(688) تَكَلَّمْ عَنِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ.

الإِيمَانُ بِاللَّهِ هُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ لا كَالْمَوْجُودَاتِ مَوْجُودٌ بِلا كَيْفٍ وَلا مَكَانٍ وَلا جِهَةٍ وَالإِيمَانُ بِرَسُولِ اللَّهِ هُوَ اعْتِقَادُ أَنَّهُ ﷺ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ لِيَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَأَنْ لا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَاعْتِقَادُ أَنَّهُ صَادِقٌ فِى كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ. وَلَيْسَ الأَمْرُ كَمَا يَقُولُ عَمْرُو خَالِد بِأَنَّ الإِنْسَانَ يَعْبُدُ اللِّى هُوَّا عَايْزُه، فَهَذِهِ دَعْوَةٌ إِلَى الإِلْحَادِ وَالْكُفْرِ.

(689) تَكَلَّمْ عَنِ الإِخْلاصِ.

الإِخْلاصُ هُوَ الْعَمَلُ بِالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ أَىْ أَنْ لا يَقْصِدَ بِعَمَلِ الطَّاعَةِ مَحْمَدَةَ النَّاسِ لَهُ وَالنَّظَرَ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الِاحْتِرَامِ وَالتَّعْظِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أَىْ ثَوَابَ رَبِّهِ ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ﴾ أَىْ لا يُرَاءِ ﴿بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أَىْ مِنْ خَلْقِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ قِيلَ وَمَا إِتْقَانُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنْ يُخْلِصَهُ مِنَ الرِّيَاءِ وَالْبِدْعَةِ وَرَوَى النَّسَائِىُّ وَأَبُو دَاوُدَ بِالإِسْنَادِ إِلَى أَبِى أُمَامَةَ أَنَّهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ قَالَ لا شَىْءَ لَهُ فَأَعَادَهَا ثَلاثًا كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ لا شَىْءَ لَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لَهُ وَمَا ابْتُغِىَ بِهِ وَجْهُهُ. فَأَىُّ عَمَلٍ مِنَ الْحَسَنَاتِ يَعْمَلُهُ الْعَبْدُ إِنْ نَوَى بِهِ مَدْحَ النَّاسِ لَهُ لا ثَوَابَ فِيهِ بَلْ عَلَيْهِ ذَنْبٌ كَبِيرٌ.

(690) تَكَلَّمْ عَنِ النَّدَمِ عَلَى الْمَعَاصِى.

تَجِبُ التَّوْبَةُ فَوْرًا مِنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِى صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا وَرُكْنُهَا الأَكْبَرُ هُوَ النَّدَمُ. وَالنَّدَمُ هُوَ اسْتِشْعَارُ الْحُزْنِ بِالْقَلْبِ عَلَى مَا حَصَلَ مِنْهُ مِنَ الذَّنْبِ كَأَنْ يَقُولَ لَيْتَنِى لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ. وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ النَّدَمُ لِأَجْلِ أَنَّهُ عَصَى رَبَّهُ أَمَّا لَوْ كَانَ نَدَمُهُ لِأَجْلِ الْفَضِيحَةِ بَيْنَ النَّاسِ أَوْ خَسَارَةِ مَالِهِ فِى الْقِمَارِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَوْبَةً.

(691) تَكَلَّمْ عَنِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ.

مَعْنَى التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ اعْتِقَادُ أَنَّهُ لا ضَارَّ وَلا نَافِعَ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهُ فَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ اعْتِمَادُهُ عَلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وَرَوَى الطَّبَرَانِىُّ فِى الْمُعْجَمِ الأَوْسَطِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَلا أُعَلِّمُكُمُ الْكَلِمَاتِ الَّتِى تَكَلَّمَ بِهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ جَاوَزَ الْبَحْرَ بِبَنِى إِسْرَائِيلَ فَقُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ وَلا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِىِّ الْعَظِيمِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُوا خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا،

أَىْ تَذْهَبُ فِى أَوَّلِ النَّهَارِ جَائِعَةً لَيْسَ فِى بَطْنِهَا شَىْءٌ وَتَعُودُ مُمْتَلِئَةً ءَاخِرَ النَّهَارِ. وَمَنْ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ لا يَلْجَأُ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلا يَلْجَأُ إِلَى السَّرِقَةِ إِنْ قَلَّ مَالُهُ وَلا يَسْأَلُ الْعَرَّافِينَ عَنْ مَالِهِ الْمَسْرُوقِ أَوِ الضَّائِعِ بَلْ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ رِزْقَهُ لا يَأْكُلُهُ غَيْرُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ (مَعْنَاهُ رُوحُ الطُّهْرِ وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ) نَفَثَ فِى رُوعِى (أَىْ فِى قَلْبِى) إِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِىَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِى الطَّلَبِ،

أَىِ اطْلُبُوا الرِّزْقَ مِنْ طَرِيقٍ حَلالٍ، وَعَنْ جَابِرٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَوْ أَنَّ ابْنَ ءَادَمَ فَرَّ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ لَأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِى الْحِلْيَةِ فَمَا كُتِبَ لِلْعَبْدِ مِنْ رِزْقٍ وَأَجَلٍ لا بُدَّ أَنْ يَسْتَكْمِلَهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾.

ذَكَرَ التَّقْوَى أَوَّلًا ثُمَّ قَالَ ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ وَالتَّقْوَى هِىَ أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ وَمِنْ جُمْلَةِ الْوَاجِبَاتِ تَعَلُّمُ الْعِلْمِ الشَّرْعِىِّ. وَمَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ أَىْ دَاوَمَ عَلَيْهِ كَأَنْ قَالَ فِى كُلِّ يَوْمٍ ثَلاثَمِائَةِ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ رَبِّ اغْفِر لِى أَوْ أَسْتَغْفِرُ اللَّه رَزَقَهُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، أَىْ يَأْتِيهِ الرِّزْقُ مِنْ طَرِيقٍ هُوَ مَا كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَأْتِيهِ مِنْهُ.

(692) مَا مَعْنَى الْمُرَاقَبَةِ لِلَّهِ.

الْمُرَاقَبَةُ لِلَّهِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ الْقَلْبِيَّةِ وهِىَ اسْتِدَامَةُ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ بِأَدَاءِ مَا أَوْجَبَهُ وَاجْتِنَابِ مَا حَرَّمَهُ. فَيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَوَّلَ مَا يَدْخُلُ فِى التَّكْلِيفِ أَنْ يَنْوِىَ وَيَعْزِمَ أَنْ يُؤَدِّىَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْ يَجْتَنِبَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَمَنْ دَاوَمَ عَلَى اسْتِحْضَارِ أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِهِ وَأَنَّ اللَّهَ يَرَاهُ يُورِثُهُ هَذَا فِى قَلْبِهِ خَشْيَةً مِنَ اللَّهِ فَيَتْرُكُ الْمَعَاصِىَ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ وَيُؤَدِّى الْوَاجِبَاتِ طَاعَةً لِلَّهِ.

سَهْلُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِىُّ كَانَ لَهُ خَالٌ مِنَ كِبَارِ الأَوْلِيَاءِ وَكَانَ خَالُهُ يُرَبِّيهِ وَيَعْتَنِى بِهِ. وَلَمَّا كَانَ صَغِيرًا قَالَ لَهُ خَالُهُ قُلْ كُلَّ يَوْمٍ اللَّهُ عَالِمٌ بِى اللَّهُ يَرَانِى فَصَارَ سَهْلٌ يُرَدِّدُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ ثُمَّ بَعْدَ سَنَةٍ قَالَ لَهُ خَالُهُ يَا سَهْلُ الَّذِى يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِهِ وَأَنَّ اللَّهَ يَرَاهُ هَلْ يَعْصِيهِ، سَهْلٌ فَهِمَ ذَلِكَ فَصَارَ مِنْ أَكَابِرِ الأَوْلِيَاءِ الصَّالِحِينَ لِأَنَّهُ رَاقَبَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِى أَوْقَاتِهِ كُلِّهَا فَكَانَ يَسْتَحْضِرُ فِى قَلْبِهِ دَائِمًا أَنَّهُ لا يَعْصِى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَوْفًا وَإِجْلالًا وَطَاعَةً لِلَّهِ تَعَالَى.

(693) تَكَلَّمْ عَنِ الرِّضَى عَنِ اللَّهِ.

الرِّضَى عَنِ اللَّهِ هُوَ التَّسْلِيمُ لَهُ وَتَرْكُ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ اعْتِقَادًا أَوْ لَفْظًا فَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَرْضَى بِمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ وَلا يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ وَأَنْ يَقْبَلَ مَا جَاءَ فِى الشَّرْعِ مِنَ الْعَقَائِدِ وَالأَحْكَامِ. بَعْضُ النَّاسِ تُصِيبُهُمُ الْمَصَائِبُ فَيَعْتَرِضُونَ عَلَى اللَّهِ فَيَكْفُرُونَ بِخَالِقِهِمْ. كَانَ فِى الْعَرَبِ قَبْلَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ بِآلافٍ مِنَ السِّنِينَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِ عَادٍ يُقَالُ لَهُ حِمَارُ بنُ مَالِكٍ.

كَانَ بِأَرْضٍ فِى الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ يُقَالُ لَهَا الْجَوْف وَكَانَ يَعِيشُ فِى وَادٍ فِيهِ شَجَرٌ وَفِيهِ مَاءٌ ثُمَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرَسَلَ صَاعِقَةً فَقَتَلَتْ أَبْنَاءَهُ فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَكَفَرَ كُفْرًا شَنِيعًا قَالَ لا أَعْبُدُهُ لِأَنَّهُ قَتَلَ أَبْنَائِى ثُمَّ مَا اكْتَفَى بِهَذَا الْكُفْرِ بَلْ كَانَ إِذَا مَرَّ إِنْسَانٌ بِالْوَادِى الَّذِى فِيهِ يَقُولُ لَهُ اكْفُرْ بِاللَّهِ وَإِلَّا قَتَلْتُكَ فَإِنْ كَفَرَ تَرَكَهُ وَإِنْ لَمْ يَكْفُرْ قَتَلَهُ ثُمَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى زَادَهُ مُصِيبَةً، أَرْسَلَ اللَّهُ نَارًا فِى أَسْفَلِ الْوَادِى فَأَهْلَكَتِ الْوَادِىَ وَمَا فِيهِ،

لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَجَرٌ وَلا مَاءٌ، صَارَ الْوَادِى أَسْوَدَ وَمَأْوًى لِلشَّيَاطِينِ. هَذَا كَانَ عَاشَ قَبْلَ أَنْ يَكْفُرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً عَلَى الإِسْلامِ، لَوْ صَبَرَ عَلَى تِلْكَ الْمُصِيبَةِ الَّتِى نَزَلَتْ بِهِ بِمَوْتِ أَوْلادِهِ وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَى اللَّهِ كَانَ كَسَبَ أَجْرًا كَبِيرًا. هَذَا الرَّجُلُ ضَرَّ نَفْسَهُ، اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لا يَنْضَرُّ بِكُفْرِ الْكَافِرِينَ وَلا بِمَعْصِيَةِ الْعُصَاةِ. هُوَ ضَرَّ نَفْسَهُ بِاعْتِرَاضِهِ عَلَى اللَّهِ وَنِسْبَةِ الظُّلْمِ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

(694) تَكَلَّمْ عَنْ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ.

يَجِبُ تَعْظِيمُ شَعَائِرِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ فَيَحْرُمُ الإِخْلالُ بِتَعْظِيمِهَا وَالِاسْتِهَانَةُ بِهَا وَشَعَائِرُ اللَّهِ هِىَ مَعَالِمُ دِينِهِ أَىْ مَا كَانَ مَشْهُورًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ كَالصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالأَذَانِ وَالْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ وَعِيدِ الأَضْحَى وَعِيدِ الْفِطْرِ وَالطَّوَافِ وَرَمْىِ الْجِمَارِ. وَأَمَّا الِاسْتِخْفَافُ بِشَعَائِرِ اللَّهِ فَهُوَ كُفْرٌ كَالَّذِى يَقُولُ الصَّلاةُ لَيْسَ لَهَا أَهَمِيَّة أَوِ الصِّيَامُ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى. وَمِنَ الِاسْتِخْفَافِ بِشَعَائِرِ اللَّهِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ إِنَّ التَّعَمُّقَ فِى الدِّينِ يُعَقِّدُ الإِنْسَانَ أَوْ يُجَنِّنُهُ.

(695) تَكَلَّمْ عَنِ الشُّكْرِ الْوَاجِبِ.

الشُّكْرُ الْوَاجِبُ هُوَ عَدَمُ اسْتِعْمَالِ نِعَمِ اللَّهِ فِى مَعْصِيَتِهِ فَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ بِاسْتِعْمَالِ قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ أَىْ أَعْضَاءِ جَسَدِهِ كَلِسَانِهِ فِى طَاعَتِهِ الْوَاجِبَةِ وَعَدَمِ اسْتِعْمَالِهَا فِى مَعْصِيَتِهِ أَىْ أَنْ لا يَعْصِىَ اللَّهَ بِتَرْكِ فَرْضٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ وَأَمَّا الشُّكْرُ الْمَنْدُوبُ أَىِ الْمَسْنُونُ فَهُوَ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى اللَّهِ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِى لا نُحْصِيهَا كَقَوْلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ.

(696) تَكَلَّمْ عَنِ الصَّبْرِ الْوَاجِبِ.

الصَّبْرُ هُوَ قَهْرُ النَّفْسِ عَلَى فِعْلِ شَىْءٍ تَنْفِرُ مِنْهُ أَوْ عَلَى تَحَمُّلِ مُفَارَقَةِ شَىْءٍ لَذِيذٍ تَمِيلُ إِلَيْهِ وَالصَّبْرُ الْوَاجِبُ هُوَ الصَّبْرُ عَلَى أَدَاءِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ وَالصَّبْرُ عَلَى اجْتِنَابِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَالصَّبْرُ عَلَى الْبَلايَا وَالْمَصَائِبِ بِمَعْنَى عَدَمِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى اللَّهِ أَوِ الدُّخُولِ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ بِسَبَبِ الْمُصِيبَةِ. وَالَّذِى يُسَاعِدُ عَلَى الصَّبْرِ كَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَأَحْوَالِ الآخِرَةِ وَتَرْكُ طُولِ الأَمَلِ.

فَالصَّبْرُ مَعَ الإِيمَانِ دَرَجَةٌ عَالِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ أَىْ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ خَيْرًا أَىْ رِفْعَةً فِى الدَّرَجَةِ يَبْتَلِيهِ بِمَصَائِبِ الدُّنْيَا وَيَحْفَظُهُ مِنْ مَصَائِبِ الدِّينِ. وَالْمُسْلِمُ الَّذِى تَكْثُرُ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ مَعَ سَلامَةِ الدِّينِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْمُسْلِمِ الَّذِى يَعِيشُ مُتَقَلِّبًا فِى الرَّاحَةِ وَلا تُصِيبُهُ الْمَصَائِبُ إِلَّا فِيمَا نَدَرَ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَالْمُؤْمِنُ فِى الْحَالَيْنِ عَلَى خَيْرٍ إِنْ أَصَابَتْهُ نِعْمَةٌ يَشْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنْ أَصَابَتْهُ بَلِيَّةٌ وَمُصِيبَةٌ يَصْبِرُ وَلا يَتَسَخَّطُ عَلَى رَبِّهِ بَلْ يَرضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُ أَجْرٌ بِهَذِهِ الْمُصِيبَةِ.

(697) تَكَلَّمْ عَنْ بُغْضِ الشَّيْطَانِ.

يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ بُغْضُ الشَّيْطَانِ أَىْ كَرَاهِيَتُهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا أَنْ نَتَّخِذَهُ عَدُوًّا قَالَ تَعَالَى ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ وَالشَّيْطَانُ هُوَ الْكَافِرُ مِنْ الْجِنِّ وَمُحَارَبَتُهُ تَكُونُ بِتَعَلُّمِ عِلْمِ الدِّينِ. وَمِنَ الشَّيَاطِينِ الْقَرِينُ الَّذِى يُوَكَّلُ بِالشَّخْصِ بَعْدَ وِلادَتِهِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِى صَدْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ بِهِ وَيُوَسْوِسُ لَهُ وَيَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ أَىْ بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِى.

وَيُوجَدُ غَيْرُ الْقَرِينِ مِنَ الشَّيَاطِينِ يُشَوِّشُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِى الصَّلاةِ يُقَالُ لَهُ خِنْزَب فَعَنْ عُثْمَانَ بنِ أَبِى الْعَاصِ الثَّقَفِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ حَالَ بَيْنِى وَبَيْنَ صَلاتِى وَقِرَاءَتِى قَالَ ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزَب فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِ وَاتْفُلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلاثًا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ.

وَعَنْ أُبَىِّ بنِ كَعْبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ الْوَلْهَانُ فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ. وَيَنْبَغِى أَنْ لا يَسْتَرْسِلَ الإِنْسَانُ مَعَ الْوَسْوَاسِ بَلْ يَنْبَغِى أَنْ يَلْجَأَ إِلَى اللَّهِ فِى دَفْعِهِ وَأَنْ يُعْرِضَ عَنْهُ وَأَنْ يُبَادِرَ إِلَى قَطْعِهِ بِالِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهِ حَتَّى لا تَتَنَكَّدَ عِيْشَتُهُ وَيَنْبَغِى أَنْ لا يَقْعُدَ وَحْدَهُ بَلْ يَقْعُدُ مَعَ الصَّالِحِينَ.

(698) تَكَلَّمْ عَنْ بُغْضِ الْمَعَاصِى.

يَجِبُ كَرَاهِيَةُ جَمِيعِ الْمَعَاصِى كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا سَوَاءٌ حَصَلَتْ مِنْهُ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ اللَّهَ يَكْرَهُهَا وَحَرَّمَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ فِعْلَهَا. أَمَّا الصَّغَائِرُ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُهَا لِمَنْ تَجَنَّبَ الْكَبَائِرَ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ وَالْمُرَادُ بِالسَّيِّئَاتِ الصَّغَائِرُ. أَمَّا الْكَبَائِرُ فَهِىَ كَقَتْلِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَتَرْكِ الصَّلاةِ وَأَكْلِ الرِّبَا وَأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَالسِّحْرِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَالْخِيَانَةِ فِى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَتَرْكِ الصِّيَامِ فِى رَمَضَانَ بِلا عُذْرٍ وَالِامْتِنَاعِ عَنْ دَفْعِ الزَّكَاةِ. وَمَنْ وَقَعَ فِى ذَنْبٍ كَبِيرٍ اسْتَحَقَّ عَذَابَ اللَّهِ فِى جَهَنَّمَ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا.

(699) تَكَلَّمْ عَنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَمَحَبَّةِ كَلامِهِ وَرَسُولِهِ وَالصَّالِحِينَ.

تَجِبُ مَحَبَّةُ اللَّهِ بِتَعْظِيمِهِ أَقْصَى غَايَةِ التَّعْظِيمِ وَالتَّذَلُّلِ لَهُ غَايَةَ التَّذَلُّلِ وَمَحَبَّةُ كَلامِهِ أَىِ الْقُرْءَانِ بِتَعْظِيمِهِ وَالإِيمَانِ بِهِ وَمَحَبَّةُ رَسُولِهِ ﷺ بِتَعْظِيمِهِ كَمَا يَجِبُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُوقَدَ لَهُ نَارٌ فَيُقْذَفَ فِيهَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ، مَعْنَاهُ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ مِنَ الإِسْلامِ إِلَى الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُوقَدَ لَهُ نَارٌ فَيُقْذَفَ فِيهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ (أَىْ لا يَكُونُ كَامِلَ الإِيمَانِ) حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ. وَتَجِبُ مَحَبَّةُ إِخْوَانِهِ الأَنْبِيَاءِ وَسَائِرِ الصَّالِحِينَ.

(700) هَلْ تَجِبُ مَحَبَّةُ ءَالِ النَّبِىِّ وَأَصْحَابِهِ.

تَجِبُ مَحَبَّةُ ءَالِ النَّبِىِّ وَهُمْ أَزْوَاجُهُ ﷺ وَأَقْرِبَاؤُهُ الْمُؤْمِنُونَ لِمَا خُصُّوا بِهِ مِنَ الْفَضْلِ وَتَجِبُ مَحَبَّةُ أَصْحَابِهِ أَىْ تَعْظِيمُهُمْ لِأَنَّهُمْ أَنْصَارُ دِينِ اللَّهِ أَىْ تَجِبُ مَحَبَّتُهُمْ مِنْ حَيْثُ الإِجْمَالُ وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ مَحَبَّةُ كُلِّ فَرْدٍ مِنْهُمْ.