(96) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾.

مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ جَاءَتْ قُدْرَتُهُ أَىْ ءَاثَارُ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الْعِظَامِ الَّتِى تَظْهَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَجَرِّ الْمَلائِكَةِ لِجُزْءٍ كَبِيرٍ مِنْ جَهَنَّمَ إِلَى الْمَوْقِفِ حَتَّى يَرَاهُ الْكُفَّارُ فَيَفْزَعُوا وَشَهَادَةِ الأَيْدِى وَالأَرْجُلِ بِمَا كَسَبَهُ الْكُفَّارُ مَعَ الْخَتْمِ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مَجِىءَ الْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ وَإِفْرَاغِ مَكَانٍ وَمَلْءِ ءَاخَرَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ وَمَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ فَاللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْحَرَكَةَ وَالسُّكُونَ وَكُلَّ مَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ الْحَوَادِثِ أَىِ الْمَخْلُوقَاتِ فَلا يُوصَفُ بِالْحَرَكَةِ وَلا بِالسُّكُونِ وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ إِنَّمَا جَاءَتْ قُدْرَتُهُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى مَنَاقِبِ أَحْمَدَ بِالإِسْنَادِ الصَّحِيحِ. وأَمَّا مَجِىءُ الْمَلائِكَةِ فَهُوَ الْمَجِىءُ الْمَحْسُوسُ الَّذِى هُوَ حَرَكَةٌ وَانْتِقَالٌ.

(97) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.

اعْلَمْ أَنَّ النُّورَ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ بِمَعْنَى الْهَادِى فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هَادِى أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لِنُورِ الإِيمَانِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هَادِى أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَهُمُ الْمَلائِكَةُ وَهَادِى أَهْلِ الأَرْضِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الإِنْسِ وَالْجِنِّ لِنُورِ الإِيمَانِ وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أَىْ مُنِيرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ذَكَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِىِّ فِى تَفْسِيرِهِ.

وَحُكْمُ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ نُورٌ بِمَعْنَى الضَّوْءِ التَّكْفِيرُ قَطْعًا لِأَنَّ الضَّوْءَ مَخْلُوقٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ أَمَّا إِذَا قَالَ قَائِلٌ اللَّهُ نُورٌ بِمَعْنَى الْهَادِى فَلا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى نَفْسَهُ بِهَذَا الِاسْمِ قَالَ تَعَالَى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وَوَرَدَ هَذَا الِاسْمُ فِى تَعْدَادِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى عِنْدَ الْبَيْهَقِىِّ وَغَيْرِهِ.

(98) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُّوحِنَا﴾.

اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ فَلَيْسَ رُوحًا وَلا جَسَدًا لَكِنَّهُ أَضَافَ رُوحَ عِيسَى إِلَى نَفْسِهِ عَلَى مَعْنَى الْمِلْكِ وَالتَّشْرِيفِ أَىِ التَّعْظِيمِ لِلدِّلالَةِ عَلَى شَرَفِ رُوحِ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ لا عَلَى مَعْنَى الْجُزْئِيَّةِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُّوحِنَا﴾ أَمَرْنَا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنْ يَنْفُخَ فِى مَرْيَمَ الرُّوحَ الَّتِى هِىَ مِلْكٌ لَنَا وَمُشَرَّفَةٌ عِنْدَنَا لِأَنَّ الأَرْوَاحَ قِسْمَانِ أَرْوَاحٌ مُشَرَّفَةٌ لَهَا مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ عِنْدَ اللَّهِ كَأَرْوَاحِ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ وَالْمَلائِكَةِ وَأَرْوَاحٌ خَبِيثَةٌ لا يُحِبُّهَا اللَّهُ وَهِىَ أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ.

أَمَّا الَّذِى يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ رُوحٌ وَأَنَّهُ اقْتَطَعَ مِنْ ذَاتِهِ الَّذِى هُوَ رُوحٌ قِطْعَةً فَنَفَخَهَا فِى عِيسَى بِوَاسِطَةِ النَّفَسِ كَمَا يَنْفُخُ الإِنْسَانُ فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ كَمُحَمَّد مُتَوَلِّى الشَّعْرَاوِى فَإِنَّهُ يَقُولُ فِى كِتَابِهِ أَسْئِلَةٌ حَرِجَةٌ وَأَجْوِبَةٌ صَرِيحَةٌ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الرُّوحَ نَفْسًا فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى﴾ وَالنَّفْخُ مَعْنَاهُ إِخْرَاجُ الْهَوَاءِ مِنْ حَيِّزِ الصَّدْرِ إِلَى الْمَنْفُوخِ فِيهِ إِذًا هُنَاكَ شَىْءٌ دَخَلَ إِلَى جَسَدِ الإِنْسَانِ بِكَلِمَةِ كُنْ،

وَيَقُولُ اللَّهُ خَلَقَكَ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ فَأَنْتَ فِيكَ جُزْءٌ مِنَ اللَّهِ. وَكَلامُهُ هَذَا كُفْرٌ لا شَكَّ فِيهِ قَالَ تَعَالَى فِى ذَمِّ الْكُفَّارِ ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾. وَاعْتِقَادُ الشَّعْرَاوِىِّ أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ بِلَفْظِ كُنْ الَّذِى هُوَ مَرَكَّبٌ مِنْ حَرْفَيْنِ بَاطِلٌ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَخْلُقُ فِى اللَّحْظَةِ الْوَاحِدَةِ مَا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ بِقُدْرَتِهِ الأَزَلِيَّةِ. فَيَجِبُ الْحَذَرُ مِنْ كَلامِهِ وَمِنْ كُتُبِهِ الَّتِى نَشَرَ فِيهَا الْكُفْرَ وَالضَّلالَ.

(99) مَا مَعْنَى حَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ تُؤْتَى مَحَارِمُهُ.

اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الأَحَادِيثِ الْمُتَشَابِهَةِ وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّأْوِيلِ لِأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَفَسَّرَ غَيْرَةَ اللَّهِ بِأَنْ تُؤْتَى مَحَارِمُهُ بِخِلافِ الْوَهَّابِيَّةِ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ التَّأْوِيلَ وَيَحْمِلُونَ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَصِفُونَ اللَّهَ بِصِفَاتِ الْبَشَرِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. وَمَعْنَى وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ تُؤْتَى مَحَارِمُهُ أَنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ الْمَعَاصِىَ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَحْصُلُ لَهُ انْفِعَالٌ كَمَا يَحْصُلُ لِلْمَخْلُوقِ لِأَنَّ الِانْفِعَالَ تَغَيُّرٌ وَالتَّغَيُّرُ أَقْوَى عَلامَاتِ الْحُدُوثِ فَلا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾.

(100) مَا مَعْنَى حَدِيثِ لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنِّى أَنَا الدَّهْرُ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنِّى أَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ، مَعْنَاهُ أَنَا خَالِقُ الدَّهْرِ. أَمَّا فِى الْجَاهِلِيَّةِ فَكَانُوا يَقُولُونَ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ يُرِيدُونَ أَنَّ الدَّهْرَ هُوَ يَخْلُقُ الْمَصَائِبَ وَالْبَلايَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ أَىْ خَالِقُ الدَّهْرِ. وَلَمْ يَرِدْ فِى الْحَدِيثِ فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللَّهُ لِأَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ فَاسِدٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.

(101) مَا مَعْنَى حَدِيثِ مُسْلِمٍ إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى يَمِينِ الرَّحْمٰنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِى أَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا.

هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الأَحَادِيثِ الْمُتَشَابِهَةِ الَّذِى يَسْتَشْهِدُ بِهِ الْمُشَبِّهَةُ كَالْوَهَّابِيَّةِ لِإِيهَامِ النَّاسِ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ لَهُ أَعْضَاءٌ أَوْ أَنَّهُ فِى جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ ظَاهِرَهُ بَلِ الْحَدِيثُ لَهُ مَعْنًى يَلِيقُ بِاللَّهِ. هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ مَدْحٌ لِلْحُكَّامِ الْعَادِلِينَ كَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِىٍّ وَالْحَسَنِ بنِ عَلِىٍّ وَعُمَرَ بنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

وَالْمُقْسِطُونَ هُمُ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِالْعَدْلِ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِى أَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا أَىْ يَكُونُ الْوَاحِدُ عَادِلًا فِى أَهْلِهِ كَزَوْجَتِهِ وَأَوْلادِهِ وَيَكُونُ عَادِلًا فِى الشَّىْءِ الَّذِى تَوَلَّاهُ. عَلَى مَنَابِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَىْ يَجْلِسُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَلَى يَمِينِ الرَّحْمٰنِ أَىْ فِى جِهَةٍ مُكَرَّمَةٍ عِنْدَ اللَّهِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ أَىْ كِلْتَا الْجِهَتَيْنِ مُكَرَّمَتَانِ أَىْ مُشَرَّفَتَانِ عِنْدَ اللَّهِ أَىْ يَكُونُونَ فِى جِهَتَيْنِ مُكَرَّمَتَيْنِ عِنْدَ اللَّهِ إِحْدَاهُمَا أَفْضَلُ مِنَ الأُخْرَى لِأَنَّ الْحُكَّامَ لَيْسُوا فِى مَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ.

أَمَّا الْوَهَّابِيَّةُ الْمُشَبِّهَةُ فَيَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ يَدَانِ حَقِيقِيَّتَانِ وَكِلْتَاهُمَا يَمِينٌ وَيُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّهَا جَارِحَةٌ كَمَا أَنَّ الإِنْسَانَ لَهُ يَدٌ جَارِحَةٌ يَمِينٌ وَشِمَالٌ وَهَذَا تَشْبِيهٌ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ وَكُفْرٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.

(102) مَا مَعْنَى حَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ.

هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ لَكِنْ بَعْضُ النَّاسِ يَغْلَطُونَ فِى فَهْمِ مَعْنَاهُ إِلَى حَدِّ الْكُفْرِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ فَيَظُنُّونَ أَنَّ اللَّهَ لَهُ شَكْلٌ وَأَنَّهُ جَمِيلُ الشَّكْلِ. هَؤُلاءِ كَفَرُوا وَإِنْ لَمْ يَشْعُرُوا لِأَنَّهُمْ شَبَّهُوا اللَّهَ بِخَلْقِهِ. الشَّكْلُ لا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ قَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِىُّ أَحْمَدُ بنُ سَلامَةَ الْمِصْرِىُّ فِى عَقِيدَتِهِ وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْبَشَرِ (أَىْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ) فَقَدْ كَفَرَ.

فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ لَهُ جِسْمٌ أَوْ أَنَّ لَهُ شَكْلًا أَوْ هَيْئَةً فَهُوَ كَافِرٌ. أَمَّا حَدِيثُ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ جَمِيلَ الشَّكْلِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ جَمِيلُ الصِّفَاتِ أَىْ صِفَاتُهُ كَامِلَةٌ أَوْ مُحْسِنٌ أَىْ مُنْعِمٌ عَلَى الْعِبَادِ. وَمَعْنَى يُحِبُّ الْجَمَالَ يُحِبُّ حُسْنَ الْحَالِ أَىْ يُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَالٍ حَسَنٍ أَىْ أَنْ يَكُونَ نَظِيفًا مِنَ الرَّذَالاتِ مُتَّصِفًا بِالصِّفَاتِ الَّتِى يَنْبَغِى أَنْ يَتَخَلَّقَ بِهَا الْمُؤْمِنُ كَالتَّقْوَى وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ يُحِبُّ جَمَالَ الشَّكْلِ لِأَنَّ جَمَالَ الشَّكْلِ يَتَّصِفُ بِهِ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَاللَّهُ تَعَالَى لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. فَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لا يَجُوزُ قَوْلُ اللَّهُ يُحِبُّ الْحُلْوِين لِأَنَّهُ مُعَارِضٌ لِلْقُرْءَانِ الْكَرِيمِ.

(103) مَا مَعْنَى حَدِيثِ الْبُخَارِىِّ خَلَقَ اللَّهُ ءَادَمَ عَلَى صُورَتِهِ.

اعْلَمْ أَنَّ الْمُشَبِّهَةَ يَحْمِلُونَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيُثْبِتُونَ الشَّكْلَ وَالصُّورَةَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ الإِضَافَةُ فِى هَذَا الْحَدِيثِ إِضَافَةُ الْمِلْكِ بِمَعْنَى التَّشْرِيفِ، خَلَقَ اللَّهُ ءَادَمَ عَلَى صُورَتِهِ أَىْ خَلَقَهُ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِى جَعَلَهَا مُشَرَّفَةً كَمَا إِذَا قُلْنَا عَنِ الْكَعْبَةِ بَيْتُ اللَّهِ فَهَذِهِ إِضَافَةُ الْمِلْكِ وَالتَّشْرِيفِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْكَعْبَةِ ﴿بَيْتِىَ﴾ لِيُفْهِمَنَا أَنَّ الْكَعْبَةَ مُشَرَّفَةٌ عِنْدَهُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَسْكُنُهَا.

أَمَّا مَنْ قَالَ خَلَقَ اللَّهُ ءَادَمَ عَلَى صُورَتِهِ أَىْ خَلَقَهُ عَلَى صُورَةٍ تُشْبِهُ اللَّهَ فَقَدْ كَفَرَ، فَلَمْ يَبْقَ تَفْسِيرٌ صَحِيحٌ لِلْحَدِيثِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِضَافَةُ الْمِلْكِ إِلَى مَالِكِهِ بِمَعْنَى التَّشْرِيفِ أَوْ أَنْ يُقَالَ عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ عِنْدَ السَّلَفِ وَهُمْ أَهْلُ الْقُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولَى خَلَقَ اللَّهُ ءَادَمَ عَلَى صُورَتِهِ بِلا كَيْفٍ أَىْ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّ لِلَّهِ شَكْلًا وَصُورَةً وَهَيْئَةً.

قَالَ الإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِىُّ إِنَّ الَّذِى يَجِبُ عَلَيْنَا وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْلَمَهُ أَنَّ رَبَّنَا لَيْسَ بِذِى صُورَةٍ وَلا هَيْئَةٍ (أَىْ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَجْمِ وَالْمِقْدَارِ وَالشَّكْلِ وَالصُّورَةِ) فَإِنَّ الصُّورَةَ تَقْتَضِى الْكَيْفِيَّةَ (مَعْنَاهُ مَنْ كَانَ حَجْمًا مُرَكَّبًا مِنْ أَجْزَاءٍ لا بُدَّ مِنَ اتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الأَحْجَامِ كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ وَنَحْوِهَا) وَهِىَ (أَىِ الْكَيْفِيَّةُ) عَنِ اللَّهِ وَعَنْ صِفَاتِهِ مَنْفِيَّةٌ (أَىْ أَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الِاتِّصَافِ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَصِفَاتُهُ لَيْسَتْ حَادِثَةً) رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.

(104) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾.

اعْلَمْ أَنَّهُ لا يَجُوزُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَخُوضَ فِى الْقُرْءَانِ بِرَأْيِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أَىْ لا تَخُضْ فِى الْقَوْلِ بِمَا لا تَعْلَمُ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ قَالَ فِى الْقُرْءَانِ بِرَأْيِهِ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَاللِّجَامُ هُوَ الَّذِى يُوضَعُ فِى فَمِ الْفَرَسِ وَنَحْوِهِ فَالَّذِى يَتَكَلَّمُ فِى الْقُرْءَانِ بِرَأْيِهِ بِلا عِلْمٍ يُوضَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ اللِّجَامِ مِنْ نَارٍ يَتَعَذَّبُ بِهِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمٰنِ وَلَدٌ﴾ أَىْ لَيْسَ لِلرَّحْمٰنِ وَلَدٌ ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أَىْ مُحَمَّدٌ هُوَ أَوَّلُ الْمُوَحِّدِينَ فِى هَذِهِ الأُمَّةِ فَاتَّبِعُوهُ عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ. فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْوَلَدُ شَرْعًا وَعَقْلًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وَثَبَتَ فِى الْحَدِيثِ الْقُدْسِىِّ أَنَّ نِسْبَةَ الْوَلَدِ إِلَى اللَّهِ شَتْمٌ لِلَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى شَتَمَنِى ابْنُ ءَادَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَفَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّاىَ فَقَوْلُهُ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.

(105) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.

أَىْ يُجَازِى الْكُفَّارَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ بِالإِسْلامِ وَأَهْلِهِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَجْتَمِعُونَ بِأَمْثَالِهِمْ وَيَتَكَلَّمُونَ بِذَمِّ الإِسْلامِ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْتَخِفُّ بِالْمُنَافِقِينَ كَمَا يَسْتَخِفُّ الْعِبَادُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّهُ لا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ بِالْمُسْتَهْزِئِ لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ باللَّهِ.

(106) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾.

أَىْ تَرَكُوا طَاعَةَ اللَّهِ بِالإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ ﷺ فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ مِنْ رَحْمَتِهِ خَالِدِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ عَذَابُهَا. وَلا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ بِالنَّاسِى لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ باللَّهِ وَتَنْقِيصٌ لَهُ.

(107) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.

اعْلَمْ أَنَّ مَكْرَ اللَّهِ لَيْسَ كَمَكْرِ الْعِبَادِ، مَكْرُ اللَّهِ لا يُذَمُّ لِأَنَّ اللَّهَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ لا يَكُونُ ظَالِمًا إِنِ انْتَقَمَ مِنْ عِبَادِهِ الظَّالِمِينَ بِمَا شَاءَ وَأَمَّا الْمَكْرُ بِمَعْنَى الِاحْتِيَالِ فَمُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَكَرُوا﴾ أَىِ الْكُفَّارُ فَعَلُوا حِيلَةً وَخُبْثًا وَخِدَاعًا لِإِيصَالِ الضَّرَرِ لِلْمُسْلِمِينَ بِطَرِيقٍ خَفِىٍّ ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ أَىْ عَاقَبَهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أَىِ اللَّهُ أَقْوَى فِى إِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى الْمَاكِرِينَ مِنْ كُلِّ مَاكِرٍ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ. وَلا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ مَاكِرًا فَمَنْ سَمَّى اللَّهَ مَاكِرًا كَفَرَ لِأَنَّهُ اسْتَخَفَّ بِاللَّهِ تَعَالَى.

(108) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ أَىِ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ كَلا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَصْعَدُ إِلَى مَحَلِّ كَرَامَتِهِ أَىْ إِلَى الْمَكَانِ الْمُشَرَّفِ عِنْدَ اللَّهِ وَهُوَ السَّمَاءُ، ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ أَىِ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ يَرْفَعُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ أَىْ أَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ هِىَ الأَصْلُ وَالأَسَاسُ لِرَفْعِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ أَىْ لِقَبُولِهَا وَهَذَا التَّفْسِيرُ مُوَافِقٌ لِلآيَةِ الْمُحْكَمَةِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ فَتَفْسِيرُ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ وَهَذَا فِى الْمُتَشَابِهِ الَّذِى يَجُوزُ لِلْعُلَمَاءِ أَنْ يَعْلَمُوهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ أَمَّا الْمُتَشَابِهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ عَلَى قِرَاءَةِ الْوَقْفِ عَلَى لَفْظِ الْجَلالَةِ فَهُوَ كَوَجْبَةِ الْقِيَامَةِ وَخُرُوحِ الدَّجَّالِ عَلَى التَّحْدِيدِ فَلا يَعْلَمُ أَحَدٌ وَقْتَ حُصُولِهِ إِلَّا اللَّهُ.

(109) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى عَنِ الْكَعْبَةِ ﴿بَيْتِىَ﴾.

قَوْلُهُ تَعَالَى عَنِ الْكَعْبَةِ ﴿بَيْتِىَ﴾ أَىْ أَنَّ الْكَعْبَةَ بَيْتٌ مُشَرَّفٌ أَىْ مُعَظَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ فَالإِضَافَةُ هُنَا إِضَافَةُ مِلْكٍ لِلتَّشْرِيفِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَسْكُنُهَا لِاسْتِحَالَةِ الْمُلامَسَةِ أَوِ الْمُمَاسَّةِ بَيْنَ اللَّهِ وَالْكَعْبَةِ فَإِضَافَةُ الْبَيْتِ إِلَى اللَّهِ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.

(110) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾.

مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ الإِحَاطَةُ بِالْعِلْمِ لا بِالْجِهَةِ أَىْ عَالِمٌ بِكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَتَأْتِى الْمَعِيَّةُ بِمَعْنَى النُّصْرَةِ وَالْكِلاءَةِ أَىِ الْحِفْظِ وَهِىَ خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ الأَتْقِيَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أَىْ يَنْصُرُهُمْ وَيَحْفَظُهُمْ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ يَمْشِى وَيَتَنَقَّلُ مَعَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْصُرُ عِبَادَهُ الأَوْلِيَاءَ وَيَحْفَظُهُمْ مِنْ أَنْ يُغْرِقَهُمُ الشَّيْطَانُ فِى الْمَعَاصِى وَلَيْسَ الْمَعْنِىُّ بِالْمَعِيَّةِ الْحُلُولَ وَالِاتِّصَالَ وَيَكْفُرُ مَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ بِالْمَسَافَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾.

(111) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطٌ﴾.

مَعْنَاهُ إِحَاطَةُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ أَىْ أَنَّهُ لا يَخْرُجُ شَىْءٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَيْسَ الأَمْرُ كَمَا يَقُولُ الأَلْبَانِىُّ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى صَحِيحَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُحِيطٌ بِالْعَالَمِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَهَذَا كُفْرٌ صَرِيحٌ فَإِنَّهُ شَبَّهَ اللَّهَ بِالْحُقَّةِ الَّتِى تُحِيطُ بِمَا فِيهَا مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ وَالْحُقَّةُ شَىْءٌ مُسْتَدِيرٌ يُوضَعُ فِيهِ الأَشْيَاءُ الثَّمِينَةُ فَالأَلْبَانِىُّ جَعَلَ اللَّهَ تَحْتَ الْعَالَمِ وَفَوْقَهُ وَعَنْ شِمَالِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَأَمَامَهُ وَخَلْفَهُ وَلَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ مُسْلِمٌ وَلا كَافِرٌ قَبْلَهُ إِنَّمَا هَذَا مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ فَالأَلْبَانِىُّ أَثْبَتَ عَقِيدَةً ضِدَّ عَقِيدَةِ طَائِفَتِهِ الْوَهَّابِيَّةِ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ بِذَاتِهِ وَأَنَّ جِهَةَ تَحْتٍ نَقْصٌ فِى حَقِّ اللَّهِ فَمَاذَا تَقُولُ الْوَهَّابِيَّةُ هَلْ تَتَبَرَّأُ مِنْهُ أَمْ تَسْكُتُ لَهُ مُدَاهَنَةً لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ أَنَّهُ مُجَدِّدُ الْعَصْرِ.

(112) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّنْ فَوْقِهِمْ﴾.

مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّنْ فَوْقِهِمْ﴾ فَوْقِيَّةُ الْقَهْرِ وَلَيْسَ فَوْقِيَّةَ الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ لِأَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾.

(113) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾.

اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يُوصَفُ بِالْكِبَرِ حَجْمًا وَلا بِالصِّغَرِ وَلا بِالطُّولِ وَلا بِالْقِصَرِ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْحَوَادِثِ أَىِ الْمَخْلُوقَاتِ أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ فَمَعْنَاهُ كَبِيرُ الْقَدْرِ فَيَجِبُ طَرْدُ كُلِّ خَاطِرٍ يُفْضِى إِلَى وَصْفِ اللَّهِ بِالْمِقْدَارِ وَالشَّكْلِ وَالْهَيْئَةِ لِأَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا فِكْرَةَ فِى الرَّبِّ رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الأَنْصَارِىُّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا تُدْرِكُهُ تَصَوُّرَاتُ الْعِبَادِ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ.

(114) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾.

اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ فِى ذَاتِهِ وَلا فِى صِفَاتِهِ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ هُوَ أَقْوَى عَلامَاتِ الْحُدُوثِ أَىْ فِى كَوْنِ الشَّىْءِ مَخْلُوقًا. فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْصُلُ لَهُ تَغَيُّرٌ فِى ذَاتِهِ أَوْ فِى صِفَاتِهِ إِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يُغَيِّرُ كُلَّ يَوْمٍ فِى خَلْقِهِ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْشِفُ كَرْبًا وَيَغْفِرُ ذَنْبًا وَيَرْفَعُ قَوْمًا وَيَضَعُ ءَاخَرِينَ فَاللَّهُ تَعَالَى يُغَيِّرُ أَحْوَالَ الْعِبَادِ مِنْ مَرَضٍ إِلَى صِحَّةٍ وَمِنْ فَسَادٍ إِلَى صَلاحٍ وَمِنْ فَقْرٍ إِلَى غِنًى عَلَى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ.

(115) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.

اعْلَمْ أَنَّ كَلامَ اللَّهِ لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَقَدْ فَسَّرَهُ الإِمَامُ الْكَبِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِىُّ فِى تَأْوِيلاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ الأَشْيَاءَ بِسُرْعَةٍ بِدُونِ تَعَبٍ وَلا مَشَقَّةٍ وَبِدُونِ مُمَانَعَةِ أَحَدٍ لَهُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَنْطِقُ بِلَفْظِ كُنْ بِعَدَدِ مَخْلُوقَاتِهِ كَمَا تَقُولُ الْوَهَّابِيَّةُ الْمُشَبِّهَةُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَخْلُقُ فِى اللَّحْظَةِ الْوَاحِدَةِ مَا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ فَالآيَةُ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ تَدُلُّ عَلَى سُرْعَةِ الإِيجَادِ.

ثُمَّ كُنْ لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ اللُّغَاتِ وَكَانَ مَوْجُودًا قَبْلَهَا فَعَلَى قَوْلِ الْوَهَّابِيَّةِ الْمُشَبِّهَةِ كَانَ اللَّهُ أَبْكَمَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْحُرُوفَ وَالأَصْوَاتَ وَاللُّغَاتِ ثُمَّ صَارَ مُتَكَلِّمًا وَهَذَا لا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ. وَقَوْلُ الْوَهَّابِيَّةِ الْمُشَبِّهَةِ إِنَّ اللَّهَ يَنْطِقُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الْمُرَكَّبَةِ مِنَ الْكَافِ وَالنُّونِ عِنْدَ خَلْقِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَخْلُوقَاتِ سَفَهٌ لا يَقُولُ بِهِ عَاقِلٌ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْمَعْدُومِ.

(116) مَا مَعْنَى حَدِيثِ ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ.

اعْلَمْ أَنَّ الْبُخَارِىَّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَوَّلَ الضَّحِكَ الْوَارِدَ فِى هَذَا الْحَدِيثِ بِالرَّحْمَةِ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ الْخَطَّابِىُّ فَقَالَ وَقَدْ تَأَوَّلَ الْبُخَارِىُّ الضَّحِكَ فِى مَوْضِعٍ ءَاخَرَ عَلَى مَعْنَى الرَّحْمَةِ وَهُوَ قَرِيبٌ وَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَعْنَى الرِّضَا أَقْرَبُ. فَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ (أَىْ أَتَاهُ ضَيْفٌ فَسَأَلَ نِسَائَهُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ)

فَقُلْنَ مَا مَعَنَا إِلَّا الْمَاءُ (لِأَنَّهُنَّ كُنَّ يَتَصَدَّقْنَ كَثِيرًا) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ يَضُمُّ أَوْ مَنْ يُضَيِّفُ هَذَا (أَىْ مَنْ يَأْخُذُ ضَيْفِى فَيَسْتَضِيفَهُ عِنْدَهُ) فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ (مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) أَنَا فَانْطَلَقَ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ أَكْرِمِى ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (فَإِنَّ إِكْرَامَ الضَّيْفِ مِنْ كَمَالِ الإِيمَانِ) فَقَالَتْ مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِى (أَىْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا مَا يَكْفِى أَوْلادَنَا الصِّغَارَ)

فَقَالَ هَيِّئِى طَعَامَكِ وَأَصْبِحِى سِرَاجَكِ (أَىْ أَشْعِلِيهِ حَتَّى يُضِيئَ) وَنَوِّمِى صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءًا فَهَيَّئَتْ طَعَامَهَا وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ فَجَعَلا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلانِ (أَىْ أَوْهَمَاهُ أَنَّهُمَا يَأْكُلانِ حَتَّى لا يَشْعُرَ بِالْحَرَجِ) فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ (أَىْ مِنْ غَيْرِ أَكْلٍ) فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ أَوْ عَجِبَ مِنْ فِعَالِكُمَا (أَىْ رَضِىَ بِصَنِيعِكُمَا وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمَا الرَّحْمَةَ. أَمَّا الضَّحِكُ الَّذِى هُوَ فِى الْبَشَرِ وَالتَّعَجُّبُ الَّذِى هُوَ انْفِعَالُ النَّفْسِ فَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ سِمَاتِ الْحُدُوثِ) فَأَنْزَلَ اللَّهُ (قَوْلَهُ) ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أَىْ ءَاثَرُوا غَيْرَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ فَاقَةٌ أَىْ فَقْرٌ وَحَاجَةٌ.

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِى فَتْحِ الْبَارِى وَنِسْبَةُ الضَّحِكِ وَالتَّعَجُّبِ إِلَى اللَّهِ مَجَازِيَّةٌ (أَىْ مَجَازٌ لا يُحْمَلُ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِى يُوهِمُ مَا لا يَلِيقُ بِاللَّهِ) وَالْمُرَادُ بِهِمَا الرِّضَا بِصَنِيعِهِمَا. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُتَّقِينَ.

(117) مَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِى الْحَدِيثِ الْقُدْسِىِّ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَلا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِى يَمْشِى بِهَا.

هَذَا حَدِيثٌ قُدْسِىٌّ صَدَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ أَعْظَمَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ أَدَاءُ فَرَائِضِ اللَّهِ فَالْعَبْدُ التَّقِىُّ إِذَا أَدَّى جَمِيعَ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتَنَبَ جَمِيعَ الْمُحَرَّمَاتِ وَأَكْثَرَ مِنَ نَوَافِلِ الطَّاعَاتِ صَارَ مَحْبُوبًا عِنْدَ اللَّهِ أَىْ وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ. وَالْقُرْبُ فِى هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الْقُرْبُ الْمَعْنَوِىُّ لِأَنَّ الْقُرْبَ بِالْمَسَافَةِ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ.

وَاللَّهُ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا حَفِظَ جَوَارِحَهُ كَيَدِهِ وَرِجْلِهِ مِنْ أَنْ يَغْرَقَ بِهَا فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَجَعَلَ فِى جَوَارِحِهِ سِرًّا فَصَارَ يَرَى مَا لا يَرَاهُ غَيْرُهُ وَيَسْمَعُ مَا لا يَسْمَعُهُ غَيْرُهُ مِنْ عَوَّامِ النَّاسِ. فَمَعْنَى كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِى يَمْشِى بِهَا أُعْطِيهِ قُوَّةً غَرِيبَةً فِى سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ وَأَحْفَظُهَا لَهُ مِنْ أَنْ يَغْرَقَ بِهَا فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ.

فَهَذَا سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ رَأْسُ أَهْلِ الْكَشْفِ فِى أُمَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ الْجَبَلَ وَسَارِيَةُ كَانَ قَائِدًا لِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ فِى نَهَاوَنْد وَهِىَ بِلادٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ. اللَّهُ أَرَاهُ أَرْضَ الْمَعْرَكَةِ فَرَأَى أَنَّ الْكُفَّارَ يُرِيدُونَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ نَاحِيَةِ الْجَبَلِ فَقَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ الْجَبَلَ يَعْنِى انْتَبِهْ إِلَى نَاحِيَةِ الْجَبَلِ فَسَمِعَهُ سَارِيَةُ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُمَا فَسَيْطَرَ عَلَى الْجَبَلِ وَغَلَبَ الْعَدُوَّ.

وَلَمَّا سُئِلَ سَيِّدُنَا عُمَرُ لِمَ قُلْتَ يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ الْجَبَلَ فَقَالَ مِنْ تَوَاضُعِهِ كَلامٌ أُلْقِىَ فِى بَالِى أَىْ أَلْهَمَنِى اللَّهُ أَنْ أَقُولَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ أَعْطَى اللَّهُ سَيِّدَنَا عَلِيًّا قُوَّةً فِى يَدِهِ فَحَمَلَ بَابَ خَيْبَرَ اتَّخَذَهَا دِرْعًا وَهِىَ بَابٌ ثَقِيلَةٌ جِدًّا لا يَسْتَطِيعُ إِنْسَانٌ أَنْ يَحْمِلَهَا وَحْدَهُ عَادَةً. وَبَعْضُ الأَوْلِيَاءِ يُسَلِّمُونَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ فَيَسْمَعُونَ رَدَّ السَّلامِ مِنَ النَّبِىِّ ﷺ وَبَعْضُ الأَوْلِيَاءِ بِخَطْوَةٍ وَاحِدَةٍ يَصِلُ إِلَى مَكَّةَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الأَوْلِيَاءِ الصَّالِحِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

(118) مَا مَعْنَى حَدِيثِ يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَاسْتَجِيبَ لَهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ.

هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَهُوَ مِنَ الأَحَادِيثِ الْمُتَشَابِهَةِ وَلا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الظَّاهِرِ بَلْ لَهُ مَعْنًى يَلِيقُ بِاللَّهِ. يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَعْنَاهُ اللَّهُ يَأْمُرُ مَلَكًا أَنْ يَنْزِلَ فِى الثُّلُثِ الأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ إِلَى السَّمَاءِ الأُولَى وَأَنْ يُبَلِّغَ عَنْهُ فَيَقُولُ الْمَلَكُ إِنَّ رَبَّكُمْ يَقُولُ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَاسْتَجِيبَ لَهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ النَّسَائِىِّ إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ أَمَرَ مُنَادِيًا فَيُنَادِى إِنَّ رَبَّكُمْ يَقُولُ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَاسْتَجِيبَ لَهُ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ.

أَمَّا أَخْذُهُ عَلَى الظَّاهِرِ أَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ بِذَاتِهِ نُزُولًا حِسِّيًّا أَىْ بِالْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ مِنْ عُلْوٍ إِلَى سُفْلٍ فَهُوَ تَشْبِيهٌ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ وَتَكْذِيبٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ أَىْ لا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ. وَهَذَا الإِمَامُ مَالِكٌ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ رَوَى عَنْهُ الزُّرْقَانِىُّ فِى شَرْحِ الْمُوَطَّإِ أَنَّهُ قَالَ يَنْزِلُ رَبُّنَا نُزُولَ رَحْمَةٍ لا نُزُولَ نُقْلَةٍ.

قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِىُّ وَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلانِىُّ وَمَحْمُودٌ الْعَيْنِىّ شَارِحُ الْبُخَارِىِّ وَالإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بنُ فُورَك ضَبَطَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ وَالْحُفَّاظِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَىْ يُنْزِلُ رَبُّنَا مَعْنَاهُ يَأْمُرُ مَلَكًا فَيَنْزِلُ.

(119) لِمَاذَا نُحَذِّرُ مِنْ أَهْلِ الضَّلالِ.

اعْلَمْ أَنَّ تَحْذِيرَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّا يَضُرُّهُمْ فِى دِينِهِمْ أَوْ دُنْيَاهُمْ فَرْضٌ مُؤَكَّدٌ كَتَحْذِيرِ مَنْ يَمُرُّ بِطَرِيقٍ فِيهِ قُطَّاعُ طَرِيقٍ يَقْتُلُونَ الْمُسْلِمِينَ وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ أَوِ التَّحْذِيرِ مِمَّنْ يُفْتِى النَّاسَ بِخِلافِ شَرِيعَةِ اللَّهِ أَوْ يُعَلِّمُ النَّاسَ عَقِيدَةً تُخَالِفُ عَقِيدَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَّا مَنْ يَسْكُتُ عَنِ هَؤُلاءِ وَلَمْ يُحَذِّرْ مِنْهُمْ فَعَلَيْهِ ذَنْبٌ كَبِيرٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ مِنَّا (أَىْ لَيْسَ عَلَى نَهْجِنَا الْكَامِلِ) مَنْ لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ.

وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ مَعْنَاهُ الأَمْرُ بِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ أَمَّا النَّهْىُ عَنِ الْمُنْكَرِ فَمَعْنَاهُ النَّهْىُ عَنْ فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ فَيَحْرُمُ السُّكُوتُ عَنِ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَعَنِ النَّهْىِ عَنِ الْمُنْكَرِ بِلا عُذْرٍ شَرْعِىٍّ بِأَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَفْعَلْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وَقَالَ أَبُو عَلِىٍّ الدَّقَاق السَّاكِتُ عَنِ الْحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَس رَوَاهُ الْقُشَيْرِىُّ.

وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىَ عَنِ الْمُنْكَرِ لا يُقَرِّبُ أَجَلًا وَلا يَقْطَعُ رِزْقًا فَيَنْبَغِى لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُزِيلَ الْمُنْكَرَ الْكُفْرَ وَمَا دُونَ الْكُفْرِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ فَالإِنْسَانُ لا يَمُوتُ إِلَّا بِأَجَلِهِ وَلا يَأْتِى الإِنْسَانَ رِزْقٌ إِلَّا الَّذِى كَتَبَ اللَّهُ لَهُ. وَتَعْلِيمُ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الَّتِى يُعْرَفُ بِهَا الْكُفْرُ مِنَ الإِيمَانِ جِهَادٌ يُكَافَحُ بِهِ كُفْرُ الْمُجَسِّمَةِ وَالْمُشَبِّهَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الضَّلالِ فَالَّذِى يَتَقَاعَسُ الْيَوْمَ عَنْ نَشْرِ عِلْمِ أَهْلِ السُّنَّةِ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ ذَنْبُهُ كَبِيرٌ.

جِهَادُ هَؤُلاءِ بِالْبَيَانِ مِنْ أَفْرَضِ الْفُرُوضِ فَمَنْ تَكَاسَلَ عَنْهَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ اسْتَحَقَّ عَذَابَ اللَّهِ. فَمِنْ أَوْكَدِ الْوَاجِبَاتِ الدِّفَاعُ عَنْ دِينِ اللَّهِ بِالرَّدِّ عَلَى هَؤُلاءِ الضَّالِّينَ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُمْ. وَالَّذِى يَقُومُ بِإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ الِاعْتِقَادِىِّ وَالْعَمَلِىِّ فِى هَذَا الزَّمَنِ أَجْرُهُ كَأَجْرِ خَمْسِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالنِّسْبَةِ لِإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهَا بِمِثْلِ الَّذِى أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرُ خَمْسِينَ قَالَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِىّ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ قَالَ بَلْ مِنْكُمْ.

هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِثَوَابِ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىِ عَنِ الْمُنْكَرِ لِأَنَّ إِنْكَارَ الْمُنْكَرِ فِى هَذَا الزَّمَنِ أَصْعَبُ مِنْ زَمَنِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُ فِى ذَلِكَ الزَّمَنِ كَانَ الأَخُ يُسَاعِدُ أَخَاهُ أَمَّا الْيَوْمَ الأَخُ يُحَارِبُ أَخَاهُ مِنْ أَجْلِ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَالْعَائِلَةُ قَدْ تُحَارِبُهُ لِأَجْلِ إِنْكَارِ مُنْكَرٍ. فَلا يَجُوزُ السُّكُوتُ عَمَّنْ يَنْتَهِكُ حُدُودَ الشَّرِيعَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الإِنْكَارِ وَخَاصَّةً فِى هَذَا الزَّمَنِ الَّذِى كَثُرَ فِيهِ الْمُفْسِدُونَ كَالْوَهَّابِيَّةِ وَحِزْبِ الإِخْوَانِ وَحِزْبِ التَّحْرِيرِ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الدِّينَ فَهَؤُلاءِ يَجِبُ الْحَذَرُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْهُمْ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ أَنَّ حُذَيْفَةَ بنَ الْيَمَانِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا،

قَالَ حُذَيْفَةُ بنُ الْيَمَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا فَقَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا. فَهَؤُلاءِ أَشَدُّ ضَرَرًا مِنَ الْكُفَّارِ الْمُعْلِنِينَ لِأَنَّ تَأْثِيرَهُمْ سَرِيعٌ فَهُمْ يَدَّعُونَ الإِسْلامَ وَيَقْرَؤُونَ الْقُرْءَانَ وَيُورِدُونَ ءَايَاتٍ مِنْهُ أَمَّا الْكَافِرُ الْمُعْلِنُ الَّذِى لا يَنْتَسِبُ إِلَى الإِسْلامِ إِذَا تَحَدَّثَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ الْمُسْلِمُونَ لا يَأْخُذُونَ كَلامَهُ فِى أَمْرِ الدِّينِ.

(120) بَيِّنْ عَقَائِدَ سَيِّد قُطُب الَّتِى خَالَفَ فِيهَا أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.

اعْلَمْ أَنَّ سَيِّدَ قُطُب زَعِيمَ حِزْبِ الإِخْوَانِ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا وَلا مُفَسِّرًا بَلْ كَانَ جَاهِلًا فِى الدِّينِ وَكُتُبُهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُشَبِّهُ اللَّهَ بِخَلْقِهِ وَيَصِفُهُ بِمَا لا يَلِيقُ بِهِ فَإِنَّهُ يُسَمِّى اللَّهَ بِالْعَقْلِ الْمُدَبِّرِ وَالرِّيشَةِ الْمُعْجِزَةِ وَبِالرِّيشَةِ الْخَالِقَةِ وَالْمُبْدِعَةِ وَبِمُهَنْدِسِ الْكَوْنِ الأَعْظَمِ وَهُوَ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾.

وَيَقُولُ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فِى ظِلالِ الْقُرْءَانِ فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إِنَّهَا أَحَدِيَّةُ الْوُجُودِ فَلَيْسَ هُنَاكَ حَقِيقَةٌ إِلَّا حَقِيقَتَهُ وَلَيْسَ هُنَاكَ وُجُودٌ حَقِيقِىٌّ إِلَّا وُجُودَهُ وَكَلامُهُ هَذَا صَرِيحٌ بِالْحُلُولِ وَالْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ وَهُوَ مِنْ أَشَدِّ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ، يَعْنِى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَلَّ بِالأَشْيَاءِ وَاتَّحَدَ مَعَهَا فَصَارَ هُوَ عَيْنَ الأَشْيَاءِ فَقَوْلُهُ لَيْسَ هُنَاكَ حَقِيقَةٌ إِلَّا حَقِيقَتَهُ يَعْنِى أَنَّ الْعَالَمَ مَعْدُومٌ أَوْ أَنَّ اللَّهَ وَالْعَالَمَ شَىْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الَّذِى فِيهِ إِثْبَاتُ وُجُودِ اللَّهِ وَإِثْبَاتُ وُجُودِ الْعَالَمِ حَقِيقَةً.

وَيَقُولُ سَيِّد قُطُب فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ مَا نَصُّهُ وَهِىَ كَلِمَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ لا عَلَى الْكِنَايَةِ وَالْمَجَازِ وَاللَّهُ تَعَالَى مَعَ كُلِّ شَىْءٍ وَمَعَ كُلِّ أَحَدٍ فِى كُلِّ وَقْتٍ وَفِى كُلِّ مَكَانٍ. وَكَلامُهُ هَذَا فِيهِ تَكْذِيبٌ لِلْقُرْءَانِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ فَالْمُسْلِمُونَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ بِلا مَكَانٍ وَلا جِهَةٍ. وَيَقُولُ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فِى ظِلالِ الْقُرْءَانِ إِنَّ تَعَلُّمَ الْفِقْهِ مَضْيَعَةٌ لِلْعُمُرِ وَالأَجْرِ وَقَوْلُهُ هَذَا فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِلْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ قَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أَىْ لا يَسْتَوُونَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَعَلَّمُوا فَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ وَالْفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ،

أَىْ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا أَىْ رِفْعَةً فِى الدَّرَجَةِ رَزَقَهُ الْعِلْمَ بِأُمُورِ دِينِهِ. كَمَا أَنَّ سَيِّدَ قُطُب يَطْعَنُ فِى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَيَحْتَقِرُهُمْ فَيَقُولُ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى التَّصْوِيرَ الْفَنِّىَّ فِى الْقُرْءَانِ عَنْ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ لِنَأْخُذْ مُوسَى إِنَّهُ نَمُوذَجٌ لِلزَّعِيمِ الْمُنْدَفِعِ الْعَصَبِىِّ الْمِزَاجِ يَعْنِى سَيِّئَ الْخُلُقِ وَيَتَّهِمُ نَبِىَّ اللَّهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأَنَّهُ كَادَ يَضْعُفُ أَمَامَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ وَيَتَّهِمُ نَبِىَّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأَنَّهُ كَانَ مُشْرِكًا يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ فَيَقُولُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ وَإِبْرَاهِيمُ تَبْدَأُ قِصَّتُهُ فَتًى يَنْظُرُ فِى السَّمَاءِ فَيَرَى نَجْمًا فَيَظُنُّهُ إِلَهَهُ.

وَلْيُعْلَمْ أَنَّ سَيِّدَ قُطُب كَفَّرَ الْمُسْلِمِينَ قَاطِبَةً حَتَّى الْمُؤَذِّنِينَ كَمَا أَنَّ أَتْبَاعَهُ حِزْبَ الإِخْوَانِ يَعْتَبِرُونَ أَنْفُسَهُمْ مُسْلِمِينَ وَأَنَّ كُلَّ مَنْ سِوَاهُمْ كُفَّارًا لِذَلِكَ يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ الإِخْوَانَ الْمُسْلِمِينَ وَالْجَمَاعَةَ الإِسْلامِيَّةَ وَأَسْمَاءَ أُخْرَى غَيْرَهَا. فَيَجِبُ الْحَذَرُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْهُمْ فَإِنَّ أَكْبَرَ ضَرَرٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَأْتِى مِنْ نَاحِيَةٍ بِاسْمِ الدِّينِ مِنْ حِزْبِ الإِخْوَانِ وَالْوَهَّابِيَّةِ كَفَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُمْ.

(121) اذْكُرْ بَعْضَ ضَلالاتِ يُوسُفَ الْقَرَضَاوِىِّ.

اعْلَمْ أَنَّ يُوسُفَ الْقَرَضَاوِىَّ الَّذِى يَعْتَبِرُهُ حِزْبُ الإِخْوَانِ مَرْجِعًا كَبِيرًا لَهُمْ لَهُ ضَلالاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا أَنَّهُ يُشَبِّهُ اللَّهَ بِخَلْقِهِ وَيَنْسُبُ إِلَى اللَّهِ الْجِسْمَ وَالْمَكَانَ وَالْجِهَةَ وَيَزْعُمُ أَنَّ الشَّاكَّ بِقُدْرَةِ اللَّهِ مُؤْمِنٌ وَيَنْسُبُ الْكَذِبَ إِلَى اللَّهِ وَيَطْعَنُ بِالأَنْبِيَاءِ فَيَصِفُ سَيِّدَنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأَنَّهُ عَنِيدٌ بِطَبِيعَتِهِ وَيَزْعُمُ أَنَّ الرَّسُولَ

ﷺ كَانَ يَجْتَهِدُ فِى أَمْرِ الدِّينِ وَيُخْطِئُ وَيَدَّعِى أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَكَتَ عَنِ الشِّرْكِ وَيَذُمُّ الْوُقُوفَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَسْتَحْسِنُ الْوُقُوفَ لِجِنَازَةِ الْيَهُودِىِّ وَيَقُولُ لِكُلِّ نَفْسٍ فِى الإِسْلامِ حُرْمَةٌ وَمَكَانٌ كَمَا أَنَّهُ يُنْكِرُ نُبُوَّةَ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَيَسْتَهْزِئُ بِالْمَلائِكَةِ وَيُكَفِّرُ الْمُسْلِمِينَ حَاكِمًا وَمَحْكُومًا كَسَلَفِهِ سَيِّد قُطُب وَيَدْعُو

إِلَى فِقْهٍ جَدِيدٍ سَمَّاهُ فِقْهَ الْمَرْحَلَةِ وَهُوَ فِى الْحَقِيقَةِ مَنْهَجُ حِزْبِ الإِخْوَانِ وَيُنْكِرُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الإِسْلامِ وَيَزْعُمُ أَنَّ الإِسْلامَ ذَمَّ الْفَقْرَ مُطْلَقًا وَيَقُولُ إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَجْرَى أَحْكَامَ الإِسْلامِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مَعَ عِلْمِهِ بِكُفْرِهِمْ وَيَرَى أَنَّ الْحِرْزَ الَّذِى فِيهِ قُرْءَانٌ جَهْلٌ وَضَلالٌ يُصَادِمُ سُنَنَ اللَّهِ وَيُنَافِى تَوْحِيدَهُ وَيَمْنَعُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ عَلَى الأَمْوَاتِ وَيَقُولُ بِوُجُودِ أَدْيَانٍ سَمَاوِيَّةٍ مُتَجَاهِلًا أَنَّ كُلَّ الأَنْبِيَاءِ جَاءُوا بِدِينٍ سَمَاوِىٍّ وَاحِدٍ هُوَ الإِسْلامُ وَيُحَرِّمُ عَلَى النَّاسِ تَقْلِيدَ الْمَذَاهِبِ وَيَدَّعِى الِاجْتِهَادَ لِنَفْسِهِ وَيَقُولُ بِفَنَاءِ النَّارِ كَسَلَفِهِ ابْنِ تَيْمِيَةَ وَيَنْسُبُ الْمُسْلِمِينَ لِلشِّرْكِ بِأَفْعَالٍ لَيْسَتْ شِرْكًا وَيَقُولُ إِنَّ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِى أَسْلَمَتْ أَنْ تَبْقَى تَحْتَ زَوْجِهَا الْكَافِرِ وَلَوْ لَمْ يُسْلِمْ فَاحْذَرُوهُ وُجُوبًا وَحَذِّرُوا النَّاسَ مِنْهُ وُجُوبًا.

(122) اذْكُرْ بَعْضَ ضَلالاتِ حِزْبِ التَّحْرِيرِ.

اعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَةَ حِزْبِ التَّحْرِيرِ خَالَفُوا أَهْلَ السُّنَّةِ فِى مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ زَعِيمُهُمْ تَقِىُّ الدِّينِ النَّبَهَانِىُّ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى الشَّخْصِيَّةَ الإِسْلامِيَّةَ قَالَ مَا نَصُّهُ وَهَذِهِ الأَفْعَالُ (أَىْ أَفْعَالُ الإِنْسَانِ) لا دَخَلَ لَهَا بِالْقَضَاءِ وَلا دَخَلَ لِلْقَضَاءِ بِهَا لِأَنَّ الإِنْسَانَ هُوَ الَّذِى قَامَ بِهَا بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ لا تَدْخُلُ تَحْتَ الْقَضَاءِ.

فَوَافَقَ بِذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ الِاخْتِيَارِيَّةَ أَىْ يُحْدِثُهَا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَكَلامُهُ هَذَا تَكْذِيبٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ صَانِعُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ (أَىْ إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ عَامِلٍ وَعَمَلِهِ) رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ وَالْبَيْهَقِىُّ فِى شُعَبِ الإِيمَانِ.

وَمِنْ جُمْلَةِ كُفْرِهِمْ وَضَلالِهِمْ أَنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ عَلَى الأَنْبِيَاءِ الْكَذِبَ وَالْخِيَانَةَ وَالرَّذَالَةَ وَالسَّفَاهَةَ وَالْكُفْرَ وَالْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ الَّتِى فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةٌ قَبْلَ النُّبُوَّةِ ذَكَرَ ذَلِكَ زَعِيمُهُمْ تَقِىُّ الدِّينِ النَّبَهَانِىُّ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى الشَّخْصِيَّةَ الإِسْلامِيَّةَ وَنَصُّ كَلامِهِ إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْعِصْمَةَ لِلأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَإِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ أَنْ يُصْبِحَ نَبِيًّا أَوْ رَسُولًا بِالْوَحْىِ إِلَيْهِ أَمَّا قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ مَا يَجُوزُ عَلَى سَائِرِ الْبَشَرِ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ هِىَ لِلنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ.

فَعَلَى قَوْلِهِ تَصِحُّ النُّبُوَّةُ لِمَنْ كَانَ لِصًّا سَرَّاقًا أَوْ لائِطًا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. كَمَا أَنَّ هَذِهِ الْجَمَاعَةَ يُجَوِّزُونَ الْمَشْىَ لِلزِّنَى بِامْرَأَةٍ أَوِ الْفُجُورِ بِغُلامٍ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ تَكُونُ بِاسْتِعْمَالِ الآلَةِ فَقَطْ وَقَوْلُهُمْ هَذَا مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَزِنَى الرِّجْلِ الْخُطَى رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. وَمِنْ جُمْلَةِ ضَلالاتِهِمْ أَنَّهُمْ يُبِيحُونَ مُصَافَحَةَ الرِّجَالِ لِلنِّسَاءِ الأَجْنَبِيَّاتِ أَىْ غَيْرِ الْمَحَارِمِ بِلا حَائِلٍ وَتَقْبِيلِهِنَّ بِشَهْوَةٍ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَأَنْ يُطْعَنَ أَحَدُكُمْ بِحَدِيدَةٍ فِى رَأْسِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِىُّ فِى الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ مُصَافَحَةِ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ بِلا حَائِلٍ وَقَالَ ﷺ وَزِنَى الْفَمِ الْقُبَلُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَىْ تَقْبِيلُ الأَجْنَبِيَّةِ.

(123) مَنْ هُمُ الْوَهَّابِيَّةُ وَمَا هِىَ عَقِيدَتُهُمْ.

اعْلَمْ أَنَّ الْوَهَّابِيَّةَ هُمْ أَتْبَاعُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ وَسِتٍّ لِلْهِجْرَةِ. وَالْوَهَّابِيَّةُ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ لِأَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ جِسْمًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ اللَّهُ كَمَا أَنَّهُمْ يُشَبِّهُونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ وَيَشْتِمُونَهُ بِقَوْلِهِمُ اللَّهُ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ أَوْ عَلَى الْكُرْسِىِّ كَمَا فِى كِتَابِهِمْ فَتْحِ الْمَجِيدِ لِعَبْدِ الرَّحْمٰنِ بنِ

حَسَنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَمِنْ ضَلالاتِهِمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِأَنَّ نَفْىَ الْجِسْمِيَّةِ وَالْجَوَارِحِ وَالأَعْضَاءِ عَنِ اللَّهِ مِنَ الْكَلامِ الْمَذْمُومِ كَمَا فِى كِتَابِهِمُ الْمُسَمَّى تَنْبِيهَاتٍ فِى الرَّدِّ عَلَى مَنْ تَأَوَّلَ الصِّفَاتِ لِابْنِ بَازٍ وَيَقُولُونَ اللَّهُ مُسْتَقِرٌّ عَلَى الْعَرْشِ كَمَا فِى كِتَابِهِمُ الْمُسَمَّى نَظَرَاتٍ وَتَعْقِيبَاتٍ عَلَى مَا فِى كِتَابِ السَّلَفِيَّةِ لِصَالِحِ الْفُوزَان وَيَقُولُ زَعِيمُهُمُ ابْنُ الْعُثَيْمِين فِى تَفْسِيرِهِ ءَايَةَ الْكُرْسِىِّ الْكُرْسِىُّ مَوْضِعُ قَدَمَىِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَقُولُ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى اللِّقَاءَ الشَّهْرِىَّ لا يَجُوزُ أَنْ نُثْبِتَ لِلَّهِ لِسَانًا وَلا أَنْ نَنْفِيَهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ لا عِلْمَ لَنَا بِذَلِكَ وَيَقُولُ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فَتَاوَى الْعَقِيدَةِ اللَّهُ يَتَحَرَّكُ أَىْ يَنْتَقِلُ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَل وَمِنْ أَسْفَلَ إِلَى أَعْلَى.

كَمَا أَنَّ الْوَهَّابِيَّةَ يَقُولُونَ تَبَعًا لِابْنِ تَيْمِيَةَ الْعَالَمُ أَزَلِىٌّ بِنَوْعِهِ كَمَا فِى شَرْحِ الطَّحَاوِيَّةِ لِابْنِ أَبِى الْعِزِّ الَّذِى أَثْنَى عَلَيْهِ الْوَهَّابِىُّ ابْنُ بَازٍ وَهَذَا قَوْلٌ مِنْهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ مَا خَلَقَ جِنْسَ الْعَالَمِ وَيُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَمَا فِى كِتَابِهِمُ الْمُسَمَّى الإِيمَانَ بِالأَنْبِيَاءِ جُمْلَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ وَيَقُولُونَ إِنَّ النَّارَ

تَفْنَى لا يَبْقَى فِيهَا أَحَدٌ كَمَا فِى كِتَابِهِمُ الْمُسَمَّى الْقَوْلَ الْمُخْتَارَ لِفَنَاءِ النَّارِ لِعَبْدِ الْكَرِيمِ الْحمَيِّد كَمَا أَنَّ الْوَهَّابِيَّةَ يُحَرِّمُونَ التَّوَسُّلَ بِالأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ بَلْ يَجْعَلُونَ ذَلِكَ شِرْكًا يُوجِبُ الْخُلُودَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ كَمَا فِى كِتَابِهِمُ الْمُسَمَّى عَقِيدَةَ الْمُؤْمِنِ لِأَبِى بَكْرٍ الْجَزَائِرِىِّ وَكَذَا يُحَرِّمُونَ التَّبَرُّكَ بِآثَارِ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ

وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِالأَنْبِيَاءِ شِرْكٌ كَمَا فِى كِتَابِهِمُ الْمُسَمَّى الْعَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ وَمَا يُضَادُّهَا لِابْنِ بَازٍ وَيَحُرِّمُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الِاحْتِفَالَ بِمَوْلِدِ النَّبِىِّ ﷺ مُدَّعِينَ أَنَّ هَذَا فِيهِ تَشَبُّهٌ بِالْيَهُودِ كَمَا فِى كِتَابِهِمُ الْمُسَمَّى التَّحْذِيرَ مِنَ الْبِدَعِ لِابْنِ بَازٍ مَعَ أَنَّ الْوَهَّابِيَّةَ يَحْتَفِلُونَ بِمَوْلِدِ شَيْخِهِمْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ أُسْبُوعًا

كَامِلًا وَيَجْعَلُونَ زِيَارَةَ قَبْرِ النَّبِىِّ ﷺ لِلتَّبَرُّكِ زِيَارَةً شِرْكِيَّةً وَيَعْتَبِرُونَ الصَّلاةَ عَلَى النَّبِىِّ جَهْرًا بَعْدَ الأَذَانِ بِدْعَةً يَجِبُ مَنْعُهَا كَمَا فِى تَعْلِيقِ ابْنِ بَازٍ عَلَى كِتَابِ فَتْحِ الْبَارِى وَيُحَرِّمُونَ قِرَاءَةَ الْقُرْءَانِ عَلَى قَبْرِ الْمُسْلِمِ كَمَا فِى كِتَابِهِمُ الْمُسَمَّى تَوْجِيهَاتٍ إِسْلامِيَّةً وَيُحَرِّمُونَ تَعْلِيقَ ءَايَاتٍ مِنَ الْقُرْءَانِ عَلَى الصَّدْرِ كَمَا فِى كِتَابِهِمُ الْمُسَمَّى فَتَاوَى مُهِمَّة لِابْنِ بَازٍ وَيَصِفُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بِالْمُعَطِّلَةِ أَىِ الْمُنْكِرِينَ لِصِفَاتِ اللَّهِ كَمَا فِى كِتَابِهِمُ الْمُسَمَّى الْقَوَاعِدَ الْمُثْلَى لِابْنِ الْعُثَيْمِين لِأَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ تَأَوَّلُوا الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وَلَمْ يَحْمِلُوهَا عَلَى الظَّاهِرِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ وَهَذِهِ الآيَةُ أَصْرَحُ ءَايَةٍ فِى تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ مُشَابَةِ الْخَلْقِ.

فَيَجِبُ الْحَذَرُ وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الْوَهَّابِيَّةِ وَعَقِيدَتِهِمْ فَإِنَّ أَكْبَرَ ضَرَرٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَأْتِى مِنْ نَاحِيَةٍ بِاسْمِ الدِّينِ مِنَ الْوَهَّابِيَّةِ كَفَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُمْ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْوَهَّابِيَّة يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ سَلَفِيَّةً لِيُوهِمُوا النَّاسَ أَنَّهُمْ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَلا يَجُوزُ تَسْمِيَتُهُمْ بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنَّهُمْ شَاذُّونَ عَنِ الأُمَّةِ.

(124) مَنْ هُوَ سَلَفُ الْوَهَّابِيَّةِ فِى الْعَقِيدَةِ.

اعْلَمْ أَنَّ سَلَفَ الْوَهَّابِيَّةِ فِى الْعَقِيدَةِ هُوَ أَحْمَدُ بنُ تَيْمِيَةَ الْحَرَّانِىُّ الَّذِى تُوُفِّىَ قَبْلَ حَوَالِى سَبْعِمِائَةِ عَامٍ بَعْدَ أَنْ حُبِسَ بِفَتْوَى مِنَ الْقُضَاةِ مِنَ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ وَحَكَمُوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ ضَالٌّ يَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْهُ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَهْلَ السُّنَّةِ فِى مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا أَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ كَاسْتِوَائِى هَذَا وَيَعْنِى اسْتِوَاءَ جُلُوسٍ وَيَقُولُ فِى كِتَابِهِ الْعَرْشِ وَفِى فَتَاوِيهِ إِنَّ اللَّهَ يَجْلِسُ عَلَى الْكُرْسِىِّ وَقَدْ أَخْلَى مَكَانًا يُقْعِدُ مَعَهُ رَسُولَ اللَّهِ وَيَدَّعِى أَنْ لا دَلِيلَ عَلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ فَيَقُولُ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى التَّأْسِيسَ فِى رَدِّ أَسَاسِ التَّقْدِيسِ فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالإِجْمَاعَ لَمْ يَنْطِقْ بِأَنَّ الأَجْسَامَ كُلَّهَا مُحْدَثَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلا قَالَ ذَلِكَ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ،

وَكَذَبَ فِى ذَلِكَ فَكَيْفَ لا يُوجَدُ دَلِيلٌ بِزَعْمِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ وَيَقُولُ الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِىُّ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِى كِتَابِهِ النَّوَادِرِ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ فَهُوَ غَيْرُ عَارِفٍ بِرَبِّهِ وَإِنَّهُ كَافِرٌ بِهِ وَيَقُولُ الإِمَامُ الشَّافِعِىُّ الْمُجَسِّمُ كَافِرٌ رَوَاهُ الْحَافِظُ السُّيُوطِىُّ فِى الأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ وَيَقُولُ الإِمَامُ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ مَنْ قَالَ اللَّهُ جِسْمٌ لا كَالأَجْسَامِ كَفَرَ رَوَاهُ الْحَافِظُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِىُّ فِى كِتَابِهِ تَشْنِيفُ الْمَسَامِعِ وَيَقُولُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِىِّ النَّابُلُسِىُّ فِى الْفَتْحِ الرَّبَّانِىِّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ مَلَأَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَوْ أَنَّهُ جِسْمٌ قَاعِدٌ فَوْقَ الْعَرْشِ فَهُوَ كَافِرٌ وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ النَّسَفِىُّ فِى تَفْسِيرِهِ وَمِنَ الإِلْحَادِ (أَىِ الْكُفْرِ) تَسْمِيَّةُ اللَّهِ بِالْجِسْمِ وَالْجَوْهَرِ وَالْعَقْلِ وَالْعِلَّةِ.