(28) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ﴾.

قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ﴾ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَعْتَقِدَ مَا يَشَاءُ إِنَّمَا الآيَةُ فِيهَا ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ الأَوَّلُ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ حُكْمًا لا تِلاوَةً أَىْ تُتْلَى عَلَى أَنَّهَا ءَايَةٌ مِنَ الْقُرْءَانِ لَكِنْ نُسِخَ حُكْمُهَا وَهُوَ النَّهْىُ عَنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ بِآيَاتِ الْقِتَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ أَىْ قَاتِلُوا الْكُفَّارَ حَتَّى يَدْخُلُوا فِى دِينِ الإِسْلامِ وَلا يَفْتِنُوا الْمُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ فَيَكُونُوا سَبَبًا فِى إِخْرَاجِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الدِّينِ وَالثَّانِى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِى أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نُكْرِهَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ الْتَزَمُوا دَفْعَ الْجِزْيَةِ لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الإِسْلامِ بِقُوَّةِ السِّلاحِ.

وَالثَّالِثُ ﴿لا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ﴾ أَىْ أَنَّكَ يَا مُحَمَّدُ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُكْرِهَ قُلُوبَ الْكُفَّارِ عَلَى الإِيمَانِ أَىْ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَهْدِىَ قُلُوبَهُمْ فَيُؤْمِنُوا إِنَّمَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُكْرِهَ ظَوَاهِرَهُمْ أَىْ أَنْ تُجْبِرَهُمْ بِقُوَّةِ السِّلاحِ عَلَى النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّ هَذَا مَصْلَحَةٌ لَهُمْ.

(29) مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الإِسْلامَ لا يَسْمَحُ بِحُرِّيَّةِ الْعَقِيدَةِ كَمَا يَدَّعِى بَعْضُ الْجَهَلَةِ.

اعْلَمْ أَنَّ الإِسْلامَ لا يَسْمَحُ بِحُرِّيَّةِ الْعَقِيدَةِ كَمَا يَدَّعِى بَعْضُ النَّاسِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه﴾ أَىْ أَمَرَ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾ أَىْ خَلَقَهُمُ اللَّهُ لِيَأْمُرَهُمْ بِعِبَادَتِهِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾.

ثُمَّ كَيْفَ يَقُولُ ذُو عَقْلٍ يَدَّعِى الإِسْلامَ إِنَّ الإِسْلامَ جَاءَ بِحُرِّيَّةِ الْعَقِيدَةِ وَيَسْمَحُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَدِينَ بِأَىِّ دِينٍ يَرَاهُ وَيَرْتَضِيهِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَوَاتِرٌ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَالْحَدِيثُ الْمُتَوَاتِرُ حُجَّةٌ مِثْلُ الْقُرْءَانِ. فَلَوْ كَانَ الإِسْلامُ يَسْمَحُ بِحُرِّيَّةِ الْعَقِيدَةِ بِمَعْنَى أَنَّ الإِنْسَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الإِسْلامَ أَوْ غَيْرَهُ كَمَا يَدَّعِى هَؤُلاءِ الْجَهَلَةُ مَا كَانَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.

وَأَمَّا الآيَةُ ﴿لا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ﴾ فَمَعْنَاهَا أَنَّكَ يَا مُحَمَّدُ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُكْرِهَ قُلُوبَ الْكُفَّارِ عَلَى الإِيمَانِ أَىْ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَهْدِىَ قُلُوبَهُمْ فَيُؤْمِنُوا وَلَيْسَ فِيهَا تَرْخِيصٌ لِلنَّاسِ أَنْ يَكْفُرُوا وَأَنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ. لَوْ كَانَتِ الآيَةُ لِإِبَاحَةِ الْكُفْرِ كَمَا يَزْعُمُ هَؤُلاءِ فَلِأَىِّ شَىْءٍ تَوَعَّدَ اللَّهُ الْكَافِرِينَ بِجَهَنَّمَ وَلِمَ بَعْثَ اللَّهُ الأَنْبِيَاءَ وَالْمُرْسَلِينَ.

بِعْثَةُ الأَنْبِيَاءِ فِيهَا مَصْلَحَةٌ ضَرُورِيَّةٌ لِلْعِبَادِ لِأَنَّهُمْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ مَا يُنْجِى فِى الآخِرَةِ وَمَا يُهْلِكُ. وَأَمَّا الآيَةُ ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ أَىْ لَكُمْ دِينُكُمُ الْبَاطِلُ أَيُّهَا الْكُفَّارُ فَاتْرُكُوهُ وَلِىَ دِينِى الصَّحِيحُ وَهُوَ الإِسْلامُ فَاتَّبِعُوهُ فَهَذِهِ الآيَةُ فِيهَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ وَلَيْسَ فِيهَا إِبَاحَةُ الْبَقَاءِ عَلَى الْكُفْرِ. وَكَذَلِكَ الآيَةُ ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾ أَىْ لِلْكَافِرِينَ ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ لَيْسَ فِيهَا تَخْيِيرٌ لِلإِنْسَانِ بَيْنَ أَنْ يُؤْمِنَ أَوْ يَكْفُرَ بَلِ الآيَةُ نَزَلَتِ عَلَى مَعْنَى التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ وَسِيَاقُ الآيَةِ ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَىْ مَنْ يُؤْمِنُ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَمَنْ يَكْفُرُ فَلَهُ الْعَذَابُ الأَلِيمُ فِى نَارِ جَهَنَّمَ.

وَمَعْنَى ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ أَنَّ جَهَنَّمَ لَهَا غِطَاءٌ لِيَزِيدَ حَرُّهَا. أَمَّا مَنْ يَقُولُ إِنَّ الإِسْلامَ يَسْمَحُ بِحُرِّيَّةِ الْفِكْرِ وَالْعَقِيدَةِ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ عَمْرُو خَالِد فَإِنَّهُ يَقُولُ بِلُغَتِهِ الْعَامِيَّةِ إِنَّ الإِنْسَانَ يَعْبُد اللِّى هُوَّا عَايْزُه، وَعَدْنَان إِبْرَاهِيم الَّذِى يَقُولُ بِأَنَّ اللَّهَ أَعْطَى النَّاسَ الْحُرِّيَّةَ فِى أَنْ يَخْتَارُوا دِينَهُمْ وَعَقِيدَتَهُمْ وَالْوَهَّابِىُّ عَدْنَانُ الْعَرْعُور الَّذِى يَقُولُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْبُدَ حَجَرًا فَلْيَعْبُدْ حَجَرًا نَحْنُ لا إِكْرَاهَ عِنْدَنَا فِى الدِّينِ،

وَكَلامُهُ فِيهِ الرِّضَا بِكُفْرِ الْغَيْرِ وَمَنْ رَضِىَ بِكُفْرِ غَيْرِهِ كَفَرَ، وَكَذَلِكَ مُحَمَّدُ مُتَوَلِّى الشَّعْرَاوِىّ الَّذِى يَقُولُ فِى كِتَابِهِ الْفَتَاوَى بِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا حُرِّيَّةُ الْعَقِيدَةِ تَعْتَقِدُ مَا تَشَاءُ وَيَقُولُ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى أَسْئِلَةٌ حَرِجَةٌ وَأَجْوِبَةٌ صَرِيحَةٌ وَشَرَفُ الإِسْلامِ وَقُوَّتُهُ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ حَارَبَ مِنْ أَجْلِ حُرِّيَّةِ الرَّأْىِ وَحُرِّيَّةِ الْعَقِيدَةِ، فَهَؤُلاءِ دُعَاةٌ إِلَى الْكُفْرِ وَالإِلْحَادِ فَاحْذَرُوهُمْ وَحَذِّرُوا النَّاسَ مِنْهُمْ.

(30) مَا مَعْنَى أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِجْمَالًا.

مَعْنَى إِجْمَالًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَمَعْنَى أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَعْتَرِفُ بِلِسَانِى وَأَعْتَقِدُ بِقَلْبِى أَنْ لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ أَىْ لا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ أَنْ يُعْبَدَ أَىْ أَنْ يُتَذَلَّلَ لَهُ نِهَايَةُ التَّذَلُّلِ إِلَّا اللَّهُ وَفَسَّرَهَا الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِىُّ بِقَوْلِهِ لا خَالِقَ لِشَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ إِلَّا اللَّهُ وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَحْسَنُ ذَكَرَهُ الإِمَامُ الْبَيْهَقِىُّ فِى كِتَابِ الِاعْتِقَادِ.

(31) مَا مَعْنَى الإِلَهِ فِى أَصْلِ اللُّغَةِ.

الإِلَهُ هُوَ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ وَهُوَ اللَّهُ أَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَإِنَّهُمْ أَطْلَقُوا هَذَا اللَّفْظَ عَلَى مَا عَبَدُوهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا يَجُوزُ إِطْلاقُهُ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ قَالَ الْفَيُّومِىُّ اللُّغَوِىُّ فِى كِتَابِهِ الْمِصْبَاحُ الْمُنِيرُ الإِلَهُ الْمَعْبُودُ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ثُمَّ اسْتَعَارَهُ الْمُشْرِكُونَ لِمَا عَبَدُوهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَىْ أَطْلَقُوهُ عَلَى مَعْبُودَاتِهِمْ وَقَالَ الْمُبَرِّدُ الإِلَهُ مَنْ لَهُ الإِلَهِيَّةُ أَىْ مَنْ لَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى إِبْرَازِ الأَحْجَامِ وَصِفَاتِ الأَحْجَامِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَقَالَ مِثْلَهُ الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِىُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ فُورَك.

وَعَدَّ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِىُّ الإِلَهَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ. وَلَيْسَ مَعْنَى الإِلَهِ الْمَعْبُودُ إِنْ كَانَ بِحَقٍّ أَوْ بِبَاطِلٍ كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُ النَّاسِ وَمِنْهُمْ رَجَب دِيب الَّذِى قَالَ يُوجَدُ إِلَهَانِ الإِلَهُ الْمَعْبُودُ وَهُوَ اللَّهُ وَالإِلَهُ الَّذِى يُشَارِكُ وَهُوَ الْهَوَى فَكَذَّبَ بِذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وَقَوْلَهُ ﷺ أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِى لا إِلَـهَ إِلَّا اللَّهُ رَوَاهُ التِرْمِذِىُّ.

أَمَّا قَوْلُ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ لِمُوسَى السَّامِرِىِّ ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ فَكَانَ فِى مَقَامِ التَّوْبِيخِ وَالإِهَانَةِ وَالتَّحْقِيرِ وَلَيْسَ فِى مَقَامِ الإِثْبَاتِ مَعْنَاهُ أَنْتَ اتَّخَذْتَهُ إِلَهًا وَهُوَ لَيْسَ إِلَهًا فَلَفْظُ الإِلَهِ إِذَا قُيِّدَ فَلا إِشْكَالَ فِيهِ.

(32) اذْكُرْ دَلِيلًا عَقْلِيَّا إِجْمَالِيًّا عَلَى وُجُودِ اللَّهِ.

اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مَعْرِفَةُ الدَّلِيلِ الْعَقْلِىِّ الإِجْمَالِىِّ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ كَأَنْ يُقَالَ الْكِتَابَةُ لا بُدَّ لَهَا مِنْ فَاعِلٍ وَالْبِنَاءُ لا بُدَّ لَهُ مِنْ فَاعِلٍ وَالْكِتَابَةُ وَالْبِنَاءُ جُزْءٌ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ فَهَذَا الْعَالَمُ بِالأَوْلَى لا بُدَّ لَهُ مِنْ خَالِقٍ خَلَقَهُ لا يُشْبِهُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلًا كَافِرًا لا يُؤْمِنُ بِوُجُودِ اللَّهِ أَتَى إِلَى أَحَدِ الْخُلَفَاءِ وَقَالَ لَهُ إِنَّ عُلَمَاءَ عَصْرِكَ يَقُولُونَ إِنَّ لِهَذَا الْكَوْنِ صَانِعًا (أَىْ خَالِقًا) وَأَنَا مُسْتَعِدٌّ أَنْ أُثْبِتَ لَهُمْ أَنَّ هَذَا الْكَوْنَ لا صَانِعَ لَهُ.

فَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ إِلَى عَالِمٍ كَبِيرٍ يُعْلِمُهُ بِالْخَبَرِ وَيَأْمُرُهُ بِالْحُضُورِ فَتَعَمَّدَ الْعَالِمُ أَنْ يَتَأَخَّرَ قَلِيلًا عَنِ الْوَقْتِ ثُمَّ حَضَرَ فَاسْتَقْبَلَهُ الْخَلِيفَةُ وَأَجْلَسَهُ فِى صَدْرِ الْمَجْلِسِ فَقَالَ الرَّجُلُ لِمَ تَأَخَّرْتَ فِى مَجِيئِكَ فَقَالَ الْعَالِمُ أَرَأَيْتَ (أَىْ مَاذَا تَقُولُ) لَوْ قُلْتُ لَكَ حَصَلَ لِى أَمْرٌ عَجِيبٌ فَتَأَخَّرْتُ وَذَلِكَ أَنَّ بَيْتِىَ وَرَاءَ نَهْرِ دِجْلَةَ فَجِئْتُ لِأَعْبُرَ النَّهْرَ فَلَمْ أَجِدْ سِوَى سَفِينَةٍ عَتِيقَةٍ قَدْ تَكَسَّرَتْ أَلْوَاحُهَا الْخَشَبِيَّةُ فَلَمَّا وَقَعَ نَظَرِى عَلَيْهَا تَحَرَّكَتِ الأَلْوَاحُ وَاجْتَمَعَتْ وَاتَّصَلَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَصَارَتْ سَفِينَةً صَالِحَةً لِلسَّيْرِ بِلا مُبَاشَرَةِ نَجَّارٍ وَلا عَمَلِ عَامِلٍ فَقَعَدْتُ عَلَيْهَا وَعَبَرْتُ النَّهْرَ وَجِئْتُ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ.

فَقَالَ الرَّجُلُ اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ مَاذَا يَقُولُ عَالِمُكُمْ فَهَلْ سَمِعْتُمْ كَلامًا أَكْذَبَ مِنْ هَذَا كَيْفَ تُوجَدُ سَفِينَةٌ بِدُونِ أَنْ يَصْنَعَهَا نَجَّارٌ هَذَا كَذِبٌ مَحْضٌ. فَقَالَ الْعَالِمُ أَيُّهَا الْكَافِرُ إِذَا لَمْ يُعْقَلْ أَنْ تُوجَدَ سَفِينَةٌ بِلا صَانِعٍ وَلا نَجَّارٍ فَكَيْفَ تَقُولُ بِوُجُودِ الْعَالَمِ بِدُونِ صَانِعٍ فَسَكَتَ الرَّجُلُ الْمُلْحِدُ وَلَزِمَتْهُ الْحُجَّةُ وَعَاقَبَهُ الْخَلِيفَةُ لِسُوءِ اعْتِقَادِهِ.

(33) اذْكُرْ أَهَمِيَّةَ مَعْرِفَةِ الأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ لِلرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الضَّلالِ.

اعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ الأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ بِأَىِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ مِنَ الأُمُورِ الْمُهِمَّةِ فِى دِينِ اللَّهِ فَالدَّلِيلُ الْعَقْلِىُّ يُرْشِدُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ كَمَا بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ لِأَنَّ الَّذِى يَتَفَكَّرُ فِى مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ يَصِلُ إِلَى مَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ لا يُشْبِهُ شَيْئًا.

وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ فِى الْقُرْءَانِ الْكَرِيمِ الدَّلِيلَ الْعَقْلِىَّ فَقَالَ عَنْ حُجَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِى رَدَّ فِيهَا عَلَى النُّمْرُودِ ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾. لَمَّا قَالَ النُّمْرُودُ لِسَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَمَا اللَّهُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ﴿رَبِّىَ الَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ﴾ فَقَالَ النُّمْرُودُ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ فَأَطْلَقَ سَجِينًا وَقَتَلَ ءَاخَرَ فَقَالَ أَحْيَيْتُ هَذَا وَأَمَتُّ هَذَا فَغَلَبَهُ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِىِّ فَقَالَ لَهُ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَ﴾.

فَيَنْبَغِى أَنْ نَتَعَلَّمَ الأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُلْحِدِينَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يُشَكِّكُوا الْمُسْلِمِينَ فِى دِينِهِمْ وَمَا أَكْثَرَهُمْ فِى هَذَا الزَّمَانِ، هَؤُلاءِ إِنْ قُلْتَ لَهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَفِى اللَّهِ شَكٌّ﴾ يَقُولُونَ لَكَ نَحْنُ لا نُؤْمِنُ بِالْقُرْءَانِ، فَلا يَلِيقُ بِنَا أَنْ لا نَعْرِفَ الْجَوَابَ لِلدِّفَاعِ عَنْ دِينِنَا.

(34) مَا مَعْنَى الْوَاحِدِ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللَّهِ.

مَعْنَى الْوَاحِدِ أَنَّ اللَّهَ لا شَرِيكَ لَهُ فِى الأُلُوهِيَّةِ أَىْ لا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ وَاحِدًا وَكَانَ مُتَعَدِّدًا لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُنْتَظِمًا لَكِنَّ الْعَالَمَ مُنْتَظِمٌ فَوَجَبَ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ أَىْ لَوْ كَانَ لِلسَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ءَالِهَةٌ غَيْرُ اللَّهِ لَفَسَدَتَا أَىْ مَا كَانَتَا تَسْتَمِرَّانِ عَلَى انْتِظَامٍ وَرَوَى الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ (أَىِ اسْتَيْقَظَ بِاللَّيْلِ) قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَحْدَانِيَّةَ الْعَدَدِ لِأَنَّ الْجِسْمَ الْوَاحِدَ لَهُ أَجْزَاءٌ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لا مَثِيلَ وَلا شَبِيهَ لَهُ.

(35) مَا مَعْنَى الأَحَدِ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللَّهِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَمَعْنَى الأَحَدِ الَّذِى لا يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ أَىْ لَيْسَ جِسْمًا وَالْجِسْمُ مَا لَهُ حَجْمٌ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا. لَوْ كَانَ اللَّهُ جِسْمًا لَجَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَى الأَجْسَامِ مِنَ الْفَنَاءِ وَالتَّغَيُّرِ وَلَصَحَّتِ الأُلُوهِيَّةُ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ فَهُوَ كَافِرٌ قَالَ تَعَالَى فِى ذَمِّ الْكُفَّارِ ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾

وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِىُّ فِى كِتَابِهِ النَّوَادِرِ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ فَهُوَ غَيْرُ عَارِفٍ بِرَبِّهِ وَإِنَّهُ كَافِرٌ بِهِ وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِىُّ الْمُجَسِّمُ كَافِرٌ رَوَاهُ الْحَافِظُ السُّيُوطِىُّ فِى الأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ مَنْ قَالَ اللَّهُ جِسْمٌ لا كَالأَجْسَامِ كَفَرَ رَوَاهُ الْحَافِظُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِىُّ فِى كِتَابِهِ تَشْنِيفُ الْمَسَامِعِ وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِىِّ النَّابُلُسِىُّ فِى الْفَتْحِ الرَّبَّانِىِّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ (جِسْمٌ) مَلَأَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَوْ أَنَّهُ جِسْمٌ قَاعِدٌ فَوْقَ الْعَرْشِ فَهُوَ كَافِرٌ وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ النَّسَفِىُّ فِى تَفْسِيرِهِ وَمِنَ الإِلْحَادِ (أَىِ الْكُفْرِ) تَسْمِيَّةُ اللَّهِ بِالْجِسْمِ وَالْجَوْهَرِ وَالْعَقْلِ وَالْعِلَّةِ.

وَالْعَجَبُ مِنْ عَلِىٍّ الْجِفْرِىِّ أَنَّهُ لا يُكَفِّرُ الْوَهَّابِيَّةَ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الْوَهَّابِيَّةَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ قَاعِدٌ فَوْقَ الْعَرْشِ فَيَقُولُ لَكِنْ هُمْ مُسْلِمُونَ وَحَاشَا لِلَّهِ أَنْ نُكَفِّرَهُمْ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. وَمِنْ ضَلالاتِهِ أَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا يُعْطِيهِ الْقُوَّةَ فَيَقُولُ لِلشَّىْءِ كُنْ فَيَكُونُ وَهَذَا كُفْرٌ صُرَاحٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ الإِنْسَانَ شَرِيكًا لِلَّهِ فِى التَّخْلِيقِ.

وَالْجِفْرِىُّ هُوَ مِمَّنْ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُنَاسٌ مِنْ جِلْدَتِنَا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا تَعْرِفُ مِنْهُم وَتُنْكِرُ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنِ اسْتَجَابَ لَهُمْ قَذَفُوهُ فِيهَا. وَمُصِيبَةُ الْمُسْلِمِينَ فِى هَذَا الزَّمَانِ كَثْرَةُ الْجَهْلِ وَكَثْرَةُ أَدْعِيَاءِ الْعِلْمِ الَّذِينَ يَنْشُرُونَ الْجَهْلَ وَالضَّلالَ بِاسْمِ الدِّينِ وَالإِسْلامِ فَيَجِبُ الْحَذَرُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْهُمْ وُجُوبًا مُؤَكَّدًا.

(36) اذْكُرِ الدَّلِيلَ الْعَقْلِىَّ عَلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْحَدِّ وَالْمِقْدَارِ.

يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَوْجُودٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَدِّ وَالْمِقْدَارِ وَالْحَدُّ مَعْنَاهُ الْكَمِيَّةُ أَىْ مِقْدَارُ الْحَجْمِ فَإِذَا قَالَ عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِمَحْدُودٍ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْئًا لَهُ كَمِيَّةٌ لِأَنَّ كُلَّ شَىْءٍ لَهُ كَمِيَّةٌ مِنَ الذَّرَّةِ إِلَى الْعَرْشِ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ أَوْجَدَهُ عَلَى هَذِهِ الْكَمِيَّةِ، الشَّمْسُ لَهَا كَمِيَّةٌ لَهَا حَدٌّ وَمِقْدَارٌ تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ جَعَلَهَا عَلَى هَذَا الْحَدِّ وَالْمِقْدَارِ وَلا يَصِحُّ فِى الْعَقْلِ أَنْ تَكُونَ هِىَ أَوْجَدَتْ نَفْسَهَا عَلَى هَذَا الْحَدِّ الَّذِى هِىَ عَلَيْهِ،

الْعَقْلُ لا يَقْبَلُهُ لِأَنَّ الشَّىْءَ لا يَخْلُقُ نَفْسَهُ وَلَمَّا كَانَتِ الشَّمْسُ مَعَ عُظْمِ نَفْعِهَا لا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ إِلَهًا لِلْعَالَمِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَالِقُهَا لا كَمِيَّةَ لَهُ لَيْسَ شَيْئًا لَهُ كَمِيَّةٌ، الْعَرْشُ الْكَرِيمُ لَهُ كَمِيَّةٌ أَعْظَمُ كَمِيَّةٍ فِى الْمَخْلُوقَاتِ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ أَوْجَدَهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِّ الَّذِى هُوَ عَلَيْهِ وَلا يَصِحُّ فِى الْعَقْلِ أَنْ يَكُونَ هُوَ خَلَقَ نَفْسَهُ وَكَذَلِكَ

مَا بَيْنَ الذَّرَّةِ وَالْعَرْشِ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ أَوْجَدَهُ عَلَى الْكَمِيَّةِ الَّتِى هُوَ عَلَيْهَا فَمُوجِدُ هَذِهِ الْعَوَالِمِ يَجِبُ عَقْلًا أَنْ يَكُونَ لَيْسَ شَيْئًا لَهُ كَمِيَّةٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ كَمِيَّةٌ لَاحْتَاجَ إِلَى مَنْ جَعَلَهُ عَلَى هَذِهِ الْكَمِيَّةِ وَهَذَا لا يَرْتَابُ أَىْ لا يَشُكُّ فِيهِ ذُو عَقْلٍ صَحِيحٍ أَمَّا هَؤُلاءِ الْمُجَسِّمَةُ الْوَهَّابِيَّةُ وَأَشْبَاهُهُمُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ جِرْمٌ أَىْ جِسْمٌ لَهُ كَمِيَّةٌ بِقَدْرِ الْعَرْشِ لا أَصْغَرَ وَلا أَكْبَرَ هَؤُلاءِ مَا عَرَفُوا اللَّهَ،

اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَوْ كَانَ لَهُ كَمِيَّةٌ لَاحْتَاجَ إِلَى مَنْ جَعَلَهُ وَأَوْجَدَهُ عَلَى تِلْكَ الْكَمِيَّةِ كَمَا أَنَّ الْعَرْشَ مُحْتَاجٌ لِمَنْ جَعَلَهُ عَلَى الْكَمِيَّةِ وَالْحَدِّ الَّذِى هُوَ عَلَيْهِ وَهَذَا شَىْءٌ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ حَدٌّ وَكَمِيَّةٌ لَكَانَ لَهُ أَمْثَالٌ لا تُحْصَى لَكَانَ الإِنْسَانُ مِثْلًا لَهُ وَالشَّمْسُ لَكَانَتْ مِثْلًا لَهُ وَالْعَرْشُ لَكَانَ مِثْلًا لَهُ فَلِذَلِكَ عَمَلًا بِهَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَوُقُوفًا عِنْدَ الدَّلِيلِ الْعَقْلِىِّ وَجَبَ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ الْحَدِّ وَالْكَمِيَّةِ وَهَذَا شَىْءٌ ثَبَتَ فِى عِبَارَاتِ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَهْلِ الْقُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولَى قَرْنِ الصَّحَابَةِ وَقَرْنِ التَّابِعِينَ وَقَرْنِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ قَالَ سَيِّدُنَا عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِلَهَنَا مَحْدُودٌ فَقَدْ جَهِلَ الْخَالِقَ الْمَعْبُودَ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِى الْحِلْيَةِ.

هَذَا هُوَ كَلامُ السَّلَفِ أَمَّا الْوَهَّابِيَّةُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ زُورًا وَكَذِبًا أَنَّهُمْ سَلَفِيَّةٌ فَلَيْسُوا عَلَى عَقِيدَةِ السَّلَفِ فَقَدْ قَالَ إِمَامُهُمْ ابْنُ بَازٍ فِى تَعْلِيقِهِ عَلَى الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ إِنَّ اللَّهَ لَهُ حَدٌّ لا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ وَكَلامُهُ هَذَا فِيهِ تَكْذِيبٌ لِلْقُرْءَانِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ. وَقَدْ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ سَلَفُهُ ابْنُ تَيْمِيَةَ بِأَنَّ اللَّهَ مَحْدُودٌ وَلا يَعْلَمُ حَدَّهُ إِلَّا هُوَ وَقَدْ صَرَّحَ فِى بَعْضِ كُتُبِهِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِقَدْرِ الْعَرْشِ لا أَكْبَرَ مِنْهُ وَلا أَصْغَرَ.

عَجَبًا كَيْفَ يَعْتَقِدُ ابْنُ تَيْمِيَةَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ مُسْتَقِرٌّ فَوْقَ الْعَرْشِ بِقَدْرِ الْعَرْشِ وَأَنَّهُ يَنْزِلُ بِذَاتِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الأُولَى وَقَدْ ثَبَتَ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ فِى أَرْضٍ فَلاةٍ أَىْ كَحَبَّةٍ صَغِيرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَحْرَاءَ كَبِيرَةٍ فَعَلَى مُقْتَضَى كَلامِهِ أَنَّ اللَّهَ يَتَصَاغَرُ حَتَّى تَسَعَهُ السَّمَاءُ الأُولَى وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.

(37) مَا مَعْنَى الأَوَّلِ وَالْقَدِيمِ إِذَا أُطْلِقَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.

مَعْنَى الأَوَّلِ وَالْقَدِيمِ إِذَا أُطْلِقَا عَلَى اللَّهِ الَّذِى لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾. وَأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ إِطْلاقِ الْقَدِيمِ عَلَى اللَّهِ ذَكَرَ ذَلِكَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ فِى شَرْحِ إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِىُّ فِى عَقِيدَتِهِ قَدِيمٌ بِلا ابْتِدَاءٍ. فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ قَدِيمٌ أَىْ لَمْ يَسْبِقْ وُجُودَهُ عَدَمٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ سَبَقَهُ الْعَدَمُ لَكَانَ حَادِثًا أَىْ مَخْلُوقًا وَالْحُدُوثُ أَىِ الْوُجُودُ بَعْدَ عَدَمٍ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ فَلا يُقَالُ لَهُ مَتَى كَانَ أَوْ مَتَى وُجِدَ لِأَنَّهُ لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ وَقَدْ جَاءَ يَهُودِىٌّ إِلَى سَيِّدِنَا عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ مَتَى كَانَ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ سَيِّدُنَا عَلِىٌّ لا يُقَالُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مَتَى كَانَ إِنَّمَا يُقَالُ مَتَى كَانَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِى الْحِلْيَةِ.

هَذَا الْيَهُودِىُّ أَرَادَ الِامْتِحَانَ لِأَنَّهُ كَانَ اطَّلَعَ فِى التَّوْرَاةِ الأَصْلِيَّةِ عَلَى هَذَا الْكَلامِ فَلَمَّا أَجَابَهُ سَيِّدُنَا عَلِىٌّ بِهَذَا الْجَوَابِ الَّذِى هُوَ مَذْكُورٌ فِى التَّوْرَاةِ مَا تَمَالَكَ نَفْسَهُ عَنْ أَنْ يُسْلِمَ فَتَشَهَّدَ فِى الْمَجْلِسِ قَالَ فِى نَفْسِهِ عَلِىٌّ مَا لَهُ اطِّلاعٌ عَلَى التَّوْرَاةِ مِنْ أَيْنَ عَرَفَ الْجَوَابَ لَوْلا أَنَّ دِينَهُ صَحِيحٌ.

(38) مَا مَعْنَى الْحَىِّ فِى حَقِّ اللَّهِ.

مَعْنَى الْحَىِّ فِى حَقِّ اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ مُتَّصِفٌ بِحَيَاةٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ أَىْ لا بِدَايَةَ وَلا نِهَايَةَ لَهَا لَيْسَتْ بِرُوحٍ وَجَسَدٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَتوَكَّلْ عَلَى الْحَىِّ الَّذِى لا يَمُوتُ﴾. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ حَيًّا لَمْ يُوجَدْ شَىْءٌ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ حَيًّا لا يَتَّصِفُ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ وَمَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لا يَكُونُ خَالِقًا.

(39) مَا مَعْنَى الْقَيُّومِ فِى حَقِّ اللَّهِ.

الْقَيُّومُ مِنَ الأَسْمَاءِ الْخَاصَّةِ بِاللَّهِ لا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ. وَمَعْنَى الْقَيُّومِ الَّذِى لا يَحْتَاجُ إِلِى غَيْرِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْقَيُّومُ أَىِ الدَّائِمُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾. وَلَيْسَ مَعْنَى الْقَيُّومِ الْقَائِمَ فِينَا كَمَا يَقُولُ أَهْلُ الْحُلُولِ وَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ تُسَمَّى الشَّاذِلِيَّةَ الْيَشْرُطِيَّةَ فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ دَاخِلٌ فِى كُلِّ شَخْصٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهَذَا مِنْ أَشْنَعِ الْكُفْرِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِى الدِّينِ بنُ عَرَبِى مَنْ قَالَ بِالْحُلُولِ فَدِينُهُ مَعْلُولٌ وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِىِّ النَّابُلُسِىُّ فِى الْفَيْضِ الرَّبَّانِىِّ مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ انْحَلَّ مِنْهُ شَىْءٌ أَو حَلَّ فِى شَىْءٍ فَقَدْ كَفَرَ.

(40) مَا مَعْنَى الدَّائِمِ فِى حَقِّ اللَّهِ.

مَعْنَى الدَّائِمِ الَّذِى لا يَلْحَقُهُ وَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ وَبِمَعْنَاهُ الْبَاقِى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أَىْ ذَاتُهُ أَىْ يَبْقَى اللَّهُ. وَذَاتُ اللَّهِ أَىْ حَقِيقَةُ اللَّهِ الَّذِى لا يُشْبِهُ الْحَقَائِقَ أَىْ لَيْسَ جِسْمًا كَثِيفًا كَالإِنْسَانِ وَالْحَجَرِ وَلا جِسْمًا لَطِيفًا كَالنُّورِ وَالْهَوَاءِ. فَاللَّهُ تَعَالَى يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ وَلا دَائِمَ بِهَذَا الْمَعْنَى إِلَّا اللَّهُ فَلا شَرِيكَ لِلَّهِ فِى الدَّيْمُومِيَّةِ أَىِ الْبَقَاءِ إِلَى مَا لا نِهَايَةَ لِأَنَّ بَقَاءَ اللَّهِ بَقَاءٌ ذَاتِىٌّ أَىْ لَيْسَ بِإِبْقَاءِ غَيْرِهِ لَهُ وَأَمَّا دَيْمُومِيَّةُ غَيْرِهِ كَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَهِىَ لَيْسَتْ ذَاتِيَّةً بَلْ هُمَا شَاءَ اللَّهُ لَهُمَا الْبَقَاءَ أَمَّا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُمَا فَيَجُوزُ عَلَيْهِمَا الْفَنَاءُ عَقْلًا لَكِنْ وَرَدَ فِى الشَّرْعِ بَقَاؤُهُمَا لِذَلِكَ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِفَنَائِهِمَا أَوْ فَنَاءِ النَّارِ دُونَ الْجَنَّةِ كُفْرٌ.

وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ ابْنُ تَيْمِيَةَ فَقَالَ إِنَّ النَّارَ تَفْنَى لا يَبْقَى فِيهَا أَحَدٌ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِى رِسَالَةٍ لَهُ وَنَقَلَهُ عَنْهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّة فِى كِتَابِهِ حَادِى الأَرْوَاحِ إِلَى بِلادِ الأَفْرَاحِ. وَكَذَّبَ ابْنُ تَيْمِيَةَ بِذَلِكَ الْقُرْءَانَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.

(41) مَا مَعْنَى الْخَالِقِ.

مَعْنَى الْخَالِقِ الَّذِى أَبْرَزَ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ أَىْ صَارَتْ مَوْجُودَةً بِإِيجَادِ اللَّهِ لَهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ. فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ بِمَعْنَى الإِبْرَازِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ بِقُدْرَتِهِ الأَزَلِيَّةِ بِلا جَارِحَةٍ وَلا حَرَكَةٍ وَلا ءَالَةٍ وَلا مُبَاشَرَةٍ وَلا مُمَاسَّةٍ لِشَىْءٍ فَاللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْعَالَمَ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لَيْسَ مِثْلَ الْعِبَادِ، الْعِبَادُ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَعْمَلُوا شَيْئًا يُمْسِكُونَ الشَّىْءَ بِأَيْدِيهِمْ أَوْ يُمْسِكُونَ الآلَةَ ثُمَّ الآلَةُ تَتَّصِلُ بِذَلِكَ الشَّىْءِ الَّذِى يَعْمَلُونَهُ أَمَّا اللَّهُ تَعَالَى فَلَيْسَ هَكَذَا.

فَالْعِبَادُ حَرَكَاتُهُمْ وَسَكَنَاتُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ وَنَوَايَاهُمْ وَعُلُومُهُمْ وَخَوَاطِرُهُمُ الَّتِى تَطْرَأُ عَلَيْهِمْ بِدُونِ إِرَادَتِهِمْ وَنَظَرُهُمْ إِلَى شَىْءٍ هِىَ بِخَلْقِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أَىْ لا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ. وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ كَحِزْبِ التَّحْرِيرِ فَقَالُوا إِنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ الِاخْتِيَارِيَّةَ أَىْ يُحْدِثُهَا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَكَلامُهُمْ هَذَا تَكْذِيبٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ صَانِعُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ، أَىْ إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ عَامِلٍ وَعَمَلِهِ وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ وَالْبَيْهَقِىُّ فِى شُعَبِ الإِيمَانِ.

(42) اذْكُرْ مَا جَاءَ فِى الْحَدِيثِ عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَمَا سُئِلَ عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِى الذِّكْرِ كُلَّ شَىْءٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ أَىْ أَنَّ اللَّهَ أَزَلِىٌّ وَلا أَزَلِىَّ سِوَاهُ. وَالسَّائِلُ هُمْ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ رَحَلُوا إِلَيْهِ لِيَتَفَقَّهُوا فِى الدِّينِ فَبَيَّنَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَوْجُودٌ لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ حادِثٌ لَهُ بِدَايَةٌ ثُمَّ أَجَابَهُمْ عَنْ سُؤَالِهِمْ فَقَالَ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ أَىْ وُجِدَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ أَىْ أَنَّ الْمَاءَ خُلِقَ قَبْلَ الْعَرْشِ وَبِوُجُودِ الْمَاءِ وُجِدَ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ.

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَتَبَ فِى الذِّكْرِ كُلَّ شَىْءٍ أَىْ أَمَرَ اللَّهُ الْقَلَمَ أَنْ يَكُتْبَ عَلَى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَجَرَى بِقُدْرَةِ اللَّهِ وَبَعْدَ ذَلِكَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَىْ خَلَقَهُمَا وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ وَكُلُّ يَوْمٍ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ قَدْرُ أَلْفِ سَنَةٍ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّون﴾.

وَالسَّمَوَاتُ سَبْعٌ وَالأَرَضُونَ سَبْعٌ وَكُلُّ سَمَاءٍ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الأُخْرَى بِفَرَاغٍ وَاسِعٍ وَكُلُّ أَرْضٍ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الأُخْرَى بِفَرَاغٍ وَاسِعٍ. خَلَقَ اللَّهُ الأَرْضَ فِى الْيَوْمَيْنِ الأَوَّلَيْنِ وَهُمَا يَوْمَا الأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ فِى الْيَوْمَيْنِ التَّالِيَيْنِ وَهُمَا الثُّلاثَاءُ وَالأَرْبِعَاءُ وَخَلَقَ فِى الْيَوْمَيْنِ الأَخِيرَيْنِ وَهُمَا الْخَمِيسُ وَالْجُمُعَةُ مَرَافِقَ الأَرْضِ مِنْ جِبَالٍ وَأَنْهَارٍ وَوِدْيَانٍ وَأَشْجَارٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَخَلَقَ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِى عَصْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.

(43) بَيِّنْ مَعْنَى السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ وَأَنَّهُ لا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ.

السَّبَبُ شَىْءٌ حَادِثٌ أَىْ مَخْلُوقٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى حَادِثٍ كَالدَّوَاءِ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلشِّفَاءِ أَمَّا الْعِلَّةُ فَهِىَ مَا يُوجَدُ الْمَعْلُولُ بِوُجُودِهَا وَيُعْدَمُ بِعَدَمِهَا كَالإِصْبَعِ الَّذِى فِيهِ خَاتَمٌ فَإِنَّ حَرَكَةَ الإِصْبَعِ عِلَّةٌ لِحَرَكَةِ الْخَاتَمِ لِأَنَّ حَرَكَةَ الْخَاتَمِ تَتْبَعُ حَرَكَةَ الإِصْبَعِ فَتُوجَدُ بِوُجُودِهَا وَتُعْدَمُ بِعَدَمِهَا. وَالْعِلَّةُ مِثْلُ السَّبَبِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ

السَّبَبَ قَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ مُسَبَّبُهُ فَقَدْ يَأْخُذُ الْمَرِيضُ الدَّوَاءَ وَلا يَتَعَافَى أَمَّا الْعِلَّةُ فَلا يَتَخَلَّفُ مَعْلُولُهَا فَإِذَا وُجِدَتْ وُجِدَ الْمَعْلُولُ وَإِذَا عُدِمَتْ عُدِمَ الْمَعْلُولُ وَلا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ خَالِقَةً لِمَعْلُولِهَا فَالْعِلَّةُ لا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ خَالِقَةً لِشَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ لِأَنَّهُ لا إِرَادَةَ لَهَا وَلا مَشِيئَةَ وَلا اخْتِيَارَ وَكَذَلِكَ الأَسْبَابُ لا تَخْلُقُ مُسَبَّبَاتِهَا فَالدَّوَاءُ لا يَخْلُقُ الشِّفَاءَ وَالنَّارُ لا تَخْلُقُ الإِحْرَاقَ وَالأَكْلُ لا يَخْلُقُ الشِّبَعَ وَلا يُقَالُ سَبَبٌ أَوْ عِلَّةٌ إِلَّا لِلْمَخْلُوقِ أَمَّا اللَّهُ تَعَالَى فَلا يُسَمَّى سَبَبًا وَلا عِلَّةً.

وَأَمَّا الْفَلاسِفَةُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا اللَّهُ مَوْجُودٌ وَإِنَّهُ عِلَّةٌ لِسَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ وَسَبَبٌ لَهَا. وَتَبِعَ الْفَلاسِفَةَ فِى هَذَا الْقَوْلِ مُحَمَّدٌ سَعِيد رَمَضَان الْبُوطِى فَإِنَّهُ سَمَّى اللَّهَ بِالْعِلَّةِ الْكُبْرَى وَالسَّبَبِ الأَوَّلِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِى كِتَابِهِ كُبْرَى الْيَقِينِيَّاتِ الْكَوْنِيَّةِ وَتَسْمِيَةُ اللَّهِ سَبَبًا أوَ عِلَّةً كُفْرٌ. قَالَ الْعَلَّامَةُ رُكْنُ الإِسْلامِ عَلِىٌّ السُّغْدِىُّ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ سَمَّى اللَّهَ عِلَّةً أَوْ سَبَبًا كَفَرَ، نَقَلَ ذَلِكَ الْفَقِيهُ الْمُحَدِّثُ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ فِى شَرْحِ إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ وَقَالَ النَّسَفِىُّ فِى تَفْسِيرِهِ وَمِنَ الإِلْحَادِ (أَىِ الْكُفْرِ) تَسْمِيَّةُ اللَّهِ بِالْجِسْمِ وَالْجَوْهَرِ وَالْعَقْلِ وَالْعِلَّةِ.

(44) اذْكُرِ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ الأَسْبَابَ لا تَخْلُقُ مُسَبَبَاتِهَا.

اعْلَمْ أَنَّ الأَسْبَابَ لا تَخْلُقُ مُسَبَبَاتِهَا وَأَنَّ السَّبَبَ قَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ مُسَبَّبُهُ فَهَذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أَجْرَى السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ فَلَمْ تَقْطَعْ وَرَمَاهُ قَوْمُهُ فِى النَّارِ الْعَظِيمَةِ فَلَمْ تُحْرِقْهُ وَلا ثِيَابَهُ وَإِنَّمَا أَحْرَقَتِ الْقَيْدَ الَّذِى قَيَّدُوهُ بِهِ وَأَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلانِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ رَمَاهُ الأَسْوَدُ الْعَنْسِىُّ فِى النَّارِ

فَلَمْ يَحْتَرِقْ وَعَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ أَبِى نُعُم الْوَلِىُّ الصَّالِحُ حَبَسَهُ الْحَجَّاجُ بنُ يُوسُفَ فِى سِجْنٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ثُمَّ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ فَوَجَدَهُ صَحِيحًا فَأَعْفَاهُ مِنَ الْقَتْلِ وَرَحْمَةُ بِنْتُ إِبْرَاهِيمَ الَّتِى عَاشَتْ دَهْرَهَا وَلا أَكْلَ يَدْخُلُ جَوْفَهَا وَهِىَ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ الشُّهَدَاءِ رَأَتْ رُؤْيَا كَأَنَّهَا أُطْعِمَتْ فِى مَنَامِهَا شَيْئًا فَهِىَ لا تَأْكُلُ شَيْئًا وَلا تَشْرَبُ فَالأَكْلُ لا يَخْلُقُ الشِّبَعَ وَتَرْكُ الأَكْلِ لا يَخْلُقُ الضَّرَرَ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأَسْبَابَ لا تَخْلُقُ مُسَبَّبَاتِهَا وَأَنَّ الأَشْيَاءَ تَحْصُلُ بِخَلْقِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ. فَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ خَالِق الأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أَىْ أَحْدَثَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ.

(45) مَا مَعْنَى الرَّازِقِ فِى حَقِّ اللَّهِ.

مَعْنَى الرَّازِقِ الَّذِى يُوصِلُ الأَرْزَاقَ إِلَى عِبَادِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَلْحَقَهُ مَشَقَّةٌ أَوْ تَعَبٌ لِأَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الأَشْيَاءَ بِلا جَارِحَةٍ وَلا ءَالَةٍ وَلا حَرَكَةٍ وَلا مُمَّاسَةٍ لِشَىْءٍ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِى الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. وَالرَّزَّاقُ وَالرَّازِقُ مِنَ الأَسْمَاءِ الْخَاصَّةِ بِاللَّهِ لا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ غَيْرِ اللَّهِ بِهَا.

وَالرِّزْقُ مَا يَنْفَعُ حِسًّا وَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا فَلَيْسَ الرِّزْقُ مَقْصُورًا عَلَى الْحَلالِ بَلْ يَشْمَلُ الْحَلالَ وَالْحَرَامَ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مِنْ حَيْثُ الْعَاقِبَةُ فَإِنَّ الرِّزْقَ الْحَلالَ لَيْسَ فِيهِ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ وَأَمَّا الْحَرَامُ فَإِنَّهُ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ أَىْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهِ قَالَ الرَّازِىُّ فِى مُخْتَارِ الصَّحَاحِ الرِّزْقُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَقَالَ الْبَيْهَقِىُّ فِى كِتَابِ الِاعْتِقَادِ وَمَا مَكَّنَهَا (أَىِ النَّفْسَ) مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ مِنْ مُبَاحٍ وَغَيْرِ مُبَاحٍ رِزْقٌ لَهَا.

(46) مَا هِىَ الأَسْمَاءُ الْخَاصَّةُ بِاللَّهِ.

اعْلَمْ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى قِسْمَانِ قِسْمٌ لا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ وَقِسْمٌ يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ. اللَّهُ وَالرَّحْمٰنُ وَالْقُدُّوسُ وَالْخَالِقُ وَالرَّازِقُ وَالرَّزَّاقُ وَالْقَيُّومُ وَمَالِكُ الْمُلْكِ وَذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ وَالْمُحْيِى وَالْمُمِيتُ وَالرَّبُّ بِالأَلِفِ وَاللَّامِ لا يُسَمَّى بِهِ إِلَّا اللَّهُ أَمَّا أَكْثَرُ الأَسْمَاءِ الَّتِى تُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ فَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى بِهَا غَيْرُ اللَّهِ كَالرَّحِيمِ وَالرَّؤُوفِ وَالسَّلامِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أَىْ مُحَمَّدٌ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ ثَوْبَانَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ.

وَالسَّلامُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَمَعْنَاهُ السَّالِمُ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ أَىْ أَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ مَا لا يَلِيقُ بِهِ، وَمِنْكَ السَّلامُ أَىْ أَنْتَ الَّذِى تُعْطِى السَّلامَ فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ فِيهَا اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. فَالرَّحْمٰنُ مِنَ الأَسْمَاءِ الْخَاصَّةِ بِاللَّهِ مَنْ سَمَّى غَيْرَ اللَّهِ بِهِ كَفَرَ كَذَلِكَ مَنْ سَمَّى الشَّخْصَ نَظِيرَ اللَّهِ وَكَذَا مَنْ نَادَاهُ بِهِ.

وَكَذَلِكَ غَافِرُ الذَّنْبِ لا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى اللَّهِ أَمَّا الْغَفُورُ فَلَيْسَ اسْمًا خَاصًّا بِاللَّهِ فَإِذَا قِيلَ فُلانٌ الْغَفُورُ بِمَعْنَى أَنَّهُ صَفُوحٌ يَعْفُو كَثِيرًا فَيَجُوزُ. وَمِنَ الأَسْمَاءِ الْخَاصَّةِ بِاللَّهِ الرَّازِقُ فَلا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى اللَّهِ أَمَّا بِالإِضَافَةِ أَىْ مَعَ قَيْدٍ فَيَجُوزُ كَأَنْ يُقَالَ فُلانٌ رَازِقُ الْجَيْشِ. أَمَّا تَسْمِيَةُ الشَّخْصِ بِعَبْدِ النَّبِىِّ أَوْ عَبْدِ الرَّسُولِ فَلا يَجُوزُ لَكِنَّهُ لا يَصِلُ إِلَى حَدِّ الْكُفْرِ لِأَنَّهُمْ لا يَفْهَمُونَ مِنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ خَلَقَهُ أَوْ أَنَّ الرَّسُولَ خَلَقَهُ بَلْ يَفْهَمُونَ مِنْهُ أَنَّهُ خَادِمُ النَّبِىِّ أَوْ خَادِمُ الرَّسُولِ أَمَّا نَحْنُ فَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نُنَادِيَهُ بِهَذَا الِاسْمِ بَعْدَ أَنْ سَمَّاهُ غَيْرُهُ بِهِ، إِنَّمَا الإِثْمُ عَلَى مَنْ سَمَّاهُ.

(47) مَا مَعْنَى الْعَالِمِ فِى حَقِّ اللَّهِ.

مَعْنَى الْعَالِمِ الْمُتَّصِفُ بِالْعِلْمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾. وَعِلْمُ اللَّهِ أَزَلِىٌّ أَبَدِىٌّ لا يَزِيدُ وَلا يَنْقُصُ فَهُوَ عَالِمٌ فِى الأَزَلِ بِكُلِّ شَىْءٍ عَالِمٌ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَا يُحْدِثُهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِى حَقِّ الْكُفَّارِ ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ أَىْ لَوْ رُدُّوا إِلَى الدُّنْيَا لَعَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ.

(48) مَا مَعْنَى الْقَدِيرِ فِى حَقِّ اللَّهِ.

مَعْنَى الْقَدِيرِ الْمُتَّصِفُ بِالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ فَاللَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ لا يُعْجِزُهُ شَىْءٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ وَالْقَوِىُّ بِمَعْنَى الْقَدِيرِ أَىِ التَّامُّ الْقُدْرَةِ الَّذِى لا يُعْجِزُهُ شَىْءٌ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ قَوِىَّ الْجَسَدِ لِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ جِسْمًا. أَمَّا تَسْمِيَةُ اللَّهِ قُوَّةً فَهُوَ إِلْحَادٌ وَكُفْرٌ لِأَنَّ الْقُوَّةَ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ صِفَةٌ لِلَّهِ وَاللَّهُ لَيْسَ صِفَةً.

وَمِمَّنْ سَمَّى اللَّهَ قُوَّةً سَيِّد قُطُب فَإِنَّهُ قَالَ فِى تَفْسِيرِهِ اللَّهُ هُوَ الْقُوَّةُ الْخَالِقَةُ وَكَذَلِكَ الشَّعْرَاوِىُّ الْمِصْرِىُّ قَالَ فِى كِتَابِهِ الْفَتَاوَى وَخُضُوعًا وَخُشُوعًا لِلْقُدْرَةِ الْكُبْرَى وَالْقُوَّةِ الْكُبْرَى الَّتِى نَعْبُدُهَا وَهِىَ اللَّهُ. وَلا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِى الْجَهْلِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ وَنَحْوِهَا مِنْ صِفَاتِهِ الْوَاجِبَةِ لَهُ إِجْمَاعًا مَهْمَا بَلَغَ الْجَهْلُ بِصَاحِبِهِ لِأَنَّ الْعَقْلَ وَحْدَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ نَصًّا قُرْءَانِيًّا أَوْ حَدِيثِيًّا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِىِّ مَنْ نَفَى قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ كَافِرٌ بِالِاتِّفَاقِ، أَىْ بِلا خِلافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.

(49) مَا حُكْمُ مَنْ نَفَى قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ.

لا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِى الْجَهْلِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ وَنَحْوِهَا مِنْ صِفَاتِهِ مَهْمَا بَلَغَ الْجَهْلُ بِصَاحِبِهِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِىِّ مَنْ نَفَى قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ كَافِرٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَا مَنْ شَكَّ فِى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَىْءٍ. أَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَابْنُ تَيْمِيَةَ مِنْ أَنَّ الْجَاهِلَ إِذَا أَنْكَرَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ لا يَكْفُرُ فَهُوَ خَرْقٌ لِلإِجْمَاعِ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَقَدْ يَغْلَطُ فِى بَعْضِ الصِّفَاتِ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلا يُكَفَّرُونَ بِذَلِكَ،

يَعْنِى بِذَلِكَ قِصَّةَ الرَّجُلِ الَّذِى أَخْبَرَ عَنْهُ النَّبِىُّ ﷺ بِقَوْلِهِ كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ (أَىْ يُكْثِرُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالآثَامِ) فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ إِذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِى ثُمَّ اطْحَنُونِى ثُمَّ ذُرُّونِى فِى الرِّيحِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَىَّ لَيُعَذِّبَنِّى عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَقَالَ اجْمَعِى مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ،

وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ تُوُفِّىَ رَجَلٌ كَانَ نَبَّاشًا (أَىْ يَنْبُشُ الْقُبُورَ لِيَأْخُذَ الْكَفَنَ وَمَا يُتْرَكُ مَعَ الْمَيِّتِ مِنْ ذَهَبٍ وَنَحْوِهِ) فَقَالَ لِوَلَدِهِ أَحْرِقُونِى فَظَنَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ شَكَّ فِى قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِى تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ نَفْىَ قُدْرَةِ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّاكَّ فِى قُدْرَةِ اللَّهِ كَافِرٌ وَقَدْ قَالَ فِى ءَاخِرِ الْحَدِيثِ إِنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَالْكَافِرُ لا يَخْشَى اللَّهَ وَقِيلَ قَوْلُهُ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَىَّ أَىْ ضَيَّقَ فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أَىْ ضُيِّقَ،

أَوْ يَكُونُ قَالَ لَئِنْ قَدَّرَ عَلَىَّ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَىْ لَئِنْ قَدَّرَ عَلَىَّ الْعَذَابَ لَيُعَذِّبَنِّى. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِى فَتْح الْبَارِى عِنْدَ شَرْحِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَظْهَرُ الأَقْوَالِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِى حَالِ دَهْشَتِهِ وَغَلَبَةِ الْخَوْفِ عَلَيْهِ حَتَّى ذُهِبَ بِعَقْلِهِ لِمَا يَقُولُ، أَىْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ جَزَعِهِ وَخَوْفِهِ كَمَا غَلِطَ ذَلِكَ الآخَرُ أَىْ سَبَقَ لِسَانُهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِى وَأَنَا رَبُّكَ وَسَبْقُ اللِّسَانِ لا يُكْتَبُ عَلَى الإِنْسَانِ.

(50) بَيِّنْ أَقْسَامَ الْحُكْمِ الْعَقْلِىِّ.

أَقْسَامُ الْحُكْمِ الْعَقْلِىِّ ثَلاثَةٌ أَىْ أَنَّ الْعَقْلَ يَحْكُمُ عَلَى كُلِّ أَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ بِحُكْمٍ مِنْ ثَلاثَةٍ الْوُجُوبِ وَالِاسْتِحَالَةِ وَالْجَوَازِ فَالْوَاجِبُ الْعَقْلِىُّ هُوَ مَا لا يَقْبَلُ الْعَقْلُ عَدَمَهُ وَهُوَ اللَّهُ وَصِفَاتُهُ وَالْمُسْتَحِيلُ الْعَقْلِىُّ هُوَ مَا لا يَقْبَلُ الْعَقْلُ وُجُودَهُ كَوُجُودِ شَرِيكٍ لِلَّهِ وَالْجَائِزُ الْعَقْلِىُّ هُوَ مَا يُتَصَوَّرُ فِى الْعَقْلِ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ وَهُوَ كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ.

(51) مَا مَعْنَى أَنَّ اللَّهَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ.

مَعْنَى الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ لا يُعْجِزُهُ شَىْءٌ وَلا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِعَانَةٍ بِغَيْرِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.

(52) مَا مَعْنَى مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.

مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ أَىْ مَا أَرَادَ اللَّهُ فِى الأَزَلِ وُجُودَهُ لا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ سَوَاءٌ فِى ذَلِكَ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ وَالطَّاعَةُ وَالْمَعْصِيَةُ وَالْكُفْرُ وَالإِيمَانُ وَمَا لَمْ يُرِدِ اللَّهُ وُجُودَهُ لا يَدْخُلُ فِى الْوُجُودِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فى سُنَنِهِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ عَلَّمَ بَعْضَ بَنَاتِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.

وَمَعْنَى الْمَشِيئَةِ تَخْصِيصُ الْمُمْكِنِ الْعَقْلِىِّ بِبَعْضِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ دُونَ بَعْضٍ. وَمَشِيئَةُ اللَّهِ لا تَتَغَيَّرُ بِدُعَاءِ دَاعٍ وَلا بِصَدَقَةِ مُتَصَدِّقٍ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ فَمَعْنَاهُ كُلَّ يَوْمٍ يُغَيِّرُ فِى خَلْقِهِ وَلا يَتَغَيَّرُ فِى عِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَاللَّهُ تَعَالَى يُغَيِّرُ أَحْوَالَ الْعِبَادِ مِنْ مَرَضٍ إِلَى صِحَّةٍ وَمِنْ فَسَادٍ إِلَى صَلاحٍ وَمِنْ فَقْرٍ إِلَى غِنًى عَلَى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ ولَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يُغَيِّرُ مَشِيئَتَهُ بِاخْتِلافِ الأَزْمَانِ وَالأَحْوَالِ، وَقَدْ فَسَّرَهَا النَّبِىُّ ﷺ بِقَوْلِهِ يَكْشِفُ كَرْبًا وَيَغْفِرُ ذَنْبًا وَيَرْفَعُ قَوْمًا وَيَضَعُ ءَاخَرِينَ.

(53) مَا هُوَ دَلِيلُ أَهْلِ السُنَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يُغَيِّرُ مَشِيئَتَهُ لِدُعَاءِ دَاعٍ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلْتُ رَبِّى أَرْبَعًا فَأَعْطَانِى ثَلاثًا وَمَنَعَنِى وَاحِدَةً سَأَلْتُهُ أَنْ لا يُكْفِرَ أُمَّتِى جُمْلَةً فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتِى بِمَا أَهْلَكَ بِهِ الأُمَمَ قَبْلَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ أَهْلُ الْحَقِّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَشِيئَتَهُ لِدُعَاءِ دَاعٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ كَانَ يُغَيِّرُ مَشِيئَتَهُ بِدَعْوَةٍ لَغَيَّرَهَا لِحَبِيبِهِ الْمُصْطَفَى ﷺ ثُمَّ إِنَّ التَّغَيُّرَ أَقْوَى عَلامَاتِ الْحُدُوثِ وَالْحُدُوثُ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ.

وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ سَأَلْتُهُ أَنْ لا يُكْفِرَ أُمَّتِى جُمْلَةً فَأَعْطَانِيهَا أَىْ سَأَلَ اللَّهَ لِأُمَّتِهِ أَن لا يَكْفُرُوا كُلُّهُمْ وَلا جُمْهُورُهُمْ وَهُمُ الأَكْثَرُ عَدَدًا وَإِنْ كَفَرَ بَعْضُهُمُ الَّذِينَ هُمُ الأَقَلُّ. وَقَوْلُهُ ﷺ وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتِى بِمَا أَهْلَكَ بِهِ الأُمَمَ قَبْلَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا أَىْ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ لا يُسَلِّطَ عَلَى أُمَّتِهِ عَذَابًا يَسْتَأْصِلُهُمْ جُمْلَةً

كَالْغَرَقِ أَوِ الْمَجَاعَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا حَصَلَ فِى أُمَّةِ نُوحٍ الَّذِينَ كَذَّبُوا نَبِيَّهُمْ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالطُّوفَانِ وَأُمَّةِ هُودٍ وَهُمْ قَوْمُ عَادٍ الَّذِينَ كَذَّبُوا نَبِيَّهُمْ هُودًا فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ أَىْ رِيحٍ شَدِيدَةٍ بَارِدَةٍ تُحْرِقُ بِبَرْدِهَا كَإِحْرَاقِ النَّارِ وَأُمَّةِ صَالِحٍ وَهُمْ قَوْمُ ثَمُودَ الَّذِينَ كَذَّبُوا نَبِيَّهُمْ صَالِحًا فَأُهْلِكُوا بِصَيْحَةٍ كَالصَّاعِقَةِ صَاحَهَا بِهِمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ فَمَاتُوا.

وَقَوْلُهُ ﷺ وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا أَىْ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ لا يُسَلِّطَ عَلَى أُمَّتِهِ عَدُوًّا كَافِرًا يَسْتَأْصِلُهُمْ كُلَّهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُ الْكُفَّارُ وَلَوِ اجْتَمَعُوا مِنْ بَيْنِ مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا أَنْ يُبِيدُوا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَيُفْنُوهُمْ مِنْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ لِأَنَّ اللَّهَ لا يُمَكِنُّهُمْ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا أَىْ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ لا يَجْعَلَ أُمَّتَهُ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلَمْ يُعْطِهِ اللَّهُ ذَلِكَ وَفِى رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّى إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لا يُرَدُّ، مَعْنَاهُ لا أُعْطِيكَ هَذَا الطَّلَبَ لِأَنِّى شِئْتُ فِى الأَزَلِ أَنْ يَصِيرَ فِى أُمَّتِكَ قِتَالٌ بَيْنَ بَعْضِهِمُ الْبَعْضِ.

(54) مَا مَعْنَى حَدِيثِ لا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ وَلا يَزِيدُ فِى الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرّ.

اعْلَمْ أَنَّ تَقْدِيرَ اللَّهِ تَعَالَى أَزَلِىٌّ لا يَتَغَيَّرُ كَسَائِرِ صِفَاتِهِ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ مِنْ عَلامَاتِ الْحُدُوثِ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ. وَاعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ أَجَلَ الإِنْسَانِ لا يَتَغَيَّرُ وَأَنَّ الْمَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ وَأَنَّ الْقَاتِلَ لَمْ يَقْطَعْ عَلَيْهِ أَجَلَهُ بَلْ قَتَلَهُ لِأَجَلِهِ الَّذِى شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.

وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ فَقَالُوا إِنَّ الْقَاتِلَ قَطَعَ عَلَى الْقَتِيلِ أَجَلَهُ وَهَذَا كُفْرٌ. أَمَّا حَدِيثُ لا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ وَلا يَزِيدُ فِى الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرّ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الدُّعَاءَ يُغَيِّرُ تَقْدِيرَ اللَّهِ أَوْ مَشِيئَةَ اللَّهِ أَوْ أَنَّ الْبِرَّ يَزِيدُ فِى عُمُرِ الإِنْسَانِ بِتَغْيِيرِ الْعُمُرِ الَّذِى شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ إِنَّمَا الْمُرَادُ مَا كَتَبَتْهُ الْمَلائِكَةُ مُعَلَّقًا بِأَنْ كَتَبُوا إِنْ فَعَلَ فُلانٌ كَذَا يَكُونُ عُمْرُهُ كَذَا وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا يَكُونُ عُمْرُهُ كَذَا وَعِنْدَ اللَّهِ مَعْلُومٌ إِنْ كَانَ سَيَفْعَلُ وَيَعِيشُ كَذَا أَوْ لا يَفْعَلُ وَيَعِيشُ الْعُمُرَ الأَدْنَى لِأَنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ أَمَّا الْمَلائِكَةُ فَيَخْفَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ.

وَمِثْلُ هَذَا يُقَالُ فِى قَوْلِهِ ﷺ وَلا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاء مَعْنَاهُ إِنْ كَانَتِ الْمَلائِكَةُ كَتَبَتْ إِنْ دَعَا فُلانٌ بِكَذَا حَصَلَ كَذَا وَإِنْ لَمْ يَدْعُ لَمْ يَحْصُلْ فَيَرْجِعُ الْمَعْنَى إِلَى الْقَضَاءِ الْمُعَلَّقِ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ لا تَتَغَيَّرُ مَشِيئَتُهُ وَلا يَتَغَيَّرُ تَقْدِيرُهُ.

(55) مَا مَعْنَى لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

فَسَّرَهَا النَّبِىُّ ﷺ بِقَوْلِهِ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ أَىْ أَنَّ الإِنْسَانَ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَجَنَّبَ الْمَعْصِيَةَ إِلَّا أَنْ يَحْفَظَهُ اللَّهُ وَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَ الْخَيْرَ وَالطَّاعَةَ إِلَّا أَنْ يُعِينَهُ اللَّهُ.

(56) اذْكُرْ بَعْضَ فَوَائِدِ كَلِمَةِ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَلا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ هِىَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ قَالَ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ. وَأُطْلِقَ الْكَنْزُ عَلَى الْحَوْقَلَةِ لِأَنَّ أَجْرَهَا مُدَّخَرٌ لِقَائِلِهَا. وَقَدْ جَاءَ فِى حَدِيثٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ أَنَّ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ تَنْفَعُ لِتِسْعِينَ دَاءً أَقَلُّهَا الْهَمُّ أَىْ أَنَّهَا تُزِيلُ الْهَمَّ فَهِىَ مِنْ أَفْضَلِ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ الإِنْسَانُ الْمُصَابُ بِالْهَمِّ وَتَنْفَعُ لِمَنِ ابْتُلِىَ بِالْوَسْوَسَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ،

إِنْ وَاظَبَ وَثَبَتَ عَلَيْهَا لا بُدَّ أَنْ يَرَى الْفَرَجَ وَيَنْقَلِبَ عُسْرُهُ يُسْرًا فَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ لَهَا سِرًّا كَبِيرًا وَنَفْعًا عَظِيمًا. وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَبِى أَيُّوبَ الأَنْصَارِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِهِ مَرَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُرْ أُمَّتَكَ فَلْيُكْثِرُوا مِنْ غِرَاسِ الْجَنَّةِ فَإِنَّ تُرْبَتَهَا طَيِّبَةٌ وَأَرْضَهَا وَاسِعَةٌ قَالَ وَمَا غِرَاسُ الْجَنَّةِ قَالَ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

فَالْمُؤْمِنُ كُلَّمَا قَالَهَا تُغْرَسُ لَهُ شَجَرَةٌ فِى الْجَنَّةِ سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِى ثَلاثَ مَرَّاتٍ بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّه لا يَسُوقُ الْخَيْرَ إِلَّا اللَّه، بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّه لا يَصْرِفُ السُّوءَ إِلَّا اللَّه، بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّه مَا كَانَ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه، بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّه لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه ءَامَنَهُ اللَّهُ مِنَ الْغَرَقِ وَالْحَرْقِ وَالسَّرَقِ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ وَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ.

وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْخَضِرَ وَإِلْيَاسَ عَلَيْهِمَا السَّلامُ لا يَزَالانِ حَيَّيْنِ فِى الأَرْضِ مَا دَامَ الْقُرْءَانُ فِى الأَرْضِ فَإِذَا رُفِعَ مَاتَا وَأَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِى كُلِّ سَنَةٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَيَقُولانِ عِنْدَ افْتِرَاقِهِمَا بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ لا يَسُوقُ الْخَيْرَ إِلَّا اللَّهُ بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ لا يَصْرِفُ السُّوءَ إِلَّا اللَّهُ بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ مَا كَانَ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.