(181) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّارَ بَاقِيَةٌ لا تَفْنَى.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ النَّارَ بَاقِيَةٌ لا تَفْنَى نَقَلَ الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ الْحَافِظُ الْمُجْتَهِدُ تَقِىُّ الدِّينِ السُّبْكِىُّ فِى رِسَالَتِهِ الِاعْتِبَارُ بِبَقَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ مَنْ خَالَفَهُ كَافِرٌ بِالإِجْمَاعِ وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِى الْفِقْهِ الأَكْبَرِ وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ الآنَ وَلا تَفْنَيَانِ أَبَدًا. وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْحَقُّ وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ ابْنُ تَيْمِيَةَ فَقَالَ إِنَّ النَّار تَفْنَى لا يَبْقَى فِيهَا أَحَدٌ وَتَبِعَهُ فِى هَذِهِ الْمَقَالَةِ الْفَاسِدَةِ الْوَهَّابِيَّةُ ذَكَرُوا ذَلِكَ فِى كِتَابِهِمُ الْمُسَمَّى الْقَوْلَ الْمُخْتَارَ لِفَنَاءِ النَّارِ لِعَبْدِ الْكَرِيمِ الْحميد وَكَذَلِكَ يُوسُفُ الْقَرَضَاوِى وَقَوْلُهُمْ هَذَا تَكْذِيبٌ لِلْقُرْءَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ فَلَوْ كَانَتِ النَّارُ تَفْنَى وَالْكُفَّارُ يَخْرُجُونَ مِنْهَا فَأَيْنَ يَذْهَبُونَ بِزَعْمِهِمْ وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ إِذْ لا يُوجَدُ فِى الآخِرَةِ إِلَّا مَنْزِلَتَانِ إِمَّا جَنَّةٌ وَإِمَّا نَارٌ.

(182) كَيْفَ يُرَدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْ أَبِى لَهَبٍ لِأَنَّهُ كَرِيمٌ يَرْجِعُ فِى وَعِيدِهِ.

اعْلَمْ أَنَّ الْكَافِرَ مَحْرُومٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ فِى الآخِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أَىْ أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ وَسِعَتْ فِى الدُّنْيَا كُلَّ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أَىْ أَخُصُّهَا فِى الآخِرَةِ لِلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ الشِّرْكَ وَسَائِرَ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ. فَالْكَافِرُ يُعَذَّبُ فِى جَهَنَّمَ عَذَابًا أَبَدِيًّا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.

وَلا يُخَفَّفُ الْعَذَابُ عَنِ الْكُفَّارِ فِى جَهَنَّمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾. أَمَّا مَا يَدَّعِيهِ عَلِى جُمْعَة الْمِصْرِىُّ أَنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْ أَبِى لَهَبٍ لِأَنَّهُ كَرِيمٌ يَرْجِعُ فِى وَعِيدِهِ فَهُوَ تَكْذِيبٌ لِلْقُرْءَانِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِى أَبِى لَهَبٍ ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾

أَىْ ذَاتَ تَلَهُّبٍ وَاشْتِعَالٍ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۞ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَّزِيدٍ﴾ وَقَوْلُ اللَّهِ صِدْقٌ لا يَتَخَلَّفُ أَىْ لا يَتَغَيَّرُ لِأَنَّ التَّخَلُّفَ كَذِبٌ وَالْكَذِبُ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ فَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ فَلا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَهُ وَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ لا يَفْعَلُهُ لا يَكُونُ وَأَمَّا مَا قَالَهُ عَلِى جُمْعَة فَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ وَعِيدَ اللَّهِ كَوَعِيدِ الْخَلْقِ.

يُقَالُ لَهُ أَنْتَ نَسَبْتَ الْكَذِبَ إِلَى اللَّهِ، قَوْلُكَ هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ نِسْبَةُ الْكَذِبِ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ بِأَنَّ الْكُفَّارَ يَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ وَلا يَخْرُجُونَ مِنْهَا أَبَدًا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّار﴾. وَأَيْنَ يَكُونُ أَبُو لَهَبٍ بِزَعْمِهِ وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْكَافِرِينَ دُخُولَ الْجَنَّةِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾.

قاَلَ الْقُرْطُبِىُّ وَالْحُكْمُ بِبَقَاءِ أَبِى لَهَبٍ وَامْرَأَتِهِ فِى النَّارِ مَشْرُوطٌ بِبَقَائِهِمَا عَلَى الْكُفْرِ إِلَى الْوَفَاةِ فَلَمَّا مَاتَا عَلَى الْكُفْرِ صَدَقَ الإِخْبَارُ عَنْهُمَا فَفِيهِ مُعْجِزَةٌ لِلنَّبِىِّ ﷺ. وَمُصِيبَةُ الْمُسْلِمِينَ فِى هَذَا الزَّمَانِ كَثْرَةُ الْمُحَرِّفِينَ لِلدِّينِ الَّذِينَ يَنْشُرُونَ الْكُفْرَ وَالضَّلالَ بِاسْمِ الدِّينِ وَالإِسْلامِ فَيَجِبُ الْحَذَرُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْهُمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُنَاسٌ مِنْ جِلْدَتِنَا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّم مَنِ اسْتَجَابَ لَهُمْ قَذَفُوهُ فِيهَا.

(183) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لا يَنْتَفِعُ فِى الآخِرَةِ بِمَا عَمِلَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ فِى الدُّنْيَا.

اعْلَمْ أَنَّ الْكَافِرَ لا يَنْتَفِعُ فِى الآخِرَةِ بِمَا عَمِلَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ فِى الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾. فَاللَّهُ تَعَالَى شَبَّهَ أَعْمَالَ الْكُفَّارِ بِالرَّمَادِ الَّذِى إِذَا جَاءَتْهُ رِيحٌ عَاصِفَةٌ لا يَبْقَى مِنْهُ شَىْءٌ كَذَلِكَ الْكُفَّارُ أَعْمَالُهُمْ لا يَنْتَفِعُونَ بِهَا لِأَنَّ الإِيمَانَ شَرْطٌ لِقَبُولِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.

الْكَافِرُ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ أَوْ سَاعَدَ الْيَتَامَى وَالأَرَامِلَ لا يُثِيبُهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ فِى الآخِرَةِ لَكِنْ يُجَازِيهِ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا بِالرِّزْقِ وَصِحَّةِ الْجِسْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِى الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا نَصِيب رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَنَقَلَ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلانِىُّ فِى فَتْحِ الْبَارِى عَنِ الْقَاضِى عِيَاضٍ الإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لا يَنْتَفِعُ فِى الآخِرَةِ بِمَا عَمِلَهُ مِنَ الأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ لا بِتَخْفِيفِ عَذَابٍ وَلا بِنَعِيمٍ.

وَلا يَنْتَفِعُ الْكَافِرُ بِشَىْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحَةِ بَلْ يَكُونُ فِى الآخِرَةِ فِى الْقَعْرِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لا يَجُوزُ الدُّعَاءُ لِلْكَافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَلا يَجُوزُ التَّرَحُّمُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أَىْ أَخُصُّهَا فِى الآخِرَةِ لِلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ الشِّرْكَ وَسَائِرَ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ.

أَمَّا قَوْلُ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا لِلْكَافِرِ فَلا يَجُوزُ لِأَنَّ مَعْنَى جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ يَكْتُبُ لَكَ ثَوَابًا فَإِنْ قَالَ لَهُ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا بِقَصْدِ الدُّعَاءِ لَهُ أَنْ يَجْزِيَهُ اللَّهُ فِى الآخِرَةِ كَمَا يَجْزِى الْمُؤْمِنِينَ كَفَرَ أَمَّا إِنْ قَصَدَ فِى الدُّنْيَا فَلا يَكْفُرُ لِأَنَّ اللَّهَ يَجْزِى الْكُفَّارَ فِى الدُّنْيَا.

(184) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ مَحْرُومٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ فِى الآخِرَةِ وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُ الْعَذَابُ فِى جَهَنَّمَ.

اعْلَمْ أَنَّ الْكَافِرَ مَحْرُومٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ فِى الآخِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ أَىْ أَهْلُ النَّارِ يُنَادُونَ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِمَّا يَرَوْنَهُمْ عِيَانًا مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فِى وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ وَإِمَّا يَسْمَعُونَ صَوْتَهُمْ فَيَطْلُبُونَ مِنَ الضِّيقِ الَّذِى هُمْ فِيهِ ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أَىْ حَرَّمَ عَلَى الْكَافِرِينَ الرِّزْقَ النَّافِعَ وَالْمَاءَ الْمُرْوِىَ فِى الآخِرَةِ فَلا يَجِدُونَ مَاءً بَارِدًا مُرْوِيًا إِنَّمَا يَشْرَبُونَ الْحَمِيمَ وَهُوَ الْمَاءُ الْمُتَنَاهِى فِى الْحَرَارَةِ وَمَا يَسِيلُ مِنْ جُلُودِ أَهْلِ النَّارِ بَعْدَ أَنْ تَحْتَرِقَ لِأَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَكَفَرُوا وَقَصَدُوا الْبَقَاءَ عَلَى الْكُفْرِ فَكَانَ جَزَاؤُهُمْ عَذَابًا لا يَنْقَطِعُ.

وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أَىْ أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ وَسِعَتْ فِى الدُّنْيَا كُلَّ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أَىْ أَخُصُّهَا فِى الآخِرَةِ لِلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ الشِّرْكَ وَسَائِرَ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ. وَلا يُخَفَّفُ الْعَذَابُ عَنِ الْكُفَّارِ فِى جَهَنَّمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا﴾ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْكُفَّارَ فِى جَهَنَّمَ يَسْتَغِيثُونَ بِمَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ فَيُجِيبُهُمْ بَعْدَ أَلْفِ سَنَةٍ إِذْلالًا لَهُمْ وَاسْتِغَاثَتُهُمْ بِهِ لَيْسَتْ لِلْخُرُوجِ مِنَ النَّارِ بَلْ يَطْلُبُونَ الْمَوْتَ مِنْ شِدَّةِ الْعَذَابِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾.

أَمَّا مَا يَدَّعِيهِ خَالِد الْجُنْدِى أَنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ الْكَافِرِينَ فِى الآخِرَةِ وَأَنَّ الْكُفَّارَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ فِى جَهَنَّمَ فَهُوَ تَكْذِيبٌ لِلْقُرْءَانِ وَرَدٌّ لِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ وَرَدُّ النُّصُوصِ كُفْرٌ كَمَا قَالَ النَّسَفِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ.

(185) تَكَلَّمْ عَنِ الصِّرَاطِ.

يَجِبُ الإِيمَانُ بِالصِّرَاطِ وَهُوَ جِسْرٌ عَرِيضٌ يُمَدُّ فَوْقَ جَهَنَّمَ فَيَرِدُهُ النَّاسُ جَمِيعًا فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْجُو وَمِنْهُمْ مَنْ يَقَعُ فِيهَا فَالْكُفَّارُ يَقَعُونَ مِنْهُ فِى ابْتِدَاءِ وُرُودِهِمْ وَبَعْضُ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ يَمْشُونَ عَلَيْهِ مَسَافَةً ثُمَّ يَقَعُونَ مِنْهُ وَمِنَ الْعُصَاةِ مَنْ تَأْخُذُهُ الْكَلالِيبُ الْمَوْجُودَةُ عَلَى جَانِبَيْهِ فَيَكَادُ يَقَعُ ثُمَّ تُفْلِتُهُ فَيَمُرُّ عَلَى الصِّرَاطِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُرُ الصِّرَاطَ مَشْيًا.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَرِدُهُ وُرُودَ مُرُورٍ فِى هَوَائِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمَسَّهُ قَدَمُهُ وَهُمُ الصَّالِحُونَ وَهَؤُلاءِ مِنْهُمْ مَنْ يَـمُرُّ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَـمُرُّ كَطَرْفَةِ عَيْنٍ عَلَى حَسَبِ عَمَلِهِ وَهَؤُلاءِ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ وَرَدُوا النَّارَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلُوا فِيهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْوُرُودِ الْمَذْكُورِ فِى الْقُرْءَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ دُخُولُهَا.

فَالأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالأَطْفَالُ لا يَدْخُلُونَ النَّارَ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. وَالصِّرَاطُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ فِى الأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ وَالطَّرَفُ الآخَرُ فِيمَا يَلِى الْجَنَّةَ بَعْدَ النَّارِ أَىْ قَبْلَ الْجَنَّةِ وَبَعْدَ النَّارِ. وَقَدْ وَرَدَ فِى صِفَةِ الصِّرَاطِ أَنَّهُ دَحْضٌ مَزَلَّةٌ أَىْ أَمْلَسُ تَزِلُّ مِنْهُ الأَقْدَامُ أَمَّا مَا وَرَدَ أَنَّهُ أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وَأَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ فَالْمُرَادُ بِذَلِكَ وَصْفُ خَطَرِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ ظَاهِرَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ دَقِيقًا كَالشَّعْرَةِ إِنَّمَا هُوَ عَرِيضٌ لَكِنَّهُ شَىْءٌ مُخَوِّفٌ لِأَنَّهُ أَمْلَسُ يُخَافُ الِانْزِلاقُ مِنْهُ. وَقَدْ وَرَدَ فِى صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ تَجْرِى بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ فَإِنَّ يُسْرَ الْعُبُورِ عَلَيْهِ وَعُسْرَهُ عَلَى قَدْرِ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِى.

(186) تَكَلَّمْ عَنِ الْحَوْضِ.

يَجِبُ الإِيمَانُ بِالْحَوْضِ وَهُوَ مَكَانٌ أَعَدَّ اللَّهُ فِيهِ شَرَابًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَشْرَبُونَ مِنْهُ بَعْدَ عُبُورِ الصِّرَاطِ وَقَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ فَلا يُصِيبُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ظَمَأٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَشْرَبُ تَلَذُّذًا وَهُمُ الأَتْقِيَاءُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْرَبُ عَطَشًا وَهُمُ الْعُصَاةُ. وَلِكُلِّ نَبِىٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ حَوْضٌ تَشْرَبُ مِنْهُ أُمَّتُهُ وَأَكْبَرُ الأَحْوَاضِ حَوْضُ نَبِيِّنَا ﷺ طُولُهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ وَعَرْضُهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ وَعَلَيْهِ أَكْوَابٌ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَيَنْصَبُّ فِيهِ مِنْ مَاءِ الْجَنَّةِ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَوْضِى مَسِيرَةُ شَهْرٍ مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لا يَظْمَأُ أَبَدًا.

(187) تَكَلَّمْ عَنِ الشَّفَاعَةِ فِى الآخِرَةِ.

يَجِبُ الإِيمَانُ بِالشَّفَاعَةِ وَهِىَ طَلَبُ إِسْقَاطِ الْعِقَابِ عَنْ بَعْضِ الْعُصَاةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَشْفَعُ الأَنْبِيَاءُ وَالْمَلائِكَةُ وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ وَشُهَدَاءُ الْمَعْرَكَةِ وَيَشْفَعُ نَبِيُّنَا ﷺ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَفَاعَتِى لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِى رَوَاهُ الْحَاكِمُ. وَالشَّفَاعَةُ تَكُونُ لِبَعْضِ الْعُصَاةِ قَبْلَ دُخُولِهِمُ النَّارَ وَلِبَعْضٍ بَعْدَ دُخُولِهِمْ لِإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَمْضِىَ الْمُدَّةُ الَّتِى يَسْتَحِقُّونَ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ يَخْرُجُ نَاسٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.

فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ بَعْضُ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ النَّارَ فَلا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِنَجَاةِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دُخُولِ النَّارِ. أَمَّا الأَتْقِيَاءُ وَالَّذِينَ مَاتُوا تَائِبِينَ فَلا يَحْتَاجُونَ لِلشَّفَاعَةِ. وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَلا شَفَاعَةَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ أَىْ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى الإِسْلامَ دِينًا أَىْ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ مَاتَ عَلَى الإِيمَانِ.

وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِى مَا شِئْتِ مِنْ مَالِى لا أُغْنِى عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ مَعْنَاهُ لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُنْقِذَكِ مِنَ النَّارِ إِنْ لَمْ تُؤْمِنِى أَمَّا فِى الدُّنْيَا فَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْفَعَكِ بِمَالِى. وَلِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى وَهِىَ عَامَّةٌ لا تَخْتَصُّ بِأُمَّتِهِ بَلْ

يَنْتَفِعُ بِهَا غَيْرُ أُمَّتِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَهِىَ لِتَخْلِيصِهِمْ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ النَّاسَ فِى ذَلِكَ الْمَوْقِفِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ تَعَالَوْا لِنَذْهَبَ إِلَى أَبِينَا ءَادَمَ لِيَشْفَعَ لَنَا إِلَى رَبِّنَا فَيَأْتُونَ إِلَى ءَادَمَ وَيَقُولُونَ يَا ءَادَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ (أَىْ بِعِنَايَةٍ مِنْهُ) وَأَسْجَدَ لَكَ مَلائِكَتَهُ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا فَيَقُولُ لَهُمْ لَسْتُ فُلانًا (أَىْ أَنَا لَسْتُ صَاحِبَ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ) اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ فَيَقُولُ ايِتُوا إِبْرَاهِيمَ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ لَهُمْ لَسْتُ فُلانًا فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ لَهُمْ لَسْتُ فُلانًا ثُمَّ يَقُولُ لَهُمْ ايِتُوا عِيسَى فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ لَهُمْ لَسْتُ فُلانًا وَلَكِنِ اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ فَيَأْتُونَ النَّبِىَّ ﷺ فَيَسْجُدُ النَّبِىُّ لِرَبِّهِ فَيُقَالُ لَهُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ.

(188) تَكَلَّمْ عَنِ الْجَنَّةِ.

يَجِبُ الإِيمَانُ بِالْجَنَّةِ وَهِىَ دَارُ النَّعِيمِ الدَّائِمِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَمَكَانُهَا فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَهِىَ مَوْجُودَةٌ الآنَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ لا تَفْنَى وَلا يَفْنَى أَهْلُهَا. وَنَعِيمُ الْجَنَّةِ قِسْمَانِ نَعِيمٌ عَامٌّ لِكُلِّ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَنَعِيمٌ خَاصٌّ لا يَنَالُهُ إِلَّا الأَتْقِيَاءُ أَمَّا النَّعِيمُ الْعَامُّ فَهُوَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ كُلَّهُمْ أَحْيَاءٌ لا يَمُوتُونَ أَبَدًا وَكُلَّهُمْ فِى صِحَّةٍ لا يَمْرَضُونَ أَبَدًا وَكُلَّهُمْ شَبَابٌ لا يَهْرَمُونَ أَبَدًا وَكُلَّهُمْ فِى نَعِيمٍ لا يَبْأَسُونَ أَبَدًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلا تَبْأَسُوا أَبَدًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَأَمَّا النَّعِيمُ الْخَاصُّ فَهُوَ الَّذِى أَعَدَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ كَمَا جَاءَ فِى الْحَدِيثِ الْقُدْسِىِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِىَ الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. وَالْجَنَّةُ هِىَ الدَّارُ الْمُطَهَّرَةُ مِنَ الأَقْذَارِ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْبُصَاقِ وَالْمَنِىِّ.

فَطَعَامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَشَرَابُهُمْ لا يَتَحَوَّلُ إِلَى بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ إِنَّمَا يَفِيضُ مِنْ جِسْمِهِمْ عَرَقًا كَالْمِسْكِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَلا يَتْفِلُونَ وَلا يَبُولُونَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ وَلا يَتَمَخَّطُونَ قَالُوا فَمَا بَالُ الطَّعَامِ قَالَ جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ أَىْ يُسَبِّحُونَ بِدُونَ تَعَبٍ وَلا تَكَلُّفٍ كَمَا أَنَّنَا نَتَنَفَّسُ بِدُونِ تَكَلُّفٍ.

وَأَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ ءَادَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا طُولًا فِى سَبْعَةِ أَذْرُعٍ عَرْضًا. وَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الَّذِى رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ فِى عُمُرِ ثَلاثَةٍ وَثَلاثِينَ عَامًا، أَىْ لا شَعَرَ عَلَى أَجْسَادِهِمْ إِلَّا شَعَرُ الرَّأْسِ وَالأَجْفَانِ وَالْحَاجِبَيْنِ كَأَنَّهُمْ فِى عُمُرِ ثَلاثَةٍ وَثَلاثِينَ عَامًا. وَالزِّيَارَاتُ فِى الْجَنَّةِ سَهْلَةٌ فَأَحْيَانًا سَرِيرُ الشَّخْصِ يَطِيرُ بِهِ إِلَى حَيْثُ يُرِيدُ وَأَحْيَانًا يَرْكَبُ خُيُولًا لَهَا أَجْنِحَةٌ تَطِيرُ بِهِ. وَأَعْيُنُ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَوِيَّةٌ تَرَى الشَّخْصَ مِنْ مَسَافَةِ أَلْفِ سَنَةٍ وَأَكْثَرَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْجَنَّةَ.

(189) تَكَلَّمْ عَنْ صِفَةِ الْجَنَّةِ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ هَلْ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لا خَطَرَ لَهَا ثُمَّ قَالَ فِى وَصْفِهَا هِىَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ وَقَصْرٌ مَشِيدٌ وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِى مُقَامٍ أَبَدِىٍّ فِى حَبْرَةٍ وَنَضْرَةٍ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَقَوْلُهُ ﷺ هَلْ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ أَىْ هَلْ مِنْ مُجْتَهِدٍ فِى طَاعَةِ اللَّهِ وَمُسْتَعِدٍّ لِلْجَنَّةِ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لا خَطَرَ لَهَا أَىْ لا مِثْلَ لَهَا هِىَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ أَىْ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْكَعْبَةِ عَلَى أَنَّهَا نُورٌ يَتَلَأْلَأُ أَىْ أَنَّهَا مُنَوَّرةٌ لا يُوجَدُ فِيهَا ظَلامٌ فَلا تَحْتَاجُ الْجَنَّةُ إِلَى شَمْسٍ وَلا قَمَرٍ،

إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ نِسَاءِ الْجَنَّةِ كَمَا وَصَفَهَا رَسُولُ اللَّهِ بِحَيْثُ لَوِ اطَّلَعَتْ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ فِيهَا ظَلامٌ. وَوَصَفَ الرَّسُولُ الْجَنَّةَ بِأَنَّهَا رَيْحَانَهٌ تَهْتَزُّ أَىْ ذَاتُ خُضْرَةٍ كَثِيرَةٍ مُعْجِبَةِ الْمَنْظَرِ. وَكُلُّ شَجَرَةٍ فِى الْجَنَّةِ سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ وَأَشْجَارُ الْجَنَّةِ عِنْدَمَا تَتَحَرَّكُ يَصْدُرُ لَهَا صَوْتٌ جَمِيلٌ جِدًّا تَمِيلُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ.

وَوَصَفَ الرَّسُولُ الْجَنَّةَ بِأَنَّهَا قَصْرٌ مَشِيدٌ أَىْ فِيهَا قُصُورٌ عَالِيَةٌ مُرْتَفِعَةٌ. أَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ أَىْ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ جَارِيَةٌ فَالْجَنَّةُ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ أَىْ حَلِيبٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ وَهُوَ شَرَابٌ لَذِيذٌ طَاهِرٌ لا يُسْكِرُ وَلا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ وَلا يُصْدِعُ الرَّأْسَ. وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ وَفَاكِهَةٌ نَضِيجَةٌ أَىْ فِيهَا مِنَ الْفَوَاكِهِ كُلُّ مَا تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ وَكُلُّ مَا فِيهَا مِنَ الْفَوَاكِهِ نَضِيجٌ.

وَقَوْلُهُ ﷺ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ أَىْ فِيهَا لِلْمُؤْمِنِينَ أَزْوَاجٌ حِسَانٌ جَمِيلاتٌ. وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِى مُقَامٍ أَبَدِىٍّ أَىْ فِى حَيَاةٍ دَائِمَةٍ لا نِهَايَةَ لَهَا وَقَوْلُهُ فِى حَبْرَةٍ أَىْ سُرُورٍ دَائِمٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ نَضْرَةٍ فَمَعْنَاهُ أَنَّ وُجُوهَ أَهْلِهَا جَمِيلَةٌ. وَفِى نِهَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الصَّحَابَةُ لِلرَّسُولِ نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ قُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْجَنَّةَ.

(190) تَكَلَّمْ عَنِ الرُّؤْيَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فِى الآخِرَةِ.

يَجِبُ الإِيمَانُ بِأَنَّ اللَّهَ يُرَى فِى الآخِرَةِ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِى الْجَنَّةِ بِلا كَيْفٍ وَلا مَكَانٍ وَلا جِهَةٍ أَىْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِى مَكَانٍ أَوْ جِهَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أَىْ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَرَوْنَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ، لا يَرَوْنَهُ حَجْمًا لَطِيفًا كَالنُّورِ وَلا حَجْمًا كَثِيفًا كَالإِنْسَانِ وَلا يَرَوْنَهُ مُسْتَقِرًّا حَالًّا فِى الْجَنَّةِ وَلا خَارِجَهَا وَلا يَرَوْنَهُ مُتَحَيِّزًا فِى مَكَانٍ أَوْ جِهَةٍ فَلا يَرَوْنَهُ مُتَحَيِّزًا عَنْ يَمِينِهِمْ وَلا عَنْ يَسَارِهِمْ وَلا فِى جِهَةِ فَوْقٍ وَلا فِى جِهَةِ تَحْتٍ وَلا فِى جِهَةِ أَمَامٍ وَلا فِى جِهَةٍ خَلْفٍ،

يَرَوْنَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَجْمٌ وَكَمِيَّةٌ وَمِقْدَارٌ وَمِسَاحَةٌ وَحَدٌّ لِأَنَّهُ لَيْسَ جِسْمًا مُؤَلَّفًا مِنْ أَجْزَاءٍ، يَرَوْنَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ وَسَمْكٌ وَلَوْنٌ وَشَكْلٌ وَهَيْئَةٌ وَكَيْفِيَّةٌ، يرَوْنَهُ بِلا وَصْفِ قِيَامٍ وَقُعُودٍ وَاتِّكَاءٍ وَتَعَلُّقٍ وَاتِّصَالٍ وَانْفِصَالٍ وَسَاكِنٍ وَمُتَحَرِّكٍ وَمُمَاسٍّ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ مَسَافَةٌ.

رُؤْيَةُ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ فِى الآخِرَةِ لَيْسَ اجْتِمَاعًا بِاللَّهِ كَاجْتِمَاعِ الْمُصَلِّينَ بِإِمَامِهِمْ فِى الْمَسْجِدِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ السُّكْنَى فِى مَكَانٍ. رُؤْيَةُ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِى الآخِرَةِ جَائِزَةٌ عَقْلًا بِدَلِيلِ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ سَأَلَ رَبَّهُ الرُّؤْيَةَ بِقَوْلِهِ ﴿رَبِّ أَرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾، فَلَوْ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ مُسْتَحِيلَةً مَا سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ أَنْ يَرَاهُ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى لِمُوسَى ﴿لَنْ تَرَانِى﴾ أَىْ فِى الدُّنْيَا، وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمَّا طَلَبَ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَرَاهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَكُنْ أُوحِىَ إِلَيْهِ بِأَنَّ اللَّهَ لا يُرَى بِالْعَيْنِ الْفَانِيَةِ فِى الدُّنْيَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لا تَضَامُّونَ فِى رُؤْيَتِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. شَبَّهَ الرَّسُولُ ﷺ رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الشَّكِّ بِرُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَلَمْ يُشَبِّهِ اللَّهَ بِالْقَمَرِ أَىْ أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ رُؤْيَةً لا شَكَّ فِيهَا لا يَشُكُّونَ هَلِ الَّذِى رَأَوْهُ هُوَ اللَّهُ أَمْ غَيْرُهُ كَمَا أَنَّ مُبْصِرَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ سَحَابٌ يَرَاهُ رُؤْيَةً لا شَكَّ فِيهَا.

لا تَضَامُّونَ فِى رُؤْيَتِهِ أَىْ لا تَتَزَاحَمُونَ فِى رُؤْيَتِهِ وَهَذَا شَأْنُ مَنْ لا مَكَانَ لَهُ لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا أَرَادُوا رُؤْيَةَ مَنْ فِى مَكَانٍ يَتَزَاحَمُونَ وَيَتَدَافَعُونَ لِيَرَوْهُ فَيَرَاهُ الأَقْرَبُونَ مِنْهُ وَلا يَرَاهُ الأَبْعَدُونَ فَيَتَدَافَعُونَ.

(191) تَكَلَّمْ عَنِ الإِيمَانِ بِالْمَلائِكَةِ.

يَجِبُ الإِيمَانُ بِالْمَلائِكَةِ أَىْ بِوُجُودِهِمْ وَهُمْ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ لا تُجَسُّ بِالْيَدِ خَلَقَهُمُ اللَّهُ مِنْ نُورٍ لَهُمْ أَرْوَاحٌ وَعُقُولٌ وَإِرَادَةٌ. لَيْسُوا ذُكُورًا وَلا إِنَاثًا لا يَأْكُلُونَ وَلا يَشْرَبُونَ وَلا يَبُولُونَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ وَلا يَنَامُونَ وَلا يَتْعَبُونَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَلا يَتَنَاكَحُونَ وَلا يَتَوَالَدُونَ وَهُمْ مُسْلِمُونَ مُكَلَّفُونَ بِالإِيمَانِ وَعِبَادٌ لِلَّهِ طَائِعُونَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ يُصَلُّونَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا.

أَعْطَاهُمُ اللَّهُ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّشَكُّلِ بِصُوَرِ الرِّجَالِ مِنْ بَنِى ءَادَمَ مِنْ غَيْرِ ءَالَةِ الذُّكُورَةِ لَكِنَّهُمْ لا يَتَشَكَّلُونَ بِأَشْكَالِ الإِنَاثِ وَلا بِالأَشْكَالِ الْقَبِيحَةِ كَالْقِرَدَةِ وَالْكِلابِ وَالْخَنَازِيرِ وَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَالْفِئْرَانِ. وَأَفْضَلُ الْمَلائِكَةِ خَوَاصُّهُمْ وَهُمْ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَعَزْرَائِيلُ وَرِضْوَانُ خَازِنُ الْجَنَّةِ وَمَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ وَأَفْضَلُ الْخَوَاصِّ وَرَئِيسُهُمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَهُوَ أَشْرَفُ الْمَلائِكَةِ وَأَفْضَلُهُمْ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

وَكُلُّ مَلَكٍ لَهُ جَنَاحَانِ أَوْ أَرْبَعٌ أَوْ سِتٌّ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْعَدَدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أُولِى أَجْنِحَةٍ﴾ فَسَيِّدُنَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ وَقَدْ رَءَاهُ الرَّسُولُ ﷺ بِمَكَّةَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ أَجْيَاد فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ اطْلُبْ مِنْ رَبِّكَ أَنْ تَرَانِى عَلَى صُورَتِى الأَصْلِيَّةِ فَطَلَبَ الرَّسُولُ ذَلِكَ فَظَهَرَ لَهُ مِنَ الْمَشْرِقِ فَسَدَّ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَصَعِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَىْ غُشِىَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَخَذَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَقَدْ تَحَوَّلَ إِلَى الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا جِبْرِيلُ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ أَحَدًا عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ فَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنِى عَلَى سِتِّمِائَةِ جَنَاحٍ وَمَا نَشَرْتُ مِنْهَا إِلَّا جَنَاحَيْنِ وَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ إِسْرَافِيلَ عَلَى سِتِّمِائَةِ جَنَاحٍ الْجَنَاحُ الْوَاحِدُ مِنْهَا مِثْلُ كُلِّ أَجْنِحَتِى.

وَيُوجَدُ فِى الْمَلائِكَةِ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ خِلْقَةً كَحَمَلَةِ الْعَرْشِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُذِنَ لِى أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، أَىْ بِخَفَقَانِ الطَّيْرِ الْمُسْرِعِ وَهَذَا الْمَلَكُ كَتِفُهُ عِنْدَ الْعَرْشِ وَرِجْلُهُ فِى الأَرْضِ السَّابِعَةِ.

(192) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَلائِكَةَ لا يَتَشَكَّلُونَ بِأَشْكَالِ النِّسَاءِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وَهُمْ الْكُفَّارُ الْمُشْرِكُونَ ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى﴾ أَىْ يَقُولُونَ إِنَّ الْمَلائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلُوا﴾ أَىِ الْمُشْرِكُونَ ﴿الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمٰنِ﴾ أَىْ خَلْقُهُ ﴿إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أَىْ كَيْفَ يَحْكُمُونَ بِأَنَّهُمْ إِنَاثٌ أَحَضَرُوا خَلْقَهُمْ حِينَ خُلِقُوا ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَلائِكَةَ لا يَتَشَكَّلُونَ بِأَشْكَالِ النِّسَاءِ إِنَّمَا يَتَشَكَّلُونَ بِأَشْكَالِ الرِّجَالِ جَمِيلِى الصُّورَةِ مِنْ غَيْرِ ءَالَةِ الذُّكُورِيَّةِ كَمَا كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْتِى النَّبِىَّ ﷺ، كَانَ فِى كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ يَأْتِى عَلَى هَيْئَةِ صَحَابِىٍّ اسْمُهُ دِحْيَةُ الْكَلْبِىُّ أَمَّا قَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ إِنَّ جِبْرِيلَ جَاءَ إِلى النَّبِىِّ ﷺ فِى صُورَةِ عَائِشَةَ أَىْ تَشَكَّلَ بِشَكْلِهَا فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقُرْءَانِ، وَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَتَاهُ سَيِّدُنَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَمَعَهُ صُورَةُ عَائِشَةَ فِى قُمَاشَةٍ،

لَمْ يَأْتِهِ مُتَشَكِّلًا فِى صُورَةِ عَائِشَةَ بَلْ أَتَاهُ بِصُورَةِ عَائِشَةَ وَأَرَاهَا لِلنَّبِىِّ ﷺ. فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ تَقُولَ أَتَى بِصُورَةِ كَذَا وَبَيْنَ أَنْ تَقُولَ أَتَى فِى صُورَةِ كَذَا، فِى لُغَةِ الْعَرَبِ حَرْفٌ وَاحِدٌ قَدْ يُغَيِّرُ الْمَعْنَى، الْجَاهِلُ بِعِلْمِ الدِّينِ الَّذِى لا يُمَيِّزُ بَيْنَ هَذَا وَذَاكَ يُهْلِكُ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ وَهُوَ لا يَدْرِى.

(193) مَنْ هُمُ الْجِنُّ.

اعْلَمْ أَنَّ الْجِنَّ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ لا يَرَاهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ عَلَى هَيْئَتِهِمُ الأَصْلِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِى إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتِهِ ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ لَكِنْ يَجِبُ الإِيمَانُ بِوُجُودِهِمْ لِأَنَّ وُجُودَهُمْ ثَابِتٌ بِالْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ فَمَنْ أَنْكَرَ وُجُودَهُمْ كَفَرَ. أَعْطَاهُمُ اللَّهُ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّشَكُّلِ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ وَخَلَقَ فِيهِمْ شَهْوَةَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَنَاكَحُونَ وَيَتَوَالَدُونَ وَلا يَنَامُونَ.

وَالْجِنِّىُّ أَوَّلَ مَا يُولَدُ يُولَدُ مُكَلَّفًا. وَإِبْلِيسُ هُوَ أَبُو الْجِنِّ خُلِقَ قَبْلَ ءَادَمَ خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ لَهِيبِ النَّارِ الصَّافِى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُلِقَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ ءَادَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ رواه مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا. فَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمَلائِكَةَ وَالْجِنَّ لَيْسُوا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَإِبْلِيسُ لَيْسَ مَلَكًا وَلا طَاوُوسًا لِلْمَلائِكَةِ وَلا رَئِيسَهُمْ بَلْ هُوَ كَافِرٌ مِنَ الْجِنِّ بِنَصِّ الْقُرْءَانِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.

وَالْجِنُّ فِيهِمُ التَّقِىُّ وَالْفَاسِقُ وَالْكَافِرُ وَلَيْسَ فِيهِمْ أَنْبِيَاءُ إِنَّمَا أَنْبِيَاءُ الْبَشَرِ هُمْ أَنْبِيَاءُ الْجِنِّ. أَمَّا الشَّيَاطِينُ فَهُمُ الْكُفَّارُ مِنَ الْجِنِّ مِنْهُمُ الْقَرِينُ الَّذِى يُوَكَّلُ بِالشَّخْصِ بَعْدَ وِلادَتِهِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِى صَدْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ بِهِ فَيُوَسْوِسُ لَهُ وَيَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ. أَمَّا قَرِينُ النَّبِىِّ فَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْخُلَ فِى جَسَدِ النَّبِىِّ إِنَّمَا يَدُورُ حَوْلَهُ وَيُوَسْوِسُ لَهُ مِنَ الْخَارِجِ.

وَالشَّيْطَانُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ فَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغْرِقَهُمْ فِى الْمَعَاصِى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قُرَنَاءَ الأَنْبِيَاءِ سِوَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَانُوا شَيَاطِينَ كُفَّارًا أَمَّا قَرِينُ النَّبِىِّ ﷺ فَقَدْ أَسْلَمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِى عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلا يَأْمُرُنِى إِلَّا بِخَيْرٍ. الشَّيْطَانُ لَهُ حَدِيثٌ بِكَلامٍ خَفِىٍّ مَعَ نَفْسِ الإِنْسَانِ فِى الصَّدْرِ لا تَسْمَعُهُ الأُذُنُ هُوَ يُحَدِّثُ النَّفْسَ فَتَفْهَمُ عَنْهُ لَكِنَّهُ لا يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا يَعْلَمُ بِمَا يُحَدِّثُ بِهِ الشَّخْصُ نَفْسَهُ.

وَالْقَرِينُ يُلازِمُ الْعَبْدَ إِلَى وَفَاتِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا فَإِذَا بَاتَ الْعَبْدُ بَاتَ الْقَرِينُ عَلَى خَيْشُومِهِ أَىْ مُنْتَهَى أَنْفِهِ فَإِذَا اسْتَيْقَظَ الْعَبْدُ يَقْفِزُ الْقَرِينُ إِلَى جِهَةِ الصَّدْرِ لِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ إِذَا تَوَضَّأَ الشَّخْصُ أَنْ يُبَالِغَ فِى الِاسْتِنْشَاقِ لِإِزَالَةِ أَثَرِ مَبِيتِ الْقَرِينِ هُنَاكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا. وَيُوجَدُ غَيْرُ الْقَرِينِ مِنَ الشَّيَاطِينِ يُشَوِّشُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِى صَلاتِهِ يُقَالُ لَهُ خِنْزَب فَعَنْ عُثْمَانَ بنِ أَبِى الْعَاصِ الثَّقَفِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ حَالَ بَيْنِى وَبَيْنَ صَلاتِى وَقِرَاءَتِى قَالَ ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزَب فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِ وَاتْفُلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلاثًا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ.

وَعَنْ أُبَىِّ بنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ الْوَلْهَانُ فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ. وَيَنْبَغِى أَنْ لا يَسْتَرْسِلَ الإِنْسَانُ مَعَ الْوَسْوَاسِ بَلْ يَنْبَغِى أَنْ يَلْجَأَ إِلَى اللَّهِ فِى دَفْعِهِ وَأَنْ يُعْرِضَ عَنْهُ وَأَنْ يُبَادِرَ إِلَى قَطْعِهِ بِالِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهِ حَتَّى لا تَتَنَكَّدَ عِيْشَتُهُ وَيَنْبَغِى أَنْ لا يَقْعُدَ وَحْدَهُ بَلْ يَقْعُدُ مَعَ الصَّالِحِينَ.

(194) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلائِكَةِ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مَلَكًا مِنَ الْمَلائِكَةِ بَلْ هُوَ أَبُو الْجِنِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وَقَدْ جَاءَتِ الآيَاتُ صَرِيحَةً فِى بَيَانِ أَنَّ إِبْلِيسَ اعْتَرَضَ عَلَى اللَّهِ فَكَفَرَ بِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.

وَأَمَّا الْمَلائِكَةُ فَلا يَعْصُونَ اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ بَلْ هُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ فَلَوْ كَانَ إِبْلِيسُ مَلَكًا لَكَانَ كُلُّ مَا يَعْمَلُهُ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَكَانَ اعْتِرَاضُهُ عَلَى اللَّهِ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَأْمُرُ بِالْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾. فَلا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِأَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْمَلائِكَةِ أَوْ أَنَّهُ كَانَ طَاوُوسَ الْمَلائِكَةِ أَوْ رَئِيسَهُمْ كَمَا يَقُولُ بَعْضُ الْجُهَّالِ بَلْ هُوَ أَكْفَرُ خَلْقِ اللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ عَذَابًا فِى الآخِرَةِ.

(195) تَكَلَّمْ عَنِ الإِيمَانِ بِالرُّسُلِ.

اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ الأَنْبِيَاءَ لِلدَّعْوَةِ إِلَى دِينِ الإِسْلامِ وَهُوَ الدِّينُ الَّذِى رَضِيَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ وَأَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ وَأَوَّلُ الأَنْبِيَاءِ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَءَاخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ وَبَيْنَهُمَا جَمٌّ غَفِيرٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِى الْقُرْءَانِ وَهُمْ ءَادَمُ وَإِدْرِيسُ وَنُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَلُوطٌ وَإِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَيُوسُفُ وَمُوسَى وَهَارُونُ وَيُونُسُ وَأَيَّوبُ وَذُو الْكِفْلِ وَإِلْيَاسُ وَالْيَسَعُ وَدَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِم وَسَلَّمَ أَجْمَعِينَ.

وَالأَنْبِيَاءُ هُمْ أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ وَأَفْضَلُهُمْ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ نَبِيًّا رَسُولًا وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا وَالنَّبِىُّ الرَّسُولُ هُوَ مَنْ أُوحِىَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ أَمَّا النَّبِىُّ غَيْرُ الرَّسُولِ فَهُوَ مَنْ أُوحِىَ إِلَيْهِ بِاتِّبَاعِ شَرْعِ الرَّسُولِ الَّذِى قَبْلَهُ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ. وَالنَّبِىُّ لا يَكُونُ إِلَّا رَجُلًا مِنْ الْبَشَرِ فَلا نَبِىَّ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَلا مِنَ الْجِنِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِم﴾.

جَمَّلَهُمُ اللَّهُ بِصِفَاتٍ حَمِيدَةٍ وَأَخْلاقٍ حَسَنَةٍ وَنَزَّهَهُمْ عَنِ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ فَهُمْ جَمِيعًا أَهْلُ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالْعِفَّةِ وَالْفَطَانَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْفَصَاحَةِ حَفِظَهُمُ اللَّهُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ الَّتِى فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةٌ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا فَلا يَكْذِبُونَ وَلا يَغُشُّونَ وَلا يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ رَذِيلٌ يَخْتَلِسُ النَّظَرَ إِلَى النِّسَاءِ الأَجْنَبِيَّاتِ بِشَهْوَةٍ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ سَفِيهٌ يَتَصَرَّفُ بِخِلافِ الْحِكْمَةِ أَوْ يَقُولُ أَلْفَاظًا شَنِيعَةً تَسْتَقْبِحُهَا النَّفْسُ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ جَبَانٌ ضَعِيفُ الْقَلْبِ أَوْ ضَعِيفُ الْفَهْمِ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْ سَبْقِ اللِّسَانِ فِى أُمُورِ الدِّينِ وَغَيْرِهَا فَلا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلامٍ لا يُرِيدُونَ قَوْلَهُ.

وَلا يَجُوزُ فِى حَقِّهِمُ الْجُنُونُ وَالْخَرَفُ وَتَأْثِيرُ السِّحْرِ فِى عُقُولِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ ولا تُصِيبُهُمُ الأَمْرَاضُ الْمُنَفِّرَةُ كَالْجَرَبِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَخُرُوجِ الدُّودِ مِنَ الْجِسْمِ ولا تَحْصُلُ فِى أَبْدَانِهِمْ وَلا فِى أَفْوَاهِهِمْ وَلا فِى ثِيَابِهِمُ الرَّوَائِحُ الْكَرِيهَةُ.

(196) تَكَلَّمْ عَنْ خَلْقِ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِى يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَكَانَ خَلْقُهُ فِى الْجَنَّةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ ءَادَمُ. اللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ مَلَكًا أَنْ يَأْخُذَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ وَيَصْعَدَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ فَأَخَذَ الْمَلَكُ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ تُرَابِ الأَرْضِ مِنْ أَبْيَضِهَا وَأَسْوَدِهَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمِنْ سَهْلِهَا وَحَزْنِهَا أَىْ قَاسِيهَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَصَعِدَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَعَجَنَهُ بِمَاءِ الْجَنَّةِ فَصَارَ طِينًا ثُمَّ صَلْصَالًا أَىْ طِينًا يَابِسًا وَمِنْهُ خَلَقَ اللَّهُ جَسَدَ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَصَارَ حَيًّا أَىْ نَفَخَ الْمَلَكُ فِيهِ الرُّوحَ.

وَبَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ تَكَلَّمَ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَكَانَ أَوَّلَ مَا قَالَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ. اللَّهُ تَعَالَى عَلَّمَهُ اللُّغَاتِ كُلَّهَا مِنْ دُونِ دِرَاسَةٍ فَكَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ فَصِيحٍ وَلَيْسَ بِالإِشَارَةِ. خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ الْمَعْرِفَةَ وَالإِيمَانَ وَعَلَّمَهُ بِأَنَّ لَهُ رَبًّا خَالِقًا خَلَقَهُ وَخَلَقَ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ وَرَبُّنَا لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ. فَكَانَ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَى دِينِ الإِسْلامِ يَعْبُدُ اللَّهَ وَيُصَلِّى وَيَصُومُ وَيَحُجُّ وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ نَبِيًّا رَسُولًا وَأَرْسَلَهُ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ وَزَوْجَتِهِ حَوَّاءَ لِيُعَلِّمَهُمْ تَنْزِيهَ اللَّهِ وَيَأْمُرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَعَدَمِ الإِشْرَاكِ بِهِ شَيْئًا فَكَانَ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُعَلِّمُ ذُرِّيَّتَهُ الْوُضُوءَ وَالصَّلاةَ وَالأَمَانَةَ وَالصِّدْقَ فِى الْمُعَامَلَةِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْغَشِّ وَالْخِيَانَةِ.

عَلَّمَهُ اللَّهُ زَرْعَ الْقَمْحِ وَصِنَاعَةَ الثَّوْبِ وَصُنْعَ الْعُمْلَةِ الذَّهَبِيَّةِ وَالْفِضِّيَّةِ. وَكَانَ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَمِيلَ الشَّكْلِ حَسَنَ الصَّوْتِ مُنْتَصِبَ الْقَامَةِ وَلَمْ يَكُنْ قِرْدًا وَلا شَبِيهًا بِالْقِرْدِ وَكَانَ طُولُهُ سِتِّينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْيَدِ وَعَرْضُهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ. وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَلْبَسُ الثِّيَابَ وَلَمْ يَكُنْ يَعِيشُ كَالْبَهَائِمِ عَارِيًا بَيْنَ النَّاسِ فِى الأَرْضِ وَكَانَ لَهُ شَرِيعَةٌ يَعْمَلُ بِهَا وَيُعَلِّمُهَا لِلنَّاسِ وَكَانَ جَائِزًا فِى شَرْعِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الأَخُ مِنْ أُخْتِهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَوْأَمًا لَهُ ثُمَّ نُسِخَ هَذَا الْحُكْمُ بَعْدَ مَوْتِ ءَادَمَ. بَقِىَ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِى الْجَنَّةِ مِائَةً وَثَلاثِينَ سَنَةً ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْهَا وَأُنْزِلَ إِلَى الأَرْضِ بِسَبَبِ أَكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِى نَهَاهُ اللَّهُ عَنِ الأَكْلِ مِنْهَا وَعَاشَ فِى الأَرْضِ بَقِيَّةَ الأَلْفِ.

(197) مَا الدَّلِيلُ عَلَى نُبُوَّةِ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ سَيِّدَنَا ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُوَ أَوَّلُ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أَىِ اخْتَارَ ءَادَمَ وَنُوحًا لِلنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ فَنُوحٌ بِنَصِّ الْقُرْءَانِ رَسُولٌ فَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا﴾ أَنَّ اصْطِفَاءَ ءَادَمَ هُوَ مِثْلُ اصْطِفَاءِ نُوحٍ الَّذِى هُوَ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ.

وَيَشْهَدُ لِنُبُوَّتِهِ حَدِيثُ التِّرْمِذِىِّ ءَادَمُ فَمَنْ سِوَاهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ لِوَائِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى نُبُوَّتِهِ فَمَنْ أَنْكَرَ نُبُوَّتَهُ فَهُوَ كَافِرٌ بِالإِجْمَاعِ كَمَا فِى كِتَابِ مَرَاتِبِ الإِجْمَاعِ.

(198) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ قِرْدًا ثُمَّ تَطَوَّرَ.

سَيِّدُنَا ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ هُوَ أَوَّلُ الْبَشَرِ وَأَوَّلُ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ لَمْ يَكُنْ قِرْدًا ثُمَّ تَطَوَّرَ وَلا شَبِيهًا بِالْقِرْدِ بَلْ كَانَ جَمِيلَ الشَّكْلِ حَسَنَ الصَّوْتِ مُنْتَصِبَ الْقَامَةِ وَلَمْ يَكُنْ كَالْبَهَائِمِ الَّتِى تَمْشِى عَلَى أَرْبَعٍ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ طُولُ ءَادَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا طُولًا فِى سَبْعَةِ أَذْرُعٍ عَرْضًا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ. أَمَّا قَوْلُ بَعْضِ

الْمُلْحِدِينَ إِنَّ أَوَّلَ الْبَشَرِ كَانَ عَلَى صُورَةِ الْقِرْدِ فَإِنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلْقُرْءَانِ قَالَ تَعَالَى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أَىْ فِى أَحْسَنِ صُورَةٍ أَىْ أَنَّهُ حَسَنُ التَّرْكِيبِ مُنْتَصِبٌ يَمْشِى بِرِجْلَيْهِ وَيَأْكُلُ بِيَدِهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ﴾ أَىْ تَكَرَّمْنَا عَلَيْهِ بِأَنْ خَلَقْنَاهُ وَجَعَلْنَا خِلْقَتَهُ أَحْسَنَ مِنْ خِلْقَةِ غَيْرِهِ وَالتَّكْرِيمُ هُنَا لَيْسَ بِمَعْنَى التَّعْظِيمِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنِّى خَالِقٌ بَشَرًا مِّنْ طِينٍ﴾ وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ خُلِقَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ ءَادَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ،

أَىْ مِنْ تُرَابِ هَذِهِ الأَرْضِ. ثُمَّ كَيْفَ يَكُونُ ءَادَمُ نَبِيًّا وَيَكُونُ قِرْدًا هَذَا يُنَفِّرُ النَّاسَ مِنْهُ وَمِنْ دَعْوَتِهِ، فَلَوْ كَانَ قِرْدًا بِزَعْمِهِمْ لَكَانَ هَذَا بَابًا لِلطَّعْنِ فِيهِ وَانْتِقَاصِهِ وَهَذَا لا يَلِيقُ بِالأَنْبِيَاءِ.

(199) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ دِينَ الأَنْبِيَاءِ جَمِيعِهِمْ هُوَ الإِسْلامُ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ أَىْ أَنَّ الدِّينَ الصَّحِيحَ الْمَقْبُولَ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ الإِسْلامُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وَقَالَ سَيِّدُنَا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ دِينُهُمْ وَاحِدٌ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ.

شَبَّهَ الرَّسُولُ الأَنْبِيَاءَ بِالإِخْوَةِ لِعَلَّاتٍ أَىْ كَمَا أَنَّ الإِخْوَةَ لِعَلَّاتٍ أَبُوهُمْ وَاحِدٌ وَأُمَّهَاتُهُمْ مُخْتَلِفَاتٌ كَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ فِى الدِّينِ دِينُهُمْ وَاحِدٌ أَىْ عَقِيدَتُهُمْ وَاحِدَةٌ وَشَرَائِعُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ.

(200) مَا الدَّلِيلُ الْعَقْلِىُّ عَلَى أَنَّ الإِسْلامَ هُوَ دِينُ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ.

اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ لِلدَّعْوَةِ إِلَى دِينِ الإِسْلامِ وَأَيَّدَهُ بِمُعْجِزَاتٍ عَظِيمَةٍ وَأَعْظَمُ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ هِىَ مُعْجِزَةُ الْقُرْءَانِ الْكَرِيمِ فَهِىَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ دَعْوَاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ لِأَنَّهُ تَحَدَّى الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ فِى زَمَنِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلاغَةِ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ فَعَجَزُوا قَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾

وَتَحَدَّاهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ أَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْهُ فَعَجَزُوا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِّنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ مَعْنَاهُ إِذَا كُنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ وَلا مُنَاصِرُوكُمْ وَمُعَاوِنُوكُمْ بِالْإِتْيَانِ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فَكَيْفَ تَزْعُمُونَ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ كَلامِكُمْ وَكَيْفَ يَلْحَقُكُمْ فِى ذَلِكَ ارْتِيَابٌ وَشَكٌّ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.

أَمَّا الْمُعْجِزَةُ فَهِىَ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ صَالِحٌ لِلتَّحَدِّى لا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ لِلنَّبِىِّ ﷺ أَنْ يَأْتِىَ بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَهُوَ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى صَدَقَ عَبْدِى فِى كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّى أَىْ كَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ صَدَقَ عَبْدِى مُحَمَّدٌ فِى كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّى. أَمَّا كَيْفَ وَصَلَ إِلَيْنَا خَبَرُ هَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ فَبِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ وَمَعْنَى التَّوَاتُرِ انْتِقَالُ الْخَبَرِ بِوَاسِطَةِ عَدَدٍ كَبِيرٍ يَنْقُلُ عَنْ عَدَدٍ كَبِيرٍ شَهِدَ الْمُعْجِزَةَ وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَصِلَ الْخَبَرُ إِلَيْنَا بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ إِتِّفَاقُهُمْ جَمِيعًا عَلَى الْكَذِبِ فِى هَذَا الْخَبَرِ.

وَهَذَا النَّبِىُّ الْمُرْسَلُ الَّذِى أَيَّدَهُ اللَّهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الَّتِى تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ نَزَلَ عَلَيْهِ بِالْوَحْىِ الْقُرْءَانِىِّ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ أَىَّ أَنَّ الدِّينَ الَّذِى رَضِيَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ هُوَ الإِسْلامُ وَنَزَلَ عَلَيْهِ بِالْوَحْىِ الْقُرْءَانِىِّ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ دِينًا غَيْرَ دِينِ الإِسْلامِ فَلا يُعْقَلُ أَنْ يُرْسِلَ إِنْسَانًا يَدْعُو إِلَى دِينٍ غَيْرِ مَقْبُولٍ عِنْدَهُ فَمَنْ أَرَادَ السَّلامَةَ وَالنَّجَاةَ فِى الآخِرَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَّبِعَ دِينَ الإِسْلامِ فَهُوَ سَبَبٌ لِلسَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ.

(201) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عِيسَى الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ عَلَى الإِسْلامِ وَلِمَاذَا سُمِّىَ بِالْمَسِيحِ.

اعْلَمْ أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِىٌّ مُسْلِمٌ كَسَائِرِ الأَنْبِيَاءِ وَهُوَ ءَاخِرُ أَنْبِيَاءِ بَنِى إِسْرَائِيلَ دَعَا النَّاسَ إِلَى الإِسْلامِ وَعَلَمَّ النَّاسَ شَرِيعَةَ الإِسْلامِ وَأَتْبَاعُهُ كَانُوا عَلَى الإِسْلامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِى إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أَىْ أَنْصَارُ دِينِ اللَّهِ ﴿ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾

وَالْحَوَارِيُّونَ هُمْ تَلامِيذُ عِيسَى فَقَدْ كَانُوا عَلَى الإِسْلامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ عَلَى الإِسْلامِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِى عَلَّمَهُمْ هَذَا الدِّينَ ثُمَّ كَيْفَ يَكُونُ عِيسَى عَلَى دِينٍ ءَاخَرَ غَيْرِ الإِسْلامِ كَمَا يَقُولُ بَعْضُ الْجُهَّالِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ فَإِذًا عَلَى زَعْمِهِمْ عِيسَى النَّبِىُّ الْمُرْسَلُ يَكُونُ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.

هَؤُلاءِ كَذَّبُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أَىْ أَنَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ هُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ. أَمَّا تَسْمِيَةُ عِيسَى بِالْمَسِيحِ فَقَدْ قِيلَ لِكَثْرَةِ سِيَاحَتِهِ أَىْ تَنَقُّلِهِ فِى الأَرْضِ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَ اللَّهِ وَيَدْعُوَهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَقِيلَ سُمِّىَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ عَلَى الأَبْرَصِ وَالأَكْمَهِ أَىِ الَّذِى يُولَدُ أَعْمَى فَيُشْفَى بِإِذْنِ اللَّهِ.

(202) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ عَلَى الإِسْلامِ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ عَلَى الإِسْلامِ كَغَيْرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَلَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا بِدَلِيلِ أَنَّ السَّحَرَةَ لَمَّا ءَامَنُوا بِمُوسَى وَأَسْلَمُوا دَعَوُا اللَّهَ أَنْ يُثَبِّتَهُمْ عَلَى الإِيمَانِ وَالإِسْلامِ فَقَالُوا ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.

(203) تَكَلَّمْ عَنِ الإِيمَانِ بِالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ.