْ وَرَدَ فِى الأَثَرِ أَنَّهُ يَسِيرُ مَعَهُ فِى أَوَّلِ أَمْرِهِ مَلَكٌ يُنَادِى يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَذَا خَلِيفَةُ اللَّهِ الْمَهْدِىُّ فِى الأَرْضِ فَاتَّبِعُوهُ وَوَرَدَ فِى الأَثَرِ أَنَّ الْمَهْدِىَّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ وَيَخْرُجُ مَعَهُ أَلْفٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ يُمِدُّونَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ ثُمَّ يَذْهَبُ إِلَى مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ فَيُبَايِعُهُ ثَلاثُمِائَةٍ مِنَ الأَوْلِيَاءِ وَيَخْرُجُ جَيْشٌ لِغَزْوِهِ فَيَخْسِفُ اللَّهُ بِهِ الأَرْضَ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ثُمَّ يَأْتِى إِلَى بَرِّ الشَّامِ وَفِى أَيَّامِهِ تَحْصُلُ مَجَاعَةٌ وَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ فِى ذَلِكَ الْوَقْتِ يَشْبَعُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ أَىْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَتَعْظِيمِهِ. وَيَكُونُ بَيْنَ عِيسَى وَالْمَهْدِىِّ سَبْعُ أَوْ تِسْعُ سَنَوَاتٍ.

(176) تَكَلَّمْ عَنِ الْحِسَابِ.

الْحِسَابُ هُوَ عَرْضُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ عَلَيْهِمْ أَىْ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ مَا عَمِلُوا فِى الدُّنْيَا فَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ كِتَابَ عَمَلِهِ. الْمُؤْمِنُ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَالْكَافِرُ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ وَهَذَا الْكِتَابُ هُوَ الَّذِى كَتَبَهُ الْمَلَكَانِ رَقِيبٌ وَعَتِيدٌ فِى الدُّنْيَا. وَيَكُونُ الْحِسَابُ بِتَكْلِيمِ اللَّهِ لِلْعِبَادِ جَمِيعِهِمْ أَمَّا الأَنْبِيَاءُ فَلا يُحَاسَبُونَ بَلْ يُسْأَلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِظْهَارِ شَرَفِهِمْ هَلْ بَلَّغْتُمْ أَقْوَامَكُمْ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْكِمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِىُّ، أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُكَلِّمُ كُلَّ إِنْسَانٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَسْمَعُ الْعَبْدُ كَلامَ اللَّهِ الأَزَلِىَّ الَّذِى لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً فَيَفْهَمُ الْعَبْدُ مِنْ كَلامِ اللَّهِ السُّؤَالَ عَنْ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَاعْتِقَادَاتِهِ فَيُسَرُّ الْمُؤْمِنُ التَّقِىُّ وَلا يُسَرُّ الْكَافِرُ بَلْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْخَوْفُ وَالْقَلَقُ وَيَنْتَهِى حِسَابُهُمْ فِى وَقْتٍ قَصِيرٍ.

فَلَوْ كَانَ حِسَابُ اللَّهِ لِخَلْقِهِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ مَا كَانَ يَنْتَهِى حِسَابُهُمْ فِى مِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ لِأَنَّ الْخَلْقَ كَثِيرٌ وَحِسَابُ الْعِبَادِ لَيْسَ عَلَى الْقَوْلِ فَقَطْ بَلْ عَلَى الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالِاعْتِقَادِ فَلَوْ كَانَ حِسَابُهُمْ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ لَاسْتَغْرَقَ حِسَابُهُمْ زَمَانًا طَوِيلًا جِدًّا وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ أَسْرَعَ الْحَاسِبِينَ بَلْ لَكَانَ أَبْطَأَ الْحَاسِبِينَ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ أَىْ أَنَّهُ أَسْرَعُ مِنْ كُلِّ حَاسِبٍ.

(177) مَا مَعْنَى الثَّوَابِ.

الثَّوَابُ هُوَ الْجَزَاءُ الَّذِى يُجَازَاهُ الْمُؤْمِنُ فِى الآخِرَةِ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ مِمَّا يَسُرُّهُ. وَالثَّوَابُ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَلا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُثِيبَ الطَّائِعِينَ لَكِنَّهُ وَعَدَهُمْ بِالثَّوَابِ وَوَعْدُهُ حَقٌّ وَلا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ.

(178) مَا مَعْنَى الْعَذَابِ.

الْعَذَابُ هُو الْجَزَاءُ الَّذِى يُجَازَاهُ الْعَبْدُ فِى الآخِرَةِ مِمَّا يَسُوؤُهُ عَلَى مَا عَمِلَ مِنْ سَيِّئَاتٍ كَأَذَى حَرِّ الشَّمْسِ فَإِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو مِنَ الأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى تَكُونَ بِمِقْدَارِ مِيلٍ أَىْ أَلْفَىْ ذِرَاعٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ تَدْنُو الشَّمْسُ مِنَ الأَرْضِ فَيَعْرَقُ النَّاسُ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَبْلُغُ عَرَقُهُ كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى الْعَجُزِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى الْخَاصِرَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ عُنُقَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ وَسَطَ فِيهِ (أَىْ فَمِهِ) وَمِنْهُمْ يُغَطِّيهِ عَرَقُهُ.

فَمَنْ عَاقَبَهُ اللَّهُ فَبِعَدْلِهِ وَلا يَظْلِمُ اللَّهُ أَحَدًا لِأَنَّهُ الْمَالِكُ الْحَقِيقِىُّ لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يَفْعَلُ فِى مِلْكِهِ مَا يَشَاءُ فَلا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الظُّلْمُ لِأَنَّ الظُّلْمَ يُتَصَوَّرُ مِمَّنْ لَهُ ءَامِرٌ وَنَاهٍ كَالْعِبَادِ إِذِ الظُّلْمُ هُوَ مُخَالَفَةُ أَمْرِ وَنَهْىِ مَنْ لَهُ الأَمْرُ وَالنَّهْىُ وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ ءَامِرٌ وَلا نَاهٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.

(179) تَكَلَّمْ عَنِ الْمِيزَانِ فِى الآخِرَةِ.

يَجِبُ الإِيمَانُ بِالْمِيزَانِ الَّذِى تُوزَنُ بِهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ وَالَّذِى يَتَوَلَّى وَزْنَهَا الْمَلَكَانِ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَالَّذِى يُوزَنُ هُوَ الصَّحَائِفُ الَّتِى كُتِبَ عَلَيْهَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ. وَالْمِيزَانُ مِنْ حَيْثُ التَّرْكِيبُ كَمِيزَانِ الدُّنْيَا لَكِنَّهُ أَكْبَرُ حَجْمًا لَهُ قَصَبَةٌ وَعَمُودٌ وَكَفَّتَانِ كَفَّةٌ لِلْحَسَنَاتِ وَكَفَّةٌ لِلسَّيِّئَاتِ فَتُوضَعُ صَحَائِفُ الْحَسَنَاتِ فِى كَفَّةٍ وَصَحَائِفُ السَّيِّئَاتِ فِى الْكَفَّةِ الأُخْرَى فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّجَاةِ وَالْفَوْزِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ عَذَابٍ وَمَنْ تَسَاوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّجَاةِ أَيْضًا لَكِنَّهُ أَقَلُّ رُتْبَةً فَإِنَّهُ يَمْكُثُ عَلَى الأَعْرَافِ مُدَّةً ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَالأَعْرَافُ هُوَ سُورُ الْجَنَّةِ وَسُورُهَا عَرِيضٌ وَاسِعٌ.

وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ فَهُوَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ مُدَّةً فِى النَّارِ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ عَذَابٍ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَهُ حَسَنَاتٌ وَلا سَيِّئَاتِ عَلَيْهِ أَمَّا الْكَافِرُ فَتُوضَعُ سِيِّئَاتُهُ فِى كَفَّةٍ مِنَ الْكَفَّتَيْنِ فَتَرْجَحُ كَفَّةُ سَيِّئَاتِهِ لِأَنَّهُ لا حَسَنَاتِ لَهُ فِى الآخِرَةِ فَالْكَافِرُ يُجَازَى فِى هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى حَسَنَاتِهِ بِالرِّزْقِ وَصِحَّةِ الْجِسْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِى الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا نَصِيب رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(180) تَكَلَّمْ عَنِ النَّارِ.

يَجِبُ الإِيمَانُ بِالنَّارِ أَىْ جَهَنَّمَ وَهِىَ دَارُ الْعَذَابِ الدَّائِمِ لِلْكَافِرِينَ وَيُعَذَّبُ فِيهَا بَعْضُ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ مُدَّةً ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَمَكَانُهَا تَحْتَ الأَرْضِ السَّابِعَةِ وَهِىَ مَوْجُودَةٌ الآنَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ لا تَفْنَى وَلا يَفْنَى أَهْلُهَا وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا تَفْنَى فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْءَانَ وَكَفَرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.

وَلا يُخَفَّفُ الْعَذَابُ عَنِ الْكُفَّارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ بَلْ يَزِيدُ اللَّهُ فِى حَجْمِ الْكَافِرِ فِى النَّارِ لِيَزْدَادَ عَذَابًا حَتَّى يَكُونَ ضِرْسُهُ كَجَبَلِ أُحُدٍ وَمَا بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَغِلْظُ جِلْدِهِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا تَأْكُلُهُ النَّارُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ فَلَوْ كَانَتْ خِلْقَتُهُ كَمَا هِىَ فِى الدُّنْيَا لَذَابَ بِلَحْظَةٍ وَلا يَمُوتُ الْكُفَّارُ فِى النَّارِ فَيَرْتَاحُونَ مِنَ الْعَذَابِ وَلا يَحْيَوْنَ حَيَاةً هَنِيئَةً طَيِّبَةً بَلْ هُمْ دَائِمًا فِى نَكَدٍ وَعَذَابٍ.

وَنَارُ جَهَنَّمَ تَأْكُل اللَّحْمَ وَتَكْسِرُ الْعَظْمَ وَتَسْتَوْلِى عَلَى الْقُلُوبِ فَلا يُوجَدُ شَىْءٌ أَكْثَرُ وَأَشَدُّ تَأَلُّمًا مِنَ الْقَلْبِ إِذَا اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ نَارُ جَهَنَّمَ قَالَ تَعَالَى ﴿الَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ﴾. وَطَعَامُ الْكُفَّارِ فِى جَهَنَّمَ مِنْ ضَرِيعٍ وَهُوَ شَجَرٌ كَرِيهُ الْمَنْظَرِ وَالطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ وَيَأْكُلُ أَهْلُ النَّارِ مِنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِى الْبُطُونِ كَغَلْىِ الْحَمِيمِ﴾ وَهَذِهِ الشَّجَرَةُ مَنْظَرُهَا قَبِيحٌ جِدًّا وَرَائِحَتُهَا كَرِيهَةٌ جِدًّا لا تُطَاقُ.

وَأَمَّا شَرَابُ أَهْلِ النَّارِ فَهُوَ الْمَاءُ الْمُتَنَاهِى فِى الْحَرَارَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا﴾ أَىْ لا يَذُوقُونَ الشَّرَابَ الْبَارِدَ الْمُسْتَلَذَّ ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ وَالْحَمِيمُ هُوَ الْمَاءُ الْمُتَنَاهِى فِى الْحَرَارَةِ وَالْغَسَّاقُ هُوَ مَا يَسِيلُ مِنْ جُلُودِ أَهْلِ النَّارِ يُسْقَوْنَ مِنْهُ فَتَتَقَطَّعُ أَمْعَاؤُهُمْ. وَثِيَابُ الْكُفَّارِ مِنْ نَارٍ قَالَ تَعَالَى ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّنْ نَّارٍ﴾.

وَيُوجَدُ فِى جَهَنَّمَ حَيَّاتٌ الْحَيَّةُ الْوَاحِدَةُ كَالْوَادِى وَعَقَارِبُ كَالْبِغَالِ لا تَتَأَثَّرُ بِالنَّارِ تَلْسَعُ الْكُفَّارَ وَتُعَذِّبُهُمْ فَوْقَ عَذَابِهِمْ بِالنَّارِ. رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِىُّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِى بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ فِى كُلِّ عَامٍ نَفَسٍ فِى الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِى الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ، وَالزَّمْهِرِيرُ شِدَّةُ الْبَرْدِ.

قَالَ أَحَدُ الصَّالِحِينَ مَثَّلْتُ نَفْسِىَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ءَاكُلُ مِنْ زَقُّومِهَا وَأَشْرَبُ مِنْ حَمِيمِهَا وَأَتَعَثَّرُ بِأَغْلالِهَا فَقُلْتُ أَىْ نَفْسُ مَا تُرِيدِينَ فَقَالَتِ الْعَوْدُ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا فَقُلْتُ أَىْ نَفْسُ أَنْتِ الآنَ فِى الأُمْنِيَةِ فَاعْمَلِى، فَنَحْنُ الآنَ فِى الْمَكَانِ الَّذِى يَتَمَنَّاهُ الإِنْسَانُ لَوْ كَانَ فِى هَذَا الْعَذَابِ. اللَّهُمَّ أَجِرْنَا مِنَ النَّارِ.