(260) مَا هُوَ كُفْرُ التَّكْذِيبِ.
كُفْرُ التَّكْذِيبِ هُوَ كَاعْتِقَادِ فَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ أَوْ إِحْدَاهُمَا فَإِنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْبَيِّنَةِ وَالأَحْزَابِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ إِنَّهُ يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَح (أَىْ يُصَوَّرُ الْمَوْتُ بِهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَح) فَيُذْبَحُ ثُمَّ يُنَادِى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْت وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْت رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.
وَمِنْ كُفْرِ التَّكْذِيبِ اعْتِقَادُ أَنَّ الْجَنَّةَ لَذَّاتٌ غَيْرُ حِسِيَّةٍ أَوْ أَنَّ النَّارَ ءَالامٌ غَيْرُ حِسِيَّةٍ وَهُوَ كُفْرٌ بِالإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، أَوْ إِنْكَارُ بَعْثِ الأَجْسَادِ وَالأَرْوَاحِ مَعًا فَإِنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾، أَوْ إِنْكَارُ وُجُوبِ الصَّلاةِ الْمَفْرُوضَةِ فَإِنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ،
أَوْ إِنْكَارُ وُجُوبِ الصِّيَامِ فِى رَمَضَانَ فَإِنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، أَوْ إِنْكَارُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ﴾، أَوِ اعْتِقَادُ تَحْرِيمِ الطَّلاقِ عَلَى الإِطْلاقِ فَإِنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أَوْ تَحْرِيمُ الطَّلاقِ بِغَيْرِ رِضَى الْمَرْأَةِ أَوْ تَحْلِيلُ شُرْبِ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنْتَهُونَ﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْخَمْرَةَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَشَارِبَهَا وَءَاكِلَ ثَمَنِهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ وَسَاقِيَهَا وَمُسْتَقِيَهَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ.
(261) مَا هُوَ كُفْرُ التَّعْطِيلِ.
التَّعْطِيلُ هُوَ نَفْىُ وُجُودِ اللَّهِ وَهُوَ أَشَدُّ الْكُفْرِ عَلَى الإِطْلاقِ. وَمِنْ أَشَدِّ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ كُفْرُ الْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ وَهُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَالَمُ وَأَنَّ أَفْرَادَ الْعَالَمِ أَجْزَاءٌ مِنْهُ تَعَالَى وَكُفْرُ الْحُلُولِ وَهُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ يَحُلُّ فِى غَيْرِهِ كَاعْتِقَادِ الشَّاذِلِيَّةِ الْيَشْرُطِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ دَاخِلٌ فِى كُلِّ شَخْصٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى.
(262) مَا هُوَ كُفْرُ النِّفَاقِ.
النِّفَاقُ فِى الدِّينِ هُوَ التَّظَاهُرُ بِالإِسْلامِ وَإِخْفَاءُ الْكُفْرِ وَالْمُنَافِقُ هُوَ الَّذِى يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَيَتَظَاهَرُ بِالإِسْلامِ كَعَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَىِّ بنِ سَلُول رَأْسِ الْمُنَافِقِينَ فَإِنَّهُ كَانَ يَتَشَهَّدُ وَيَدْخُلُ الْمَسَاجِدَ وَيُصَلِّى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمَّا سُئِلَ عَمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ أَىْ عَنْ قَوْلِهِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ أَنْكَرَ قَالَ لَمْ أَقُلْ، وَمُرَادُهُ بِالأَعَزِّ نَفْسُهُ وَبِالأَذَلِّ الرَّسُولُ ﷺ.
وَفِى مَرَضِ وَفَاتِهِ أَرْسَلَ وَلَدَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَطْلُبُ مِنْهُ ثَوْبَهُ لِيُكَفَّنَ بِهِ ثُمَّ لَمَّا مَاتَ أَجْرَى الرَّسُولُ عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِ بِحَسَبِ ظَاهِرِ حَالِهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِكُفْرِهِ بَلْ بَقِىَ مُتَظَاهِرًا بِالإِسْلامِ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الرَّسُولِ كُفْرُهُ بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِذَلِكَ صَلَّى عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ ثُمَّ لَمَّا أَطْلَعَهُ اللَّهُ بِالْوَحْىِ أَنَّ ابْنَ سَلُولٍ مَاتَ كَافِرًا تَرَكَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
أَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّ الرَّسُولَ صَلَّى عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ مَاتَ عَلَى النِّفَاقِ فَقَدِ افْتَرَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ وَجَعَلَهُ مُتَلاعِبًا بِالدِّينِ أَىْ جَعَلَهُ كَأَنَّهُ يَقُولُ فِى صَلاتِهِ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِمَنْ لا تَغْفِرُ لَهُ وَفِى هَذَا نِسْبَةُ الْكُفْرِ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ لِأَنَّ مَعْنَى الصَّلاةِ عَلَى الْمَيِّتِ طَلَبُ الرَّحْمَةِ لَهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ لا يَرْحَمُ الْكَافِرَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلا يَنْتَفِعُ الْكَافِرُ بِشَىْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحَةِ بَلْ يَكُونُ فِى الآخِرَةِ فِى الْقَعْرِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.
وَلَمْ يُؤْذَنْ لِلنَّبِىِّ ﷺ بِالِاسْتِغْفَارِ لِأُمِّهِ مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ مُؤْمِنَةً صَالِحَةً حَتَّى لا يُسِىءَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَهْمَ ذَلِكَ فَيَقْتَدِىَ بِالنَّبِىِّ ﷺ فَيَسْتَغْفِرَ لِوَالِدِهِ أَوْ لِوَالِدَتِهِ الَّتِى مَاتَتْ عَلَى الشِّرْكِ فَيَهْلِكُ بِذَلِكَ.
(263) مَا هُوَ كُفْرُ الإِشْرَاكِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْكُفْرَ عَلَى نَوْعَيْنِ كُفْرٌ شِرْكٌ كَعِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ أَوِ الشَّيْطَانِ أَوِ النَّارِ وَكُفْرٌ غَيْرُ شِرْكٍ كَسَبِّ اللَّهِ أَوْ نَبِىٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ أَوْ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَتِهِ أَوْ شَىْءٍ مِنْ شَعَائِرِ الإِسْلامِ. وَالشِّرْكُ الَّذِى هُوَ عِبَادَةُ غَيْرِ اللَّهِ هُوَ الذَّنْبُ الَّذِى لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أَىْ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لِمَنْ أَشْرَكَ بِهِ وَعَبَدَ غَيْرَهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ أَوْ وَصَلَ إِلَى حَالَةِ الْيَأْسِ مِنَ الْحَيَاةِ بِرُؤْيَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ وَمَلائِكَةِ الْعَذَابِ أَوْ إِدْرَاكِ الْغَرَقِ بِحَيْثُ أَيْقَنَ بِالْهَلاكِ،
إِنَّمَا الشِّرْكُ يُغْفَرُ بِالإِسْلامِ فِى الْوَقْتِ الَّذِى يَكُونُ مَقْبُولًا فِيهِ أَمَّا مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِى يُقْبَلُ فِيهِ فَلا يَمْحُو إِسْلامُهُ كُفْرَهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أَىْ يَغْفِرُ اللَّهُ مَا دُونَ الْكُفْرِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَجَنِّبِينَ لِلْكُفْرِ بِنَوْعَيْهِ الإِشْرَاكِ بِاللَّهِ وَالْكُفْرِ الَّذِى لَيْسَ فِيهِ إِشْرَاكٌ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لَيَغْفِرُ لِعَبْدِهِ مَا لَمْ يَقَعِ الْحِجَابُ قَالُوا وَمَا وُقُوعُ الْحِجَابِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنْ تَمُوتَ النَّفْسُ وَهِىَ مُشْرِكَةٌ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَأَحْمَدُ.
وَالشِّرْكُ حَدَثَ فِى الْبَشَرِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِىِّ إِدْرِيسَ أَىْ بَعْدَ وَفَاةِ ءَادَمَ بِأَلْفِ سَنَةٍ وَاسْتَمَرَّ النَّاسُ عَلَى الْكُفْرِ زَمَانًا إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ سَيِّدَنَا نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ يَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَأَنْ لا يُشْرَكَ بِهِ شَىْءٌ.
(264) مَا هُوَ كُفْرُ الْجُحُودِ.
كُفْرُ الْجُحُودِ هُوَ إِنْكَارُ مَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَىْ مَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَإِنْكَارِ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ إِنْكَارِ الثَّوَابِ أَوِ الْعِقَابِ فِى الآخِرَةِ أَوِ إِنْكَارِ وُجُوبِ الصَّلاةِ أَوِ الصِّيَامِ أَوْ إِنْكَارِ حُرْمَةِ شُرْبِ الْخَمْرِ أَوِ الزِّنَى. أَمَّا مَنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ أَىْ أَسْلَمَ مِنْ وَقْتٍ قَرِيبٍ فَأَنْكَرَ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ كَحُرْمَةِ الزِّنَى وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الزِّنَى حَرَامٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ لِكَوْنِهِ لَمْ يُخَالِطِ الْمُسْلِمِينَ حَالَ كُفْرِهِ فَلا يُكَفَّرُ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ.
وَأَمَّا إِذَا أَنْكَرَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةِ لَهُ إِجْمَاعًا أَوِ اعْتَقَدَ بِوُجُودِ دِينٍ صَحِيحٍ غَيْرِ الإِسْلامِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ ولَوْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ. وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْطِقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِلرُّجُوعِ إِلَى الإِسْلامِ وَلا يَرْجِعُ إِلَى الإِسْلامِ بِقَوْلِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كَمَا نَقَلَ الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بنُ الْمُنْذِرِ فِى كِتَابَيْهِ الإِشْرَافِ وَالإِجْمَاعِ.
(265) مَا هُوَ الْكُفْرُ الْحَاصِلُ بِالشَّكِّ.
اعْلَمْ أَنَّ الشَّكَّ خِلافُ الْيَقِينِ وَالشَّكُّ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ وَلا يَكُونُ الإِنْسَانُ مُؤْمِنًا إِلَّا بِالتَّصْدِيقِ الْجَازِمِ بِالْقَلْبِ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِىُّ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أَىْ لَمْ يَشُكُّوا. أَمَّا مَنْ شَكَّ فِى أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ مَعْنَى الشَّهَادَتَيْنِ فَقَدْ كَفَرَ كَأَنْ شَكَّ فِى وُجُودِ اللَّهِ أَوْ وَحْدَانِيَّتِهِ أَوْ حِكْمَتِهِ أَوْ عَدْلِهِ أَوْ عِلْمِهِ أَوْ قُدْرَتِهِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ لِلْحَوَادِثِ أَىْ عَدَمِ مُشَابَهَتِهِ لِلْمَخْلُوقَاتِ أَوْ فِى أَىِّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةِ لَهُ إِجْمَاعًا وَكَذَا إِنْ شَكَّ فِى صِدْقِ رَسُولِهِ ﷺ أَوْ رِسَالَتِهِ أَىْ فِى كَوْنِهِ مُرْسَلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَوْ شَكَّ فِى تَنَزُّهِ الأَنْبِيَاءِ عَنِ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ وَعَنِ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ كَالْكَذِبِ وَالسَّفَاهَةِ وَالرَّذَالَةِ وَالدَّنَاءَةِ أَوْ شَكَّ فِى صِحَّةِ الإِسْلامِ.
وَكَذَا يَكْفُرُ إِنْ شَكَّ فِى أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْعَقِيدَةِ الَّتِى يَشْتَرِكُ فِى مَعْرِفَتِهَا الْعُلَمَاءُ وَالْعَامَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَأَنْ شَكَّ فِى الْقُرْءَانِ هَلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَوْ لا أَوْ شَكَّ فِى الْيَوْمِ الآخِرِ أَىْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ هَلْ يَكُونُ أَوْ لا أَوْ شَكَّ فِى وُجُودِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ أَوِ الثَّوَابِ أَوِ الْعِقَابِ فِى الآخِرَةِ أَوْ شَكَّ فِى كُفْرِ مَنْ دَانَ بِغَيْرِ الإِسْلامِ.
(266) مَا هِىَ عَقِيدَةُ الْحُلُولِ وَالْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ.
اعْلَمْ أَنَّ أَشَدَّ الْكُفْرِ عَلَى الإِطْلاقِ هُوَ نَفْىُ وُجُودِ اللَّهِ وَقَوْلُ أَهْلِ الْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَالَمُ وَإِنَّ أَفْرَادَ الْعَالَمِ أَجْزَاءٌ مِنْهُ تَعَالَى كَقَوْلِ جَمَاعَةِ سَحَر حَلَبِى فِى كِتَابِهِنَّ الْمُسَمَّى مَزَامِيرَ دَاوُدَ مَا الْكَوْنُ إِلَّا الْقَيُّومُ الْحَىّ وَقَالَ سَيِّد قُطُب رَئِيسُ جَمَاعَةِ حِزْبِ الإِخْوَانِ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فِى ظِلالِ الْقُرْءَانِ فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إِنَّهَا أَحَدِيَّةُ الْوُجُودِ فَلَيْسَ هُنَاكَ حَقِيقَةٌ إِلَّا حَقِيقَتَهُ وَلَيْسَ هُنَاكَ وُجُودٌ حَقِيقِىٌّ إِلَّا وُجُودَهُ،
وَهُوَ كَلامٌ صَرِيحٌ بِالْحُلُولِ وَالْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ يَعْنِى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَلَّ بِالأَشْيَاءِ وَاتَّحَدَ مَعَهَا فَصَارَ هُوَ عَيْنَ الأَشْيَاءِ. وَقَوْلُهُ لَيْسَ هُنَاكَ حَقِيقَةٌ إِلَّا حَقِيقَتَهُ يَعْنِى أَنَّ الْعَالَمَ مَعْدُومٌ أَوْ أَنَّ الْعَالَمَ وَاللَّهَ شَىْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ فِى الْحَالَتَيْنِ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الَّذِى فِيهِ إِثْبَاتُ وُجُودِ اللَّهِ وَإِثْبَاتُ وُجُودِ الْعَالَمِ حَقِيقَةً.
وَمِنْ أَشَدِّ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ قَوْلُ أَهْلِ الْحُلُولِ إِنَّ اللَّهَ يَحُلُّ فِى غَيْرِهِ كَالشَّعْرَاوِىِّ الْمِصْرِىِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِى كِتَابِهِ الْفَتَاوَى اللَّهُ مَوْجُودٌ فِينَا بِالْفِطْرَةِ وَنَشْعُرُ بِوُجُودِهِ وَكَالشَّاذِلِيَّةِ الْيَشْرُطِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ يَدْخُلُ فِى كُلِّ شَخْصٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِى الدِّينِ بنُ عَرَبِى مَنْ قَالَ بِالْحُلُولِ فَدِينُهُ مَعْلُولٌ وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِىِّ النَّابُلُسِىُّ فِى الْفَيْضِ الرَّبَّانِىِّ مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ انْحَلَّ مِنْهُ شَىْءٌ أَو حَلَّ فِى شَىْءٍ فَقَدْ كَفَرَ.
وَنَقَلَ الْحَافِظُ السُّيُوطِىُّ فِى كِتَابِهِ الْحَاوِى لِلْفَتَاوَى إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ قَالَ بِالْحُلُولِ أَوِ الِاتِّحَادِ وَقَالَ الْقَاضِى عِيَاضٌ فِى كِتَابِهِ الشِّفَا وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى كُفْرِ أَصْحَابِ الْحُلُولِ وَمَنِ ادَّعَى حُلُولَ الْبَارِئِ سُبْحَانَهُ فِى أَحَدِ الأَشْخَاصِ.
(267) مَا حُكْمُ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا لا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ.
مَنْ فَعَلَ فِعْلًا لا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ كَأَنْ سَجَدَ لِشَيْطَانٍ كَفَرَ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ عِبَادَتَهُ.
(268) مَا حُكْمُ مَنْ دَانَ بِغَيْرِ الإِسْلامِ.
اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الإِسْلامِ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ دَانَ بِغَيْرِ الإِسْلامِ أَىْ مَنِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ دِينًا غَيْرَ دِينِ الإِسْلامِ وَاتَّفَقُوا عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ أَىْ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ دَانَ بِغَيْرِ الإِسْلامِ أَوْ شَكَّ فِى كُفْرِهِ كَأَنْ قَالَ لَعَلَّهُ كَافِرٌ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ كَافِرٍ أَوْ تَوَقَّفَ فِى تَكْفِيرِهِ كَأَنْ قَالَ أَنَا لا أَقُولُ إِنَّهُ كَافِرٌ وَلا أَقُولُ إِنَّهُ غَيْرُ كَافِرٍ لِتَكْذِيبِهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
(269) مَا حُكْمُ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ.
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ أَزَلِىٌّ أَىْ لا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ حادِثٌ أَىْ مَخْلُوقٌ لَهُ بِدَايَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ أَىْ هُوَ وَحْدَهُ الأَوَّلُ الَّذِى لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ وَرَوَى الْبُخَارِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ، أَىْ أَنَّ اللَّهَ أَزَلِىٌّ وَلا أَزَلِىَّ سِوَاهُ. وَحُكْمُ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ التَّكْفِيرُ قَطْعًا أَىْ هُوَ كَافِرٌ بِلا شَكٍّ لِأَنَّهُ نَسَبَ إِلَى اللَّهِ الْعَدَمَ قَبْلَ الْوُجُودِ وَلا يُقَالُ ذَلِكَ إِلَّا فِى الْحَوَادِثِ أَىِ الْمَخْلُوقَاتِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَكَانَ مُحْتَاجًا وَالْمُحْتَاجُ لا يَكُونُ إِلَهًا.
أَمَّا مَنْ خَطَرَ لَهُ هَذَا السُّؤَالُ فِى بَالِهِ مِنْ دُونِ إِرَادَةٍ فَعِلاجُهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ أَنْ يَصْرِفَ فِكْرَهُ عَنْ هَذَا الْخَاطِرِ وَأَنْ يَقُولَ ءَامَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أَوْ ءَامَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُهُ عَنْهُ بِإِذْنِ اللَّهِ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ هَذَا، خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَقُلْ ءَامَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ.
(270) مَا حُكْمُ مَنْ يَسْتَعْمِلُ كَلِمَةَ الْخَلْقِ مُضَافَةً لِلنَّاسِ عَلَى مَعْنَى الإِبْرَازِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْخَلْقَ فِى لُغَةِ الْعَرَبِ لَهُ خَمْسَةُ مَعَانٍ أَحَدُهَا الإِبْرَازُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَلا يُطْلَقُ بِهَذَا الْمَعْنَى إِلَّا عَلَى اللَّهِ أَمَّا مَنْ يَسْتَعْمِلُ كَلِمَةَ الْخَلْقِ مُضَافَةً لِلنَّاسِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَأَنْ يَقُولَ لِشَخْصٍ اخْلُقْ لِى كَذَا كَمَا خَلَقَكَ اللَّهُ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ أَحْسَنُ الْمُقَدِّرينَ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ لا يُخْطِئُ وَلا يَتَغَيَّرُ أَمَّا تَقْدِيرُ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ وَالتَّغَيُّرُ فَيُطْلَقُ الْخَلْقُ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ.
وَيَأْتِى الْخَلْقُ بِمَعْنَى التَّصْوِيرِ كَمَا فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أَىْ كَانَ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ يُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ صُورَةَ خُفَّاشٍ ثُمَّ يَخْلُقُ اللَّهُ فِيهَا الرُّوحَ فَتَطِيرُ حَتَّى تَغِيبَ عَنْ أَنْظَارِ النَّاسِ ثُمَّ تَقَعُ مَيْتَةً وَهَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ مُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وَيُطْلَقُ الْخَلْقُ بِمَعْنَى افْتِرَاءِ الْكَذِبِ وَهَذَا لا يُضَافُ إِلَّا إِلَى الْعَبْدِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ أَىْ تَفْتَرُونَ الْكَذِبَ فَنَسَبَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ خَلْقَ الإِفْكِ أَىِ افْتِرَاءَهُ. وَيُطْلَقُ الْخَلْقُ بِمَعْنَى سَوَّى وَمَلَّسَ فَيُقَالُ فِى اللُّغَةِ خَلَقْتُ هَذَا الْخَشَبَ كُرْسِيًّا أَىْ سَوَّيْتُهُ أَمْلَسَ بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ.
(271) مَا حُكْمُ مَنْ يَقُولُ أَنَا رَبُّ النَّجَّارِينَ.
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَلا خَالِقَ سِوَاهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أَىْ لا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَىْ مَالِكِ الْعَالَمِينَ بِمَعْنَى خَالِقِهِمْ. أَمَّا مَنْ يَقُولُ أَنَا رَبُّ النَّجَّارِينَ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ رَبًّا لِلْعِبَادِ فَلا مَعْنَى لَهُ إِلَّا أَنَّهُ خَالِقُهُمْ بِخِلافِ مَا لَوْ قَالَ أَنَا رَبُّ النِّجَارَةِ بِمَعْنَى أَنِّى خَبِيرٌ بِهَا فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ بَلْ هُوَ جَائِزٌ.
وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ يَمْلِكُ شَيْئًا كَدَابَّةٍ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فُلانٌ رَبُّ هَذِهِ الدَّابَّةِ بِمَعْنَى مَالِكِهَا كَمَا جَاءَ فِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِى أَخْرَجَهُ ابْنُ شَاهِينَ فِى دَلائِلِ النُّبُوَّةِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ هَذَا لِى فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلا تَتَّقِى اللَّهَ فِى هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِى مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَىَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ، أَىْ تُتْعِبُهُ.
وَكَذَلِكَ الْعَبِيدُ الْمَمْلُوكُونَ وَالإِمَاءُ الْمَمْلُوكَاتُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فُلانٌ رَبُّ هَؤُلاءِ الْعَبِيدِ وَرَبُّ هَؤُلاءِ الإِمَاءِ بِمَعْنَى مَالِكِهِمْ أَمَّا قَوْلُ فُلانٌ رَبُّ الْعَائِلَةِ أَوْ رَبُّ الأُسْرَةِ فَهُوَ قَبِيحٌ لا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لا يَمْلِكُهُمْ لَكِنْ مَنْ قَالَ فُلانٌ رَبُّ الْعَائِلَةِ أَوْ رَبُّ الأُسْرَةِ وَيَظُنُّ أَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى مَعْنَى مَنْ يَكْفِى عِيَالَهُ حَاجَاتِهِمْ فَلا نُكَفِّرُهُ بَلْ نَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ.
وَالتَّعْبِيرُ الصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ فُلانٌ صَاحِبُ الْعِيَالِ أَوْ مُعِيلُ الْعِيَالِ لِأَنَّ الأُسْرَةَ فِى اللُّغَةِ هُمْ أَقَارِبُ الرَّجُلِ الذُّكُورُ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ لا غَيْرُ. وَأَمَّا الرَّبُّ بِالأَلِفِ وَاللَّامِ فَهُوَ مِنَ الأَسْمَاءِ الْخَاصَّةِ بِاللَّهِ قَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ فِى لِسَانِ الْعَرَبِ وَلا يُقَالُ الرَّبُّ فِى غَيْرِ اللَّهِ إِلَّا بِالإِضَافَةِ أَىْ مَعَ قَيْدٍ كَقَوْلِ فُلانٌ رَبُّ الْبَيْتِ أَىْ مَالِكُ الْبَيْتِ.
(272) مَا حُكْمُ مَنْ يَقُولُ الْعَالَمُ أَزَلِىٌّ لا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ.
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ وَحْدَهُ الأَزَلِىُّ الَّذِى لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، وَخَالَفَتِ الْفَلاسِفَةُ فِى ذَلِكَ فَقَالَ قِسْمٌ مِنْهُمْ الْعَالَمُ أَزَلِىٌّ بِنَوْعِهِ وَأَفْرَادِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْعَالَمُ أَزَلِىٌّ بِنَوْعِهِ حَادِثٌ بِأَفْرَادِهِ. قَالَ الإِمَامُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِىُّ فِى الْفَرِيقَيْنِ فِى تَشْنِيفِ الْمَسَامِعِ وَضَلَّلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَكَفَّرُوهُمْ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْفَرِيقَيْنِ كُفَّارٌ بِالإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَزَلِيَّةِ الْعَالَمِ نَفْىٌ لِخَالِقِيَّةِ اللَّهِ.
وَتَبِعَ الْفَلاسِفَةَ فِى هَذِهِ الْمَقَالَةِ الْفَاسِدَةِ أَحْمَدُ بنُ تَيْمِيَةَ الْحَرَّانِىُّ فَنَسَبَ ذَلِكَ زُورًا وَبُهْتَانًا إِلَى أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فَقَالَ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى دَرْءَ التَّعَارُضِ وَأَمَّا أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فَإِنَّهُمْ لا يَجْعَلُونَ النَّوْعَ حَادِثًا بَلْ قَدِيمًا، وَكَذَبَ فِى ذَلِكَ وَهَكَذَا يَفْعَلُ فِيمَا يَمِيلُ إِلَيْهِ مِنَ الآرَاءِ الشَّاذَّةِ يَنْسُبُهَا إِلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَةَ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ الْفَاسِدَةَ فِى سَبْعَةٍ مِنْ كُتُبِهِ الْكِتَابِ الْمُسَمَّى مِنْهَاجَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَمُوَافَقَةِ صَرِيحِ الْمَعْقُولِ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ وَكِتَابِ شَرْحِ حَدِيثِ النُّزُولِ وَكِتَابِ شَرْحِ حَدِيثِ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ وَكِتَابِ نَقْدِ مَرَاتِبِ الإِجْمَاعِ وَكِتَابِ الْفَتَاوَى وَفِى تَفْسِيرِ سُورَةِ الأَعْلَى. وَمِمَّنْ نَقَلَ عَنِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أَنَّهُ قَالَ بِأَزَلِيَّةِ نَوْعِ الْعَالَمِ الْحَافِظُ أَبُو سَعِيدٍ الْعَلائِىُّ وَالْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بنُ طُولُونَ وَالْحَافِظُ تَقِىُّ الدِّينِ السُّبْكِىُّ. فَيَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْهُ وَمِنْ كُتُبِهِ الَّتِى نَشَرَ فِيهَا الْكُفْرَ وَالضَّلالَ.
(273) مَا حُكْمُ مَنْ كَفَّرَ مُسْلِمًا.
مَنْ كَفَّرَ مُسْلِمًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَلا يَعْلَمُ عَنْهُ شَيْئًا يَعْتَقِدُهُ كُفْرًا كَفَرَ كَأَنْ قَالَ لَهُ يَا كَافِرُ وَأَرَادَ أَنَّ مَا عَلَيْهِ هَذَا الْمُسْلِمُ مِنَ الدِّينِ كُفْرٌ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ سَمَّى الإِسْلامَ كُفْرًا وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا (أَىْ كَانَ الْوِزْرُ عَلَى أَحَدِهِمَا)
فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ (أَىْ إِنْ كَانَ كَافِرًا حَقِيقَةً خَارِجًا مِنَ الإِسْلامِ فَالْوِزْرُ عَلَيْهِ دُونَ مَنْ كَفَّرَهُ) وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ (أَىْ وَإِلَّا كَانَ الْوِزْرُ عَلَى مَنْ كَفَّرَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِمَّا أَنْ يَقَعَ فِى ذَنْبٍ كَبِيرٍ لِأَنَّهُ كَفَّرَهُ مُتَأَوِّلًا أَىْ تَأَوَّلَ ءَايَةً أَوْ حَدِيثًا فَاسْتَبْشَعَ شَيْئًا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ مِمَّا هُوَ دُونَ الْكُفْرِ اسْتِبْشَاعًا شَدِيدًا كَشُرْبِ الْخَمْرِ أَوِ الزِّنَى أَوِ الِانْتِحَارِ فَظَنَّ لِجَهْلِهِ أَنَّهُ كُفْرٌ فَكَفَّرَهُ لِحُصُولِ ذَلِكَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ يَكْفُرَ بِهَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّهُ جَعَلَ الإِسْلامَ الَّذِى عَلَيْهِ هَذَا الشَّخْصُ الْمُسْلِمُ كُفْرًا). أَمَّا إِذَا قَالَ لَهُ يَا كَافِرُ وَقَصَدَ أَنَّهُ يُشْبِهُ الْكَافِرَ فِى خَسَاسَةِ أَعْمَالِهِ فَلا يَكْفُرُ لَكِنْ عَلَيْهِ ذَنْبٌ كَبِيرٌ بِخِلافِ مَا لَوْ قَالَ أَنَا كَافِرٌ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَلا تَأْوِيلَ لِكَلامِهِ.
(274) مَا حُكْمُ مَنْ يُكَفِّرُ الصَّحَابَةَ جُمْلَةً.
اعْلَمْ أَنَّ مَنْ يُكَفِّرُ الصَّحَابَةَ جُمْلَةً فَهُوَ كَافِرٌ فَإِنَّ الْقُرْءَانَ وَأُمُورَ الدِّينِ الْمَنْقُولَةَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ كُلَّهَا مِنْ طَرِيقِهِمْ وَصَلَتْ إِلَيْنَا. اللَّهُ تَعَالَى مَدَحَ الصَّحَابَةَ فِى الْقُرْءَانِ وَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ رَضِىَ عَنِ السَّابِقِينَ مِنْهُمْ كَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِىٍّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، وَمَعَ ذَلِكَ نَجِدُ أُنَاسًا يَدَّعُونَ الإِسْلامَ وَيُكَفِّرُونَ الصَّحَابَةَ جُمْلَةً إِلَّا نَحْوَ سِتَّةٍ أَوْ سَبْعَةٍ كَعَلِىِّ بنِ أَبِى طَالِبٍ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَفَاطِمَةَ وَالْمِقْدَادِ وَعَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ،
هَؤُلاءِ نَسَبُوا الْجَهْلَ إِلَى اللَّهِ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ كَيْفَ يَقُولُونَ عَنْهُمْ كُفَّارٌ وَاللَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ رَضِىَ عَنْهُمْ فَهَلِ اللَّهُ يَرْضَى عَنِ الْكَافِرِينَ وَهُوَ الْقَائِلُ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. بَعْضُ هَؤُلاءِ الْحَمْقَى يَقُولُونَ هُمْ فِى الأَوَّلِ كَانُوا عَلَى حَالٍ حَسَنٍ لَكِنْ تَغَيَّرَ حَالُهُمْ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِىِّ ﷺ فَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلامِ وَكَفَرُوا فَيُقَالُ لَهُمْ هَلِ اللَّهُ كَانَ جَاهِلًا لَمَّا أَنْزَلَ قُرْءَانًا فِى مَدْحِهِمْ، وَكَانَ عَالِمًا فِى الأَزَلِ بِحَالِهِمْ وَكَيْفَ يَكُونُونَ إِلَى أَنْ يَمُوتُوا وَمَعَ ذَلِكَ أَنْزَلَ فِى الْقُرْءَانِ ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فَإِذَا كَانَ يَخْفَى عَلَيْهِ أَنَّهُمْ سَيَرْتَدُّونَ وَيَكْفُرُونَ وَمَدَحَهُمْ فَيَكُونُ جَاهِلًا بِزَعْمِكُمْ وَهَذَا كُفْرٌ وَضَلالٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
ثُمَّ مَنْ يَدَّعِى مَحَبَّةَ عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَيُكَفِّرُ الصَّحَابَةَ مَاذَا يَقُولُ فِى تَزْوِيجِ عَلِىٍّ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ مِنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِذَا كَانُوا كُفَّارًا وَعَلِىٌّ زَوَّجَ ابْنَتَهُ لِعُمَرَ يَعْنِى أَنَّ عَلِيًّا أَعْطَى ابْنَتَهُ لِعُمَرَ لِيَزْنِىَ بِهَا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ وَهَلْ هَذَا يَلِيقُ بِسَيِّدِنَا عَلِىٍّ وَمَقَامِهِ وَبِالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ. ثُمَّ أُمُّ كُلْثُومٍ أَنْجَبَتْ مِنْ عُمَرَ طِفْلًا اسْمُهُ زَيْدٌ وَهَذَا مَذْكُورٌ فِى كُتُبِهِمْ فَزَيْدٌ أَبُوهُ عُمَرُ وَجَدُّهُ عَلِىٌّ وَجَدَّتُهُ فَاطِمَةُ وَخَالُهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ،
وَلَكِنْ بَعْضُهُمْ يَقُولُونَ نَعَمْ هُوَ تَزَوَّجَهَا لَكِنْ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْرَبَ مِنْهَا وَمَعْنَى كَلامِهِمْ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِىٍّ زَنَتْ مَعَ إِنْسَانٍ ءَاخَرَ فَوَلَدَتْ زَيْدًا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. فَهَلْ يُحِبُّ أَهْلَ الْبَيْتِ مَنْ يَقُولُ هَذَا، لا وَاللَّهِ، هَذَا عَدُّوُ أَهْلِ الْبَيْتِ كَيْفَ يَتَهِّمُ السَّيِّدَةَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ فَاطِمَةَ بِالزِّنَا وَيَتَّهِمُ سَيِّدَنَا عَلِيًّا أَنَّهُ أَعْطَى ابْنَتَهُ لِعُمَرَ لِيَزْنِىَ بِهَا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
ثُمَّ إنَّ سَيِّدَنَا عَلِيًّا كَانَ يُصَلِّى جَمَاعَةً خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً خَلْفَ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَوْ كَانُوا كُفَّارًا مَا كَانَ يُصَلِّى خَلْفَهُمْ لِأَنَّ الصَّلاةَ لا تَصِحُّ خَلْفَ كَافِرٍ. فَإِذَا قَالُوا صَلَّى خَلْفَهُمْ تَقِيَّةً أَىْ أَظْهَرَ خِلافَ مَا كَانَ يُبْطِنُ فَيُقَالُ لَهُمْ إِذًا عَلَى زَعْمِكُمْ صَارَ الدِّينُ كُلُّهُ تَقِيَّةً فَإِذًا لا يَصِحُّ لَكُمْ أَنْ تَنْقُلُوا قَوْلًا أَوْ فِعْلًا عَنِ الإِمَامِ عَلِىٍّ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قَالَهُ أَوْ فَعَلَهُ تَقِيَّةً عَلَى زَعْمِكُمْ وَبِهَذَا يَنْهَدِمُ مَذْهَبُكُمْ.
ثُمَّ لَوْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ كُفَّارًا كَيْفَ يَصِحُّ عَقْدُ النَّبِىِّ عَلَى عَائِشَةَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ وَأَبُو بَكْرٍ هُوَ الَّذِى زَوَّجَهَا لِلنَّبِىِّ ﷺ وَكَيْفَ يَصِحُّ عَقْدُ النَّبِىِّ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ وَعُمَرُ هُوَ الَّذِى زَوَّجَهَا لَهُ، إِذًا عَلَى زَعْمِهِمُ الرَّسُولُ ﷺ كَانَ يُعَاشِرُ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ بِالْحَرَامِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. ثُمَّ لَوْ كَانَ عُثْمَانُ كَافِرًا هَلْ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يِزَوِّجُهُ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ ثُمَّ رُقَيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ أُمِّ كُلْثُومٍ. لا يَلِيقُ بِالنَّبِىِّ أَنْ يُقَالَ عَنْهُ إنَّهُ أَعْطَى بَنَاتِهِ لِكَافِرٍ لِيَزْنِىَ بِهِنَّ. اللَّهُمَّ أَحْيِنَا عَلَى عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَمِتْنَا عَلَيْهَا.
(275) مَا حُكْمُ مَنْ قَالَ لِمُسْلِمٍ يلْعَنْ دِينَكَ.
مَنْ قَالَ لِمُسْلِمٍ يلْعَنْ دِينَكَ بِمَعْنَى أَلْعَنُ دِينَكَ يَقْصِدُ بِذَلِكَ دِينَ الإِسْلامِ كَفَرَ الْقَائِلُ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءُ إِنْ قَصَدَ لَعْنَ سِيرَتِهِ أَىْ عَادَاتِهِ وَأَخْلاقِهِ الْخَبِيثَةِ فَلا يَكْفُرُ لِأَنَّ لَفْظَ الدِّينِ يَأْتِى بِمَعْنَى السِّيرَةِ كَمَا فِى قَوْلِهِ ﷺ الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِل. أَمَّا إِنْ أَطْلَقَ أَىْ إِنْ لَمْ يَقْصِدْ سِيرَتَهُ وَلا قَصَدَ دِينَ الإِسْلامِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّ الإِطْلاقَ يُحْمَلُ عِنْدَ فَقْدِ الْقَرِينَةِ أَىِ الدَّلِيلِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُتَبَادِرِ الأَكْثَرِ اسْتِعْمَالًا وَهُوَ الِاعْتِقَادُ.
(276) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكَافِرِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ وَالْفَاسِقُ هُنَا هُوَ الْكَافِرُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ مُحَمَّد مُتْوَلِّى الشَّعْرَاوِىّ فَقَالَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِى نَظَرِ اللَّهِ سَوَاءٌ ذَكَرَ ذَلِكَ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى الْمُنْتَخَبَ فِى تَفْسِيرِ الْقُرْءَانِ الْكَرِيم، وَكَلامُهُ هَذَا فِيهِ أَنَّ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ بِدَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ اللَّهِ وَهُوَ بَاطِلٌ وَتَكْذِيبٌ لِلْقُرْءَانِ.
أَمَا قَرَأَ الشَّعْرَاوِىُّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ هُمْ أَحْقَرُ وَأَخَسُّ خَلْقِ اللَّهِ. أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَقَدْ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الْكَعْبَةِ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ وَابْنُ حِبَّانَ. وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْكَافِرَ أَحْسَنُ مِنَ الْمُسْلِمِ أَوْ لا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ.
وَقَدْ وَقَعَ فِى مِثْلِ هَذَا الْمَدْعُو مُحَمَّدُ رَاتِب النَّابُلُسِى فَقَدْ قَالَ تَصْرِيحًا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ كُلَّ عِبَادِهِ وَهَذَا تَكْذِيبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فَيَجِبُ الْحَذَرُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ مُحَمَّدُ مُتْوَلِّى الشَّعْرَاوِىِّ وَمِنْ مُحَمَّد رَاتِب النَّابُلُسِى وَمَنْ كَانَ عَلَى شَاكِلَتِهِمَا.
(277) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لا حُرْمَةَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْكَافِرَ لا حُرْمَةَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى عَنِ الْكُفَّارِ ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أَىْ شَرُّ الْخَلْقِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ لا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِى الْجَاهِلِيَّةِ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّ الَّذِى يُدَهْدِهُهُ الْجُعَلُ بِأَنْفِهِ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلاءِ الْمُشْرِكِينَ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَالْجُعَلُ يُدَحْرِجُ الْقَذَرَ الَّذِى يَخْرُجُ مِنْ بَنِى ءَادَمَ وَيَجْعَلُهُ حُبَيْبَاتٍ لِيَتَقَوَّتَ بِهِ. فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لا يَجُوزُ احْتِرَامُ الْكَافِرِ أَىْ تَعْظِيمُهُ لِأَنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ وَالنَّبِىُّ ﷺ لا يُحِبُّ الْكَافِرَ وَلا يَحْتَرِمُهُ قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. أَمَّا مَا وَرَدَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَامَ حِينَ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةُ يَهُودِىٍّ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّمَا تَقُومُونَ إِعْظَامًا لِلَّذِى مَعَهَا أَىْ لِمَلائِكَةِ الْعَذَابِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ رُوحَ الْكَافِرِ وَيَمْشُونَ مَعَ الْجِنَازَةِ وَلَيْسَ تَعْظِيمًا لِلْكَافِرِ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِىُّ فِى سُنَنِهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ جِنَازَةً مَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ فَقِيلَ إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِىٍّ فَقَالَ إِنَّمَا قُمْنَا لِلْمَلائِكَةِ وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِىٍّ فَقَالَ أَلَيْسَتْ نَفْسًا،
وَهَذَا لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَقَفَ تَعْظِيمًا لَهَا وَإِنَّمَا وَقَفَ تَعْظِيمًا لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ مَعَهَا وَرَوَى أَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَمُرُّ بِنَا جِنَازَةُ الْكَافِرِ أَفَنَقُومُ لَهَا قَالَ قُومُوا لَهَا فَإِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَقُومُونَ لَهَا إِنَّمَا تَقُومُونَ إِعْظَامًا لِلَّذِى يَقْبِضُ النُّفُوسَ. أَمَّا مَا يَدَّعِيهِ مُحَمَّدُ رَاتِب النَّابُلْسِى أَنَّ الرَّسُولَ قَامَ لِجِنَازَةِ الْيَهُودِىِّ لِأَجْلِ حَقِّ الْمُوَاطَنَةِ وَكَذَلِكَ مَا يَدَّعِيهِ يُوسُفُ الْقَرَضَاوِىّ أَنَّ الرَّسُولَ قَامَ لِجِنَازَةِ الْيَهُودِىِّ لِحُرْمَتِهَا فَهُوَ كُفْرٌ وَضَلالٌ لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
(278) مَا حُكْمُ مَنْ يَقُولُ كُلُّ النَّاسِ خَيْرٌ وَبَرَكَةٌ.
اعْلَمْ أَنَّ الْكَافِرَ لا بَرَكَةَ فِيهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْكَافِرِينَ ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وَالدَّوَابُّ هِىَ كُلُّ مَا يَمْشِى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنْ إِنْسَانٍ وَبَهَائِمَ وَحَشَرَاتٍ أَىْ أَنَّ الْكُفَّارَ هُمْ أَحْقَرُ وَأَخَسُّ خَلْقِ اللَّهِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ حِبَّانَ لا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِى الْجَاهِلِيَّةِ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ (أَىْ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ وَتَصَرُّفِهِ) إِنَّ الَّذِى يُدَهْدِهُهُ (أَىْ يُدَحْرِجُهُ) الْجُعَلُ بِأَنْفِهِ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلاءِ الْمُشْرِكِينَ.
وَالْجُعَلُ يُدَحْرِجُ الْقَذَرَ الَّذِى يَخْرُجُ مِنْ بَنِى ءَادَمَ وَيَجْعَلُهُ حُبَيْبَاتٍ لِيَتَقَوَّتَ بِهِ. فَمَنْ قَالَ إِنَّ الْكَافِرَ فِيهِ بَرَكَةٌ كَفَرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ كُلُّ النَّاسِ خَيْرٌ وَبَرَكَةٌ لِأَنَّ كَلامَهُ يَشْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ أَمَّا إِذَا كَانَ يَتَكَلَّمُ عَنْ أُنَاسٍ مُسْلِمِينَ فَقَالَ كُلُّ النَّاسِ خَيْرٌ وَبَرَكَةٌ وَأَرَادَ أَنَّ هَؤُلاءِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ خَيْرٌ وَنَفْعٌ فَلا يَكْفُرُ لَكِنْ يَجِبُ نَهْيُهُ عَنْهَا.
وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ يُبَارِكُ بِالْكُفَّارِ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِالْجَمْعِ أَىْ أَطلَقَ وَشَمَلَ كُلَّ الكُفَّارِ وَهَذَا يُفِيدُ التَّعْظِيمَ فَكَأَنَّهُ قَالَ الْكُفَّارُ لَهُمْ شَأْنٌ عِنْدَ اللَّهِ. أَمَّا إِذَا قَالَ لِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْكُفَّارِ اللَّهُ يُبَارِكُ فِيكَ أَوْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ عَلَى مَعْنَى اللَّهُ يُوَسِّعُ عَلَيْكَ الرِّزْقَ وَيُعْطِيكَ الصِّحَّةَ وَالْعَافِيَةَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ. لَكِنِ الْكَافِرُ لَيْسَ فِيهِ بَرَكَةٌ أَىْ لَيْسَ مُبَارَكًا يَعْنِى لَيْسَ لَهُ شَأْنٌ عِنْدَ اللَّهِ فَلا يُقَالُ لِلْكَافِرِ فِيكَ الْبَرَكَةُ بِخِلافِ الْمُسْلِمِ التَّقِىِّ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ أَىْ لَهُ مَنْزِلَهٌ عَظِيمَةٌ عِنْدَ اللَّهِ.
(279) مَا حُكْمُ مَنْ يَقُولُ الْكَلْبُ أَحْسَنُ مِنْ بَنِى ءَادَمَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَهُ حُرْمَةٌ عِنْدَ اللَّهِ فَلا يَكُونُ الْكَلْبُ أَحْسَنَ مِنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الْكَعْبَةِ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ وَابْنُ حِبَّانَ. أَمَّا مَنْ يَقُولُ الْكَلْبُ أَحْسَنُ مِنْ بَنِى ءَادَمَ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّ كَلامَهُ يَشْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ. أَمَّا إِذَا خَصَّصَ كَلامَهُ لَفْظًا أَىْ أَتَى بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ كَقَوْلِهِ الْكَلْبُ أَحْسَنُ مِنْ بَنِى ءَادَمَ الْكُفَّارِ فَلا يَكْفُرُ لِأَنَّ الْكُفَّارَ هُمْ أَحْقَرُ وَأَخَسُّ خَلْقِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُمْ صُورَةَ الْبَشَرِ لِأَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَكَفَرُوا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ حِبَّانَ لا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِى الْجَاهِلِيَّةِ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّ الَّذِى يُدَهْدِهُهُ الْجُعَلُ بِأَنْفِهِ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلاءِ الْمُشْرِكِينَ. وَالْجُعَلُ يُدَحْرِجُ الْقَذَرَ الَّذِى يَخْرُجُ مِنْ بَنِى ءَادَمَ وَيَجْعَلُهُ حُبَيْبَاتٍ لِيَتَقَوَّتَ بِهِ.
(280) مَا حُكْمُ مَنْ يَقُولُ لِلْكَافِرِ اللَّهُ يُكْرِمُكَ.
اعْلَمْ أَنَّ الْكُفَّارَ هُمْ أَحْقَرُ وَأَخَسُّ خَلْقِ اللَّهِ لِأَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَكَفَرُوا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ أَىْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الْكَافِرِينَ ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَىْ فَإِنْ أَعْرَضُوا عَنِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ أَىْ فَهُمْ كُفَّارٌ وَلا يُحِبُّهُمُ اللَّهُ لِكُفْرِهِمْ وَلَوْ أَحَبَّهُمْ أَىْ لَوْ أَرَادَ لَهُمُ الْخَيْرَ فِى الآخِرَةِ لَرَزَقَهُمُ الإِيمَانَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يُعْطِى الْمَالَ لِمَنْ يُحِبُّ وَلِمَنْ لا يُحِبُّ وَلا يُعْطِى الإِيمَانَ إِلَّا لِمَنْ يُحِبُّ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهُوَ كَافِرٌ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يُحِبُّهُ لِكُفْرِهِ مَهْمَا حَسُنَ خُلُقُهُ وَأَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ وَمَنِ ادَّعَى غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَالَ لِلْكَافِرِ اللَّهُ يُكْرِمُكَ بِقَصْدِ أَنْ يُحِبَّهُ اللَّهُ كَفَرَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ أَمَّا مَنْ قَالَ لِكَافِرٍ اللَّهُ يُكْرِمُكَ وَلا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ بَلْ أَرَادَ الدُّعَاءَ لَهُ بِالتَّوْسِعَةِ فِى الرِّزْقِ فَلا يَكْفُرُ بَلْ هُوَ جَائِزٌ لِأَنَّ مَعْنَى أَكْرَمَهُ اللَّهُ فِى اللُّغَةِ وَسَّعَ عَلَيْهِ الرِّزْقَ.
(281) مَا حُكْمُ مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْكَافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
اعْلَمْ أَنَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْكَافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَفَرَ لِتَكْذِيبِهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وَقَوْلَهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ وَقَوْلَهُ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِى قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وَقَوْلَهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَقَوْلَهُ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لَيَغْفِرُ لِعَبْدِهِ مَا لَمْ يَقَعِ الْحِجَابُ قَالُوا وَمَا وُقُوعُ الْحِجَابِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنْ تَمُوتَ النَّفْسُ وَهِىَ مُشْرِكَةٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ.
وَكَذَا يَكْفُرُ مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْكَافِرِ الْحَىِّ وَقَصَدَ أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ مَعَ اسْتِمْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ إِلَى الْمَوْتِ. أَمَّا مَنْ قَالَ لِكَافِرٍ حَىٍّ اللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ وَقَصَدَ أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ بِدُخُولِهِ فِى الإِسْلامِ فَلا يَكْفُرُ. أَمَّا مَا وَرَدَ فِى الْقُرْءَانِ الْكَرِيمِ أَنَّ سَيِّدَنَا نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ قَالَ لِقَوْمِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ فَمَعْنَاهُ اطْلُبُوا مَغْفِرَةَ اللَّهِ بِالدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمِّهِ أَبِى طَالِبٍ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، مَعْنَاهُ لَأَطْلُبَنَّ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَغْفِرَ لَكَ بِدُخُولِكَ فِى الإِسْلامِ إِلَّا إِذَا مِتَّ عَلَى الْكُفْرِ لِأَنَّ الرَّسُولَ مَنْهِىٌّ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِمَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ الإِسْلامِ. فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ لِكَافِرٍ حَىٍّ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ أَىْ بِدُخُولِهِ فِى الإِسْلامِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لَنَا فَيَجُوزُ مَعَ الْقَيْدِ أَىْ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ بِالإِسْلامِ. أَمَّا مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ فَلا يَجُوزُ الِاسْتِغْفَارُ لَهُ وَلا التَّرَحُّمُ عَلَيْهِ.
(282) مَا الدَّلِيلُ مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ.
رَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ عِمْرَانَ بنِ الْحُصَيْنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ خَيْرٌ لِقَوْمِهِ مِنْكَ كَانَ يُطْعِمُهُمُ الْكَبِدَ وَالسَّنَامَ (أَىْ سَنَامَ الإِبِلِ أَىْ أَعْلَى ظَهْرِهَا وَهُوَ طَعَامٌ فَاخِرٌ عِنْدَ الْعَرَبِ) وَأَنْتَ تَنْحَرُهُمْ (أَىْ تَقْتُلُهُمْ فِى الْجِهَادِ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ (لَهُ أَنْ يَقُولَ مِنَ الْكَلامِ فِى الرَّدِّ عَلَيْهِ)
فَلَمَّا أَرَادَ (الرَّجُلُ) أَنْ يَنْصَرِفَ قَالَ مَا أَقُولُ (أَىْ عَلِّمْنِى شَيْئًا أَقُولُهُ) قَالَ قُلِ اللَّهُمَّ قِنِى شَرَّ نَفْسِى (أَىِ احْفَظْنِى مِنْ شَرِّ نَفْسِى) وَاعْزِمْ لِى عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِى (أَىْ دُلَّنِى عَلَى مَا فِيهِ خَيْرِى وَصَلاحِى) فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ ثُمَّ (عَادَ بَعْدَ مُدَّةٍ وَ)قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنِّى أَتَيْتُكَ فَقُلْتُ عَلِّمْنِى فَقُلْتَ قُلِ اللَّهُمَّ قِنِى شَرَّ نَفْسِى وَاعْزِمْ لِى عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِى فَمَا أَقُولُ الآنَ حِينَ أَسْلَمْتُ قَالَ قُلِ اللَّهُمَّ قِنِى شَرَّ نَفْسِى وَاعْزِمْ لِى عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِى اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى مَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا عَمَدْتُ وَمَا أَخْطَأْتُ وَمَا جَهِلْتُ، فَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ مَا دَامَ كَافِرًا لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّسُولَ مَا عَلَّمَهُ الِاسْتِغْفَارَ اللَّفْظِىَّ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ.
(283) مَا الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَدَّعِى أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ كُلَّ عِبَادِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ أَىْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الْكَافِرِينَ ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَىْ فَإِنْ أَعْرَضُوا عَنِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ أَىْ فَهُمْ كُفَّارٌ وَلا يُحِبُّ اللَّهُ مَنْ تَوَلَّى عَنِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَوْ أَحَبَّهُمْ أَىْ لَوْ أَرَادَ لَهُمُ الْخَيْرَ فِى الآخِرَةِ لَرَزَقَهُمُ الإِيمَانَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يُعْطِى الْمَالَ لِمَنْ يُحِبُّ وَلِمَنْ لا يُحِبُّ وَلا يُعْطِى الإِيمَانَ إِلَّا لِمَنْ يُحِبُّ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهُوَ كَافِرٌ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يُحِبُّهُ لِكُفْرِهِ مَهْمَا حَسُنَ خُلُقُهُ وَأَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ وَمَنِ ادَّعَى غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ كَمُحَمَّد رَاتِب النَّابُلُسِىّ فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ كُلَّ عِبَادِهِ فَيُقَالُ لَهُ اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْجَمِيعَ لَكِنْ لا يُحِبُّ الْكُلَّ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ حِبَّانَ لا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِى الْجَاهِلِيَّةِ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّ الَّذِى يُدَهْدِهُهُ (أَىْ يُدَحْرِجُهُ) الْجُعَلُ بِأَنْفِهِ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلاءِ الْمُشْرِكِينَ.
وَالْجُعَلُ حَشَرَةٌ صَغِيرَةٌ سَوْدَاءُ تَسُوقُ الْقَذَرَ الَّذِى يَخْرُجُ مِنْ بَنِى ءَادَمَ وَتَجْعَلُهُ حُبَيْبَاتٍ لِتَتَقَوَّتَ بِهِ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وَالدَّوَابُّ هِىَ كُلُّ مَا يَمْشِى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنْ إِنْسَانٍ وَبَهَائِمَ وَحَشَرَاتٍ وَمَعْنَى الآيَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ هُمْ أَحْقَرُ وَأَخَسُّ خَلْقِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُمْ صُورَةَ الْبَشَرِ لِأَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَكَفَرُوا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
(284) مَا حُكْمُ مَنْ يَقُولُ الْعَرَبُ جَرَبٌ.
اعْلَمْ أَنَّ الْعَرَبَ فِيهِمْ أَنْبِيَاءُ وَفِيهِمْ صَالِحُونَ فَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْعَرَبُ جَرَبٌ لِأَنَّهُ لَفْظٌ يَشْمَلُ ذَمَّ جَمِيعِ الْعَرَبِ الأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ جَاءَ فِى صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ أَبِى ذَرٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ هُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ. وَحُكْمُ مَنْ يَقُولُ الْعَرَبُ جَرَبٌ أَىْ أَنَّ كُلَّ الْعَرَبِ لا خَيْرَ فِيهِمُ التَّكْفِيرُ قَطْعًا إِلَّا إِذَا خَصَّصَ كَلامَهُ بِقَرِينَةِ الْحَالِ كَقَوْلِهِ الْيَوْمَ الْعَرَبُ فَسَدُوا ثُمَّ قَالَ الْعَرَبُ جَرَبٌ مُرِيدًا هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُهُمْ فَاسِدِينَ فَلا يَكْفُرُ لَكِنَّهُ لا يَسْلَمُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الْعَرَبِ الْيَوْمَ فَاسِدِينَ.
(285) مَا حُكْمُ مَنْ يَقُولُ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ.
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَظَّمَ شَأْنَ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ قَالَ تَعَالَى ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ وَرَوَى الْحَافِظُ التِّرْمِذِىُّ فِى جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَجُلانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِى عَلَى أَدْنَاكُمْ وَإِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ حَتَّى الْحِيتَانَ فِى الْبَحْرِ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِى النَّاسِ الْخَيْر.
فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَالَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ مُرِيدًا تَعْمِيمَ اللَّعْنِ لِجَمِيعِ الْعُلَمَاءِ كَفَرَ وَلا يُنْظَرُ إِلَى قَصْدِهِ إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى كَلامِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِى كَلامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ لَعْنَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَلَوْ قَالَ أَنَا قَصَدْتُ عُلَمَاءَ زَمَانِى فَالْقَصْدُ وَحْدَهُ لا يَدْفَعُ عَنْهُ التَّكْفِيرَ أَمَّا مَنْ لَمْ يُرِدْ تَعْمِيمَ اللَّعْنِ لِجَمِيعِ الْعُلَمَاءِ بَلْ أَرَادَ لَعْنَ عُلَمَاءِ زَمَانِهِ أَوْ أَهْلِ نَاحِيَتِهِ لِأَنَّهُ لا يَعْلَمُ فِيهِمْ خَيْرًا وَكَانَ فِى كَلامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَأَنْ ذَكَرَ عُلَمَاءَ فَاسِدِينَ فَقَالَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ فَيُحْمَلُ كَلامُهُ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ فَاسِدٍ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ وَإِنْ كَانَ كَلامُهُ لا يَخْلُو مِنَ الْمَعْصِيَةِ.
(286) مَا حُكْمُ مَنْ أَنْكَرَ الْقَدَرَ.
اعْلَمْ أَنَّ الْقَدَرَ صِفَةٌ لِلَّهِ وَمَعْنَى الْقَدَرِ إِيجَادُ اللَّهِ الأَشْيَاءَ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَيْنِ وَيُقَالُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى الْقَدَرُ هُوَ جَعْلُ كُلِّ شَىْءٍ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ. فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ فِى الْوُجُودِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَهُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ الأَزَلِىِّ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. أَمَّا مَنْ أَنْكَرَ الْقَدَرَ فَهُوَ كَافِرٌ بِالإِجْمَاعِ كَالْقَدَرِيَّةِ أَىِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ الِاخْتِيَارِيَّةَ وَتَبِعَهُمْ فِى هَذِهِ الْعَقِيدَةِ الْفَاسِدَةِ مُحَمَّد رَاتِب النَّابُلُسِى فَقَالَ إِنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ لَيْسَتْ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ وَفِى هَذَا تَكْذِيبٌ لِلْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بقَدَرٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ شَىْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْعَجْزُ هُوَ الضَّعْفُ فِى الْفَهْمِ وَالإِدْرَاكِ وَيُقَالُ الْعَجْزُ هُوَ ضَعْفُ الْهِمَّةِ وَفُتُورُهَا أَمَّا الْكَيْسُ فَهُوَ الذَّكَاءُ وَالْفَطَانَةُ. وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِى الْفِقْهِ الأَكْبَرِ وَالطَّاعَةُ كُلُّهَا مَا كَانَتْ وَاجِبَةً بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ وَبِرِضَائِهِ وَعِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقَضَائِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَالْمَعَاصِى كُلُّهَا بِعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَمَشِيئَتِهِ لا بِمَحَبَّتِهِ وَلا بِرِضَائِهِ وَلا بِأَمْرِهِ. فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لا يَجُوزُ قَوْلُ اللَّهُ لا يُقَدِّرُ أَوْ لا قَدَّرَ اللَّهُ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ قَوْلُ سُخْرِيَةُ الْقَدَرِ وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ وَفَهِمَ مِنْهُ الِاسْتِخْفَافَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ كَفَرَ أَمَّا مَنْ كَانَ يَفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ حَصَلَ بِهِ أَشْيَاءُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ فَصَارَ النَّاسُ يَسْتَهْزِءُونَ بِهِ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُ فَلا يَكْفُرُ. وَيَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْ قَوْلِ أَبِى الْقَاسِمِ الشَّابِّىّ إِذَا الشَّعْبُ يَوْمًا أَرَادَ الْحَيَاةَ *** فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَدَرُ، لِأَنَّهُ جَعَلَ بِقَوْلِهِ هَذَا مَشِيئَةَ اللَّهِ تَابِعَةً لِمَشِيئَةِ الْعِبَادِ فَإِنَّهُ مُعَارِضٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
(287) مَا حُكْمُ مَنْ يَقُولُ لا مَوْجُودَ إِلَّا اللَّهُ.
اعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَشَدِّ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَالَمُ وَإِنَّ أَفْرَادَ الْعَالَمِ أَجْزَاءٌ مِنْهُ تَعَالَى كَقَوْلِ جَمَاعَةِ سَحَر حَلَبِى مَا الْكَوْنُ إِلَّا الْقَيُّومُ الْحَىّ وَقَوْلِ الشَّاذِلِيَّةِ الْيَشْرُطِيَّةِ اللَّهُ هُوَ عَيْنُ الأَشْيَاءِ وَقَوْلِ مَلاحِدَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ لا مَوْجَودَ إِلَّا اللَّهُ. وَهَؤُلاءِ كَذَّبُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ وَوُجُودِ الْعَالَمِ حَقِيقَةً قَالَ الإِمَامُ الْجُنَيْدُ الْبَغْدَادِىُّ سَيِّدُ الطَّائِفَةِ الصُّوفِيَّةِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ لَوْ كُنْتُ حَاكِمًا لَقَطَعْتُ رَأْسَ مَنْ يَقُولُ لا مَوْجُودَ إِلَّا اللَّهُ.
وَيَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْعَوَامِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا فِى غَيرَك يَا اللَّه لِأَنَّهُ مُعَارِضٌ لِلْقُرْءَانِ أَمَّا مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ مَعْنَاهُ لا إِلَهَ غَيْرُكَ يَا اللَّهُ أَوْ لا مُعِينَ عَلَى الْحَقِيقَةِ غَيْرُكَ يَا اللَّه فَلا يَكْفُرُ لَكِنْ يَجِبُ نَهْيُهُ عَنْهَا.
